الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مدائن شط البحر، وعلى رأسها سَبْتَة، وعليها يليان، فقاتله موسى، ولكنه ألفاه في نَجْدة وقوّة وعُدَّة، فلم يُطِقْه، فرجع إلى طنجة، وأقام هناك بمن معه. وأخذ موسى بالغارات على منطقة سبتة، والتضييق عليهم، بالميرة والإمداد من إسبانيا من قِبَل ملكها غَيْطَشَة، فهم يذبّون عن سبتة ذبّاً شديداً، ويحمون بلادهم حماية تامة (1) فكانت علاقة يليان بغيطشة من أهم أسباب نجاحه في الدفاع عن منطقته وحمايتها. ولكن هذه العلاقة كانت علاقة مصلحة متبادلة: مصلحة يليان تَلَقى العون من غيطشة بعد أن حرم من عون القسطنطينية، ومصلحة غيطشة أن تصبح سبتة ومنطقتها الخط الدفاعي الأول عبر بحر الزقاق عن إسبانيا تجاه الفتح الإسلامي، وكسب هذه المنطقة لإسبانيا في الحاضر والمستقبل، وما كان تعاون يليان مع القوط الغربيين إلاّ مضطراً (2).
والمؤرخ الأجنبي الذي زعم أن يليان فارسي، لأنه خلّف ولداً اسمه: بَلْكايش، وهو اسم فارسي، فإن زعمه متهافت غير منطقي ولا معقول، فكثير من الفرس أسماؤهم عربية، وكثير من العرب أسماؤهم غير عربية، وكثير من أبناء المسيحيين أسماؤهم إسلامية، فلا يصبح الفارسي عربياً ولا العربي فارسياً ولا المسيحي مسلماً استناداً على اسمه أو اسم ولده، ولو زعم مثل هذا الزعم مؤرخ عربي أو مسلم، لاعتُبر زعمه فضيحة مدوِّية، ولسارت بأخبارها الركبان.
إن يليان مسيحي رومي، كان الحاكم البيزنطي العام على ولاية سبتة، ثم تعاون مع غيطشة حتى مات، فتعاون مع لذريق الذي خلف غيطشة، ثم تعاون مع موسى بن نصير وطارق بن زياد.
2 - يليان والمسلمون الفاتحون:
(1) نفح الطيب (1؛ 234).
(2)
أخبار مجموعة (4).
منعت مشاكل القوط الغربيين الداخلية بعد رحيل غيطشة سنة (708 م أو سنة 709 م) من الاستمرار في معاونة يليان (1)، فأصبح وحيداً أمام تيار الفتح الإسلامي الجارف، وأصبحت ولايته وحدها هدفاً للفتح، فلم يكن بإمكانه أن يثبت طويلاً.
لقد رأى يليان الولايات البيزنطية في الشمال الإفريقي تنهار واحدة بعد أخرى، أمام زحف المسلمين الفاتحين، وكان آخر تلك الولايات ولاية طنجة المجاورة لولايته والتي فتحها المسلمون، فلم يبق أمام يليان غير التعاون مع المسلمين الفاتحين، ليبقى في منصبه على ولاية سبتة، وإلاّ فإن المسلمين قادرون على فتح ولايته عَنْوَة كما فتحوا غيرها من الولايات، ولن يطول انتظار يليان ليرى مصير ولايته المتوقع الذي لا شك فيه.
إن حرمان يليان من عون ملك القوط ومعاونته، هو السبب غير المباشر لتقرّبه من المسلمين الفاتحين وتعاونه معهم ومعاونته لهم.
ولسنا نعرف شيئاً عن الأسس التي ارتكز عليها السلام بين يليان والمسلمين الفاتحين، وكل ما نعرفه أن طارق بن زياد حاول فتح سبتة كما حاول موسى قبله، فلم يستطع فتحها عَنْوَة، فاكتفى بالتودد إلى يليان ومجاملته، وفجأة سلّم يليان سبتة للمسلمين الفاتحين صلحاً، وشجعهم على فتح الأندلس، وعرض عليهم معاونته لهم وتعاونه معهم من أجل تحقيق الفتح.
والمصادر الإسلامية تذكر سبباً مباشراً لاستسلام يليان وتشجيعه على فتح الأندلس، وتعاونه مع المسلمين الفاتحين لتحقيق الفتح.
فقد ذكرت، أنه كان من سِيَر أكابر العجم بالأندلس وقوادهم، أن يبعثوا أولادهم الذين يريدون منفعتهم والتنويه بهم، إلى بلاد الملك الأكبر بطُليطلة
(1). Dozy. p. 230 & Shaw. op. cit. 221-222; Livermere. pp. 245-246 وعبد العزيز سالم - تاريخ المسلمين وحضارتهم في الأندلس بيروت - 1962 - (47).
ليصيروا في خدمته، ويتأدّبوا بأدبه، وينالوا من كرامته، حتى إذا بلغوا، أنكح بعضهم بعضاً استئلافاً لآبائهم، وحمل صَدُقاتهم، وتولى تجهيز إناثهم إلى أزواجهن. واتفق أن فعل ذلك يليان عامل لُذَريق على سبتة، وكانت يومئذ في يد صاحب الأندلس، وأهلها على النصرانية، ركب الطريقة بابنة له بارعة الجمال تكرم عليه. فلما صارت عند لذريق وقَعَت عينُه عليها فأعجبته وأحبها حباً شديداً، ولم يملك نفسه حتى استكرهها وافتضّها. واحتالت حتى أعلمت أباها بذلك، سرّاً بمكاتبة خفيّة، فأحفظه شأنها جداً، واشتدت حميّته، وأقسم ليزيلنّ سلطانه، وليحفرنّ تحت قدميه، فكان امتعاضه من فاحشة ابنته هو السبب في فتح الأندلس.
ثم إن يليان ركب بحر الزقاق من سبته، في أصعب الأوقات، في ينير (1) قلب الشتاء، فصار بالأندلس. وأقبل طُليطلة نحو الملك لذريق، فأنكر عليه مجيئه في مثل ذلك الوقت، وسأله عما لديه، ولِمَ جاء في مثل وقته؟ فذكر خيراً، واعتلّ بذكر زوجته، وشدّة شوقها إلى رؤية بنتها التي عنده، وتمنيها لقاءها قبل الموت، وإلحاحها عليه في إحضارها، وأنه أحبّ إسعافها، ورجا بلوغها أمنيتها منه، وسأل الملك إخراجها إليه، وتعجيل إطلاقه للمبادرة بها، ففعل وأجاز الجارية، وتوثّق منها بالكتمان عليه، وأفضل على أبيها، فانقلب عنه. ولما ودّعه قال له لذريق:"إذا قدمتَ علينا، فاستفره لنا من الشُّذانقات (2) التي لم تزل تُطرفنا بها، فإنها آثر جوارحنا لدينا"، فقال:"أيها الملك وحق المسيح لئن بقيت لأُدخلنّ عليك شُذانقات ما دخل عليك مثلها قط"، عرّض له بالذي أضمره، من السعي في إدخال رجال العرب عليه، وهو لا يَفْطِن.
ولم يتنهنه يليان، عندما استقر بسبته عملِه، أن تهيّأ للمسير نحو موسى بن
(1) ينير اسم الشهر ( Enero) : وهو شهر كانون الثاني (يناير)، أول شهر من أشهر السنة، ويكون في وسط فصل الشتاء.
(2)
الشذانقات: الصقور أو الشواهين، انظر معجم متن اللغة (3/ 294).
نصير الأمير، فمضى نحوه بإفريقية، وكلّمه في غزو الأندلس، ووصف له حسنها وفضلها، وما جمعت من أسباب المنافع، وأنواع المرافق، وطيب المزارع، وكثرة الثمار، وغزارة المياه وعذوبتها، وهَوَّن عليه مع ذلك حال رجالها، ووصفهم بضعف البأس وقِلّة الغناء، فشوّق موسى إلى ما هناك، وأخذ بالحزم إلى ما دعاه إليه يليان (1).
ولكن بعض المؤرخين المحدثين، وعلى رأسهم قسم من المستشرقين، يرون أن قصة ابنة يليان في بلاط طليطلة محض أسطورة، ليس لها أساس من الواقع، وقد شايعهم من المؤرخين العرب والمسلمين في هذا الرأي (2). ولعل هناك ما يسوِّغ التشكيك في هذه القصة من مؤرخي الأجانب والمستشرقين، والهدف من هذا التشكيك واضح ومعلوم ومفهوم، ولكن متابعة المؤلفين العرب المسلمين للأجانب في هذا التشكيك في هدفه غير واضح ولا معلوم. ومن المعروف أن مؤرخي الأجانب وبخاصة المستشرقين منهم، شككوا في وجود شخصية يليان أصلاً، وذهبوا إلى أنه شخصية أسطورية خلقها خيال العرب -كما ذكرنا ذلك قبل قليل- فتابعهم في هذا التشكيك قسم من مؤرخي العرب والمسلمين تقليداً، وعلى غير هدى وبصيرة، حتى إذا حقق قسم من المؤرخين الغربيين شخصية يليان، وأثبتوا وجودها فعلاً بشكل قاطع جلي، عاد المقلِّدون من مؤرخي العرب والمسلمين إلى متابعة الغربيين من جديد، فكانوا في كلا الحالتين مقلدين، ينقلون آراء الأجانب بلا تدقيق ولا تمحيص.
وقصة ابنة يليان، هي الأخرى، تنتظر مَن يحقِّق وقوعها من المؤرخين
(1) نفح الطيب (1؛ 251 - 253).
(2)
قارن: Saavedra. pp. 5R-59، وفجر الأندلس (59 - 60) ومحمود مكي - ملحمة آخر ملوك القوط - المجلة (30 - 35) - العدد (74) - 9913 ومحمد عبد الله عنان - دولة الإسلام في الأندلس (1؛ 35 - 37) والفتح والاستقرار العربي والإسلامي في شمال إفريقية والأندلس (160).
الغربيين ومن المستشرقين، لتصبح حقيقة لا شك فيها بالنسبة لبعض مؤرخي العرب والمسلمين المحدثين ولا تبقى أسطورة من الأساطير.
ولا أرى أن مثل تلك القصة لا يمكن حدوثها في كل زمان ومكان، وبخاصة في تلك الأيام، في ذلك المحيط، الذي اتّسم بالانحراف، فأصبح قاعدةً في القوط بعكس الاستقامة التي أصبحت استثناء فيهم. كما أن ردّ الفعل الذي أظهره يليان ليس مستغرباً من أب تجاه انتهاك عرض ابنته قسراً، كما أن ذكرها في حشد من المصادر المعتمدة يوثِّق حدوثها ويؤيد وقوعها، ولا عبرة بالمصادر العربية القليلة التي لم تتطرق إليها اختصاراً أو لأسباب أخرى، إذ لو كان مؤلفوها لا يصدِّقونها لأبدوا رأيهم فيها، ولكنهم لم يفعلوا (1). ومثل هذه القصة تكررت كثيراً في محيط الواقع، ولا تزال تتكرر حتى اليوم (2)، وأكثرنا نسمع أمثالها، فلماذا لا نكذِّبها، ونكذِّب قصة ابنة يليان، لأن مصادرها المعتمدة عربية إسلامية؟. ولست مع الذين يشككون في هذه القصة، وأراها السبب المباشر لتعاون يليان مع المسلمين، ولكنني لا أراها السبب الرئيس، بل السبب الرئيس هو أنه كان يتلقى من غيطشة الإمدادات عَدَداً وعُدَداً، مما سهل عليه الدفاع عن ولايته، فلما حرمه لذريق من تلك الإمدادات بسبب مشاكله الداخلية، استاء من هذا التوقف، وبدأ بالتعاون مع المسلمين على القوط، خاصة بعدما شعر بقوة المسلمين المتنامية في المنطقة، وإقبال البربر على الدخول في دين الله أفواجاً.
ولعل مما يعزِّز أن تغيّر وضع يليان: من الدفاع العنيد عن ولاية سبتة، إلى الاستسلام المفاجئ للمسلمين وتسليم سبتة لهم واندفاعه في معاونته للمسلمين وتعاونه معهم مادياً ومعنوياً على النظام القائم يومها في إسبانيا، هو هذا الأثر البالغ على نفسيته، بعد علمه بقصة ابنته مع لذريق، فنسي كل
(1) البلاذري (230 - 231) برواية الواقدي، البيان المغرب (2؛ 6) برواية الواقدي و (2/ 4) برواية عريب بن سعد، وابن الشباط (105 - 106) برواية عريب بن سعد.
(2)
د. علي البارودي - حدث في رحلة الخريف (65 - 66) الإسكندرية - بلا تاريخ.
شيءٍ إلاّ الانتقام لابنته ممن أساء إليه في سمعته وشرفه بين الناس.