الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بخلاً لا يناسب ما قدمه للمسلمين من جهود مثمرة، فأخباره في تلك المصادر قليلة جداً، إلاّ أنه يبدو بجلاء أنه كان رجلاً من رجال المسلمين الأبرار، الذين سخّروا مواهبهم لخدمة مصلحة المسلمين العليا، ولم يسخِّروها لخدمة مصلحتهم الشخصية، وحسبه بذلك عملاً من الأعمال الباقية التي لا تُنْسى.
القائد
كان طريف أحد موالي موسى بن نصير كما ذكرنا، فكان بتماس شديد مع أمير إفريقية والمغرب، وكان موسى دائب الحركة كثير النشاط، يسير من فتح إلى فتح في ولايته، حتى قضى على الفتن الداخلية قضاءً مبرماً، وأشاع الأمن والاطمئنان بين السكان، وفرض هيبة الدولة وسلطانها، وفتح ما لم يُفتح من قبل.
ويبدو أن طريفاً، برز من جملة مَن برز في عمليات موسى العسكرية، فلفت إليه الأنظار، ومنهم نظر موسى. وكان موسى بعد أن سيطر على إفريقية والمغرب سيطرة كاملة، يتطلع إلى فتح الأندلس، فقد كان حاضر إفريقية والمغرب ومستقبلهما بالنسبة لتوطيد أركان الفتوح فيهما، مهدّداً من الروم أولاً ومن القوط الغربيين في الأندلس ثانياً، وقد هاجم موسى قواعد الروم في البحر الأبيض المتوسط: صِقِلِّيَة وسَرْدانِيَة، وفتح مَيُوْرَقَة ومَنُوْرَقَة (1)، لغرض حماية فتوح إفريقية والمغرب من الروم، لأن الهجوم أنجع وسائل للدفاع؛ وبقي على موسى فتح الأندلس، لوضع حدّ نهائي لتهديد القوط الغربيين - الذين يحكمون الأندلس - لحاضر ومستقبل فتوح المسلمين في إفريقية والمغرب.
(1) أنظر تفاصيل ذلك في سيرة عبد الله بن موسى بن نُصَير في كتاب: قادة فتح الأندلس والبحار.
وفاتح موسى الخلافة في دمشق، حول فتح الأندلس، إذ لم يكن بإمكانه أن يُقدم على تنفيذ مثل هذه العملية الكبرى بدون موافقة الخلافة الصريحة، وكان الخليفة يومها الوليد بن عبد الملك ابن مروان الذي كان حريصاً أعظم الحرص على أرواح المسلمين، وكان يرفض بشدّة وحزم وإصرار كل محاولة للتغرير بالمسلمين وتعريضهم للمخاطر دون مسوِّغ، وقد وافق على مضض على اقتراح موسى الخاص بمحاولة فتح الأندلس الذي كان موسى يريد وضعه في ميدان التطبيق العملي، بعكس الخليفة الوليد بن عبد الملك الذي كان يرى في هذا الفتح نوعاً من التغرير بالمسلمين، فكان الوليد لا يتردد في الإقدام على إلغاء عملية فتح الأندلس برمتها، في حالة تعرّض سرايا الاستطلاع التي مهّدت لخطة الفتح للإخفاق. لذلك بذل موسى غاية جهده في تنفيذ أمر الخليفة أولاً:"أن خُضها بالسرايا، حتى ترى وتختبر شأنها، ولا تُغرِّر بالمسلمين في بحر شديد الأهوال"(1)، وأن تكون سرية الاستطلاع التي تمهِّد للفتح مختارة المقاتلين بقيادة قائد مختار أيضاً، ينجح في مهمتة القيادية الصعبة، ويُقنع الخليفة بنجاحه أن موسى لا يغرّر بالمسلمين، بل يقودهم إلى النصر.
وأي قائد عام، في مكان موسى بن نصير، في حرصه العظيم على فتح الأندلس، يشترط عليه الخليفة، أن يبدأ عملية الفتح بالاستطلاع بالسرايا، فإذا نجحت سرايا الاستطلاع كان له ما يريده من فتوح في الأندلس، وإلاّ فلا فتوح في الأندلس إذا أخفقت سرايا الإستطلاع، وتوضع عملية الفتوح كلها على الرف، فإنه لا بد أن يختار قائداً متميزاً لقيادة سرايا الاستطلاع، ويختار له رجاله أو يسمح له باختيارهم، ليضمن نجاح مهمة الاستطلاع، فيرضي الخليفة، وتبدأ عملية الفتح.
وأرى أن موسى، حين اختار طريفاً، لقيادة سرية استطلاعية، يتوقف عليها
(1) نفح الطيب (553).
مصير الإقدام على فتح الأندلس، لا بد من أن تتيسر فيه مزايا قيادية متميزة، تؤهله لتولي مثل هذه المهمة المصيرية الصعبة، لا لينجح في تحقيق مهمته كما ينبغي حسب، بل ليتفوق في نجاحه، وحينذاك يصبح الخليفة مرحباً بالفتح لا متخوفاً على المسلمين منه.
ومفتاح مزايا شخصية طريف القيادية، تتركز في إيمانه العميق، فهو مجاهد صادق. وهو شجاع مقدام، يعتبر الشهادة أُمْنِية من أعزّ أمانيه، وهو متزن غير متهوِّر، لا يخطو خطوة بدون حساب، وهو كذلك ذكي ألمعي الذكاء.
وتلك هي أبرز مزاياه القيادية، التي جعلت موسى بن نصير يوليه أهمّ وأخطر منصب قيادي مصيري، فنهض بأعبائه بنجاح عظيم.
أما مجمل مزاياه القياديّة الأخرى، فيمكن تعدادها بإيجاز شديد.
فقد كان من أولئك القادة الذين يتمتعون بمزية: إصدار قرار صحيح سريع لأخذ المبادرة، ووضع الحلول الناجعة للمعضلات، في الوقت والمكان الجازمين، دون إضاعة الوقت سدى.
وكان على جانب عظيم من: الشجاعة الشخصية، فبقي مجاهداً في ساحات الفتوح حتى توقف مَدّ الفتوح، ثم دأب على القتال حتى نهاية أيامه في هذه الحياة.
وكان ذا إرادة قوية ثابتة، لا يضعف ولا يهون، ولا ينحرف عن هدفه ولا يتزعزع، ولا يسالم ولا يستسلم.
وكان يتحمل المسئولية، ويحبها، ولا يتهرب منها، ولا يتملّص من أعبائها، ولا يلقيها على عواتق الآخرين رغبة بالسلامة والعافية.
وكان له نفسية لا تتبدّل، في حالتي النصر والاندحار، واليسر والعسر، والرخاء والشدّة.
وكان لذكائه المفرط، يتمتع بمزية: سبق النظر، فكان يتوقع ما يُعدِّه العدو له من خطط للإيقاع بقواته، فيضع الخطط التي تُحبط خطط العدو، وتؤدي به
إلى الهزيمة، وتؤدي برجاله إلى النصر.
وكان على معرفة وثيقة بنفسيات وقابليات رجاله، فهو واحد منهم نسباً ومصيراً، وهو معهم في السراء والضراء وحين البأس، فكان يولي الرجل المناسب العمل المناسب، الذي يناسب نفسيته وقابليته، مما يؤدي إلى النجاح أو الامتياز بالنجاح.
وكان يثق برجاله، ويثقون به، ويسيرون تحت قيادته إلى الموت دون خوف، ثقة به، لأنه يؤثرهم بالأمن، ويستأثر دونهم بالخطر، ويحرص على أرواحهم أكثر مما يحرص على روحه، ولا يغرّر بهم في حال من الأحوال. وكان يثق برؤسائه، وكان رؤساؤه يثقون به، ولولا ثقة موسى به، لما ولاّه مثل هذا المنصب الخطير.
وكان يحب رجاله، وكان رجاله يحبونه، لأنه يتمتع بالمزايا التي تحبِّب الإنسان إلى الناس، كما كان موضع حب رؤسائه، وكان يبادلهم حباً بحب.
وكان ذا شخصية قوية نافذة، يؤثِّر في أتباعه بالمُثُل التي يؤمن بها ويحملها، فهو يعمل لهم أكثر مما يعمل لنفسه، ويحب لهم ما يحبه لنفسه، ولا يريد منهم غير ما يريده من نفسه ومن أهله، فهو ينصفهم قبل أن يطالبه أحد بالإنصاف.
وكان يتمتع بالقابلية البدنية المتميزة، فهو في ريعان الشباب، حين تولى منصبه القيادي، وقد بقي متمتعاً بالقابلية البدنية حتى في أيامه الأخيرة، والدليل: أنه بقي مقاتلاً رهيباً، لم يتخلّ عن سيفه، في يوم من الأيام.
وكان من ذوي الماضي الناصع المجيد، فهو من رؤساء البربر، كان رئيساً قبل أن يتولى القيادة، ثم رئيساً قائداً، فلما تخلّت عنه القيادة، بقي رئيساً لا ينازعه في رئاسته منازع.
وكان يطبق مبادئ الحرب بصورة تلقائية، وهذه المبادئ ثابتة في كل زمان ومكان، ولكن الأساليب الحربية هي التي تتبدّل باستمرار.
فقد كان يطبق مبدأ: اختيار المقصد وإدامته، وكان قائداً تعرّضياً، لم يتخذ
أسلوب الدفاع في حربه. وكان يطبق مبدأ المباغتة، ولعلّ عبوره في سفن يُليَان، أو سفن التجار الذين يعملون مع يليان، كان الهدف منه مباغتة القوط بالعبور، وهم يظنون أن السفن تعود للتجار الموالين لهم، ولا تعود للمسلمين الفاتحين، إذ من المعلوم، أن موسى بن نصير، كان يمتلك كثيراً من المراكب والسفن التي يستغنى بها عن سفن يليان وأتباعه، ولكن موسى استفاد من سفن يليان لإخفاء العبور، ولمباغتة القوط في الساحل الأندلسي بالعبور وبالإنزال.
وكان يطبق مبدأ: تحشيد القوة، ويستغل طاقات رجاله كافة، في تحقيق هدفه في الاستطلاع والفتح.
وكان يطبق مبدأ: الاقتصاد في المجهود، فيعرف هدفه، ويستعمل القوة المناسبة لتحقيق هدفه، دون إفراط ولا تفريط.
وكان يحرص أعظم الحرص على تطبيق مبدأ: الأمن فلا نعرف أن العدو استطاع مباغتة قواته، وقد استطاع أن يباغت عدوّه في عمليته الاستطلاعية، فحقق هدفه، وغنم غنائم كبيرة نسبياً، وعاد إلى قاعدته سالماً.
وكان يطبق مبدأ: المرونة، فكانت خططه قابلة للتطوير والتحوير عند الحاجة، وكانت قابليته على الحركة جيدة للغاية.
وكان يضع مبدأ: التعاون، نصب عينيه، فهو ييسِّر التعاون الوثيق بين رجاله أفراداً وصُنوفاً، وهو يتعاون مع يليان ورجاله ويسهّل التعاون بينهم وبين رجاله، وهو يتعاون مع قيادته العليا ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.
وكان يعمل على: إدامة المعنويات، بالعقيدة الراسخة، والقيادة الحصيفة، والانتصارات المتعاقبة، لأنه يعلم حق العلم، أن الرجال الذين يتمتعون بالمعنويات العالية، ينتصرون على الرجال الذين يعيشون بمعنويات منهارة.
وكان يهتم: بالأمور الإدارية، فالجندي يمشي على بطنه، والمقاتل لا يصبر طويلاً على الجوع والعطش، ولا على نقص الأمور الإدارية ملبساً
النصر، وكانت بالنسبة لقوة طريف جيدة للغاية، وكان وضع رجاله الإداري أفضل بكثير من وضع غيرهم من الفاتحين شرقاً وغرباً.
وكان يساوي نفسه بأصحابه، ويعيش معهم كما يعيشون، ويحاول ألاّ يتميز عليهم بمظهر من مظاهر الدنيا، ولا يرضى أن يتميز أحد من أصحابه على غيره مادياً أو معنوياً.
وكان يؤمن بمبدأ: الشورى، فيستشير رجاله، ويشاورهم فيما يعترضه من مشاكل، ويطبق مشورتهم.
لقد تقدّم طريف على غيره من البربر المسلمين، بمزاياه القيادية التي لفتت إليه الأنظار، فولاه موسى منصباً قيادياً، في ظروف غير اعتيادية، لينهض بتحقيق هدف مصيري صعب، في أيام يصعب فيها على غير العرب المسلمين الوصول إلى المناصب القيادية، لأنها كانت للعرب المسلمين وحدهم دون سواهم، ولكن طريفاً وطارق بن زياد وحدهما من البربر توليا منصبين قياديين في فتوح الأندلس، وكانا قبل ذلك من أقرب المقربين إلى موسى بن نصير ومن أبرز المقربين إليه من البربر المسلمين. كما تولى طارق منصبه القيادي بمزاياه القيادية أولاً وقبل كل شىء، ولكن قربه من موسى بن نصير، أتاح له فرصة إظهار تلك المزايا للعيان، وربما لو كان بعيداً عن موسى، لما استطاع موسى اكتشاف تلك المزايا القيادية في طارق بسهولة ويسر، ولما أتاح له الفرصة الملائمة لتولي منصبه القيادي الرفيع، فكانت تولية طارق لمزاياه القيادية أولاً، ولقربه من موسى صاحب السلطة في اختيار القادة وتوليتهم ثانياً، كذلك كان الأمر بالنسبة لطريف، فقد شقَّ طريقه إلى منصبه القيادي بمزاياه القيادية أولاً، وبتماسه الشديد بموسى.
وعلى كل حال، فقد كان طريف على حسن ظنّ موسى بن نصير به، وعند حسن ظن طارق بن زياد أيضاً، وعند حسن ظن المسلمين الفاتحين في الأندلس، وكان تولّيه منصباً قيادياً مكسباً لا شك فيه للقيادة العامة وللفتح والفاتحين.