الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أَكْلُهُ مِنَ الصَّيْدِ
مالك عن يحيى بن سعيد أنه قال: أخبرني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن عيسى بن طلحة بن عبيد الله، عن عمير بن سلمة الضمري عن البهزي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يريد مكة وهو محرم، حتى إذا كان بالروحاء إذا حمار وحشي عقير، فذكر ذلك لرسول الله فقال:«دعوه فإنه يوشك أن يأتي صاحبته» . فجاء البهزي وهو صاحبه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله شأنكم بهذا الحمار، فأمر رسول الله أبا بكر فقسمه بين الرفاق. ثم مضى حتى إذا كان بالأثاية بين الرويثة والعرج إذا ظبي حاقف في ظل فيه سهم، فزعم أن رسول الله أمر رجلاً أن يقف عنده لا يريبه أحد من الناس حتى يجاوزوه.
الظاهر أن عميرًا لم يشهد هذا المشهد وإن كان من الصحابة. وإنما أخبره به البهزي كما يدل عليه قوله: «فزعم أن رسول الله أمر رجلاً» إلخ ولا يعارضه، أو لا يكون قرينة على خلاف ذلك، ما رواه بعضهم عن يحيى بن سعيد شيخ مالك بدون قوله:«عن البهزي» ؛ لأنه يجوز للصحابي إذا روى عن صحابي أن يرسل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولا يذكر الصحابي الذي تلقاه من النبي صلى الله عليه وسلم، كما هو أكثر مرويات ابن عبَّاس رضي الله عنه. وإذا جاز ذلك للصحابي جاز لغيره، فعلَّ يحيى بن سعيد أو من فوقه في هذا السند كان يرويه مرة مسندًا ومرة مرسلاً، عن الصحابي، فلا ينهض ما نقله
الزرقاني عن «التمهيد» عن موسى بن هارون: كان البهزي غير مُحرم وكان الذين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم محرمين، وقد قسم رسول الله حمار الوحش بين الرفاق وهم محرمون فدَّل على أنَّ المحرم يأكل الصيد إذا لم يَصده هو ولا صِيدَ من أَجْلِه. وفائدة إكمال القصة في الحديث من قوله:«ثمَّ مضى» إلى آخره التنبيه على أنَّ رفقه النبي صلى الله عليه وسلم كانوا مُحرمين؛ فلذلك أمر رجلاً أن يقف عند الظبي أن لا يهيجه أحد من الرفقة، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك المقصود منه تعليم الناس الذين معه أنَّهم لا يجوز لهم أن يهيجوا ذلك الظبي؛ لأنهم إذا أهاجوه وفيه سهم كانت الحركة جارحة لمقاتله، فيتسبب عليه موته فيكونوا قد أصابوه. وليس المقصود من أمره الرجل بالوقوف عند الظبي الخشية على الظبي أن يصيبه ضُرِّ.
***
مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله أنه سمع أبا هريرة يحدث عبد الله بن عمر أنه مر به قوم محرمون بالربذة، فاستفتوه في لحم صيد وجدوا أناسًا أحلة يأكلونه، فأفتاهم بأكله. قال: ثم قدمت المدينة على عمر بن الخطاب، فسألته عن ذلك، فقال: بم أفتيتهم؟ قال: فقلت: أفتيتهم بأكله، قال: فقال: لو أفتيتهم بغير ذلك لأوجعتك.
الظاهر أن عمر رضي الله عنه أراد أنَّ الإقدام على الفتوى بالمنع بدون مستند من كتاب أو سنة ليست بالأمر الهين. وهذا الباب باب تعبد لا مدخل للقياس فيه؛ ولأنَّ الأصل في الأشياء الإباحة والصيد مباح، وإنَّما حرم الله على المحرم أن يقتل الصيد ولم يحرم عليه أن يأكله إذا كان لم يقتله، فلو أنَّ أبا هريرة أفتى بمنع أكل المحرم الصيد، لكان قد أفتى بدون مستند، فلا عذر له في اجتهاده، فتعيَّن على الخليفة العالم تأديبه. وقد عجب الله من فريق من المؤمنين أشاروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم باتباع عير قريش وترك نفيرهم في قصة بدر بقوله:{يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ} [الأنفال: 6]، أي: تبين أن اتباع النفير أجدى على المسلمين. ووقع في حديث كعب الأحبار مع عمر حين ذكر له أنَّه أفتى قومًا حُرمًا بأخذ الجراد وأكله قول كعب: «والذي نفسي بيده إن هو إلَاّ نُثْرَة حوت ينثر في كلِّ عام مرَّتين» ، فأقسم كعبُ الأحبار على ذلك معتمدًا على ظنِّه