الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مالكٌ أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «استقيموا ولن تُحصوا» .
هذا الحديث من جوامع الكلم النبوية، و «استقيموا»: أمر بالاستقامة المشتقة من القوام أي: عدم الاعوجاج، قال سحيم:
وكنت إذا غمزت قناة قومٍ
…
كسرت كعوبها أو تستقيما
أي: تعتدل ويزول اعوجاجها. والمراد بالاستقامة هنا معناها المجازي، أي: حسن العمل. ويقال في ضده مجاز بضده، وهو الزيغ أصله الاعوجاج.
وقوله: «ولن تُحصوا» أي: ولن تحيطوا بكمال الاستقامة. وحقيقة الإحصاء معرفة كامل العدد {وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا} [الجن: 28]. واستعمل مجازًا في العجز عن العمل. شُبهت قوة العمل بكثرة المعدود، فأطلق على العجز عن القيام بالعمل القوي اللفظ الموضوع للعجز عن معرفة العدد الكثير، وأطلق نفي الإحصاء على نفي الاستطاعة، وهو إطلاق فصيح، قال تعالى {عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ} [المزمل: 20] أي: لن تستطيعوا قيام الليل كله.
والواو في قوله: «ولن تحصوا» واو الحال، أي: استقيموا وأنكم لن تحصوا غاية الاستقامة، والكلام مسوق مساق الإغراء بالعمل، كما تقول: افعل كذا ولا تقدر؛ لأن الإنسان يأنف من نسبته إلى التقصير، فإذا قلت له: لا تقدر أو نحوه، صرف جهده للعمل، فيأتي به كاملاً أو مقاربًا، ومن هذا القبيل قولهم:«ولا أظنك تفعل» .
ما جاء في المسح على الخُفين
المسح على الخفين: رخصة شرعية جعلت عوضًا عن غسل الرجلين الثابت بنص القرآن، فقُيد الإطلاق الذي في آية الطهارة المائية بما ثبت بالسنة من مسح النبي صلى الله عليه وسلم على الخفين. وهذه الرخصة من سماحة الإسلام ويُسره، فإن من الناس من
يحتاجون إلى لبس الخفين؛ لوقاية أرجلهم من ألم مباشرة الحصى، والحجارة، أو لغير ذلك، فإذا لبسوا الخفاف ثقل عليهم نزعها عند الوضوء، فرخص لهم أن يمسحوا عليها إذا كانوا قد لبسوها بعد غسل الرجلين في وضوء. وقد وقع تردد بين الصحابة في إجراء المسح على الخفين: فأنكره جماعة، وخصَّه جماعة بحالة السفر؛ لأنها حالة مشقة تقتضي الرخصة. وجوزه جمهورهم في الحضر والسفر؛ وهو المستفيض عن جمع من فقهاء الصحابة وأعلمهم بسنة رسول الله مثل: عمر بن الخطاب، وسعد بن أبي وقاص، والمغيرة بن شعبة، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله. قال ابن رشد في «البيان والتحصيل»: قال: بجواز المسح على الخفين نحو من أربعين من الصحابة.
وأقول: سبب الاختلاف فيه بينهم في الصدر الأول نُدرة وقوعه لقلة من يلبسهما قبل حصول الترفه، ولم يبق شك في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبس الخفين في الحضر والسفر، ومسح عليهما بدون علة. وبهذا يتضح أن الرخصة في المسح عليهما اعتبار من الشريعة بالأمور الحاجية للناس، وأن ليس موقع الرخصة قاصرًا على الضرورة على أن هنالك اعتبارًا آخر دقيقًا وهو أن الخفين لما كانا يمنعنان وصول الأوساخ إلى الأرجل، كان من المناسب تعويض مسحهما عن غسل الرجلين. وقد أومأ إلى ذلك ما جاء في حديث المغيرة بن شعبة مما رواه البخاري، أنه لما أهوى لينزع خفي النبي صلى الله عليه وسلم قال له رسول الله:«دعهما فإني أدخلت رجلي فيهما طاهرتين» .
ثم قيل: إن المسح لا حد لوقته، بل يجوز ما لم ينزعهما لابسهما، فإذا نزعهما وجب تجديد الوضوء وغسل الرجلين، وهذا هو المشهور عن مالك. وروي فيه حديث عن أبي بن عمارة في «سنن أبي داود». وقيل: لا يجوز أكثر من يوم وليلة، فيجب بعد ذلك تجديد الوضوء بغسل الرجلين، وله أن يلبس الخفين بعد ذلك وإلى ثلاثة أيام في السفر. وهذا مروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه مرفوعًا في «صحيح