الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مَا تَكُونُ فِيهِ الشَّهَادَةُ
مالك ن زيد بن أسلم، أن عمر بن الخطاب كان يقول: اللهم لا تجعل قتلي بيد رجلٍ صلى لك سجدة واحدة. يحاجني بها عندك يوم القيام.
إخراج هذا الأثر في هذا الباب تنبيه على أن عمر رضي الله عنه قُتل شهيدًا شهادة كاملة كالشهيد الذي يُقتل في جهاد العدوِّ؛ لأنَّه قتله رجل كافر مجوسي حنقًا على الإسلام وعلى نصح عمر للإسلام والمسلمين، فكان قتله في ذات الله تعالى. وقد استجاب الله بذلك دعوته؛ إذ كان يدعو فيقول:«اللهم أرزقني شهادة في سبيلك، وموتًا في بلد رسولك» فقيل له: كيف الشهادة في المدينة؟ فقال: إذا أراد الله شيئًا هيَّأ أسبابه. فمعنى قول عمر في هذا الأثر: «لا تجعل قتلي بيد رجلٍ صلى لك سجدة واحدة» ، يجتمل أنَّ المراد به مطلق التقليل لمقدار إسلام الرجل المدعو بنفي قتله إياه؛ لأن الصلاة لا تكون سجدة واحدة؛ فيكون هذا كقول النبي صلى الله عليه وسلم:«من بنى لله مسجدًا ولو كمفحص قطاةٍ بنى الله له بيتًا في الجنة» ؛ إذ عُلم أنَّ المسجد لا يكون بمساحة مفحص قطاة، وإنَّما المراد ولو كان أقل ما يمكن من السعة. ويحتمل أنَّه عبَّر عن الصلاة بالسجدة من التعبير عن الشيء باسم جزئه كقوله تعالى:{وَأَدْبَارَ السُّجُودِ} [ق: 40].
ويحتمل أنَّه أراد صلى ولو سجدة كأن أسلم وشرع أوَّل صلاة مع الجماعة فأدرك الإمام ساجدًا فمات في تلك السجدة، فيكون هذا قريبًا من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «يضحك الله إلى رجلين؛ يقتل أحدُهما الآخر كلاهما يدخل الجنة، يقاتل هذا في سبيل الله فيُقتل، ثمَّ
يتوب الله على القاتل فيقاتل فيُستشهدُ». وهذا بعيد.
ووجه طلب انتفاء أن يكون قاتله على هذا الوصف على الوجهين الأول والثاني: أنه أراد أن يكون قاتله كافرًا، فيتعين أنه قتله بغضًا للإسلام ولإمامه فيكون قتله في سبيل الله كما وقع.
وعلى الوجه الثالث: أن قاتله إذا أسلم يعد قتله وصلى ولو جزء صلاة صار أخاه في الإسلام، فإذا تحاجَّا عند الله عفا عمر عن دمه إكرامًا لأخوته الطارئة، فربما نقص بذلك شيءٌ عن عظيم أجر شهادته.
وقد ورد في حديث استشهاد عمر في «البخاري» أنَّه لابن عبَّاس: الحمد لله الذي لم يجعل ميتتي بيد رجل يدَّعي الإسلام؛ وذلك سرور باستجابة دعوته هذه.
وقوله: «يحاجُّني بها عندك» على الوجهين الأولين معناه يجادلني بإسلامه في تبرير قتله إياي، فيذكر لي تقصيرًا في النصح للمسلمين أو اعتداءً على بعضهم في قصاص أو نحوه يقول: إنَّي رجلٌ مسلمٌ لولا ما رأيت من إضاعته للمسلمين ما قتلته، فتقصيره يُبيح دمه في تأويل قاتله، فيصير على كلِّ حالة قتله مجرد اعتداء وليس بشهادة.
وعلى الوجه الثالث أنَّه يحاجُّه بالإسلام في التخلُّص من أن يكون قتلُه جريمة على الجامعة الإسلامية، فلا يكون قتله في سبيل الله ولكنَّه عدوان محض والله أعلم.
***
مالك عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه أنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن قتلت في سبيل الله صابرًا محتسبًا، مقبلاً غير مدبر أيكفر الله عني خطاياي؟ فقال رسول الله: نعم، فلما أدبر الرجل ناداه رسول الله أو أمر به فنودي له، فقال له رسول الله: كيف قلت؟ فأعاد عليه قوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «نعم إلا الدين» .
كان جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم أول مرة بحسب ما وعد الله به على لسانه من فضل