الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أراد بالموضع المكان الذي كان العبد المدبر معينًا للخدمة فيه قبل التدبير، وذلك أن كثيرًا من العبيد كانوا يُجعلون تبعًا للحدائق والمزارع للخدمة والسقي، فيباعون مع تلك الحدائق والحوائط إذا بيعت تبعًا لها، كما تباع المواشي. وليس المراد بالموضع عقدة التدبير كما يلوح أنه سبق إلى فهم بعض الشارحين.
* * *
ووقع فيه قوله: «فليس له أن يخدمه حياته، ثم يعتقه على ورثته، إذا مات من رأس ماله» . فالضمير المرفوع في «يخدمه» للمدبر والضمير المنصوب للسيد. وأما الضمير المرفوع في «يعتقه» فهو عاد على السيد والضمير المنصوب عائد على المدبر.
القضاء في المرفق
مالكٌ عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا ضرر ولا ضرار» .
هكذا ثبت لفظ «ضرر» برائين في جميع الروايات وسننبه على وجهه في آخر هذا الحديث. ونفت (لا) في الحديث جنس ضرر وضرار نفيًا مقصودًا به الإنشاء، أي: إبطال جنس الضر في حكم الشريعة بين المسلمين، فهذا اللفظ مجمل في كثر من
أنواع الضر الحاصلة بين الناس في المعاملات تبينه الأدلة الشرعية الكثيرة القاضية بإبطال أجناس من الضر وبإمضاء أجناس أخرى منه، ويبينه القياس الجلي على كلا الجنسين من الضر، أو هو ظاهر في نفي كل ضر يحصل للناس، فيكون من بيانه أو تأويله أن من جنس الضر ما هو مقطوع بإبطاله بين الناس في معاملاتهم، وأن من جنس الضر ما هو مقطوع بإمضائه وجوازه، وأن من بين هذين أنواعًا كثيرة هي مجال للاجتهاد.
وتبيين ذلك أن معظم معاملات الناس، واقتضاء حقوقهم ومنافعهم لا يخلو من ضرٍّ يلحق أحد الجانبين المتعاملين أو كليهما ويلحق غير المقتضي لحقه ومنفعته فسوؤه اقتضاء غيره حقه ومنفعته، فالتبايع يشتمل على ضرٍّ يلحق المتتابعين؛ إذ أحدهما قد عدم ما كان عنده مما ينفعه استعماله أو يقضي له مآربه، فأعطاه للآخر والآخر قد عدم كذلك ما ينفعه استعماله أو يقضي له مآربه من أعيان ونقود.
واستعمال صاحب الحق حق تصرفه في شؤونه لا يخلو غالبًا من مضرة تلحق غيره، فإذا اتخذ سياجًا لحائطه يمنع المارة والبهائم من المرور ورعى شجره واجتناء ثمره، فقد أضر بالذين كانوا يتطرقونه، ويرعونه، ويجتنونه، واقتضاء المقتضي حقه المخول له، ومنافعه المباحة يضر بغيره ممن يضايقه ذلك الاقتضاء كاقتضاء الدائن دينه من مدينة وبيعه عليه سلعته لخلاص دينه، وكاقتضاء ذي المنفعة منفعته مثل: الاحتطاب، واختباط ورق الشجر، واشتيار عسل من كهف جبل، والجلوس في المسجد، والسوق حين يسبق إليه؛ فيفوز به في حين يلحقه راغب لمثل رغبته، فيجد الشجرة قد احتطبت، والورق قد اختبط، والعسل قد اشتير، والبقعة قد حيزت.
فلو أخذنا بظاهر إجماله، ولم نعمل النظر في أدلة الشريعة المبينة له والمؤولة لظاهره، لقضينا بتعطيل معظم أنواع المعاملات والتصرفات، وذلك باطل؛ لأن أدلة الشريعة طافحة بالإذن في معاملات كثيرة تحف بها أضرار بأناس عديدين، فتعين أن الضر المنفي في الحديث هو الضر الذي لا مسوغ له عند الشر، وأن محاولة ضبط ذلك بقاعدة بسيطة غير ممكنة لانتشار أنواع المعاملات المشتملة على بعض الأضرار. فالذي يلوح لنا في هذا المقام أن نلم بأنواع من الضر محظورة وبأضدادها؛ ليكون ذلك مثالاً يُحتذى، ولا تبقى هذه المسألة في عين الناظر كالقذى.
فمن الضر المنفي قطعًا الضر المتجاوز الحد المعروف المنحصر في جانب واحد، كقطع الأعضاء، وإزهاق روح الإنسان، وغصب الأموال، وحفر حفير في طريق المارة
لإسقاط من يمر، ووضع شوك أو شظايا زجاج في طريقهم لإدماء أرجلهم أو إضرار دوابهم أو عجلاتهم؛ لتواتر أدلة الشريعة على إبطال هذا النوع من الضر.
ومن الضر المنفي الضر الذي تعارف الناس إضراره بالجانب الداخل عليه دون الجانب المنتفع به، مثل: الضر الذي ينكد العيش، ولا مخلص منه لأحد الجانبين كإحداث شخص فرنًا قرب دار سكنى، وحفرٍ يضر بجدار، وإحداث كوة يتطلع منها محدثها على أحوال ساكن في منزلٍ.
ومن الضر المنفي الضر العظيم في أحد الجانبين، إذا قابله في تركه ضر خفيف دونه في الجانب الآخر، كما يقال: ينفى الضر الأكبر للأصغر.
ومنه ضر تعطيل المنافع بدون مضرة تحصل لمعطلها في نفي تعطيله ولا حق له سابقًا بتعطيلها، مثل: الضر الحاصل للمرأة المخطوبة، إذا لم ترض بالخاطب؛ إذ يقال: إن مجرد خطبتها يمنع من تزويجها بغير الخاطب.
ومثل: الضر الحاصل لصاحب السلعة إذا ساومه مُساوم، فلم يرضه، إذا قال أحد: إن مجرد المساومة تمنع من بيع تلك السلعة لغير المساوم؛ لظاهر قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه ولا يسوم على سومه» ؛ ولذلك حمله مالك رحمه الله على أن المراد الخطبة والسوم المقارنان للتراكن والتقارب.
ومنه أيضًا الضر الذي يمكن التفادي عنه بجعل الفعل في صورة أخرى يحصل معها غرض الفاعل، وينتفي فيها الضر مثل: المرور في المجتمعات بالنصال والرماح، فقد تصيب بعض المزدحمين مع إمكان وضع اليد على محل النصل.
فهذه أصناف من الضر المنفي لا يعوزك القياس عليها ولا تتبع نظائرها.
ومن الضر المقرر المأذون فيه كل ضر رضي المضرور بوقوعه لتطييب نفسه به، مثل: الضر اللاحق للمتبايعين، ومثل: الضر الذي يسقط المضرور المؤاخذة به بعوض أو بدون عوض، ومثل الضر الحاصل بقسمة المراضاة فإنه إذا خير أحد المتقاسمين بين القسمين المتماثلين لم يبق علهي ضر؛ لأن خيرته تنفي ضره.
ومن الضر المقرر عند بعض العلماء الضر الحاصل من تعطيل نفع لأحد الجانبين،
مثل: الإرفاق، فإنه لا يقضي به على صاحب الحق عند مالك رحمه الله، وقضى به عمر للضحاك بن خليفة على عبد الرحمن بن عوف، وهو مجال للاجتهاد.
واعلم أنه مما يجب التيقظ له هنا التفرقة بين الضر وبين تعطيل منفعةٍ غير حاصلةٍ، فإن الضر هو إلحاق ألم بالمضرور، وأما تعطيل المنفعة فهو حرمان من وصول ملائم، فقطع المنفعة ضر، وتعطيل المنفعة ليس بضر، ولذلك يقال في الفقه: لا يضر بأحد لينتفع غيره. فهذا جماع ما عرض التنبيه عليه من مشكل هذا الحديث وتأويله؛ إذ أهمله شارحوه، قد خططت لكم به مسلكًا بينًا فانتحوه.
هذا وقد جاء هنا لفظ «لا ضرر» والمقصود به الإضرار، وكان الاستعمال يقتضي أن يقال: لا ضر، لأن الضرر بدون إدغام غير مستعمل إلا اسمًا للضرارة من عمًى أو زمانة كما في قوله تعالى:{غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} [النساء: 95]؛ لأنه مصدر ضرر بكسر عين الكلمة فتجيء على فتح العين في المصدر فيمتنع إدغامه، وأما ما عداه فليس جائيًا من فعل المكسور العين؛ فلذلك مصدره بسكون العين فيتعين إدغامه ولم أعثر على استعماله في غير ذلك، فإن كان ما وقع هنا لفظًا نبويًا وهو الظاهر فهو شاذٌ، وقد يكون مسوغه المزاوجة بينه وبين لفظ ضرار في كون كليهما بالفك. والمزاوجة تسوغ مخالفة القياس. ومما حسنها هنا أن الجملة جرت مجرى المثل ولذلك لا تغير؛ لأن الأمثال لا تغير. وقد شاع استعمال الضرر بمعنى الضر في كلام العلماء، وفي كتب الفقه لكني لم أظفر له بشاهد من كلام الفصحاء غير هذا الذي في الحديث، وكلام «القاموس» غير بين، وكلام «اللسان» لم يأت عليه بشاهد فتأمل.