الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذلك التوهُّم. وفي ذلك حسن وهو دلالتهُ على أن المتكلِّم يجول بنفسه معنى الفعل المتوهَّم وهو المبني للمجهول؛ فيدلُّ على أنه يرى على الناذر أن يبذل جهده للحصول على بدنة أو بقرة.
ونظيره قول العرب: إنَّهم أجمعون ذاهبون وأشباهه. وقدر ردَّ على الشيخين سالم، والبرزخي الأستاذُ محمد محمود الشنقيطي نزيل القاهرة بردًّ به فضول، وأجاب هو بما هو غير مقبول. والحق عندي أنَّ اعتبار التوهُّم اعتبار صحيح حسن، وقد جرت له نظائر في فصيح الكلام كقوله تعالى:{فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ} [المنافقون: 10] يجزم «أكن» مع عطفه على «أصَّدق» المنصوب، على توهُّم أن يقول: إن تؤخرني أكن؛ ولأنَّه يشترك فيه العربي والمولِّدون؛ لأنه ناشئ عن سهو بخلاف غيره، فقد يقال: إنه لا يغتفر للمولد؛ إذ ليس فيه حد يفرق به بين الخطاب والقصد. وقد وقع نظير هذا في كلام عربي، ففي البخاري في كتاب «الفتن»: سمعت عمارًا يقول: «إن عائشة لزوجة نبيِّكم ولكنَّ الله ابتلاكم ليعلم إيَّاه تطيعون أم هي» .
مَا لَا يَجُوزُ مِنَ النُّذُورِ في مَعْصِيةِ اللهِ
مالك عن حميد بن قيس، وثور بن زيد الديلي؛ إنهما أخبراه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحدهما يزيد في الحديث على صاحبه: أن رسول الله رأى رجلاً قائمًا في الشمس فقال: «ما بال هذا؟ » فقالوا: نذر أن لا يتكلم، ولا يستظل من الشمس، ولا يجلس، ويصوم، فقال رسول الله:«مروه فيتكلم وليستظل، وليجلس، وليتم صومه» . فقال مالك: ولم يسمع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره بكفَّارة وقد أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتم ما كان لله طاعة ويترك ما كان لله معصية.
قوله: «ويترك ما كان لله معصية» . توقَّف في معناه الباجي، وابن عبد البرِّ فتأوله ابن عبد البرِّ في «التمهيد» في أحاديث ثور بن زيد شيخ مالك بأن قوله:«ويترك ما كان لله معصية» يدلُّ على أنَّ كلَّ ما ليس لله بطاعة حكمه حكم المعصية في أنَّه لا يلزم الوفاء به ولا الكفارة عنه. يريد فيكون الكلام جاريًا على معنى التشبيه البليغ ونظيره قول مالك في باب القضاء باليمين مع الشاهد من «الموطإ» «وإنما العتاقة حَدَّ» كما سنبينه هنالك، وهذا التأويل بعيد. وقال الباجي في «المنتقى»: «يحتمل أن تمسيه القيام في الشمس والصمت معصيةٌ وإن كان مباحًا في الأصل لوجيهن:
أحدهما: أنه نذر كان معصية؛ لأنَّه لا يحلُّ أن ينذَر ما ليس بقُربه، ولو فعل على غير وجه النذر والتقرب به لكان مباحًا.
والوجه الثاني: أنه إذا بلغ به حدَّ الاستضرار والتعب كان معصية سواء فُعل بنذر أم بغير نذر».
وقال في الكلام على حديث: «من نذر أن يعصي الله، فلا يعصه» في آخر الباب: يحتمل أن نذر مثل هذا عند مالك معصيةٌ، وتأوَّله ابن العربي في «القبس» بمثل الوجه الثاني في كلام الباجي فقال كلمة نصُّها:«وإذا كان الناذر عاجزًا، فالنذر معصية وعليه بوَّب مالك وأدخل حديث أبي إسرائيل: «نذر أن يقوم، ولا يقعد، ولا يستظلَّ، ولا يتكلَّم، ويصوم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: مروه فليتكلم» الحديث. وقال في «ترتيب المسال» : «وما قُطع في المعصي أو أثر في الصحة فإنَّه يسقط عنه؛ لأنَّه معصية» اهـ؛ فيؤول هذا التأويل إلى تحريم تعذيب المرء نفسه وهو حرام لما قاله فقهاؤنا من أنَّ تعذيب الحيوان لغير أكله ولغير الانتفاع المأذون فيه لا يحلُّ، وجعلوا سباق الخيل والإبل رخصة؛ لأنَّه مباح مستثنى من أصل ممنوع. وأقول: ترجم
مالك رحمه الله بما يدلُّ على حرمة النذر في معصية؛ لأنَّه قال: «ما لا يجوز من النذور في معصية الله» واستدلَّ على ترجمته بإنكار النبي صلى الله عليه وسلم على أبي إسرائيل فعله الذي دلَّ عليه قوله: «ما باله؟ » . ولعل سؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه؛ لأنَّه رأى عليه مخائل التضرر. فقول مالك رحمه الله: «وأمره أن يترك ما كان لله معصية» يحتمل أنَّه أراد أنَّه معصية للتضرُّر، على ما ذهب إليه الباجي، وابن العربي وهو بعيد. ويحتمل أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان نهى عن التقرب إلى الله بتعذيب النفس ممَّا كان يفعله أهل الجاهلية؛ فكان بعضهم يحجُّ مصمتًا، وبعضهم يترك التجارة في الحجِّ، وبعضهم لا يستظلُّ بسقف. وقد نزل في بعض ذلك قوله تعالى:{لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} [البقرة: 198] وقوله: {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا} [البقرة: 189]؛ فيكون على هذا كلَّه استدلالاً منه بنص الخطاب، وقد يكون محلُّ الاستدلال أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أنكر على أبي إسرائيل فعله، وأمره بأن يترك ما عدا الصيام دلَّنا على أنَّ ما ليس بقربة شرعية في ديننا لا نتقرب بنذره إلى الله؛ لأن النذر التزام قربة، ولا نتقرب إلى الله بما لم يجعله من القُرَبِ، فقد يصير ذلك النذر بعد العلم بهذا معصية؛ لأنَّه تعدٍّ لحدود الله؛ فترك النذر بالمعاصي أولى بالمنع؛ فيكون استدلالاً بظاهر الحديث في البعض، وبفحواه في البَقيَّة، وهذا الذي يساعد ما سيأتي من قول مالك في معنى حديث:«من نذر أن يعصى الله فلا يَعصه» . والحاصل أنَّ ظاهر قول الإمام: «ويترك ما كان لله معصية» مؤول باتفاق جهابذة مذهبه رحمهم الله أجمعين.
مالك عن طلحة بن عبد الملك الأَيْلِي، عن القاسم بن محمد بن الصديق عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه» . قال يحيى: وسمعت مالكًا يقول: معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من نذر أن يعصي الله فلا يعصه» أن ينذر الرجل أن يمشي إلى الشام، أو إلى مصر، أو إلى الربذة، أو ما أشبه ذلك مما ليس لله بطاعة إن كلم فلانًا، أو ما أشبه ذلك؛ فليس عليه في شيء من ذلك شيء إن هو كلمه أو حنث بما حلف عليه؛ لأنَّه ليس لله في هذه الأشياء طاعة، وإنما يوفَى