المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

أي: كانت حفصة شبيهة بأبيها عمر بن الخطاب في الإقدام - كشف المغطى من المعاني والألفاظ الواقعة في الموطا

[ابن عاشور]

فهرس الكتاب

- ‌ترجمة المؤلف

- ‌ اسمه ونسبه ومولوده:

- ‌ شيوخه:

- ‌ آثاره العلمية:

- ‌ أهمية الكتاب:

- ‌ عملي في هذا الكتاب:

- ‌موطأ مالك بن أنس رحمه الله

- ‌إحصاء ما في الموطأ من آثار

- ‌أسانيد مالك في الموطأ

- ‌رواية يحيى بن يحيى الليثي

- ‌أشهر نسخ الموطأ بالأندلس

- ‌نسخة ابن بشكوال

- ‌تفاسير الموطأ

- ‌كتاب الطهارة والصلاة

- ‌وُقُوت الصلاة

- ‌ما جاء في دلوك الشمس وغسق الليل

- ‌جامع الوقوت

- ‌النوم عن الصلاة

- ‌النهي عن الصلاة بالهاجرة

- ‌النهي عن دخول المسجد بريح الثوم

- ‌العمل في الوضوء

- ‌الطهور للوضوء

- ‌ترك الوضوء مما مست النار

- ‌جامع الوضوء

- ‌ما جاء في المسح على الخُفين

- ‌جامع غُسل الجنابة

- ‌التيمُم

- ‌ما جاء في المُستحاضة

- ‌ما جاء في النداء للصلاة

- ‌افتتاح الصلاة

- ‌القراءة في المغرب والعشاء

- ‌العمل في القراءة

- ‌ترك القراءة خلف الإمام فيما جهر فيه

- ‌ما يفعل من سلَّم من ركعتين ساهيًا

- ‌النظر في الصلاة إلى ما يشغلك عنها

- ‌العمل في غُسل الجُمعة

- ‌ما جاء في السعي يوم الجُمعة

- ‌ما جاء في الساعة التي في يوم الجمعة

- ‌الترغيب في الصلاة في رمضان

- ‌ما جاء في صلاة الليل

- ‌صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في الوتر

- ‌الأمر بالوتر

- ‌فضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ

- ‌ما جاء في العتمة والصبح

- ‌صلاة الإمام وهو جالس

- ‌الصلاة الوسطى

- ‌الرخصة في الصلاة في الثوب الواحد

- ‌الرخصة في صلاة المرأة في الدرع والخمار

- ‌الجمع بين الصَّلاتين

- ‌ما يجب فيه القصر

- ‌وضع اليدين إحداهماعلى الأخرى في الصلاة

- ‌انتظار الصلاة والمشي إليها

- ‌ما جاء في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌العمل في جامع الصلاة

- ‌جامع الصلاة

- ‌جامع الترغيب في الصلاة

- ‌العمل في صلاة كسوف الشمس

- ‌ما جاء في صلاة الكسوف

- ‌الاستمطار بالنجوم

- ‌ما جاء في القبلة

- ‌الرخصة في قراءة القرآن على غير وضوء

- ‌ما جاء في القرآن

- ‌ما جاء في قراءة قل هو الله أحد

- ‌ما جاء في الدُعاء

- ‌العمل في الدُّعاء

- ‌كتاب الجنائز

- ‌ما جاء في دفن الميت

- ‌الوقوف للجنائز والجلوس على المقابر

- ‌جامع الحسبة في المصيبة

- ‌جامع الجنائز

- ‌كتاب الزكاة

- ‌الزكاة في العين من الذهب والورق

- ‌الزكاة في المعادن

- ‌زكاة أموال اليتامى

- ‌زكاة الميراث

- ‌الزكاة في الدين

- ‌ زكاة العروض

- ‌ما جاء في الكنز

- ‌زكاة الماشية

- ‌صدقة الخلطاء

- ‌ما يُعتد به من السجل

- ‌زكاة ما يُخرص من ثمار النخيل والأعناب

- ‌اشتراء الصدقة والعود فيها

- ‌مكيلة زكاة الفطر

- ‌كتاب الصيام

- ‌ما جاء في تعجيل الفطر

- ‌الرخصة في القبلة للصائم

- ‌مَا جَاءَ فِي قَضَاء ِرَمضَان َوَالكَفَّارَاتِ

- ‌صَوْمُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ

- ‌صِيَامُ الَّذي يقْتلُ خَطَأ أَوْ يَتَظَاهَرُ

- ‌النَّذْرُ في الصِّيام والصِّيامْ عَنِ الميت

- ‌قَضَاءُ التَّطَوُّعِ

- ‌جَامِعُ الصِّيامِ

- ‌كِتَابُ الاعْتِكَافِ

- ‌ذِكْرُ الاعْتِكَافِ

- ‌قَضَاءُ الاِعْتِكَافِ

- ‌النِّكاحُ فِي الاعْتِكَافِ

- ‌مَا جَاءَ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ

- ‌كِتَابُ الحَجٌ

- ‌غُسْلُ المُحرِمِ

- ‌لَبسُ المُحْرِمِ المنْطَقةِ

- ‌لَبسُ الثيابِ المُصْيَغَةِ

- ‌مَوَاقِيتُ الإِهْلَالِ

- ‌القِرَانُ فِي الحجِّ

- ‌مَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أَكْلُهُ مِنَ الصَّيْدِ

- ‌مَا لَا يَحلُّ لِلمُحْرِمِ أَكْلُهُ مِنَ الصَّيْدِ

- ‌مَا يَقْتلُ المُحْرِمُ مِنَ الدَّوَابٍّ

- ‌مَا جَاءً فِيمَنْ أُحْصِرَ بِعَدُوٍّ

- ‌مَا جَاءَ فِيمَنْ أٌحْصِرَ بِغَيرِ عَدُوِّ

- ‌الرَّمَلُ في الطَّوَافِ

- ‌جَامِعُ السَّعْي

- ‌صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ

- ‌مَا جَاءَ فِي صِيَامِ أَيَّامِ مِنْى

- ‌العَمَلُ فِي الهَهدْي حَتَّى يُسَاقَ

- ‌الحِلَاقُ

- ‌التَّلْبِيدُ

- ‌صَلَاةُ مِنْى

- ‌إفَاضَةُ الحَائِضِ

- ‌جَامِعُ الحَج

- ‌كِتَابُ الجِهَادِ

- ‌النَّهْيُ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالوِلْدَانِ في الغَزْوِ

- ‌العَمَلُ فِيمْن أُعْطِيَ شَيئًا فِي سَبِيلِ اللهِ

- ‌مَا جَاءَ في السَّلْبِ والنَّفْلِ

- ‌مَا جَاءَ في الغلُولِ

- ‌مَا تَكُونُ فِيهِ الشَّهَادَةُ

- ‌العَمَلُ في غَسلِ الشُهَدَاءِ

- ‌مَا يُكْرَهُ مِنَ الشَّيْءِ يُجْعَلُ فِي سَبِيلِ الله

- ‌التَّرْغِيبُ في الجِهَادِ

- ‌مَا جَاءَ في الخَيْلِ والمُسَابَقَةِ بَيْنَهَا

- ‌إِحْرَازُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَرْضَهُ

- ‌كِتَابُ النُّذُورِ والَأيْمَانِ

- ‌مَا جَاءَ فيمَنْ نَذَرَ مَشْيًا إِلَى بَيْتِ اللهِ

- ‌مَا لَا يَجُوزُ مِنَ النُّذُورِ في مَعْصِيةِ اللهِ

- ‌اللَّغْوُ فِي اليَمِينِ

- ‌كِتَابُ الصَّيدِ

- ‌مَا جَاءً في صَيْدِ البَحْرِ

- ‌مَا يُكْرَهُ مِنْ أَكْلِ الدَّوابِّ

- ‌كِتَابُ الفَرَائِصِ

- ‌مِيرَاثُ الصُّلْبِ

- ‌مِيرَاثُ الإِخْوَةِ لِلأَبِ والأُمِّ

- ‌مِيرَاثُ الإِخْوَةِ لِلأَبِ

- ‌ ميراث الجدِّ:

- ‌مِيرَاثُ الجَدَّةِ

- ‌مَنْ لَا مِيرَاثَ لَهُ

- ‌مِيرَاثُ وَلَدِ المُلَاعَنَةِ وَوَلدِ الزْنَا

- ‌كِتَابُ النِّكاحِ

- ‌مَا جَاءَ فِي الخِطْبَةِ

- ‌مَا جَاءِ في الصَدَاقِ والحِبَاءِ

- ‌المقامُ عِنْدَ البِكْرِ والَأيمِ

- ‌نِكِاحُ المُحَللِ ومَا أَشْبَهَهُ

- ‌النهي عن نكاح إماء أهل الكتاب

- ‌نكاح العبيد

- ‌نكاح المشرك إذا أسلمت زوجته قبله

- ‌ما جاء في الوليمة

- ‌جامع النكاح

- ‌كتاب الطلاق

- ‌ما جاء في اللعان

- ‌عدة التي تفقد زوجها

- ‌ما جاء في الإحداد

- ‌ما جاء في الرضاعة بعد الكبر

- ‌كتاب البيوع

- ‌ما يجوز في استثناء الثمر

- ‌ما جاء في ثمر المال يباع أصله

- ‌المزابنة

- ‌بيع الذهب بالورق

- ‌المرُاطلة

- ‌العينة

- ‌السلفة في الطعام

- ‌جامع بيع الطعام

- ‌الحكرة والتربص

- ‌ما يجوز من بيع الحيوان

- ‌بيع اللحم باللحم

- ‌السلف وبيع العروض

- ‌السلف في العروض

- ‌النهي عن بيعتين في بيعةٍ

- ‌بيع الخيار

- ‌البيع على البرنامج

- ‌ما جاء في إفلاس الغريم

- ‌كتاب القراض

- ‌التعدي في القراض

- ‌جامع ما جاء في القراض

- ‌كتاب الشفعة

- ‌ما جاء في الشفعة

- ‌ما لا تقع فيه الشفعة

- ‌كتاب الأقضية

- ‌القضاء باليمين مع الشاهد

- ‌القضاء فيمن هلك وله دينوعليه دين له فيه شاهدً واحدً

- ‌القضاء في رهن الثمر والحيوان

- ‌القضاء في الرهن يكون بين الرجلين

- ‌القضاء في جامع الرهون

- ‌القضاء في كراء الدابة

- ‌القضاء فيمن ارتد عن الإسلام

- ‌القضاء بإلحاق الولد بأبيه

- ‌القضاء في ميراث الولد المستحلق

- ‌القضاء في المياه

- ‌القضاء في الضواري والحريسة

- ‌القضاء في الحمالة والحول

- ‌القضاء فيمن ابتاع ثوبًا به عيب

- ‌القضاء في العمري

- ‌الأمر بالوصية

- ‌ما جاء في المؤنث من الرجال ومن أحق بالولد

- ‌العيب في السلعة وضمانها

- ‌كتاب العتق

- ‌من أعتق شركًا له في عبدٍ

- ‌ما يجوز من العتق في الرقاب الواجبة

- ‌ميراث السائبة

- ‌الشرط في المكاتب

- ‌الوصية في التدبير

- ‌بيع المدبر

- ‌القضاء في المرفق

- ‌كتاب الحدود

- ‌ما جاء في الرجم

- ‌كتاب العقول

- ‌العمل في الدَّية

- ‌دية الخطأ في القتل

- ‌عقل الجراح في الخطإ

- ‌ما فيه الدِّية كاملةٍّ

- ‌ما جاء في عقل الشِّجاج

- ‌عقل المرأة

- ‌عقل العين إذا ذهب بصرها

- ‌عقل الأصابع

- ‌جامع عقل الأسنان

- ‌ما يوجب العقل في خاصَّة ماله

- ‌ميراث العقل والتَّغليظ فيه

- ‌جامع العقل

- ‌ما جاء في الغيلة والسحر

- ‌ما يجب في العمد

- ‌القصاص في القتل

- ‌ما جاء في دية السائبة

- ‌كتاب القسامة

- ‌تبدئة أهل الدَّم بالقسامة

- ‌كتاب الجامع

- ‌ما جاء في سكنى المدينة والخروج منها

- ‌ما جاء في وباء المدينة

- ‌ما جاء في إجلاء اليهود

- ‌ما جاء في الطَّاعون

- ‌النَّهي عن القول بالقدر

- ‌جامع ما جاء في أهل القدر

- ‌ما جاء في حسن الخلق

- ‌ما جاء في المهاجرة

- ‌ما جاء في لبس الثياب للجمال بها

- ‌ما جاء في لبس الخز

- ‌ما يكره للنساء لبسه من الثياب

- ‌ما جاء في إسبال الرَّجل ثوبه

- ‌ما جاء في إسبال المرأة ثوبها

- ‌ما جاء في الانتعال

- ‌النهي عن الشَّراب في آنيةالفضة والنَّفخ في الشَّراب

- ‌ما جاء في لبس الثياب

- ‌جامع ما جاء في الطَّعام والشَّراب

- ‌ما جاء في نزع المعاليق والجرس من العين

- ‌الرُّقية من العين

- ‌تعالج المريض

- ‌السُّنَّة في الشَّعر

- ‌ما جاء في المتحابين في الله

- ‌الرُّؤيا

- ‌الاستئذان

- ‌ما جاء في أكل الضَّب

- ‌ما يتَّقى من الشُّؤم

- ‌ما يكره من الأسماء

- ‌ما جاء في المشرق

- ‌ما جاء في قتل الحيَّات

- ‌ما جاء في المملوك وهيئته

- ‌ما يكره من الكلام

- ‌ما جاء فيما يخاف من اللِّسان

- ‌ما جاء في الصِّدق والكذب

- ‌ما جاء في عذاب العامَّة بعمل الخاصَّة

- ‌التَّرغيب في الصَّدقة

- ‌ما يتَّقى من دعوة المظلوم

- ‌أسماء النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم

الفصل: أي: كانت حفصة شبيهة بأبيها عمر بن الخطاب في الإقدام

أي: كانت حفصة شبيهة بأبيها عمر بن الخطاب في الإقدام والمبادرة بما تعزم عليه من الخير، فلفظ البنت هنا مستعمل كناية في لازم المعنى عُرفًا وهو شدَّة المشابهة، قال قائلهم:«ومن يشابه أبه فما ظلم» . وأما لفظ الأب فمستعمل في أصله.

***

ووقع في كلام مالك: وَإذَا دَخَلَ فيِ الطَّوْافِ لَمْ يَقْطَعْهُ، حَتَّى يُتِمَّ سُبُوعَهُ.

فالسُبُوع بضم السين وبالباء الموحدة هو اسم للسُّبُع من شيء معدود بسَبْع. يقال: سبوع وأسبوع بهمزة مضمومة لمجموع أيام الجمعة، ويقالان لمجموع الطواف. وفي تونس يسمون حِزب القرآن الذي يُقرأ في جامع الزيتونة بعد الفجر منجَّمًا على سبعة أيام حزب السُّبُوع.

***

ووقع قوله: سَاهيًا أَوْ نَاسِيًا.

وقد تقدَّم وجه الجمع بينهما في ما جاء في قضاء رمضان آنفًا.

‌جَامِعُ الصِّيامِ

مالك عن أبي الزناد عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«الصيام جنة، فإذا كان أحدكم صائمًا فلا يرفث ولا يجهل، فإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم إني صائم» .

ص: 171

حُذف متعلَّق (جُنَّة) لقصد التعميم، أي: التكثير للمتعلَّقات الصالحة بالمقام. والتعميم الحاصل من حذف المتعلق من مفعول أو مجرور إنَّما هو تعميم بمعنى التكثير لا بمعنى الاتغراق، فهو تعميم ادعائي في المقام الخَطابي نحو قولك: قد كان منك ما يُؤلم. والجُنَّة: الوقاية. فأفاد كلام الرسول صلى الله عليه وسلم أنَّ الصوم وقاية من أضرار كثيرة، فكلُّ ضرٍّ ثبت عندنا أنَّ الصوم يدفعه، فهو مراد من المتعلَّق المحذوف. وقد يعرض لنا أن نعدَّ الآن أنَّ جنَّة من أضرار أخروية جمَّة بما ثبت من المغفرة للصائم ودخوله من باب الريَّان في الجَنة، وأنَّه تصفد في شهره الشياطين، وأنَّه أيضًا وقاية من الأضرار البدنية التي تجلبها الشهوات الحيوانية إذا أرضاهما صاحبهما، وأنَّه وقاية من خبائث نفسانية بما فيه من تزكية النفس واستشعار التخلق بالملكية. فهو جُنَّة من نقائِص الأحوال الحيوانية الحاجبة للنفسِ عن الالتحاق بأهل الملكية، وليس المراد أنه جُنَّة من النار كما اقتصر عليه بعض النظار. ومن هنا ظهر وجه التفريغ بالفاء في قوله:«فإذا كان أحدكم صائمًا فلا يَرفثْ ولا يَجهل» .

ووجه التفريغ الثاني على التفريغ في قوله: «فإن امرؤٌ قاتله أو شاتمه» ، الذي جاء به بعد أن أنُهِيَ الصائم عن الاعتداء على الناس في المخاطبات والمعاملات بالقول والفعل بما رمز إليه قوله:«فلا يرفث ولا يجهل» ، نهيٌ أيضًا عن أن يجازىَ اعتداء غيره عليه بمثله فلأن المجازاة على الشر بمثله مرخَّص فيها، ولكن الصائم لمَّا ارتقى ارتقى إلى درجة الملكية حقيقًا بالإمساك عن التلبس بسِمات الحيوانية. فلقوله «فلْيقل: إنِّي صائم إنِّي صائم» معناه: فليقتصر على هذا القول. وليس المراد فليقُل ذلك وهو يباشر الانتقام لظهور أنه لا معنى له وإنَّما لم يؤمر بالإمساك مطلقًا وأمر بأن يقول لمن اعتدى عليه: إنِّي صائم، مع أنَّ ذلك لا يدفع عنه أذى المعتدين، ترخيصًا للمعتدّى عليه في شيء مما يزيل عنه حرج الصبر على الاعتداء لما في النفوس من إباء الضيم، فرخص له في هذا القول وإن كان فيه شيء من الرياء لمصلحة أعظمَ وهي إمساك النفس عن الاندفاع إلى الانتقام، ليعلم بذلك لمن اعتدى عليه وللناس أنَّ إمساكه عن الانتقام والمجازاة ليس لعَجْز وضُعف، بل للحفاظ على كمال الصوم من أن ينثلم بالدخول في آثار الغضب الذي هو من القوى الحيوانية.

والمقصود من قوله: «إنِّي صائم» مرتين مجرَّد التكرير، أي يكرٌر ذلك تكريرًا يعيه

ص: 172

من يسمعه، ويرتدع به من يَقرعه.

***

مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وإنما يذر شهوته وطعامه وشرابه من أجلي فالصيام لي وأنا أجري به. كل حسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصيام فهو لي وأنا أجزي به» .

معنى قوله: «أطيب عند الله من ريح المسك» أن الله تعالى ليس كمخلوقاته الذين تتأثر مداركهم بمؤثرات الحواسِّ بدون اختيار، فتكون الرائحة الطيبة محبوبة إليهم والرائحة الكريهة مكروهة إليهم بقطع النظر عن أسبابها وآثارهما، وإنَّما الأشياء في استجلاب رضي الله تعالى وغضبه منوطة بمعانيها وحقائقها من حصول كمال أو نقصان وامتثال للشرع أو عصيان، وأمَّا أحوالها الظاهرة فلواحق، فتشبيهها بالمسك في أنَّه يستوجب رضي الله لما يتركه من النزاهة في الأجسام التي تتلطخ به. ولذلك استحب تطيُّب الكعبة بالخلوق، واستحبَّ التطيُّب للجمعة، ولرواية الحديث:«ونُهي عن تلطيخ جدار المسجد بالقذر أو البصاق» . ولكن للمعاني عند الله أعظم حظ فنكهة لأمة الحرب في الجهاد مرفوعة لله تعالى؛ وكذلك رائحة دم الشهيد. وطيب الخمر المختومة بالمسك خبيث عند الله تعالى؛ فلذلك كان خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك؛ لأنه رائحة منبعثة عن الكون في عبادة؛ ولذلك ترى الفعل الواحد يكون قربة في بعض الأوقات ومعصية في بعضها مثل ضرب الناقوس للنداء للصلاة، فقد كان قربة في دين النصارى حتى إنَّ صوته يتقربون به لنفع موتاهم، فلما نسخ النداء به في الإسلام بالأذان صار بضد ذلك فورد أنَّ الملائكة لا تدخل بيتًا فيه ناقوس. وليس ذلك لأن الملائكة ترهب صوت الناقوس؛ ولكن لأنهم كرهوه لمَّا علموا غضب الله على من ينادي إلى الصلاة به. وكذلك القول في الكلب في البيت، أي الكلب: المنهي عنه دون كلب الحراسة في الخوف في الحضر. وقد اتخذ الشيخ أبو

ص: 173

محمد بن أبي زيد كلبًا في داره بالقيروان مدة الخوف.

وقوله: «إنما يذر شهوته» إلخ، هو ممَّا يرويه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه تعالى كما هو صريح في رواية أبي صالح الزيات عن أبي هريرة في «صحيح البخاري» ، فيكون في الكلام قول محذوف دلَّ عليه قوله:«عند الله» ؛ لأن ذلك لا يعلم إلا بإعلام الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم، فهو على حد قوله تعالى:{وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ} [الشورى: 5] الآية. ويحتمل أنَّ أبا هريرة جمع في تحديثه كلامينْ سمعهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم متفرقين فحدَّث بهما جميعًا فإنَّه قد جمع في رواية أبي صالح الزيات عنه بين بعض صلى الله عليه وسلم هذا الحديث وبين الحديث المتقدم قبل هذا، وفرَّق هذا الحديث وزاد حديث «للصائم فرحتان» كلُّ ذلك في تحديث واحد، وحذف قوله:«إنَّما يذر شهوته وطعامه وشرابه من أجلي» .

وعلى ظاهر هذه الرواية التي هي أصحُّ من رواية أبي صالح الزيات؛ لأنَّ الأعرج أثبت في أبي هريرة من أبي صالح الزيات تكون جملة «إنَّما يذر شهوته» واقعة موقع الاستئناف البياني بتقدير سؤال سائل عن سبب جعل «خُلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك» .

ومعنى قوله: «إنَّما يذر شهوته وطعامه وشرابه من أجلي» إثبات بالصيام من بين سائر العبادات؛ لأن قوام ماهية الصلاة والحج والزكاة قوام وجودي بإتيان أفعال تشتمل على ما فيه حظ للمتعبد بها من دعاء وتبرُّك بشعائر الحج، ورجاء نماء المال وبركته بالزكاة، وما فيها من ترك الشهوات أمر عارض بسبب الاشتغال بها. وأمَّا الصيام فقوامه ماهيته عدمي؛ إذ هو ترك الشهوات لا غير وليس للصائم فيه حظٌّ إلَاّ أنَّه أمر فامتثل، فظهر الفرق بينه وبين بقية العبادات وإن كان جميعها لله إخلاصًا له. وقد خفي هذا عن الناظرين؛ وظهر بذلك موقع التفريع في قوله:«فالصيام لي» ظهورًا لا خفاء معه.

ص: 174

وقوله: «وأنا أجزي به» مقصود به إجمال الجزاء إجمالاً يفيد تعظيمه إذ أسند إلى ضمير الجلالة، أي: فما ظنُّه بجزاء أنا أتولَاّه، ثمَّ أكد ما أفاده هذا الكلام من التعظيم بقوله:«كل حسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلَاّ الصيام فهو لي وأنا أجزي به» .

وقوله: «فهو لي» يجوز أن يكون توكيدًا لقوله قبله: «فالصيام لي» ، فيكون أعادهُ ليرتِّب عليه قوله:«وأنا أجزي به» أي: فإيقاعه لي. ويجوز أن يكون معنى اللام في قوله: «فهو لي» غير معنى اللام في قوله: «فالصيام لي» بأن تكون اللام الثانية بمعنى الملك والاختصاص، أي: ثوابه موكول لي، فيقارب معنى اللام هنا معنى إلى في قول القائل:«ذلك إليه» ، فيكون قوله:«فهو لي» فجزاؤه لي. وعلى هذا المعنى يُؤَؤَّلُ حديث أبي صالح الزيات عن أبي هريرة: «كل عمل ابن آدم له إلَاّ الصوم فإنَّه لي وأنا أجزي به» .

***

مالك عن عمه أبي سهيل بن مالك، عن أبيه عن أبي هريرة أنه قال:«إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين» .

هو مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم كما في «الموطإ» معن بن عيسى، وفي «الصحيحين» .

ص: 175

وقوله: «فتحت أبواب الجنة» ليس المراد به فتحها لدخول الداخلين؛ لأن ذلك إنَّما يكون بعد الحساب وقد جعل هنا عند دخول رمضان، فالمراد لا محالة فتح من قبيل دلالة الفعل على فضل شهر الصيام ليرى الملائكة ما أعدَّ الله للصائمين فهي بمنزلة الكناية. وقد روى:«فُتحت أبواب السماء» . ومعناها التهيئة لقبول العمل كما جاء في عكسه قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ} [الأعراف: 40]. وروى: «فتحت أبواب الرحمة» وهي ظاهرة.

وقوله: «وغلقت أبواب النار» دلالة بالفعل أيضًا كالكناية عن المغفرة وتبشير الطاعة. وتصفيد الشياطين تمثيل لتعطيل كثير من حيل الشيطان وحبائله؛ لأن المصفَّد تقلُّ حركاته وتصرُّفاته، فليس في الحديث دلالة على تمحُّض الناس في أيام الصيام للطاعات وعصمتهم من المعاصي. ومن حمله على ذلك لم يجد التأمل فيما يؤول إليه كلامه من مخالفة الحديث لما هو مشاهد.

وقوله: «فتُحت، وغُلقت، وصفدت» ثلاثتها بالتشديد للدلالة على قوَّة الفعل في ثلاثتها، قال تعالى:{لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ} وقال: {وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ} [يوسف: 23].

***

وقع فيه قال يحيى: سمعت مالكًا يقول في صيام ستَّة أيَّام بعد الفطر من رمضان: إنَّه لم يرَ أحدًا من أهل العلم والفقه يصومها، ولم يبلغني ذلك عن أحد من السلف وأنَّ أهل العلم يكرهون ذلك، ويخافون بدْعَته، وأن يُلحِقَ برمضان ما ليس منه أهلُ الجهالة والجَفَاءِ لَوْ رَأوا في ذلك رخصةً عند أهل العلم ورأوهم يعملون ذلك.

أي: فهو ليس من السنة ولم يثبت بوجه تطمئن له النفس، ولو كان من السنة ما تركه أهل العلم والفقه والسلف. وكان مجرَّد عدم ثبوته في السنة غير قاض بكراهته إلَّا أنه قد عرض له ما أوجب كراهته وهو ما بينه مالك رحمه الله.

فقوله: «ويخافون بدعته» أي: يخافون أن يصر ذلك الصوم بدعة. واسم البدعة قد صار علمًا بالغلبة على الحدث المذموم في الدين ولو بالكراهة؛ لأنَّ التزام عدد معين من الأيام والتزام وقت له أثر يوم الفطر يوهم أنَّه ملحق برمضان؛ فذلك كرهه العلماء

ص: 176

وإن كان أصل الصوم التطوع في ذاته قربة، فالكراهة لصقت به هنا من عارض سوء فهم الدهماء إياه.

ص: 177