الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أي: كانت حفصة شبيهة بأبيها عمر بن الخطاب في الإقدام والمبادرة بما تعزم عليه من الخير، فلفظ البنت هنا مستعمل كناية في لازم المعنى عُرفًا وهو شدَّة المشابهة، قال قائلهم:«ومن يشابه أبه فما ظلم» . وأما لفظ الأب فمستعمل في أصله.
***
ووقع في كلام مالك: وَإذَا دَخَلَ فيِ الطَّوْافِ لَمْ يَقْطَعْهُ، حَتَّى يُتِمَّ سُبُوعَهُ.
فالسُبُوع بضم السين وبالباء الموحدة هو اسم للسُّبُع من شيء معدود بسَبْع. يقال: سبوع وأسبوع بهمزة مضمومة لمجموع أيام الجمعة، ويقالان لمجموع الطواف. وفي تونس يسمون حِزب القرآن الذي يُقرأ في جامع الزيتونة بعد الفجر منجَّمًا على سبعة أيام حزب السُّبُوع.
***
ووقع قوله: سَاهيًا أَوْ نَاسِيًا.
وقد تقدَّم وجه الجمع بينهما في ما جاء في قضاء رمضان آنفًا.
جَامِعُ الصِّيامِ
مالك عن أبي الزناد عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«الصيام جنة، فإذا كان أحدكم صائمًا فلا يرفث ولا يجهل، فإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم إني صائم» .
حُذف متعلَّق (جُنَّة) لقصد التعميم، أي: التكثير للمتعلَّقات الصالحة بالمقام. والتعميم الحاصل من حذف المتعلق من مفعول أو مجرور إنَّما هو تعميم بمعنى التكثير لا بمعنى الاتغراق، فهو تعميم ادعائي في المقام الخَطابي نحو قولك: قد كان منك ما يُؤلم. والجُنَّة: الوقاية. فأفاد كلام الرسول صلى الله عليه وسلم أنَّ الصوم وقاية من أضرار كثيرة، فكلُّ ضرٍّ ثبت عندنا أنَّ الصوم يدفعه، فهو مراد من المتعلَّق المحذوف. وقد يعرض لنا أن نعدَّ الآن أنَّ جنَّة من أضرار أخروية جمَّة بما ثبت من المغفرة للصائم ودخوله من باب الريَّان في الجَنة، وأنَّه تصفد في شهره الشياطين، وأنَّه أيضًا وقاية من الأضرار البدنية التي تجلبها الشهوات الحيوانية إذا أرضاهما صاحبهما، وأنَّه وقاية من خبائث نفسانية بما فيه من تزكية النفس واستشعار التخلق بالملكية. فهو جُنَّة من نقائِص الأحوال الحيوانية الحاجبة للنفسِ عن الالتحاق بأهل الملكية، وليس المراد أنه جُنَّة من النار كما اقتصر عليه بعض النظار. ومن هنا ظهر وجه التفريغ بالفاء في قوله:«فإذا كان أحدكم صائمًا فلا يَرفثْ ولا يَجهل» .
ووجه التفريغ الثاني على التفريغ في قوله: «فإن امرؤٌ قاتله أو شاتمه» ، الذي جاء به بعد أن أنُهِيَ الصائم عن الاعتداء على الناس في المخاطبات والمعاملات بالقول والفعل بما رمز إليه قوله:«فلا يرفث ولا يجهل» ، نهيٌ أيضًا عن أن يجازىَ اعتداء غيره عليه بمثله فلأن المجازاة على الشر بمثله مرخَّص فيها، ولكن الصائم لمَّا ارتقى ارتقى إلى درجة الملكية حقيقًا بالإمساك عن التلبس بسِمات الحيوانية. فلقوله «فلْيقل: إنِّي صائم إنِّي صائم» معناه: فليقتصر على هذا القول. وليس المراد فليقُل ذلك وهو يباشر الانتقام لظهور أنه لا معنى له وإنَّما لم يؤمر بالإمساك مطلقًا وأمر بأن يقول لمن اعتدى عليه: إنِّي صائم، مع أنَّ ذلك لا يدفع عنه أذى المعتدين، ترخيصًا للمعتدّى عليه في شيء مما يزيل عنه حرج الصبر على الاعتداء لما في النفوس من إباء الضيم، فرخص له في هذا القول وإن كان فيه شيء من الرياء لمصلحة أعظمَ وهي إمساك النفس عن الاندفاع إلى الانتقام، ليعلم بذلك لمن اعتدى عليه وللناس أنَّ إمساكه عن الانتقام والمجازاة ليس لعَجْز وضُعف، بل للحفاظ على كمال الصوم من أن ينثلم بالدخول في آثار الغضب الذي هو من القوى الحيوانية.
والمقصود من قوله: «إنِّي صائم» مرتين مجرَّد التكرير، أي يكرٌر ذلك تكريرًا يعيه
من يسمعه، ويرتدع به من يَقرعه.
***
مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وإنما يذر شهوته وطعامه وشرابه من أجلي فالصيام لي وأنا أجري به. كل حسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصيام فهو لي وأنا أجزي به» .
معنى قوله: «أطيب عند الله من ريح المسك» أن الله تعالى ليس كمخلوقاته الذين تتأثر مداركهم بمؤثرات الحواسِّ بدون اختيار، فتكون الرائحة الطيبة محبوبة إليهم والرائحة الكريهة مكروهة إليهم بقطع النظر عن أسبابها وآثارهما، وإنَّما الأشياء في استجلاب رضي الله تعالى وغضبه منوطة بمعانيها وحقائقها من حصول كمال أو نقصان وامتثال للشرع أو عصيان، وأمَّا أحوالها الظاهرة فلواحق، فتشبيهها بالمسك في أنَّه يستوجب رضي الله لما يتركه من النزاهة في الأجسام التي تتلطخ به. ولذلك استحب تطيُّب الكعبة بالخلوق، واستحبَّ التطيُّب للجمعة، ولرواية الحديث:«ونُهي عن تلطيخ جدار المسجد بالقذر أو البصاق» . ولكن للمعاني عند الله أعظم حظ فنكهة لأمة الحرب في الجهاد مرفوعة لله تعالى؛ وكذلك رائحة دم الشهيد. وطيب الخمر المختومة بالمسك خبيث عند الله تعالى؛ فلذلك كان خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك؛ لأنه رائحة منبعثة عن الكون في عبادة؛ ولذلك ترى الفعل الواحد يكون قربة في بعض الأوقات ومعصية في بعضها مثل ضرب الناقوس للنداء للصلاة، فقد كان قربة في دين النصارى حتى إنَّ صوته يتقربون به لنفع موتاهم، فلما نسخ النداء به في الإسلام بالأذان صار بضد ذلك فورد أنَّ الملائكة لا تدخل بيتًا فيه ناقوس. وليس ذلك لأن الملائكة ترهب صوت الناقوس؛ ولكن لأنهم كرهوه لمَّا علموا غضب الله على من ينادي إلى الصلاة به. وكذلك القول في الكلب في البيت، أي الكلب: المنهي عنه دون كلب الحراسة في الخوف في الحضر. وقد اتخذ الشيخ أبو
محمد بن أبي زيد كلبًا في داره بالقيروان مدة الخوف.
وقوله: «إنما يذر شهوته» إلخ، هو ممَّا يرويه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه تعالى كما هو صريح في رواية أبي صالح الزيات عن أبي هريرة في «صحيح البخاري» ، فيكون في الكلام قول محذوف دلَّ عليه قوله:«عند الله» ؛ لأن ذلك لا يعلم إلا بإعلام الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم، فهو على حد قوله تعالى:{وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ} [الشورى: 5] الآية. ويحتمل أنَّ أبا هريرة جمع في تحديثه كلامينْ سمعهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم متفرقين فحدَّث بهما جميعًا فإنَّه قد جمع في رواية أبي صالح الزيات عنه بين بعض صلى الله عليه وسلم هذا الحديث وبين الحديث المتقدم قبل هذا، وفرَّق هذا الحديث وزاد حديث «للصائم فرحتان» كلُّ ذلك في تحديث واحد، وحذف قوله:«إنَّما يذر شهوته وطعامه وشرابه من أجلي» .
وعلى ظاهر هذه الرواية التي هي أصحُّ من رواية أبي صالح الزيات؛ لأنَّ الأعرج أثبت في أبي هريرة من أبي صالح الزيات تكون جملة «إنَّما يذر شهوته» واقعة موقع الاستئناف البياني بتقدير سؤال سائل عن سبب جعل «خُلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك» .
ومعنى قوله: «إنَّما يذر شهوته وطعامه وشرابه من أجلي» إثبات بالصيام من بين سائر العبادات؛ لأن قوام ماهية الصلاة والحج والزكاة قوام وجودي بإتيان أفعال تشتمل على ما فيه حظ للمتعبد بها من دعاء وتبرُّك بشعائر الحج، ورجاء نماء المال وبركته بالزكاة، وما فيها من ترك الشهوات أمر عارض بسبب الاشتغال بها. وأمَّا الصيام فقوامه ماهيته عدمي؛ إذ هو ترك الشهوات لا غير وليس للصائم فيه حظٌّ إلَاّ أنَّه أمر فامتثل، فظهر الفرق بينه وبين بقية العبادات وإن كان جميعها لله إخلاصًا له. وقد خفي هذا عن الناظرين؛ وظهر بذلك موقع التفريع في قوله:«فالصيام لي» ظهورًا لا خفاء معه.
وقوله: «وأنا أجزي به» مقصود به إجمال الجزاء إجمالاً يفيد تعظيمه إذ أسند إلى ضمير الجلالة، أي: فما ظنُّه بجزاء أنا أتولَاّه، ثمَّ أكد ما أفاده هذا الكلام من التعظيم بقوله:«كل حسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلَاّ الصيام فهو لي وأنا أجزي به» .
وقوله: «فهو لي» يجوز أن يكون توكيدًا لقوله قبله: «فالصيام لي» ، فيكون أعادهُ ليرتِّب عليه قوله:«وأنا أجزي به» أي: فإيقاعه لي. ويجوز أن يكون معنى اللام في قوله: «فهو لي» غير معنى اللام في قوله: «فالصيام لي» بأن تكون اللام الثانية بمعنى الملك والاختصاص، أي: ثوابه موكول لي، فيقارب معنى اللام هنا معنى إلى في قول القائل:«ذلك إليه» ، فيكون قوله:«فهو لي» فجزاؤه لي. وعلى هذا المعنى يُؤَؤَّلُ حديث أبي صالح الزيات عن أبي هريرة: «كل عمل ابن آدم له إلَاّ الصوم فإنَّه لي وأنا أجزي به» .
***
مالك عن عمه أبي سهيل بن مالك، عن أبيه عن أبي هريرة أنه قال:«إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين» .
هو مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم كما في «الموطإ» معن بن عيسى، وفي «الصحيحين» .
وقوله: «فتحت أبواب الجنة» ليس المراد به فتحها لدخول الداخلين؛ لأن ذلك إنَّما يكون بعد الحساب وقد جعل هنا عند دخول رمضان، فالمراد لا محالة فتح من قبيل دلالة الفعل على فضل شهر الصيام ليرى الملائكة ما أعدَّ الله للصائمين فهي بمنزلة الكناية. وقد روى:«فُتحت أبواب السماء» . ومعناها التهيئة لقبول العمل كما جاء في عكسه قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ} [الأعراف: 40]. وروى: «فتحت أبواب الرحمة» وهي ظاهرة.
وقوله: «وغلقت أبواب النار» دلالة بالفعل أيضًا كالكناية عن المغفرة وتبشير الطاعة. وتصفيد الشياطين تمثيل لتعطيل كثير من حيل الشيطان وحبائله؛ لأن المصفَّد تقلُّ حركاته وتصرُّفاته، فليس في الحديث دلالة على تمحُّض الناس في أيام الصيام للطاعات وعصمتهم من المعاصي. ومن حمله على ذلك لم يجد التأمل فيما يؤول إليه كلامه من مخالفة الحديث لما هو مشاهد.
وقوله: «فتُحت، وغُلقت، وصفدت» ثلاثتها بالتشديد للدلالة على قوَّة الفعل في ثلاثتها، قال تعالى:{لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ} وقال: {وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ} [يوسف: 23].
***
وقع فيه قال يحيى: سمعت مالكًا يقول في صيام ستَّة أيَّام بعد الفطر من رمضان: إنَّه لم يرَ أحدًا من أهل العلم والفقه يصومها، ولم يبلغني ذلك عن أحد من السلف وأنَّ أهل العلم يكرهون ذلك، ويخافون بدْعَته، وأن يُلحِقَ برمضان ما ليس منه أهلُ الجهالة والجَفَاءِ لَوْ رَأوا في ذلك رخصةً عند أهل العلم ورأوهم يعملون ذلك.
أي: فهو ليس من السنة ولم يثبت بوجه تطمئن له النفس، ولو كان من السنة ما تركه أهل العلم والفقه والسلف. وكان مجرَّد عدم ثبوته في السنة غير قاض بكراهته إلَّا أنه قد عرض له ما أوجب كراهته وهو ما بينه مالك رحمه الله.
فقوله: «ويخافون بدعته» أي: يخافون أن يصر ذلك الصوم بدعة. واسم البدعة قد صار علمًا بالغلبة على الحدث المذموم في الدين ولو بالكراهة؛ لأنَّ التزام عدد معين من الأيام والتزام وقت له أثر يوم الفطر يوهم أنَّه ملحق برمضان؛ فذلك كرهه العلماء
وإن كان أصل الصوم التطوع في ذاته قربة، فالكراهة لصقت به هنا من عارض سوء فهم الدهماء إياه.