الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تسلموا في النخل حتى يبدو صلاحها (1)»، وكأنهم رأوا أن الغرر يكون فيه أكثر إذا لم يكن موجودا في حال العقد، وكأنه يشبه بيع ما لم يخلق أكثر، وإن كان ذلك معينا وهذا في الذمة، وبهذا فارق السلم بيع ما لم يخلق.
وأما الشرط الثالث: وهو مكان القبض فإن أبا حنيفة اشترطه تشبيها بالزمان، ولم يشترطه غيره وهم الأكثر. وقال القاضي أبو محمد:(الأفضل اشتراطه). وقال ابن المواز: (ليس يحتاج إلى ذلك).
وأما الشرط الرابع: وهو أن يكون الثمن مقدرا: مكيلا، أو موزونا، أو معدودا، أو مذروعا لا جزافا، فاشترط ذلك أبو حنيفة، ولم يشترطه الشافعي ولا صاحبا أبي حنيفة: أبو يوسف ومحمد، قالوا: وليس يحفظ عن مالك في ذلك نص، إلا أنه يجوز عنده بيع الجزاف، إلا فيما يعظم الغرر فيه على ما تقدم من مذهبه، وينبغي أن تعلم أن التقدير في السلم يكون بالوزن فيما يمكن فيه الوزن، وبالكيل فيما يمكن فيه الكيل، وبالذرع فيما يمكن فيه الذرع، وبالعدد فيما يمكن فيه العدد. وإن لم يكن فيه أحد هذه التقديرات انضبط بالصفات المقصودة من الجنس مع ذكر الجنس إن كان أنواعا مختلفة، أو مع تركه إن كان نوعا واحدا، ولم يختلفوا أن السلم لا يكون إلا في الذمة وأنه لا يكون في معين، وأجاز مالك السلم في قرية معينة إذا كانت مأمونة، وكأنه رآها مثل الذمة.
(1) صحيح البخاري الزكاة (1486)، صحيح مسلم البيوع (1534)، سنن الترمذي البيوع (1300)، سنن النسائي البيوع (4549)، سنن أبو داود البيوع (3367)، سنن ابن ماجه التجارات (2214)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 123)، موطأ مالك البيوع (1303)، سنن الدارمي البيوع (2555).
الباب الثاني
فيما يجوز أن يقتضي من المسلم إليه بدل ما انعقد عليه
السلم
، وما يعرض في ذلك من الإقالة والتعجيل والتأخير
وفي هذا الباب فروع كثيرة لكن نذكر منها المشهور
مسألة: اختلف العلماء فيمن أسلم في شيء من التمر، فلما حل الأجل تعذر تسليمه حتى عدم ذلك المسلم فيه وخرج زمانه، فقال الجمهور: (إذا وقع ذلك كان المسلم بالخيار بين أن يأخذ الثمن أو يصبر
إلى العام القابل) وبه قال الشافعي وأبو حنيفة وابن القاسم، وحجتهم أن العقد وقع على موصوف في الذمة فهو باق على أصله، وليس من شرط جوازه أن يكون من ثمار هذه السنة، وإنما هو شيء شرطه المسلم فهو في ذلك بالخيار. وقال أشهب من أصحاب مالك:(ينفسخ السلم ضرورة ولا يجوز التأخير)، وكأنه رآه من باب الكالئ بالكالئ. وقال سحنون:(ليس له أخذ الثمن وإنما له أن يصبر إلى القابل). واضطرب قول مالك في هذا، والمعتمد عليه في هذه المسألة ما رآه أبو حنيفة والشافعي وابن القاسم، وهو الذي اختاره أبو بكر الطرطوشي، والكالئ بالكالئ المنهي عنه إنما هو المقصود، لا الذي يدخل اضطرارا.
مسألة: اختلف العلماء في بيع المسلم فيه إذا حان الأجل من المسلم إليه قبل قبضه، فمن العلماء من لم يجز ذلك أصلا، وهم القائلون: بأن كل شيء لا يجوز بيعه قبل قبضه، وبه قال أبو حنيفة وأحمد وإسحاق. وتمسك أحمد وإسحاق في منع هذا بحديث عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أسلم في شيء فلا يصرفه في غيره» .
وأما مالك فإنه منع شراء المسلم فيه قبل قبضه في موضعين: أحدهما: إذا كان المسلم فيه طعاما، وذلك بناء على مذهبه في أن الذي يشترط في بيعه القبض هو الطعام على ما جاء عليه النص في الحديث. والثاني: إذا لم يكن المسلم فيه طعاما فأخذ عوضه المسلم ما لا يجوز أن يسلم فيه رأس ماله مثل أن يكون المسلم فيه عرضا، والثمن عرضا مخالفا له، فيأخذ المسلم من المسلم إليه إذا حان الأجل شيئا من جنس ذلك العرض الذي هو الثمن، وذلك أن هذا يدخله؛ إما سلف وزيادة إن كان العرض المأخوذ أكثر من رأس مال المسلم، وإما ضمان وسلف إن كان
مثله أو أقل. وكذلك إن كان رأس مال السلم طعاما لم يجز أن يأخذ فيه طعاما آخر أكثر، لا من جنسه، ولا من غير جنسه، فإن كان مثل طعامه في الجنس والكيل والصفة فيما حكاه عبد الوهاب جاز؛ لأنه يحمله على العروض، وكذلك يجوز عنده أن يأخذ من الطعام المسلم فيه طعاما من صفته، وإن كان أقل جودة؛ لأنه عنده من باب البدل في الدنانير والإحسان: مثل أن يكون له عليه قمح فيأخذ بمكيلته شعيرا، وهذا كله من شرطه عند مالك أن لا يتأخر القبض؛ لأنه يدخله الدين بالدين. وإن كان رأس مال السلم عينا وأخذ المسلم فيه عينا من جنسه جاز ما لم يكن أكثر منه، ولم يتهمه على بيع العين بالعين نسيئة إذا كان مثله أو أقل، وإن أخذ دراهم في دنانير لم يتهمه على الصرف المتأخر، وكذلك إن أخذ فيه دنانير من غير صنف الدنانير التي هي رأس مال السلم. وأما بيع السلم من غير المسلم إليه، فيجوز بكل شيء يجوز التبايع به ما لم يكن طعاما؛ لأنه لا يدخله بيع الطعام قبل قبضه.
وأما الإقالة فمن شرطها عند مالك أن لا يدخلها زيادة ولا نقصان، فإن دخلها زيادة أو نقصان كان بيعا من البيوع ودخلها ما يدخل البيوع، أعني أنها تفسد عنده بما يفسد بيوع الآجال مثل أن يتذرع إلى بيع وسلف، أو إلى: ضع وتعجل، أو إلى بيع السلم بما لا يجوز بيعه، مثال ذلك في دخول بيع وسلف به إذا حل الأجل، فأقاله على أن أخذ البعض وأقال من البعض فإنه لا يجوز عنده فإنه يدخله التذرع إلى بيع وسلف، وذلك
جائز عند الشافعي وأبي حنيفة؛ لأنهما لا يقولان بتحريم بيوع الذرائع.
مسألة: اختلف العلماء في الشراء برأس مال السلم من المسلم إليه شيئا بعد الإقالة بما لا يجوز الإقالة، فمن العلماء من لم يجزه أصلا، ورأى أن الإقالة ذريعة إلى أن يجوز من ذلك ما لا يجوز، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، ومالك وأصحابه، إلا أن عند أبي حنيفة لا يجوز على الإطلاق، إذ كان لا يجوز عنده بيع المسلم فيه قبل القبض على الإطلاق، ومالك يمنع ذلك في المواضع التي يمنع بيع المسلم فيه قبل القبض على ما فصلناه قبل هذا من مذهبه، ومن العلماء من أجازه، وبه قال الشافعي والثوري. وحجتهم أن بالإقالة قد ملك رأس ماله، فإذا ملكه جاز له أن يشتري به ما أحب، والظن الرديء بالمسلمين غير جائز. قال:(وأما حديث أبي سعيد فإنه إنما وقع النهي فيه قبل الإقالة).
مسألة: اختلفوا إذا ندم المبتاع في السلم فقال للبائع: أقلني وأنظرك بالثمن الذي دفعت إليك. فقال مالك وطائفة: ذلك لا يجوز، وقال قوم: يجوز، واعتل مالك في ذلك مخافة أن يكون المشتري لما حل له الطعام على البائع أخره عنه على أن يقيله، فكان ذلك من باب بيع الطعام إلى أجل قبل أن يستوفي، وقوم اعتلوا لمنع ذلك بأنه من باب فسخ الدين بالدين، والذين رأوه جائزا رأوا أنه من باب المعروف والإحسان الذي أمر الله تعالى به، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«من أقال مسلما صفقته أقال الله عثرته يوم الأمة، ومن أنظر معسرا أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله (1)» .
(1) سنن أبو داود البيوع (3460)، سنن ابن ماجه التجارات (2199)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 252).