المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المبحث الثانيحكم الصورة الأولى من صور جمعية الموظفين - مجلة البحوث الإسلامية - جـ ٤٣

[مجموعة من المؤلفين]

فهرس الكتاب

- ‌المحتويات

- ‌باب ما يجري فيه الربا:

- ‌باب في أن الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل:

- ‌باب من باع ذهبا وغيره بذهب

- ‌باب مرد الكيل والوزن:

- ‌ باب النهي عن بيع الدين بالدين وجوازه بالعين ممن هو عليه

- ‌باب نهي المشتري عن بيع ما اشتراه قبل قبضه:

- ‌باب النهي عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان

- ‌ ابن رشد في بداية المجتهد:

- ‌الفصل الأولفي معرفة الأشياء التي لا يجوز فيها التفاضل ولا يجوز فيها النساء وتبيين علة ذلك

- ‌الفصل الثانيفي معرفة الأشياء التي يجوز فيها التفاضل ولا يجوز فيها النساء

- ‌الفصل الثالثفي معرفة ما يجوز فيه الأمران جميعا

- ‌الباب الثانيفيما يجوز أن يقتضي من المسلم إليه بدل ما انعقد عليهالسلم

- ‌ ابن قدامة في المغني

- ‌باب الربا والصرف

- ‌إعجاز القرآن

- ‌جمع القرآن وترتيبه

- ‌تعدد القراءات للقرآن

- ‌تلاوة القرآن وتحزيبه

- ‌تحسين الصوت في القراءة

- ‌رفع الصوت في القراءة

- ‌ كتابة الآيات وتعليقها على الحائط

- ‌ كتابة الآيات على ساعات الدليل

- ‌ كتابة الآيات على معلقات

- ‌ دخول الخلاء وهو يحمل المصحف

- ‌ قراءة القرآن لغير المسلم

- ‌من فتاوى سماحة الشيخعبد العزيز بن عبد الله بن باز

- ‌ على من يجب صيام رمضان

- ‌ هل يؤمر الصبي المميز بالصيام

- ‌ كيف يصوم الناس إذا اختلفت المطالع

- ‌ الفطر للمرأة الحامل والمرضع

- ‌ من عجز عن الصوم لكبر أو مرض لا يرجى برؤه

- ‌ حكم صيام التطوع:

- ‌ كان مريضا ودخل عليه رمضان ولم يصم ثم مات بعد رمضان

- ‌ استعمال معجون الأسنان، وقطرة الأذن، وقطرة الأنف، وقطرة العين للصائم

- ‌ خلع أحد أسنانه، فهل يؤثر ذلك على صيامه

- ‌ أكل أو شرب في نهار الصيام ناسيا

- ‌ حكم من يصوم وهو تارك للصلاة

- ‌ أفطر في رمضان غير منكر لوجوبه

- ‌ أكل الصائم أو شرب أو جامع ظانا غروب الشمس أو عدم طلوع الفجر

- ‌ جامع في نهار رمضان وهو صائم

- ‌ استعمال البخاخ في الفم للصائم نهارا لمريض الربو

- ‌ أخذ الحقنة الشرجية عند الصائم للحاجة

- ‌ من ذرعه القيء وهو صائم

- ‌ تغيير الدم لمريض الكلى وهو صائم

- ‌ حكم الاعتكاف للرجل والمرأة

- ‌تكييف العربون:

- ‌حكم بيع العربون في بيوع الصرف:

- ‌حكم كون العربون مبلغا مستقلا عن ثمن السلعة:

- ‌حكم العربون في الخدمات:

- ‌حكم العربون في شراء الأسهم:

- ‌حكم العربون في بيع المرابحة:

- ‌حكم المواعدة على الشراء وأخذ العربون لذلك:

- ‌الإنكارمعناه، أصل مشروعيته، شروطه، طرائقه

- ‌الفصل الأول: في معنى الإنكار

- ‌الفصل الثاني: في أصل مشروعيته

- ‌الفصل الثالث: في شروط الإنكار

- ‌الفصل الرابع: في طرائق الإنكار

- ‌ثانيا: التأديب

- ‌أولا: النصوص الإجمالية من القرآن الكريم:

- ‌ثانيا: النصوص التفصيلية من القرآن الكريم عن دعوة بعض الأنبياء:

- ‌جمعية الموظفين وأحكامها في الفقه الإسلامي

- ‌تمهيد:

- ‌المبحث الأولصور جمعية الموظفين

- ‌المبحث الثانيحكم الصورة الأولى من صور جمعية الموظفين

- ‌المبحث الثالثحكم الصورة الثانية من صور جمعية الموظفين

- ‌المبحث الرابعحكم الصورة الثالثة من صور جمعية الموظفين

- ‌الخاتمة

- ‌جمال الدين القاسمي علامة الشام

- ‌عصر القاسمي:

- ‌سيرة القاسمي الشخصية والعلمية:

- ‌مآثره وشمائله:

- ‌القاسمي ومنهجه في الدعوة بين التأثر والتأثير:

- ‌تأثر القاسمي بابن تيمية:

- ‌مؤلفات القاسمي:

- ‌آراؤه وأفكاره:

- ‌مفكراته:

- ‌مشهد الكائنات الكونية

- ‌أولا مشهد الكائنات السفلية

- ‌ مشهد الجبال:

- ‌ مشهد الأرض:

- ‌ مشهد البحار:

- ‌ثانيا مشهد الكائنات العلوية

- ‌ مشهد السماء:

- ‌ مشهد الشمس والقمر:

- ‌ مشهد النجوم:

- ‌مشاهد الناس يوم القيامة

- ‌أولا: خروج الناس من الأجداث

- ‌ثانيا: ذهول الناس عن أنفسهم وما يملكون

- ‌ثالثا: تغير أحوال الناس

- ‌رابعا: صفة مجيئهم لأرض المحشر

- ‌خامسا: جثو الأمم للحساب

- ‌سادسا: تسلم نتائج الأعمال

- ‌مشاهد المؤمنين يوم القيامة

- ‌أولا: القول الحق من الرسل عند سؤال المولى لهم

- ‌ثانيا: وجوه المؤمنين يوم القيامة

- ‌ثالثا: من يغبطون في موقف الحساب

- ‌رابعا: نور المؤمنين يسعى بين أيديهم وبأيمانهم

- ‌خامسا: صفات الكافرين

- ‌ سواد الوجوه:

- ‌ تنكيس الرؤس:

- ‌ حشره على وجهه إلى النار:

- ‌حديث شريف

الفصل: ‌المبحث الثانيحكم الصورة الأولى من صور جمعية الموظفين

جميع المشاركين فيها الاستمرار في هذه الجمعية حتى تدور دورة ثانية أو تدور دورتين أخريين أو أكثر حسب ما يتفقون عليه، ويكون ترتيب الاقتراض في الدورة الثانية عكس ترتيبه في الدورة الأولى، فأول من اقترض في المرة الأولى يكون آخر من يقترض في المرة الثانية وهكذا ونحو ذلك.

ص: 247

‌المبحث الثاني

حكم الصورة الأولى من صور جمعية الموظفين

سبق في المبحث الأول، ذكر مثال لهذه الصورة، وهي تتميز عن غيرها من صور هذه الجمعية بأنها خالية من جميع الشروط، فمن أراد من المشاركين أن ينسحب في الدورة الأولى قبل أن يقترض فله ذلك.

وحقيقة هذه الصورة أن كل واحد منهم يقرض من يستلم هذه الجمعية قبله ويقرضه من يستلمها بعده، سوى الأول فهو مقترض فقط، وسوى الأخير فهو مقرض لهم جميعا.

وقد اختلف أهل العلم في جواز هذه الصورة على قولين:

القول الأول:

أن هذه الصورة جائزة، بل ذهب بعض أهل العلم إلى القول بأنه مندوب إليها، وقد أفتى بهذا القول من المتقدمين الإمام الحافظ

ص: 247

الفقيه أبو زرعة الرازي الشافعي، وأفتى به من المتأخرين غالب أعضاء هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية، وفي مقدمتهم سماحة شيخنا عبد العزيز بن عبد الله بن باز وفضيلة شيخنا محمد بن صالح بن عثيمين. وأفتى به أيضا فضيلة شيخنا عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين عضو الإفتاء برئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء بالمملكة.

القول الثاني:

أنها محرمة، لا يجوز التعامل بها، وقد ذهب إلى هذا القول الشيخ الدكتور صالح بن فوزان الفوزان، والشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ من هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية، والشيخ عبد الرحمن البراك الأستاذ بكلية أصول الدين بالرياض.

ولهذا القول أدلة أهمها:

الدليل الأول:

أن كل واحد من المشتركين في هذه الجمعية إنما يدفع ما يدفع

ص: 248

بصفة قرض مشروط فيه قرض من الطرف الآخر، فهو قرض جر نفعا (1)، فيكون محرما لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«كل قرض جر نفعا فهو ربا (2)» .

ولما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا أقرض أحدكم قرضا فأهدى له أو حمله على الدابة فلا يركبها ولا يقبله، إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك (3)»

(1) تنظر وجهتي النظر المشار إليهما في التعليق السابق.

(2)

رواه أبو الجهم في جزئه، والحارث في مسنده، كما في نصب الراية 4/ 60، والمطالب العالية 1/ 411) من طريق سوار عن عمارة عن علي بن أبي طالب مرفوعا. وإسناده ضعيف جدا. سوار- وهو ابن مصعب الهمداني- قال البخاري:(منكر الحديث)، وقال أحمد وأبو حاتم: متروك، وقال النسائي: ليس بثقة، ينظر الميزان 2/ 246، ولسان الميزان 3/ 128، 129، 129. وقال ابن عبد الهادي- كما في نصب الراية 4/ 60 - والحافظ في البلوغ ص 176، والمناوي في التيسير 2/ 216: (إسناده ساقط)، وقال في نيل الأوطار 5/ 351: (في إسناده سوار بن مصعب، وهو متروك .. ووهم إمام الحرمين والغزالي فقالا: إنه صح. ولا خبرة لهما بهذا الفن). وقد حكم بضعف هذا الحديث أيضا السيوطي في الجامع الصغير ص 94، والشوكاني في الدراري المضية ص 315، وسماحة شيخنا عبد العزيز بن باز (كما في كتاب الدعوة ص 152)، وقال الألباني في الإرواء 5/ 236:(ضعيف جدا)، وذكر الموصلي في المغني ص 56 (أنه لم يصح في هذا الباب شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم. وينظر فيض القدير 5/ 28، والتلخيص ص 3/ 34.

(3)

رواه ابن ماجه في الصدقات باب القرض 2/ 813، رقم 2432، والبيهقي في السنن الكبرى في البيوع باب كل قرض جر منفعة فهو ربا 5/ 40249، 350، وابن الجوزي في التحقيق- كما في الإرواء- من طريق إسماعيل بن عياش حدثني عتبة بن حميد الضبي عن يحيى بن أبي إسحاق الهنائي عن أنس. ثم قال البيهقي: قال المعمري: قال هشام في هذا الحديث: (يحيى بن أبي إسحاق الهنائي ولا أراه إلا وهم). وهذا حديث يحيى بن يزيد الهنائي عن أنس، ورواه شعبة ومحمد بن دينار فوقفاه. ورجح ابن التركماني في الجوهر النقي 5/ 350 أنه ابن أبي إسحاق لا ابن يزيد. وهذا الإسناد ضعيف، إسماعيل بن عياش ضعيف فيما رواه عن غير أهل الشام، وشيخه هنا الضبي بصري، فروايته عنه ضعيفة. ينظر تهذيب الكمال لوحة (107، 108) وشيخه عتبة الضي ليس بالقوي كما قال الإمام أحمد. ينظر تهذيب التهذيب 7/ 96، ويحيى إن كان ابن أبي إسحاق فهو مجهول كما في التقربب ص 587، وإن كان ابن يزيد فهو مقبول كما في التقريب ص 598. قال البوصيري في الزوائد 3/ 70:(هذا إسناد فيه مقال، عتبة بن حميد ضعفه أحمد)، وقال أبو حاتم: صالح، وذكره ابن حبان في الثقات، ويحيى بن أبي إسحاق الهنائي لا يعرف حاله. وقد ضعف هذا الحديث أيضا البهوتي في الروض المربع 5/ 47، والشوكاني في النيل 5/ 350، وفي الدراري المضية ص 315، وابنه في السموط الذهبية ص 203، والشيح عبد الرحمن بن قاسم في الإحكام 3/ 192، والشيخ محمد ناصر الدين الألباني في السلسلة الضعيفة 3/ 303، ورواه ابن المنذر في الأوسط في جماع أبواب السلف لوحة 12من طريق هشيم عن عتبة أبي معاذ عن يزيد بن يحيى عن أنس. وإسناده ضعيف، هشيم مدلس، وقد عنعنه، وعتبة ويزيد لم أجد من ترجم لهما. وقال ابن المنذر:(إسناد مجهول)، لا أعلمه ثابتا- وقد حسن هذا الحديث شيخ الإسلام ابن تيمية كما والفتاوى الكرى 3/ 243، 244، حيث رجح أن يحيى المذكور في الإسناد الأول هو ابن يزيد، وحسنه أيضا السيوطي في الجامع الصغير ص 20، وتبعه في تحسينه المناوي في التيسير 1/ 76، وقال. (وهذا منزل على الورع أو على ما إدا شرط عليه ذلك). وحسنه كذلك الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب كما في الدرر السنية في باب القرض 5/ 115.

ص: 249

ولما روي عن فضالة بن عبيد رضي الله عنه أنه قال: (كل قرض جر منفعة فهو وجه من وجهه الربا).

ولما روي عن عطاء أنه قال: (كانوا- أي الصحابة- يكرهون كل قرض جر منفعة)

ص: 250

ولما ثبت عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه أنه قال لأبي بردة:

(إنك في أرض الربا فيها فاش، إذا كان لك على رجل حق فأهدى إليك حمل تبن أو حمل شعير أو حمل قت فإنه ربا). وروي نحو هذا القول عن عمر وأبي بن كعب، وعلي بن أبي طالب وابن مسعود،

ص: 251

وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، وابن عباس، رضي الله عنهم.

وروي أيضا عن ابن مسعود أنه سئل عن رجل استقرض من رجل

ص: 252

خمسمائة دينار على أن يفقره ظهر فرسه. فقال: (ما أصبت من ظهر فرسه فهو ربا).

وثبت عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: (من أسلف سلفا فلا يشترط إلا قضاءه).

وقالوا: (وأيضا فقد أجمع أهل العلم على أن كل قرض جر نفعا فهو محرم وربا).

ص: 253

ويمكن أن يناقش هذا الدليل بأمرين:

الأمر الأول:

لا يسلم بأن في هذه الصورة من صور هذه المعاملة قرضا مشروطا من الطرف الآخر، بل هو قرض معتاد، إلا أنه يشارك في الإقراض أكثر من شخص، فأول من يأخذ هذه الجمعية يعتبر مقترضا من جميع المشتركين فيها، وكذلك من يأخذها في المرة الثانية يعتبر مقترضا ممن يأخذها بعده ومستوفيا لقرضه من الشخص الذي أخذها قبله، وهكذا الثالث والرابع ومن بعدهم، عدا آخرهم فهو إنما يستوفي ما أقرضه لجميع المشتركين في هذه الجمعية.

فحقيقة هذه المعاملة: أن كل واحد من المشتركين إنما هو مقرض لمن يأخذ هذه الجمعية قبله، ومستقرض ممن يأخذها بعده، عدا آخرهم فهو يستوفي حقه الذي أقرضه لهم جميعا.

الأمر الثاني:

عدم التسليم بأن كل قرض جر نفعا ممنوع مطلقا، لما يلي:

1 -

أن الحديث الأول، وهو «كل قرض جر نفعا فهو ربا» حديث ضعيف جدا، - كما سبق- لا يصح الاحتجاج به لمنع هذه المعاملة.

وكذلك الحديث الثاني: «إذا أقرض أحدكم قرضا فأهدى له (1)» . . .) فهو حديث ضعيف أيضا، كما سبق، ثم إنه غير صريح في تحريم كل قرض

(1) سنن ابن ماجه الأحكام (2432).

ص: 254

جر نفعا، وإنما منع من نفع معين يقدمه المقترض للمقرض بسبب القرض بدون شرط، وهو أن يهدي إليه أو لمجمله على دابته، وهذا كله محرم على الصحيح (1)، وهو غامر موجود في هذه الصورة من صور هذه الجمعية، لأن النفع الذي يحصل عليه المقرض في هذه المعاملة إنما يقدمه الأشخاص الآخرون المشاركون في هذه الجمعية، والذين لم يقترضوا بعد، حيث يقرضونه إذا جاء دوره، أما من أقرضهم هو فإنما يستوفي قرضه منهم.

2 -

أن ما ذكروه عن بعض الصحابة رضي الله عنهم بعضه غير ثابت، وبعضه وارد في مسائل يكون النفع فيها مما يشرطه المقرض على المقترض دون أن يكون له أي فائدة تقابل تلك المنفعة سوى مجرد القرض، أو مما يقدمه المقترض للدائن بسبب القرض بدون شرط، وهذا كله غير موجود في هذه الصورة من صور هذه المعاملة، كما مر في الفقرة السابقة. ولو فرض أن هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم أرادوا منع كل قرض جر نفعا للمقرض مطلقا، سواء كان هذا النفع من المقترض أم من غيره، وسواء كان للمقترض في ذلك فائدة أم لا، فإنه معارض. مما روي عن بعض الصحابة رضي الله عنهم من إجازتهم للسفتجة، وإذا تعارضت

(1) ينظر التعليق الآتي.

ص: 255

أقوالهم تساقطت.

فقد روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: (لا بأس أن يعطي المال بالمدينة ويأخذه بأفريقية).

وروي عن أبي شعيب مولى الأنصار أنه استسلف بأفريقية دينارا جرجيريا من رجل على أن يعطيه بمصر منقوشا، فسأل ابن عمر عن ذلك، فقال:(لولا الشرط الذي فيه لم يكن به بأس).

وروي عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه أنه كان يأخذ من قوم

ص: 256

بمكة دراهم، ثم يكتب بها إلى مصعب بن الزبير بالعراق فيأخذونها منه، فسئل ابن عباس عن ذلك، فلم ير به بأسا.

وروي عن الحسن بن علي رضي الله عنه أنه كان يأخذ المال بالحجاز، ويعطيه بالعراق، ويأخذه بالعراق ويعطيه بالحجاز.

3 -

أن النفع الذي وقع الإجماع على أنه ربا هو ما يشترطه المقرض على المقترض دون أن يكون للمقترض فائدة تقابل هذا النفع سوى مجرد القرض. ويدل على ذلك ما يلي:

أ- أن بعض العلماء من الصحابة ومن بعدهم أجازوا السفتجة (1) مع أن فيها نفعا للمقرض.

(1) سبق تعريف السفتجة ص (255).

ص: 257

ب- أن بعض العلماء أجاز بعض القروض التي فيها نفع للمقرض، مع أنه ليس للمقترض فيها فائدة سوى مجرد القرض، مثل أن يفلس غريمه فيقرضه دراهم يوفيه كل شهر شيئا معلوما من ربحها، ومثل ما لو أقرض فلاحه ما يشتري به بذرا أو آلات حرث ليعمل بها في أرضه، ومثل ما إذا أراد إرسال نفقة إلى أهله فأقرضها لرجل ليوفيها لهم ونحو ذلك وبعض الفقهاء كره مثل هذه القروض ولم يحرمها (1).

ج- أن بعض الفقهاء صرح بجواز القرض الذي شرط فيه منفعة للمقرض، إذا كان فيه للمقترض منفعة أقوى منها (2).

د- أن فريقا من العلماء أجازوا إقراض من عرف بحسن القضاء

(1) المبدع 4/ 211، الإنصاف 5/ 134، فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم 7/ 210.

(2)

ينظر شرح المنهج مع حاشيته للجمل 3/ 261، 262، نهاية المحتاج 4/ 231

ص: 258

لكرمه وسخائه، رجاء الزيادة عند القضاء.

هـ- أن بعض الفقهاء أجاز النفع والهدية من المقترض للمقرض قبل سداد القرض، إذا لم يشترط ذلك عند القرض، ولو لم يكن ذلك من عادتهما قبل ذلك.

وقد استدل أبو محمد ابن حزم رحمه الله على جواز قبول هدية

ص: 259

المقترض مطلقا إذا كان بدون شرط بقول الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما رد هدية أبي بن كعب رضي الله عنه ثم قبلها لما أراد أبي أن يرد عليه ماله بسبب ذلك قال: (إنما الربا على من أراد أن يربي وينسئ)(1).

وأن كثيرا من العلماء الذين حكوا الإجماع في هذه المسألة ذكروا أن أهل العلم أجمعوا على أن المنفعة أو الزيادة التي يشترطها المقرض على المستقرض ربا. والربا معناه في اللغة الفضل والزيادة (2). وفي الاصطلاح عرفه بعضهم بقوله: (هو فضل أحد المتجانسين على الآخر من مال بلا عوض)(3). وعرفه آخرون بقولهم: (الزيادة في أشياء مخصوصة)(4). وهذا يدل على أن الإجماع إنما وقع على تحريم المنفعة أو الزيادة التي يشترطها المقرض على المقترض ولا يقابلها أي منفعة له، لا أنهم أجمعوا على تحريم كل منفعة تحصل للمقرض بسبب هذا القرض.

قال الشاطبي عند كلامه على ربا الجاهلية: (وإذا كان كذلك وكان المنع فيه إنما هو من أجل كونه زيادة على غير عوض ألحقت به السنة كل ما فيه زيادة بذلك المعنى) ثم ذكر ربا الفضل وأعقبه بذكر ربا النسيئة ثم

(1) المحلى 8/ 86. وقد سبق تخريج هذا الأثر ص (251) تعليق (2).

(2)

الصحاح 6/ 2349، المطلع ص (239)، حلية الفقهاء ص (125)، المصباح 1/ 217.

(3)

أنيس الفقهاء، ص (214).

(4)

العدة شرح العمدة ص 220، الروض المربع (مطبوع مع حاشيته للعنقري 2/ 106).

ص: 260

قال: (ويدخل فيه بحكم المعنى السلف يجر نفعا. . . فالزيادة على ذلك من باب إعطاء عوض على غير شيء، وهو ممنوع)(1).

وقال الكاساني عند استدلاله على تحريم اشتراط منفعة أو زيادة في القرض، قال:(لأن الزيادة المشروطة تشبه الربا، لأنها فضل لا يقابله عوض. . . هذا إذا كانت الزيادة مشروطة في القرض، فأما إذا كانت غير مشروطة ولكن المستقرض أعطاه أجودهما فلا بأس بذلك، لأن الربا اسم لزيادة مشروطة في العقد، ولم توجد).

4 -

أنه قد وردت أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم تدل على استحباب الزيادة عند قضاء القرض:

ومن ذلك ما رواه مالك والشافعي ومسلم عن أبي رافع رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «استسلف من رجل بكرا.

فقال: أعطة إياه، إن خيار

(1) الموافقات 4/ 41، 42.

(2)

موطأ مالك كتاب البيوع باب ما يجوز من السلف 2/ 680، والرسالة للشافعي ص 544، وصحيح مسلم كتاب المساقاة باب من استسلف شيئا فقضى خيرا منه 3/ 1224، رقم 1600، ورواه أيضا أبو داود 3346، والترمذي 1318، النسائي 7/ 291، وابن ماجه 2285.

ص: 261

الناس أحسنهم قضاء (1)».

وما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه «أخذ سنا فجاء صاحبه يتقاضاه، فقالوا له، فقال: إن لصاحب الحق مقالا (2)» واللفظ للبخاري، وفي لفظ لمسلم:«استقرض رسول الله صلى الله عليه وسلم سنا، فأعطى سنا فوقه، وقال: خياركم محاسنكم قضاء (3)» .

فكيف يقال مع وجود هذه النصوص بتحريم كل قرض جر نفعا بإطلاق، ففيها ما يدل على جواز الزيادة للمقرض عند الوفاء، بل ما يدل على استحبابه.

5 -

أنه لو قيل بمنع كل قرض يجر نفعا للمقرض من أي وجه لوجب منع القرض المعتاد، لأن المقرض يحصل من قرضه على منافع معنوية وحسية، منها: أن ماله سيكون مضمونا عند المقترض متى ما أراده طلبه منه، بخلاف ما لو أودعه، فإنه لو تلف عند المودع بدون تفريط منه أو تعد لم يضمنه، وقد يكون المقرض في مكان غير آمن، أو يريد أن

(1)(2)، فقدمت عليه إبل من إبل الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكرا، فرجع إليه أبو رافع فقال: لم أجد فيها إلا خيارا رباعيا

(2)

صحيح البخاري الهبة وفضلها والتحريض عليها (2609)، صحيح مسلم المساقاة (1601)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 456).

(3)

صحيح البخاري مع الفتح كتاب الاستقراض باب استقراض الحيوان 5/ 56، رقم (2390)، وكتاب الهبة باب من أهدي له هدية 5/ 227، رقم (2609)، وصحيح مسلم كتاب المساقاة باب من استسلف شيئا فقضى خيرا منه 3/ 1225، رقم (1601). ورواه الترمذي (1316، 1317)، والنسائي 7/ 291 بنحو رواية مسلم.

ص: 262

يسافر ولم يجد من يودع ماله عنده، فيلجأ إلى إقراض ماله لشخص محتاج إليه ليكون في ذمته، فمتى احتاج إليه طلبه منه.

ومن المنافع التي يحصل المقرض عليها أيضا: أنه سيكون له يد ومنة على المقترض، لمساعدته له وإحسانه إليه، وربما قصد المقرض ذلك ليستفيد منه فيما بعد، إما بأن يقرضه أو يشفع له أو يكفله أو لغير ذلك من المقاصد الكثيرة.

قال أبو محمد ابن حزم رحمه الله تعالى: (وأما قولكم: (إنه سلف جر منفعة) فكان ماذا؟ أين وجدوا النهي عن سلف جر نفعا، فليعلموا الآن أنه ليس في العالم سلف إلا وهو يجر منفعة، وذلك انتفاع المسلف بتضمين ماله، فيكون مضمونا تلف أو لم يتلف، مع شكر المستقرض إياه، وانتفاع المستقرض بمال غيره مدة ما، فعلى قولهم:(كل سلف فهو حرام)، وفي هذا ما فيه) فإذا علم هذا تبين أن النفع المحرم هو ما يلي:

1 -

ما يشترطه المقرض على المقترض دون مقابل سوى مجرد القرض، وهو الذي أجمع أهل العلم على تحريمه.

2 -

ما يقدمه المقترض للدائن بسبب القرض دون شرط.

وهكذا كله غير موجود في هذه الصورة من صور هذه الجمعية، لأن النفع الذي يحصل المقرض لا يقدمه المقترض أصلا، وإنما يقدمه غيره من المشتركين في هذه الجمعية، وهو أيضا نفع ليس فيه زيادة لطرف على

ص: 263

طرف آخر، وإنما هو نفع مشترك بين كل المقرضين في الجمعية سوى آخرهم فهو محسن، لأنه يقرض ولا يستقرض.

الدليل الثاني: أن القرض المشروع ما كان مبتغى به وجه الله تعالى، ويقصد به الإرفاق بالمقترض، ولهذا نهي المحسن أن يتخذ قرضه وسيلة للانتفاع ممن أحسن إليه.

ويمكن أن يجاب عن هذا الدليل بأن قولهم: (إن القرض المشروع ما كان يبتغى به وجه الله) ليس على إطلاقه، فالقرض من المعاملات التي إن ابتغي بها وجه الله أثيب عليها، وإن أريد بها منافع دنيوية كانت مباحة، فهو كإنظار المعسر، فإنه إن أنظره ابتغاء وجه الله أثيب على ذلك، وإن أنظره، لأن رفع أمره إلى القاضي ربما يتسبب في سجن المدين، فلا يتمكن من سداد دينه، أو أنظره لانشغاله عن رفع أمره إلى القضاء أو لأن ذلك سيشق عليه ونحو ذلك لم يثب عليه، ومثل ذلك العارية والهدية.

فالأصل في مشروعية القرض واستحبابه الإرفاق بالمقترض، وتفريج

ص: 264

كربته، "فإن ابتغى به المقرض منفعة دنيوية (1) لم يثب عليه، ولا دليل على تحريمه، وبعض العلماء كرهه لما فيه من طلب النفع العاجل، وتفويت الثواب الآجل، ولم يحرمه.

قال الإمام ابن القيم: (وباب القرض من جنس باب العارية والمنيحة وإفقار الظهر. . . وليس هذا من باب البيع في شيء، بل هو من باب الإرفاق والتبرع والصدقة، وإن كان المقرض قد ينتفع أيضا بالقرض، كما في مسألة السفتجة، ولهذا كرهها من كرهها، والصحيح أنه لا تكره لأن المنفعة لا تخص المقرض بل ينتفعان بها جميعا).

وقال الشيخ محمد بن إبراهيم (2) رحمه الله في جواب له على سؤال لأحد السماسرة، يذكر فيه أنه يقرض بعض من يتولى بيع أموالهم، ويستوفي قرضه من مالهم إذا باعه، ويذكر فيه أيضا أنه يتخذ هذه الطريقة لترغيب الجالبين وإيثارهم إياه دون غيره، قال رحمه الله:(لا شك أن أصل مشروعية القرض واستحبابه التقرب إلى الله بتفريج كرب المحتاجين، وهذا القرض (3) ليس مقصدا من مقاصدك في الإقراض، وإنما غرضك جر منفعة لذلك، وحيث إن هذه المنفعة لا تنقص المقترض شيئا من ماله فغاية ما في الأمر الكراهة).

الدليل الثالث:

(1) سبق ذكر بعض المنافع الدنيوية المعنوية والحسية التي يحصل عليها المقرض من القرض ص (262، 263).

(2)

ينظر مجموع فتاواه ورسائله التي جمعها الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن قاسم ج 7، ص (210).

(3)

لعل صوابه (الغرض).

ص: 265

أن في هذه المعاملة شرط عقد في عقد، فهي بيعتان في بيعة المنهي عنه (1) فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه «نهى عن بيعتين في بيعة (2)» وثبت

(1) ينظر وجهة نظر الشيخ الدكتور صالح الفوزان حول قرار هيئة كبار العلماء بالمملكة في هذه المسألة.

(2)

رواه الإمام أحمد 2/ 432، 475، 503، والترمذي في البيوع باب النهي عن بيعتين في بيعة 3/ 524، حديث (1231) وقال:(حسن صحيح)، والنسائي في المجتبى في البيوع بيعتين في بيعة 7/ 295، 296، وابن حبان في الإحسان كتاب البيوع باب الزجر عن بيع الشيء بمائة دينار .. 7/ 225) حديت (4952)، وابن الجارود في المنتقى في باب المبايعات المنهي عنها ص (205)، حديث (600)، وابن المنذر في الإقناع في البيوع باب ذكر البيوع التي نهي عنها 1/ 251، حديت (90)، وأبو يعلى في مسنده 10/ 507، رقم (6124)، والخطابي في معالم السنن 5/ 97، والبغوي في شرح السنة في باب النهي عن بيعتين في بيعة 8/ 142، حديث (211) وقال:(حسن صحيح)، والبيهقي في الكبرى في البيوع باب النهي عن بيعتين في بيعة 5/ 343، وفي معرفة السنن في البيوع باب بيعتين في بيعة 8/ 156، رقم (11473)، وابن عبد البر في التمهيد 24/ 388، 389 من طرق عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة وإسناده حسن، رجاله ثقات عدا محمد به عمرو- وهو ابن علقمة- فهو صدوق له أوهام كما في التقريب ص (499). وقد صححه الإشبيلي في الأحكام الصغرى 2/ 676، وحسنه الشيخ محمد ناصر الدين في الإرواء 5/ 149، وحسين أسد في تعليقه على مسند أبي يعلى. ورواه ابن أبي شيبة في البيوع والأقضية: الرجل يشتري من الرحل المبيع فيقول

6/ 120، وعنه أبو داود في البيوع باب فيمن باع بيعتين في بيعة 3/ 274، حديث (3461) وابن حبان في الموضع السابق 7/ 226، حديث (4953)، والحاكم في البيوع 2/ 45 وصححه، ووافقه الذهبي والبيهقي في السنن في الموضع السابق، وابن عبد البر في التمهيد 24/ 389، عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة عن محمد بن عمرو له بلفظ:" من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا "، وإسناده حسن كسابقه. وقد صححه ابن حزم في المحلى 9/ 16، والإشبيلي في الأحكام الصغرى 2/ 676، وحسنه الشيخ محمد ناصر الدين في الإرواء 5/ 150، والأرناؤوط في تعليقه على شرح السنة، والدكتور الطاهر الدرديري في تخريج أحاديث المدونة 3/ 1112، والدكتور محمد عبد الله ولد كريم في تعليقه على القبس شرح الموطأ 2/ 842. ورواه الإمام أحمد في مسنده 2/ 174، 175، 205، والبيهقي في الموضع السابق، والبغوي في الموضع السابق 8/ 144، حديث (2112) من طرق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وإسناده حسن وقد حسنه الأرناؤوط في تعليقه على شرح السنة. ورواه الإمام أحمد في مسنده 2/ 71، والترمذي في البيوع باب ما جاء في مطل الغني 3/ 591، 592، حديث (1309)، وابن الجارود ص 205، حديث (599)، والبزار كما في كشف الأستار في البيوع 2/ 91، 100، حديث 1279، 1299 وابن عبد البر في التمهيد 24/ 388، وفي الاستذكار كتاب البيوع باب النهي عن بيعتين في بيعة 20/ 172، حديث (29675) من طرق عن هشيم عن يونس بن عبيد عن نافع عن ابن عمر، ورجاله ثقات، وقد صرح هشيم بالتحديث عند الإمام أحمد والترمذي وابن عبد البر، لكن يونس بن عبيد لم يسمع من نافع، كما قال الإمام أحمد وابن معين وأبو حاتم والبخاري، ينظر تهذيب التهذيب 11/ 445، ومصباح الزجاجة 3/ 62، فهذا الإسناد ضعيف لانقطاعه. ورواه الإمام أحمد 5/ 295، رقم (3783) تحقيق شاكر، والبزار كما في كشف الأستار 2/ 90، حديث (1277)، وابن عبد البر في التمهيد 24/ 389 من طرق عن شريك عن سماك عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه مرفوعا. وإسناده ضعيف، شريك- وهو ابن عبد الله النخعي القاضي- صدوق يخطئ كثيرا وتغير حفظه لما ولي قضاء الكوفة كما في التقريب ص 266. وقد خالف من هو أوثق منه، حيث رواه شعبة والثوري فرققاه كما سيأتي قريبا، وقد صححه أحمد شاكر في تعليقه على المسند. ورواه الطبراني في الأوسط 3/ 363، 364، رقم (1633) من طريق ابن السماك بن حرب عن أبيه به. وإسناده ضعيف جدا. ابن سماك متروك الحديث، كما قال أبو حاتم. ينظر الجرح والتعديل 4/ 32، واللسان 3/ 33. ورواه العقيلي في الضعفاء 3/ 288 من طريق عمرو بن عثمان الثقفي قال: حدثنا سفيان عن سماك به بلفظ: (الصفقتان ربا)، قال العقيلي:(عمرو بن عثمان الثقفي عن الثوري، ولا يتابع عليه)، ثم رواه موقوفا، ثم قال:(هذا أولى)، وينظر اللسان 4/ 371، ونصب الراية 4/ 20، ولفظه فيهما نقلا عن كتاب الضعفاء:(الصفقة في الصفقتين ربا). فلعله تصحف في المطبوع.

ص: 266

عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: (صفقتان في صفقة ربا).

ص: 267

ويمكن أن يجاب عن الاستدلال بالحديث السابق بجوابين:

الجواب الأول:

أنه قد اختلف في تفسير (بيعتين في بيعة) المنهي عنه في هذا الحديث على أقوال أهمها:

القول الأول: أن يقول: بعتك هذا الثوب بعشرة نقدا أو بعشرين نسيئة، أو يبيعه سلعة بثوب أو شاة، فيتفرقا على ذلك، فلا يدري أيهما الثمن.

القول الثاني: أن يشترط أحد المتعاقدين على صاحبه عقدا آخر (1)، كأن يقول: أبيعك داري هذه بكذا، على أن تبيعني غلامك بكذا، فإذا وجب لي غلامك وجبت لك داري، ومثله لو قال: أبيعك داري بكذا على أن تؤجرني دارك بكذا، أو على أن تشتري مني داري الأخرى بكذا، أو على أن أؤجرك، أو على أن تزوجني ابنتك، أو على أن أزوجك

(1) الدرر السنية في الأجوبة النجدية 5/ 21، التمهيد 24/ 391.

ص: 268

ابنتي، أو على أن تنفق على عبدي أو دابتي (1)، أو يقول: أبيعك سلعتي بدينار على أن تعطيني بالدينار إذا حل كذا وكذا درهما، أو يقول: أبيعك سلعتي هذه بمائة درهم على أن تعطيني دنانير، كل دينار بعدد من الدارهم.

القول الثالث: أن يقول: اشتري منك هذه الخمسة عشر صاعا عجوة أو هذه الاثني عشر صاعا من الحنطة بدينار، قد وجبت لي إحداهما، أو يقول: بعتك هذا العبد بألف دينار نقدا أو بألفين إلى سنة، قد وجب لك البيع بأيهما شئت أنا أو شئت أنت (2).

القول الرابع: أنه بيع ما ليس عند، كأن يقول الرجل: ابتع لي بعير فلان بنقد، فأبتاعه منك إلى أجل (3).

القول الخامس: أن يقول: أبيعك هذه السلعة بمائة درهم نقدا، وبمائتي درهم نسيئة (4).

القول السادس: أن يقول: الساحة تساوي كذا نقدا وأبيعكها بكذا

(1) المغني 6/ 232، 233، مغني المحتاج 2/ 31، الدرر السنية في الأجوبة النجدية 5/ 21.

(2)

الاستذكار 20/ 175 التمهيد 24/ 391، وهذا القول قريب من القول الأول.

(3)

ينظر الموطأ مع شرحه المنتقى 5/ 38، وعارضة الأحوذي 5/ 239، والاستذكار 20/ 173، 174.

(4)

السنن الصغرى (المجتبى) للنسائي 7/ 295، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان 7/ 225.

ص: 269

مؤجلا.

القول السابع: أن يسلفه دينارا في قفيز حنطة إلى شهر، فإذا حل الأجل وطالبه بالحنطة قال: بعني القفيز الذي لك علي إلى شهرين بقفيزين، فهذا بيع ثان قد دخل على البيع الأول.

القول الثامن: أن يبيع السلعة بثمن مؤجل، ثم يشتريها ممن باعها عليه بثمن حال أنقص مما باعها به، وهو بيع العينة.

وبعض العلماء جعل بعض الأقوال والصور السابقة أمثلة لبيعتين في بيعة، كما فعل ابن حزم وابن قدامة وغيرهما.

والراجح من هذه الأقوال هو القول الأخير والذي قبله، فكلا الصورتين المذكورتين فيهما تدخلان في عموم هذا الحديث دون غيرهما من الصور لما يلي:

ص: 270

1 -

أن قوله في رواية ابن أبي شيبة وأبي داود ومن وافقهما: " فله أوكسهما " يدل على أن الشيء الواحد بيع مرتين، إحداهما أقل ثمنا من الأخرى (1).

2 -

أن قوله في الرواية المشار إليها آنفا: " أو الربا " يخرج جميع الصور والمسائل التي لا ربا فيها.

3 -

أن بعض الصور السابقة لا يوجد فيها صفقتان، وإنما فيها صفقة واحدة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: للناس في البيعتين في البيعة، تفسيران، أحدهما: أن يقول: (هو لك بكذا بنقد، أو بنسيئة بكذا) كما رواه سماك بن حرب عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صفقتين في صفقة، (2)» قال سماك: هو الرجل يبيع البيع فيقول هو بنسأ بكذا، وبنقد بكذا وكذا.

رواه الإمام أحمد، وعلى هذا فله وجهان: أحدهما: أن يبيعه بأحدهما مبهما ويتفرقا على ذلك، وهذا تفسير جماعة من أهل العلم، لكنه يتعذر من هذا الحديث، فإنه لا مدخل للربا هنا، ولا صفقتين هنا، وإنما هي صفقة

(1) نيل الأوطار 5/ 249.

(2)

مسند أحمد بن حنبل (1/ 398).

ص: 271

واحدة بثمن مبهم.

والثاني:. . .) ثم ذكر الوجه الآخر (1)، ثم قال: (التفسير الثاني: أن يبيعه الشيء بثمن على أن يشتري منه ذلك الثمن، وأولى منه: أن يبيعه السلعة على أن يشتريها البائع بعد ذلك، وهذا أولى بلفظ: البيعتين في بيعة.

فإنه باع السلعة وابتاعها، أو باع الثمن وابتاعه، وهذه صفقتان في صفقة، وهذا بعينه هو العينة المحرمة وما أشبهها، مثل أن يبيعه نساء ثم يشتري بأقل منه نقدا أو بنقد ثم يشتري بأكثر منه نساء، ونحو ذلك، فيعود حاصل هاتين الصفقتين إلى أن يعطيه دراهم ويأخذ أكثر منها، وسلعته عادت، إليه فلا يكون له إلا أوكس الصفقتين، وهو النقد، فإن ازداد فقد أربى) (2).

وقال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى (3): (وقد فسرت البيعتان في البيعة بأن يقول: أبيعك بعشرة نقدا أو بعشرين نسيئة.

هذا بعيد من معنى الحديث من وجهين: أحدهما: أنه لا يدخل الربا في هذا العقد.

الثاني: أن هذا ليس بصفقتين، إنما هو صفقة واحدة بأحد الثمنين، وقد ردده بين الأوليين (4) أو الربا.

ومعلوم أنه إذا أخذ بالثمن الأزيد في هذا العقد لم يكن ربا، فليس هذا معنى الحديث.

" وفسر بأن يقول: خذ هذه السلعة بعشرة نقدا، وآخذها منك

(1) وقد سبق نقل كلام شيخ الإسلام المشار إليه ص (270) تعليق (1).

(2)

المرجع السابق 5/ 20، 21.

(3)

تهذيب سنن أبي داود 5/ 148.

(4)

هكذا، وهو تصحيف، ولعل الصواب (الأوكس).

ص: 272

بعشرين نسيئة، وهي مسألة العينة بعينها.

وهذا هو المعنى المطابق للحديث، فإنه إذا كان مقصوده الدراهم العاجلة بالآجلة، فهو لا يستحق إلا رأس ماله، وهو أوكس الثمنين، فإن أخذه أخذ أوكسهما، وإن أخذ الثمن الأكثر فقد أخذ الربا، فلا محيد له عن أوكس الثمنين أو الربا، ولا يحتمل الحديث غير هذا المعنى) انتهى كلامه رحمه الله.

وقال أيضا (1) عند ذكره لما فسر به هذا الحديث: (. . . والتفسير الثاني: أن يقول: أبيعكها بمائة إلى سنة على أن أشتريها منك بثمانين حالة، وهذا معنى الحديث الذي لا معنى غيره، وهو مطابق لقوله: «فله أوكسهما أو الربا (2)» فإنه إما أن يأخذ الثمن الزائد فيربي، أو الثمن الأول فيكون هو أوكسهما، وهو مطابق لصفقتين في صفقة.

فإنه قد جمع صفقتي النقد والنسيئة في صفقة واحدة ومبيع واحد، وهو قد قصد بيع دراهم عاجلة بدراهم مؤجلة أكثر منها، ولا يستحق إلا رأس ماله، وهو أوكس الصفقتين، فإن أبى إلا الأكثر كان قد أخذ الربا.

فتدبر مطابقة هذا التفسير لألفاظه صلى الله عليه وسلم، وانطباقه عليها.

ومما يشهد لهذا التفسير ما رواه الإمام أحمد عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم (أنه «نهى عن بيعتين في بيعة وعن سلف وبيع (3)».

فجمعه بين هذين العقدين في النهي لأن كلا منهما يؤدي إلى الربا؛ لأنهما في الظاهر بيع، وفي الحقيقة ربا) انتهى كلامه رحمه الله.

الجواب الثاني عن الاستدلال بحديث «نهى عن بيعتين في بيعة (4)» :

(1) المرجع السابق 5/ 106.

(2)

سنن الترمذي البيوع (1231)، سنن النسائي البيوع (4632)، سنن أبو داود البيوع (3461)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 432).

(3)

سنن الترمذي البيوع (1231)، سنن النسائي البيوع (4632).

(4)

سنن الترمذي البيوع (1231)، سنن النسائي البيوع (4632).

ص: 273

أن هذا الحديث إما فيه تحريم بيعتين في بيعة، والقرض ليس بيعا، فلا دلالة في هذا الحديث على تحريم هذه الصورة من صور جمعية الموظفين.

ويمكن أن يجاب عن الاستدلال بقول ابن مسعود رضي الله عنه: بأن ابن مسعود رضي الله عنه قد فسر مراده بقوله كما في رواية ابن أبي شيبة وإحدى روايات عبد الرزاق: أن يقول الرجل: إن كان بنقد فبكذا، وإن كان بنسيئة فبكذا).

وعليه فإن هذه الجمعية لا تدخل فيما نهى عنه ابن مسعود رضي الله عنه وحرمه.

الدليل الرابع:

أن الأضرار المترتبة على هذه المعاملة تزيد على منافعها، لما فيها من المخاطرة، فإنه لو مات المدين أو نقل من العمل في الجهة التي تعامل مع زملائه فيها إلى جهة أخرى أو فصل من الوظيفة أو تقاعد لضاع على زملائه حقهم الذي لديه أو صعبت مطالبته به، والسنة الشريفة جاءت بتحقيق المصالح وتحصيلها وتكثيرها، وقطع دابر المفاسد والوسائل المفضية إليها.

ويمكن أن يناقش القول بأن أضرار هذه الجمعية أكثر من منافعها بعدم التسليم بذلك، فإن ما فيها من المنافع يزيد أضعافا مضاعفة على

ص: 274

الأضرار المترتبة عليها (1)، ثم إن المخاطر المذكورة موجودة في أكثر المعاملات المباحة، وموجودة أيضا في القرض المعتاد، ومع ذلك لم يقل أحد من العلماء بتحريم شيء منها من أجل ذلك، ويلزم على القول بمنع هذه الجمعية من أجل هذه العلة القول بمنع إقراض الموظفين لزملائهم مطلقا، وبخاصة إذا كثر وانتشر بينهم.

ثم إن هذه المعاملة قد تكون بين جماعة يسكنون في قرية واحدة، أو بين أقارب، أو بين جيران، أو أصدقاء، فلا تكون هذه العلة موجودة.

وقد استدل للقول الأول (وهو القول بجواز هذه الصورة) بأدلة أهمها:

الدليل الأول:

أن هذا التعامل من العقود التي جاءت النصوص الشرعية بجوازها، لأنه قرض فيه إرفاق بالمقترض، حيث ينتفع بهذا المال مدة ثم يرد مثل ما أخذ، دون زيادة أو نقص، وهذه حقيقة القرض، وقد جاءت النصوص بمشروعيته (2)، وأجمع أهل العلم على جوازه، وهذه صورة من صوره، فالإقراض في هذه الجمعية شبيه بالقرض المعتاد، إلا أنه في هذه الجمعية يشترك في الإقراض والاقتراض والانتفاع أكثر من شخص.

وهذا لا يخرج هذه الجمعية عن مسمى القرض ولا عن حقيقته

(1) سيأتي الكلام على أهم إيجابيات وفوائد هذه الجمعية ص (276 - 277) في ضمن الدليل الثالث للقول الأول.

(2)

سبق ذكر بعض الأحاديث الدالة على جواز القرض ص (261 - 262).

ص: 275

الدليل الثاني: أن الأصل في العقود الحل، فكل عقد لم يرد دليل شرعي ينص على تحريمه فهو جائز، فلو سلمنا أن هذه المعاملة ليست من أنواع القرض الذي دل على مشروعيته النص والإجماع فإنها تبقى على الأصل، وهو الجواز، حيث لا يوجد دليل صحيح يدل على تحريمها.

الدليل الثالث:

أن في هذه المعاملة تعاونا على البر والتقوى، فهي طريق لسد حاجة المحتاجين، وإعانة لهم على البعد عن المعاملات المحرمة كالربا أو التحايل عليه ببيع العينة، وإعانة لهم أيضا على البعد عن المعاملات التي اختلف فيها أهل العلم كالتورق، ولذلك فإن المشاركين في هذه

ص: 276

الجمعية في الغالب يقدمون أكثرهم حاجة ثم من يليه في الاحتياج وهكذا، كما أن بعض المشاركين فيها يرضى أن يكون آخر من يستلم هذه الجمعية، فيكون مقرضا فقط، وقد يكون شارك فيها ولا هدف له سوى الحرص على استمرار هذه الجمعية ليستفيد منها المحتاجون من إخوانه وزملائه، وبعضهم قد يشترك فيها من أجل أن يحفظ ماله، لأنه إذا بقي لديه أنفقه، وربما يكون في إنفاقه شيء من الإسراف، فيحرص على أن يكون آخر من يستلم هذه الجمعية، فيكون مقرضا فقط، كما أن بعضهم يلجأ إلى الإقراض عن طريق هذه الجمعية لأنه خير من إقراضها لبنك ربوي، لأن حقيقة الإيداع في البنوك إقراض لها (1).

قال ابن القيم رحمه الله تعالى بعد ذكره لبعض صور القرض التي يكون فيها انتفاع للمقرض والمستقرض معا كالسفتجة (2) وإقراض فلاح ليعمل في أرضه وغير ذلك، قال:(والمنفعة التي تجر إلى الربا في القرض هي التي تخص المقرض كسكنى دار المقترض وركوب دوابه واستعماله وقبول هديته، فإنه لا مصلحة له في ذلك بخلاف هذه المسائل، فإن المنفعة مشتركة بينهما، وهما متعاونان عليها، فهي من جنس التعاون والمشاركة)(3).

(1) ينظر الاختيارات الجلية للبسام 3/ 58، 67، وتوضيح الأحكام له أيضا 4/ 75.

(2)

سبق ذكر تعريف السفتجة وحكمها ص (255 و 257).

(3)

تهذيب سنن أبي داود 5/ 153.

ص: 277

الدليل الرابع: أن المنفعة التي تحصل للمقرض في هذه الجمعية لا تنقص المقترض شيئا من ماله، وقد حصل المقترض على منفعة مساوية أو مقاربة لها، ففيها مصلحة لجميع المستقرضين فيها، وليس فها ضرر على واحد منهم أو زيادة نفع لمقرض على حساب مقترض، والشرع المطهر لا يرد بتحريم المصلحة التي لا مضرة فيها، بل يرد بمشروعيتها.

بل إن الشريعة كلها مبنية على جلب المصالح ودرء المفاسد (1).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد ذكره لخلاف العلماء في السفتجة (2): (والصحيح الجواز، لأن المقرض رأى النفع بأمن خطر الطريق في نقل دراهمه إلى ذلك البلد، وقد انتفع المقترض أيضا بالوفاء في ذلك البلد، وأمن خطر الطريق، فكلاهما منتفع بهذا الإقراض والشارع لا ينهى عما ينفعهم ويصلحهم، وإنما ينهى عما يضرهم).

الترجيح:

بعد النظر في الرأيين السابقين واستعراض الأدلة وما ورد على بعضها من مناقشة ظهر لي ترجيح القول الأول، لما يلي:

1 -

لقوة أدلته، وسلامتها من الاعتراضات المؤثرة.

(1) قواعد الأحكام 1/ 9، المستصفى 1/ 268، روضة الناظر 1/ 412، إعلام الموقعين 3/ 3.

(2)

سبق ذكر تعريف السفتحة وحكمها ص (255 و 257).

ص: 278

2 -

لضعف أدلة القول الثاني، لما ورد عليها من المناقشة، بحيث لم تعد تنهض للاحتجاج بها.

3 -

أن القول بجوازها هو الموافق لأصول الشريعة وقواعدها العامة ومبادئها الكلية؛ لأن جميع الأحكام الشرعية مبنية على جلب المصالح ودرء المفاسد (1)، ولا شك في وجود المصالح الكثيرة في هذه الجمعية لجميع المشاركين فيها (2)، وانتفاء المفاسد عنها.

4 -

أن في القول بمنع هذه المعاملة إلجاء للمحتاجين إلى المعاملات المحرمة أو المختلف في تحريمها كالتورق، وذلك عند عدم وجود من يقرضهم أو يعاملهم بالمعاملات المباحة كالسلم أو غيره، لحرص كثير من أرباب الأموال على الربح المضمون في ظنهم.

قال الموفق ابن قدامة بعد ذكره للخلاف في مسألة السفتجة (3) والتي فيها شبه بهذه الجمعية من جهة أن فيها منفعة للمقرض والمقترض، قال: (والصحيح جوازه؛ لأنه مصلحة لهما من غير ضرر بواحد منهما، والشرع لا يرد بتحريم المصالح التي لا مضرة فيها، بل يرد بمشروعيتها،

(1) سبق ذكر المراجع لهذه المسألة ص (278) تعليق (2)

(2)

سبق ذكر بعض المصالح في هده الجمعية ص (265).

(3)

سبق ذكر تعريف السفتجة وحكمها ص (255 و 257).

ص: 279