الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المعاصي والرذائل والدناءات على اختلاف أنواعها) (1)
(1) انظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، ج10 ص 167.
الفصل الثاني: في أصل مشروعيته
إنكار المنكرات المخالفة للشرع من الأمور الواجبة على من قدر على إنكارها يدل عليه ما يلي:
أ- قال الله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} (1).
2 -
قال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} (2).
ففي هاتين الآيتين دلالة على مشروعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لثناء الله تعالى على من اتصف بذلك، والثناء دلالة على طلب الفعل ممن قدر عليه.
3 -
قال تعالى: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} (3){كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} (4) ففي هاتين الآيتين وصف لفئة من بني إسرائيل كانت تعمل المعاصي، وتتعدى، ومع هذا كانوا لا يتناهون عن المنكر الذي يفعلونه، فحق عليهم اللعن والذم لذلك الفعل، وهما يستلزمان طلب الترك، لفعل أمر محظور شرعا، وما كان محظورا وجب تركه
(1) سورة آل عمران الآية 110
(2)
سورة التوبة الآية 71
(3)
سورة المائدة الآية 78
(4)
سورة المائدة الآية 79
والإنكار على فاعله، مما يدل على وجوب إنكار المنكر.
4 -
قال الله تعالى فيما يحكيه سبحانه عن لقمان: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} (1).
قال القرطبي: (يقتضي حضا على تغيير المنكر، وإن نالك ضرر فهو إشعار بأن المغير يؤذى أحيانا، وهذا القدر على جهة الندب والقوة في ذات الله)(2).
5 -
قال تعالى: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} (3){فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} (4).
روى أشهب عن مالك قال: زعم ابن رومان أنهم كانوا يأخذ الرجل منهم خيطا ويضع فيه وهقة (5) يلقيها في ذنب الحوت، وفي الطرف الآخر من الخيط وتد ويتركه كذلك إلى الأحد، ثم تطرق الناس حين رأوا من صنع لا يبتلى، حتى كثر صيد الحوت ومشي به في الأسواق، وأعلن الفسقة بصيده، فقامت فرقة فنهت وجاهرت بالنهي واعتزلت. ويقال: إن الناهين قالوا: لا نساكنكم فقسموا القرية بجدار، فأصبح الناهون ذات يوم في مجالسهم ولم يخرج من المعتدين أحد، فقالوا: إن للناس لشأنا، فعلوا على
(1) سورة لقمان الآية 17
(2)
انظر الجامع لأحكام القرآن، ص14 ص 68.
(3)
سورة الأعراف الآية 165
(4)
سورة الأعراف الآية 166
(5)
الوهق بالتحريك: حبل تشد به الإبل والخيل لئلا تند، لسان العرب مادة وهق.
الجدار فنظروا فإذا هم قردة. (1).
ومن هذا نعلم أن الناهين عن المنكر نجوا من العذاب بنص القرآن، أما الظلمة والعتاة فقرر النص القرآني لهم سوء العاقبة والمآل، مما يدل على وجوب إنكار المنكر وعدم التهاون فيه.
6 -
عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان (2)»
ففي هذا الحديث دلالة على وجوب إنكار المنكر بحسب القدرة عليه. قال ابن مسعود: (هلك من لم يعرف بقلبه المعروف والمنكر)، يشير إلى أن معرفة المعروف والمنكر بالقلب فرض لا يسقط عن أحد فمن لم يعرفه هلك.
وعن العرس بن عميرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها (3)»
؛ لأن الرضا بالخطايا من أقبح المحرمات (4).
7 -
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
«إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل
(1) انظر الجامع لأحكام القرآن، ج1 ص 440.
(2)
أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، صحيح مسلم بشرح النووي، ج 2 ص 22، والتزمذي في الجامع الصحيح 4/ 469، والنسائي في سننه بشرح السيوطي، 8/ 111، وأخرجه أحمد في مسنده، ج3 ص20، 49.
(3)
أخرجه أبو داود في كتاب الملاحم باب الأمر والنهي، عون المعبود، ج11 ص 500، وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير، حديث رقم 345، ج 17 ص139، وإسناده حسن.
(4)
انظر جامع العلوم والحكم، ص 281، 282.
فيقول: يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض " ثم قال: إلى قوله، ثم قال: "كلا والله، لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يدي العلم، ولتأطرنه على الحق أطرا، ولتقصرنه على الحق قصرا (4)»، وفي رواية:«أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض، ثم ليلعنكم كما لعنهم (5)»
ففي هذا الحديث دلالة على وجوب رد الناس إلى الحق وإلزامهم إياه، وحبسهم عليه، ومخالفة ذلك تؤول إلى ضرب القلوب بعضها على بعض، واستحقاق اللعن، وهذا بسبب ارتكاب المعاصي، مما يدل على أن عدم إنكار المنكر معصية، وفعل المعصية حرام.
8 -
عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن أن
(1) أخرجه أبو داود في كتاب الملاحم باب الأمر والنهي، عون المعبود، ج 11 ص 488، وأخرجه الترمذي في كتاب تفسير القرآن، باب سورة المائدة، وقال:(حسن غريب)، وذكر أن بعضهم رواه عن أبي عبيدة مرسلا، الجامع الصحيح، ج 5 ص 252 قال المنذري:(وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه فهو منقطع)، عون المعبود، ج 11 ص 488، وأخرجه ابن ماجه في كتاب الفتن باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، سنن ابن ماجه، ج 2 ص 1327، قال الهيثمي:(رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح)، مجمع الزوائد، ج7 ص 269.
(2)
سورة المائدة الآية 78 (1){لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ}
(3)
سورة المائدة الآية 81 (2){فَاسِقُونْ}
(4)
أصل الأطر العطف والتثني ومعناه: رده إلى الحق، عون المعبود 11/ 488. (3)
(5)
لأبي داود، عون المعبود، 11/ 488.
يبعث عليكم عقابا منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم (1)»، ففي هذا الحديث اقترن لفظ الأمر والنهي بلام الأمر الدالة على طلب الفعل، مما يدل على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفيه أن من لم يفعل ذلك ليوشك أن ينزل به العقاب، ومن ثم لا يستجاب له دعاء، ولا خلاص من ذلك إلا بالإنكار على العصاة، وما يؤول إلى الواجب فهو واجب، مما يدل على وجوب الإنكار.
9 -
عن إسماعيل عن قيس قال: قال أبو بكر بعد أن حمد الله وأثنى عليه: يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية وتضعونها على غير مواضعها {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} (2) قال: وإنا سمعنا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب (3)» .
وقال عمرو عن هشيم: وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي ثم يقدرون على أن يغيروا ثم لا يغيروا، إلا يوشك أن يعمهم الله منه بعقاب (4)» ففي هذا الحديث وعيد على من لم يغير المنكر، والوعيد لا يكون إلا على ترك واجب، وترك الواجب حرام، مما يدل على وجوب تغيير المنكر.
(1) أخرجه أحمد في مسنده ج 5 ص 388، والترمذي في كتاب الفتن باب ما جاء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال أبو عيسى:(هذا حديث حسن) الجامع الصحيح ج 4 ص 468.
(2)
سورة المائدة الآية 105
(3)
سنن الترمذي الفتن (2168)، سنن أبو داود الملاحم (4338)، سنن ابن ماجه الفتن (4005)، مسند أحمد بن حنبل (1/ 7).
(4)
أخرجه أبو داود في كتاب الملاحم باب الأمر والنص، قال المنذري:(وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه بنحوه)، عون المعبود، ج11 ص 489.
10 -
عن عدي بن عميرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله عز وجل لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكروه، فإذا فعلوا ذلك عذب الله العامة والخاصة (1)» .
ولأبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا خفيت الخطيئة لم تضر إلا صاحبها وإذا ظهرت فلم تغير ضرت العامة (2)»
وفي رواية لأم سلمة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا ظهرت المعاصي في أمتي عمهم الله بعذاب من عنده "، فقلت: يا رسول الله، أما فيهم الصالحون؟ قال: "بلى"، قلت: فكيف يصنع بأولئك؟) قال: "يصيبهم ما أصاب الناس ثم يصيرون إلى مغفرة من الله ورضوان (3)» .
ففي هذه النصوص دلالة على أن المعاصي إذا ظهرت وشاعت ولم تنكر، عم ضررها عامة الناس وخاصتهم، وهذا أمر مشاهد في عصرنا الحاضر، فشيوع الزنا في بعض المجتمعات أدت أضراره إلى إصابة غير الزناة حيث انتقلت أمراضه إليهم عن طريق نقل الدم أو وسائل النقل الأخرى، وقد تكون العقوبة غير ذلك مما يشاء الله من الأمراض، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: أقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا معشر
(1) أخرجه أحمد من طريقين، وأخرجه الطبراني وفيه رجل لم يسم، وبقية رجال أحد الإسنادين ثقات، وأخرج نحوه الطبراني عن العرس بن عميرة ورجاله ثقات، مجمع الزوائد، ج 7 ص 267 - 268.
(2)
أخرجه الطبراني في الأوسط وفيه مروان بن سالم الفقاري وهو متروك، مجمع الزوائد، ج 7 ص 267.
(3)
أخرجه أحمد بإسنادين رجال أحدهما رجال الصحيح، مجمع الزوائد 7/ 268.
المهاجرين خمس إذا ابتليتم بهن، وأعوذ بالله أن تدركوهن، لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا. . . . (1)»
ففي هذا دلالة على وجود علاقة قوية بين ظهور الفاحشة وإعلانها وبين الطاعون والأوجاع التي لم تكن فيمن مضى، وما مرض نقص المناعة المعروف بالإيدز إلا دليلا على تلك العقوبات المذكورة.
11 -
عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا رأيت أمتي تهاب الظالم أن تقول له أنت الظالم فقد تودع منهم (2)» ففي هذا دلالة على أن ترك إنكار المنكرات مهابة من الناس من أسباب حلول العقوبة مما يدل على وجوب إنكار المنكر.
12 -
قال ابن عطية: (الإجماع منعقد على أن النهي عن المنكر فرض لمن أطاقه وأمن الضرر على نفسه وعلى المسلمين، فإن خاف فينكر بقلبه ويهجر ذا المنكر ولا يخالطه)(3).
وقال النووي: (وأما قوله: "فليغيره " فهو أمر إيجاب بإجماع الأمة، وقد تطابق على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الكتاب والسنة وإجماع الأمة، وهو أيضا من النصيحة التي هي الدين، ولم يخالف في ذلك إلا بعض الرافضة، ولا يعتد بخلافهم، كما قال الإمام أبو المعالي إمام الحرمين: لا يكترث بخلافهم في هذا، فقد
(1) أخرجه ابن ماجه في كتاب الفتن باب العقوبات، سنن ابن ماجه، ج 2 ص 1332.
(2)
أخرجه أحمد والبزار، والطبراني، وأحد أسانيد البزار رجاله رجال الصحيح، وكذلك إسناد أحمد إلا أنه وقع في الأصل غلط، مجمع الزوائد، ج 7 ص، 270.
(3)
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، ج6 ص 253.
أجمع المسلمون عليه قبل أن ينبغ هؤلاء، ووجوبه بالشرع لا بالعقل خلافا للمعتزلة وأما قول الله عز وجل:{عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} (1) فليس مخالفا لما ذكرناه؛ لأن المذهب الصحيح عند المحققين في معنى الآية: أنكم إذا فعلتم ما كلفتم به فلا يضركم تقصير غيركم، مثل قوله تعالى:{أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} (2) وإذا كان كذلك فمما كلف به الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا فعله ولم يمتثل المخاطب فلا عتب بعد ذلك على الفاعل؛ لكونه أدى ما عليه فإنما عليه الأمر والنهي لا القبول والله أعلم.
ثم إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية إذا قام به بعض الناس سقط الحرج عن الباقين، وإذا تركه الجميع أثم كل من تمكن منه بلا عذر ولا خوف، ثم إنه قد يتعين كما إذا كان في موضع لا يعلم به إلا هو، أو لا يتمكن من إزالته إلا هو، وكمن يرى زوجته أو ولده أو غلامه على منكر أو تقصير في المعروف. قال العلماء رضي الله عنهم: لا يسقط عن المكلف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لكونه لا يفيد في ظنه، بل يجب عليه فعله فإن الذكرى تنفع المؤمنين. . . قال العلماء: ولا يشترط في الآمر والناهي أن يكون كامل الحال ممتثلا ما يأمر به مجتنبا ما ينهى عنه، بل عليه الأمر وإن كان مخلا بما يأمر به، والنهي وإن كان متلبسا. مما ينهى عنه، فإنه يجب عليه شيئان: أن يأمر نفسه وينهاها، ويأمر غيره وينهاه فإذا
(1) سورة المائدة الآية 105
(2)
سورة النجم الآية 38
أخل بأحدهما كيف يباح له الإخلال بالآخر) (1).
(وقال حذاق أهل العلم: وليس من شرط الناهي أن يكون سليما عن معصية بل ينهى العصاة بعضهم بعضا). وقال بعض الأصوليين: فرض على الذين يتعاطون الكؤوس أن ينهى بعضهم بعضا بدليل قوله تعالى: {كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ} (2) فهذا يقتضي اشتراكهم في الفعل وذمهم على ترك التناهي) (3).
قال العلماء: (ولا يختص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بأصحاب الولايات بل ذلك جائز لآحاد المسلمين). قال إمام الحرمين: والدليل عليه إجماع المسلمين فإن غير الولاة في الصدر الأول والعصر الذي يليه كانوا يأمرون الولاة بالمعروف وينهونهم عن المنكر مع تقرير المسلمين إياهم وترك توبيخهم على التشاغل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من غير ولاية) (4).
وفي ضوء ما تقرر فإن إزالة المنكرات لهي من أوجب الواجبات، وأصل الضرورات لصلاح المجتمعات، عندما تشطط عن طريق الهداية، ويختار بعض أفرادها طريق الغواية. فإن تركت المنكرات ولم تنكر فستعث به كما يعث السوس في الصوف والثياب والطعام، وستنخر في الأمة وتضعف حالها، حتى تكون هزيلة رديئة، لا يتحرك لها قوام، ولا ترتفع
(1) انظر شرح النووي على صحيح مسلم، ج2 ص22، 23.
(2)
سورة المائدة الآية 79
(3)
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، ج6 ص253.
(4)
انظر صحيح مسلم بشرح النووي، ج2 ص23.