الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ب- وقال
ابن قدامة في المغني
رحمه الله:
باب الربا والصرف
الربا في اللغة: هو الزيادة. قال الله تعالى. {فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} (1) وقال: {أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ} (2) أي أكثر عددا، يقال: أربى فلان على فلان، إذا زاد عليه.
وهو في الشرع: الزيادة في أشياء مخصوصة. وهو محرم بالكتاب، والسنة، والإجماع.
أما الكتاب: فقول الله تعالى: {وَحَرَّمَ الرِّبَا} (3) وما بعدها من الآيات.
وأما السنة: فروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اجتنبوا السبع الموبقات"، قيل: يا رسول الله ما هي؟ قال: "الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات (4)» ، وروي «عن النبي صلى الله عليه وسلم (أنه لعن آكل الربا، وموكله، وشاهديه، وكاتبه (5)» متفق عليهما في أخبار سوى هذين كثيرة، وأجمعت الأمة على أن الربا محرم.
(فصل) والربا على ضربين: ربا الفضل، وربا النسيئة. وأجمع أهل العلم على تحريمهما. وقد كان في ربا الفضل اختلاف بين الصحابة؛ فحكي عن ابن عباس وأسامة بن زيد وزيد بن أرقم، وابن الزبير، أنهم قالوا: (إنما
(1) سورة الحج الآية 5
(2)
سورة النحل الآية 92
(3)
سورة البقرة الآية 275
(4)
صحيح البخاري الوصايا (2767)، صحيح مسلم الإيمان (89)، سنن النسائي الوصايا (3671)، سنن أبو داود الوصايا (2874).
(5)
صحيح مسلم المساقاة (1598)، مسند أحمد بن حنبل (3/ 304).
الربا في النسيئة)، لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«لا ربا إلا في النسيئة (1)» . رواه البخاري. والمشهور من ذلك قول ابن عباس، ثم إنه رجع إلى قول الجماعة، روى ذلك الأثرم بإسناده، وقاله الترمذي، وابن المنذر، وغيرهم. وقال سعيد بإسناده، عن أبي صالح قال:(صحبت ابن عباس حتى مات، فوالله ما رجع عن الصرف). وعن سعيد بن جبير، قال:(سألت ابن عباس قبل موته بعشرين ليلة عن الصرف؟ فلم ير به بأسا، وكان يأمر به). والصحيح قول الجمهور؛ لحديث أبي سعيد الخدري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا غائبا بناجز (2)» . وروى أبو سعيد أيضا، قال:«جاء بلال إلى النبي صلى الله عليه وسلم بتمر برني، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "من أين هذا يا بلال؟ ". قال: كان عندنا تمر رديء فبعت صاعين بصاع ليطعم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أوه! عين الربا، عين الربا، لا تفعل، ولكن إن أردت أن تشتري فبع التمر ببيع آخر، ثم اشتر به (3)» . متفق عليهما، قال الترمذي على حديث أبي سعيد:(العمل عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ربا إلا في النسيئة (4)»، محمول على الجنسين).
(1) صحيح مسلم المساقاة (1596)، سنن النسائي البيوع (4580)، سنن ابن ماجه التجارات (2257)، مسند أحمد بن حنبل (5/ 209)، سنن الدارمي البيوع (2580).
(2)
صحيح البخاري البيوع (2177)، صحيح مسلم المساقاة (1584)، سنن الترمذي البيوع (1241)، سنن النسائي البيوع (4570)، مسند أحمد بن حنبل (3/ 4)، موطأ مالك البيوع (1324).
(3)
صحيح البخاري الوكالة (2312)، صحيح مسلم المساقاة (1594)، مسند أحمد بن حنبل (3/ 67).
(4)
صحيح مسلم المساقاة (1596)، سنن النسائي البيوع (4580)، سنن ابن ماجه التجارات (2257)، مسند أحمد بن حنبل (5/ 209)، سنن الدارمي البيوع (2580).
مسألة: قال أبو القاسم رحمه الله: (وكل ما كيل أو وزن من سائر الأشياء، فلا يجوز التفاضل فيه إذا كان جنسا واحدا).
قوله: (من سائر الأشياء). يعني من جميعها. وضع سائر موضع جميع تجوزا، وموضوعها الأصلي لباقي الشيء، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في الربا أحاديث كثيرة، ومن أتمها ما روى عبادة بن الصامت، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الذهب بالذهب مثلا بمثل، والفضة بالفضة مثلا بمثل، والتمر بالتمر مثلا بمثل، والبر بالبر مثلا بمثل، والملح بالملح مثلا بمثل، والشعير
بالشعير مثلا بمثل، فمن زاد أو ازداد فقد أربى، بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يدا بيد، وبيعوا البر بالتمر كيف شئتم يدا بيد، وبيعوا الشعير بالتمر كيف شئتم يدا بيد (1)» رواه مسلم. فهذه الأعيان المنصوص عليها يثبت الربا فيها بالنص والإجماع.
واختلف أهل العلم فيما سواها، فحكي عن طاوس وقتادة: أنهما قصرا الربا عليها، وقالا:(لا يجري في غيرها)، وبه قال داود ونفاة القياس، وقالوا:(ما عداها على أصل الإباحة)؛ لقول الله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} (2) اتفق القائلون بالقياس على أن ثبوت الربا فيها بعلة، وأنه يثبت في كل ما وجدت فيه علتها؛ لأن القياس دليل شرعي. فيجب استخراج علة هذا الحكم، وإثباته في كل موضع وجدت علته فيه. وقول الله تعالى:{وَحَرَّمَ الرِّبَا} (3) يقتضي تحريم كل زيادة، إذ الربا في اللغة: الزيادة، إلا ما أجمعنا على تخصيصه. وهذا يعارض ما ذكروه.
ثم اتفق أهل العلم على أن ربا الفضل لا يجري إلا في الجنس الواحد، إلا سعيد بن جبير، فإنه قال:(كل شيئين يتقارب الانتفاع بهما لا يجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلا، كالحنطة بالشعير، والتمر بالزبيب، والذرة بالدخن؛ لأنهما يتقارب نفعهما، فجريا مجرى نوعي جنس وحد). وهذا يخالف قول النبي صلى الله عليه وسلم: «بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يدا بيد، وبيعوا البر بالتمر كيف شئتم (4)» ، فلا يعول عليه. ثم يبطل بالذهب بالفضة، فإنه يجوز التفاضل فيهما مع تقاربهما.
واتفق المعللون على أن علة الذهب والفضة واحدة، وعلة الأعيان الأربعة واحدة، ثم اختلفوا في علة كل واحد منهما؛ فروي عن أحمد في ذلك ثلاث روايات، أشهرهن أن علة الربا في الذهب والفضة كونه موزون جنس، وعلة الأعيان الأربعة مكيل جنس. نقلها عن أحمد
(1) صحيح مسلم المساقاة (1587)، سنن الترمذي البيوع (1240)، سنن النسائي البيوع (4561)، سنن أبو داود البيوع (3349)، سنن ابن ماجه التجارات (2254)، مسند أحمد بن حنبل (5/ 314)، سنن الدارمي كتاب البيوع (2579).
(2)
سورة البقرة الآية 275
(3)
سورة البقرة الآية 275
(4)
صحيح مسلم المساقاة (1587)، سنن الترمذي البيوع (1240)، سنن النسائي كتاب البيوع (4563)، سنن أبو داود البيوع (3349)، سنن ابن ماجه التجارات (2254)، مسند أحمد بن حنبل (5/ 314)، سنن الدارمي كتاب البيوع (2579).
الجماعة، وذكرها الخرقي، وابن أبي موسى، وأكثر الأصحاب، وهو قول النخعي، والزهري، والثوري، وإسحاق، وأصحاب الرأي. فعلى هذه الرواية يجري الربا في كل مكيل، أو موزون بجنسه، مطعوما كان أو غير مطعوم، كالحبوب، والأشنان، والنورة، والقطن، والصوف، والكتان، والورس، والحناء، والعصفر، والحديد، والنحاس، ونحو ذلك. ولا يجري في مطعوم لا يكال ولا يوزن؛ لما روى ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تبيعوا الدينار بالدينارين، ولا الدرهم بالدرهمين، ولا الصاع بالصاعين، فإني أخاف عليكم الرماء". وهو الربا، فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله، أرأيت الرجل يبيع الفرس بالأفراس، والنجيبة بالإبل؟ فقال: "لا بأس إذا كان يدا بيد (1)» رواه الإمام أحمد في المسند، عن ابن حبان عن أبيه، عن ابن عمر. وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«ما وزن مثلا بمثل إذا كان نوعا واحدا، وما كيل مثلا بمثل إذا كان نوعا واحدا» رواه الدارقطني، ورواه عن ابن صاعد، عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أحمد بن محمد بن أيوب، عن أبي بكر بن عياش، عن الربيع، عن صبيح، عن الحسن، عن عبادة، وأنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال:(لم يروه عن أبي بكر هكذا غير محمد بن أحمد بن أيوب، وخالفه غيره فرواه بلفظ آخر). وعن عمار أنه قال: (العبد خير من العبدين، والثوب خير من الثوبين، فما كان يدا بيد فلا بأس به، إنما الربا في النساء إلا ما كيل أو وزن). ولأن قضية البيع المساواة، والمؤثر في تحقيقها الكيل والوزن والجنس، فإن الوزن أو الكيل يسوي بينهما صورة، والجنس يسوي بينهما معنى، فكانا علة، ووجدنا الزيادة في الرجل محرمة دون الزيادة في الطعم؛ بدليل بيع الثقيلة بالخفيفة، فإنه جائز إذا تساويا في الكيل.
والرواية الثانية: أن العلة في الأثمان الثمينة، وفيما عداها كونه مطعوم جنس، فيختص بالمطعومات، ويخرج منه ما عداها، قال أبو بكر:
(1) صحيح مسلم المساقاة (1585).
(روى ذلك عن أحمد جماعة)، ونحو هذا قال الشافعي، فإنه قال:(العلة الطعم، والجنس شرط). والعلة في الذهب والفضة جوهرية الثمنية غالبا، فيختص بالذهب والفضة؛ لما روى معمر بن عبد الله، أن النبي صلى الله عليه وسلم «نهى عن بيع الطعام بالطعام إلا مثلا بمثل (1)» رواه مسلم. ولأن الطعم وصف شرف إذ به قوام الأبدان، والثمنية وصف شرف، إذ بها قوام الأموال، فيقتضي التعليل بهما، ولأنه لو كانت العلة في الأثمان الوزن لم يجز إسلامهما في الموزونات، لأن أحد وصفي علة ربا الفضل يكفي في تحريم النساء.
والرواية الثالثة: العلة فيما عدا الذهب والفضة كونه مطعوم جنس مكيلا أو موزونا، فلا يجري الربا في مطعوم لا يكال ولا يوزن، كالتفاح، والرمان، والخوخ، والبطيخ، والكمثرى، والأترج، والسفرجل، والأجاص، والخيار، والجوز، والبيض، ولا فيما ليس بمطعوم، كالزعفران، والأشنان، والحديد، والرصاص، ونحوه. ويروى ذلك عن سعيد بن المسيب، وهو قديم قولي الشافعي، لما روي عن سعيد بن المسيب، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:«لا ربا إلا فيما كيل أو وزن، مما يؤكل أو يشرب» أخرجه الدارقطني، وقال:(الصحيح أنه من قول سعيد، ومن رفعه فقد وهم). ولأن لكل واحد من هذه الأوصاف أثرا، والحكم مقرون بجميعها في المنصوص عليه، فلا يجوز حذفه. ولأن الكيل والوزن والجنس لا يقتضي وجوب المماثلة، وإنما أثره في تحقيقها في العلة ما يقتضي ثبوت الحكم لا ما تحقق شرطه، والطعم بمجرده لا تتحقق المماثلة به؛ لعدم المعيار الشرعي فيه، وإنما تجب المماثلة في المعيار الشرعي وهو الكيل والوزن، ولهذا وجبت المساواة في المكيل كيلا، وفي الموزون وزنا، فوجب أن يكون الطعم معتبرا في المكيل والموزون، دون غيرهما. والأحاديث الواردة في هذا الباب يجب الجمع بينها، وتقييد كل واحد منها
(1) صحيح مسلم المساقاة (1592)، مسند أحمد بن حنبل (6/ 401).
بالآخر. فنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام إلا مثلا بمثل، يتقيد بما فيه معيار شرعي وهو الكيل والوزن، ونهيه عن بيع الصاع بالصاعين يتقيد بالمطعوم المنهي عن التفاضل فيه. وقال مالك:(العلة القوت، أو ما يصلح به القوت من جنس واحد من المدخرات). وقال ربيعة: (يجري الربا فيما تجب فيه الزكاة دون غيره). وقال ابن سيرين: (الجنس الواحد علة)، وهذا القول لا يصح، «لقول النبي صلى الله عليه وسلم في بيع الفرس بالأفراس والنجيبة بالإبل: "لا بأس به إذا كان يدا بيد (1)». وروي «أن النبي صلى الله عليه وسلم (ابتاع عبدا بعبدين (2)» رواه أبو داود، والترمذي، وقال:(هو حديث حسن صحيح). وقول مالك ينتقض بالحطب والإدام يستصلح به القوت ولا ربا فيه عنده، وتعليل ربيعة ينعكس بالملح، والعكس لازم عند اتحاد العلة.
والحاصل: أن ما اجتمع فيه الكيل، والوزن، والطعم، من جنس واحد، ففيه الربا رواية واحدة، كالأرز، والدخن، والذرة، والقطنيات، والدهن، والخل، واللبن، واللحم، ونحوه. وهذا قول أكثر أهل العلم. قال ابن المنذر:(هذا قول علماء الأمصار في القديم والحديث، سوى قتادة؛ فإنه بلغني أنه شذ عن جماعة الناس، فقصر تحريم التفاضل على الستة الأشياء). وما انعدم فيه الكيل، والوزن، والطعم، واختلف جنسه، فلا ربا فيه، رواية واحدة. وهو قول أكثر أهل العلم، كالتين، والنوى، والقت، والماء والطين الأرمني، فإنه يؤكل دواء، فيكون موزونا مأكولا، فهو إذا من القسم الأول، وما عداه إنما يؤكل سفها، فجرى مجرى الرمل والحصى. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعائشة:«لا تأكلي الطين، فإنه يصفر اللون» . وما وجد فيه الطعم وحده، أو الكيل، أو الوزن، من جنس واحد، ففيه روايتان، واختلف أهل العلم فيه، والأولى إن شاء الله تعالى حله؛ إذ ليس في تحريمه دليل موثوق به، ولا معنى يقوي التمسك به، وهي مع ضعفها يعارض بعضها بعضا، فوجب اطراحها، أو الجمع
(1) مسند أحمد بن حنبل (2/ 109).
(2)
صحيح مسلم المساقاة (1602)، سنن الترمذي البيوع (1239)، سنن النسائي البيوع (4621)، سنن أبو داود البيوع (3358)، سنن ابن ماجه الجهاد (2869)، مسند أحمد بن حنبل (3/ 350).
بينها، والرجوع إلى أصل الحل الذي يقتضيه الكتاب، والسنة، والاعتبار. ولا فرق في المطعومات بين ما يؤكل قوتا، كالأرز، والذرة، والدخن، أو إدما كالقطنيات، واللبن، واللحم، أو تفكها كالثمار، أو تداويا كالأهليلج، والسقمونيا؛ فإن الكل في باب الربا واحد.
(فصل) وقوله: (ما كيل أو وزن) أي ما كان جنسه مكيلا، أو موزونا، وإن لم يتأت فيه كيل ولا وزن؛ إما لقلته كالحبة والحبتين، والحفنة والحفنتين، وما دون الأرزة من الذهب والفضة، أو لكثرته كالزبرة العظيمة، فإنه لا يجوز بيع بعضه ببعض، إلا مثلا بمثل، ويحرم التفاضل فيه. وبهذا قال الثوري، والشافعي، وإسحاق، وابن المنذر. ورخص أبو حنيفة في بيع الحفنة بالحفنتين، والحبة بالحبتين، وسائر المكيل الذي لا يتأتى كيله، ووافق في الموزون، واحتج بأن العلة الكيل، ولم يوجد في اليسير.
ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «التمر بالتمر مثلا بمثل، والبر بالبر مثلا بمثل، من زاد أو ازداد فقد أربى (1)» ، ولأن ما جرى الربا في كثيره جرى في قليله، كالموزون.
(فصل) ولا يجوز بيع تمرة بتمرة، ولا حفنة بحفنة، وهذا قول الثوري، ولا أعلمه منصوصا عليه، ولكنه قياس قولهم؛ لأن ما أصله الكيل لا تجري المماثلة في غيره.
(فصل) فأما ما لا وزن للصناعة فيه، كمعمول الحديد، والرصاص، والنحاس، والقطن، والكتان، والصوف، والإبريسم، فالمنصوص عن أحمد في الثياب والأكسية أنه لا يجري فيها الربا، فإنه قال:(لا بأس بالثوب بالثوبين، والكساء بالكسائين)، وهذا قول أهل العلم، وقال:(لا يباع الفلس بالفلسين، ولا السكين بالسكينين، ولا إبرة بإبرتين، أصله الوزن). ونقل القاضي حكم إحدى المسألتين إلى الأخرى، فجعل فيهما جميعا روايتين:
(1) صحيح مسلم المساقاة (1587)، سنن الترمذي البيوع (1240)، سنن النسائي كتاب البيوع (4563)، سنن أبو داود البيوع (3349)، سنن ابن ماجه التجارات (2254)، مسند أحمد بن حنبل (5/ 314)، سنن الدارمي كتاب البيوع (2579).
إحداهما: لا يجري في الجميع. وهو قول الثوري وأبي حنيفة، وأكثر أهل العلم؛ لأنه ليس بموزون ولا مكيل، وهذا هو الصحيح، إذ لا معنى لثبوت الحكم مع انتفاء العلة، وعدم النص والإجماع فيه.
الثانية: يجري الربا في الجميع. اختارها ابن عقيل؛ لأن أصله الوزن، فلا يخرج بالصناعة عنه كالخبز، وذكر أن اختيار القاضي: أن ما كان يقصد وزنه يعد عمله كالأسطال ففيه الربا، وما لا فلا.
(فصل) ويجري الربا في لحم الطير، وعن أبي يوسف:(لا يجري فيه؛ لأنه يباع بغير وزن).
ولنا: أنه لحم فجرى فيه الربا، كسائر اللحمان. وقوله:(لا يوزن)، قلنا: هو من جنس ما يوزن، ويقصد ثقله، وتختلف قيمته بثقله وخفته، فأشبه ما يباع من الخبز بالعدد.
(فصل) والجيد والرديء، والتبر والمضروب، والصحيح والمكسور، سواء في جواز البيع مع التماثل، وتحريمه مع التفاضل. وهذا قول أكثر أهل العلم، منهم: أبو حنيفة، والشافعي. وحكي عن مالك جواز بيع المضروب بقيمته من جنسه، وأنكر أصحابه ذلك، ونفوه عنه. وحكى بعض أصحابنا عن أحمد رواية: لا يجوز بيع الصحاح بالمكسرة. ولأن للصناعة قيمة، بدليل حالة الإتلاف، فيصير كأنه ضم قيمة الصناعة إلى الذهب.
ولنا: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الذهب بالذهب مثلا بمثل، والفضة بالفضة مثلا بمثل (1)» ، وعن عبادة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«الذهب بالذهب تبرها وعينها، والفضة بالفضة تبرها وعينها (2)» رواه أبو داود. وروى مسلم عن أبي الأشعث، «أن معاوية أمر ببيع آنية من فضة في أعطيات الناس، فبلغ عبادة فقال: (إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والملح بالملح إلا سواء بسواء،
(1) صحيح البخاري البيوع (2176)، صحيح مسلم المساقاة (1584)، سنن الترمذي البيوع (1241)، سنن النسائي البيوع (4565)، مسند أحمد بن حنبل (3/ 58)، موطأ مالك البيوع (1324).
(2)
صحيح مسلم المساقاة (1587)، سنن الترمذي البيوع (1240)، سنن النسائي كتاب البيوع (4563)، سنن أبو داود البيوع (3349)، سنن ابن ماجه التجارات (2254)، مسند أحمد بن حنبل (5/ 314)، سنن الدارمي كتاب البيوع (2579).
عينا بعين، فمن زاد أو ازداد فقد أربى (1)». وروى الأثرم عن عطاء بن يسار، «أن معاوية باع سقاية من ذهب أو ورق بأكثر من وزنها، فقال أبو الدرداء: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن مثل هذا إلا مثلا بمثل) ثم قدم أبو الدرداء على عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، فذكر له ذلك، فكتب عمر إلى معاوية: (لا تبع ذلك إلا مثلا بمثل، وزنا بوزن (2)» . ولأنهما تساويا في الوزن، فلا يؤثر اختلافهما في القيمة، كالجيد والرديء، فأما إن قال لصائغ: صغ لي خاتما وزنه درهم، وأعطيك مثل وزنه، وأجرتك درهما. فليس ذلك ببيع درهم بدرهمين. وقال أصحابنا: للصائغ أخذ الدرهمين؛ أحدهما: في مقابلة الخاتم، والثاني: أجرة له.
(فصل) وكل ما حرم فيه التفاضل حرم فيه النساء، بغير خلاف نعلمه. ويحرم التفرق قبل القبض؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«عينا بعين (3)» . وقوله: «يدا بيد (4)» . ولأن تحريم النساء آكد، ولذلك جرى في الجنسين المختلفين فإذا حرم التفاضل فالنساء أولى بالتحريم.
(1) صحيح مسلم المساقاة (1587)، سنن الترمذي البيوع (1240)، سنن النسائي كتاب البيوع (4563)، سنن أبو داود البيوع (3349)، سنن ابن ماجه التجارات (2254)، مسند أحمد بن حنبل (5/ 314)، سنن الدارمي كتاب البيوع (2579).
(2)
سنن النسائي البيوع (4570)، مسند أحمد بن حنبل (6/ 448)، موطأ مالك البيوع (1327).
(3)
صحيح مسلم المساقاة (1587)، سنن الترمذي البيوع (1240)، سنن النسائي كتاب البيوع (4563)، سنن أبو داود البيوع (3349)، سنن ابن ماجه التجارات (2254)، مسند أحمد بن حنبل (5/ 314)، سنن الدارمي كتاب البيوع (2579).
(4)
صحيح البخاري البيوع (2061)، صحيح مسلم كتاب المساقاة (1589)، سنن النسائي كتاب البيوع (4575)، مسند أحمد بن حنبل (4/ 372).
(مسألة) قال (وما كان من جنسين فجائز التفاضل فيه يدا بيد، ولا يجوز نسيئة).
لا خلاف في جواز التفاضل في الجنسين نعلمه، إلا عن سعيد بن جبير أنه قال:(ما يتقارب الانتفاع بهما لا يجوز التفاضل فيهما. وهذا يرده قول النبي صلى الله عليه وسلم: «بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يدا بيد، وبيعوا البر بالتمر كيف شئتم يدا بيد، وبيعوا الشعير بالتمر كيف شئتم يدا بيد (1)» وفي لفظ: «إذا اختلفت هذه الأشياء فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد (2)» ، رواه مسلم، وأبو داود. ولأنهما جنسان فجاز التفاضل فيهما، كما لو تباعدت منافعهما. ولا خلاف في إباحة التفاضل في الذهب بالفضة، مع تقارب منافعهما.
فأما النساء: فكل جنسين يجري فيهما الربا بعلة واحدة، كالمكيل
(1) صحيح مسلم المساقاة (1587)، سنن الترمذي البيوع (1240)، سنن النسائي البيوع (4561)، سنن أبو داود البيوع (3349)، سنن ابن ماجه التجارات (2254)، مسند أحمد بن حنبل (5/ 314)، سنن الدارمي كتاب البيوع (2579).
(2)
صحيح مسلم المساقاة (1587)، سنن الترمذي البيوع (1240)، سنن النسائي كتاب البيوع (4563)، سنن أبو داود البيوع (3349)، سنن ابن ماجه التجارات (2254)، مسند أحمد بن حنبل (5/ 314)، سنن الدارمي كتاب البيوع (2579).
بالمكيل، والموزون بالموزون، والمطعوم بالمطعوم، عند من يعلل به، فإنه يحرم بيع أحدهما بالآخر نساء، بغير خلاف نعلمه؛ وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم:«فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم يدا بيد (1)» . وفي لفظ: «لا بأس ببيع الذهب بالفضة والفضة أكثرهما يدا بيد وأما نسيئة فلا، ولا بأس ببيع البر بالشعير، والشعير أكثرهما، يدا بيد، وأما النسيئة فلا (2)» . رواه أبو داود. إلا أن يكون أحد العوضين ثمنا، والآخر مثمنا، فإنه يجوز النساء بينهما بغير خلاف، لأن الشرع أرخص في السلم، والأصل في رأس المال الدراهم والدنانير، فلو حرم النساء ههنا لانسد باب السلم في الموزونات في الغالب.
فأما إن اختلفت علتهما كالمكيل بالموزون، مثل بيع اللحم بالبر، ففيهما روايتان:
إحداهما: يحرم النساء فيهما، وهو الذي ذكره الخرقي ههنا؛ لأنهما مالان من أموال الربا فحرم النساء فيهما، كالمكيل بالمكيل.
والثانية: يجوز النساء فيهما، وهو قول النخعي؛ لأنهما لم يجتمعا في أحد وصفى علة ربا الفضل، فجاز النساء فيهما، كالثياب بالحيوان.
(فصل) وإذا باع شيئا من مال الربا بغير جنسه، وعلة ربا الفضل فيهما واحدة، لم يجز التفرق قبل القبض، فإن فعلا بطل العقد، وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة:(لا يشترط التقابض فيهما كغير أموال الربا، وكبيع ذلك بأحد النقدين).
ولنا: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلا بمثل، سواء بسواء، يدا بيد (3)» رواه مسلم، وقال صلى الله عليه وسلم:«فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم يدا بيد (4)» . وروى مالك بن أوس بن الحدثان، أنه التمس صرفا بمائة دينار. قال: فدعاني طلحة بن عبيد الله
(1) صحيح مسلم المساقاة (1587)، سنن الترمذي البيوع (1240)، سنن ابن ماجه التجارات (2254).
(2)
صحيح مسلم المساقاة (1587)، سنن الترمذي البيوع (1240)، سنن أبو داود البيوع (3349)، سنن ابن ماجه التجارات (2254).
(3)
صحيح مسلم المساقاة (1587)، سنن الترمذي البيوع (1240)، سنن النسائي البيوع (4561)، سنن أبو داود البيوع (3349)، سنن ابن ماجه التجارات (2254)، مسند أحمد بن حنبل (5/ 314)، سنن الدارمي كتاب البيوع (2579).
(4)
صحيح مسلم المساقاة (1587)، سنن الترمذي البيوع (1240)، سنن ابن ماجه التجارات (2254).
فتراوضنا حتى اصطرف مني، فأخذ الذهب يقلبها في يديه، ثم قال: حتى يأتي خازني من الغابة، وعمر يسمع ذلك، فقال: لا والله لا تفارقه حتى تأخذ منه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء، والبر بالبر ربا إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء (1)» متفق عليه، والمراد به القبض، بدليل أن المراد به ذلك في الذهب والفضة " ولهذا فسره عمر به، ولأنهما مالان من أموال الربا علتهما واحدة، فحرم التفرق فيهما قبل القبض كالذهب بالفضة.
فأما إن اختلفت علتهما، كالمكيل بالموزون عند من يعلل بهما، فقال أبو الخطاب:(يجوز التفرق فيهما قبل القبض رواية واحدة؛ لأن علتهما مختلفة فجاز التفرق قبل القبض كالثمن بالمثمن). وبهذا قال الشافعي، إلا أنه لا يتصور عنده ذلك إلا في بيع الأثمان بغيرها، ويحتمل كلام الخرقي وجوب التقابض على كل حال؛ لقوله:«يدا بيد (2)» .
(1) صحيح البخاري البيوع (2134)، صحيح مسلم المساقاة (1586)، سنن الترمذي البيوع (1243)، سنن النسائي البيوع (4558)، سنن أبو داود البيوع (3348)، سنن ابن ماجه التجارات (2253)، مسند أحمد بن حنبل (1/ 45)، موطأ مالك البيوع (1333)، سنن الدارمي البيوع (2578).
(2)
صحيح البخاري البيوع (2061)، صحيح مسلم كتاب المساقاة (1589)، سنن النسائي كتاب البيوع (4575)، مسند أحمد بن حنبل (4/ 372).
(مسألة) قال: (وما كان مما لا يكال ولا يوزن، فجائز التفاضل فيه بيدا بيد، ولا يجوز نسيئة). اختلفت الرواية في تحريم النساء في غير المكيل والموزون على أربع روايات:
إحداهن: لا يحرم النساء في شيء من ذلك، سواء بيع بجنسه أو بغيره، متساويا أو متفاضلا، إلا على قولنا:(إن العلة الطعم) فيحرم النساء في المطعوم، ولا يحرم في غيره. وهذا مذهب الشافعي. واختار القاضي هذه الرواية؛ لما روى أبو داود عن عبد الله بن عمرو:«أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره أن يجهز جيشا، فنفدت الإبل، فأمره أن يأخذ في قلاص الصدقة، فكان يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة (1)» . رواه أبو داود. وروى سعيد في سننه، عن أبي معشر عن صالح بن كيسان، عن الحسن بن محمد: أن عليا باع بعيرا له يقال له: عصيفير، بأربعة أبعرة إلى أجل. ولأنهما مالان
(1) سنن أبو داود البيوع (3357)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 171).
لا يجري فيهما ربا الفضل، فجاز النساء فيهما كالعرض بالدينار. ولأن النساء أحد نوعي الربا، فلم يجز في الأموال كلها كالنوع الآخر.
والرواية الثانية: يحرم النساء في كل مال بيع بجنسه، كالحيوان بالحيوان، والثياب بالثياب، ولا يحرم في غير ذلك. وهذا مذهب أبي حنيفة. وممن كره بيع الحيوان بالحيوان نساء ابن الحنفية، وعبد الله بن عمير، وعطاء، وعكرمة بن خالد، وابن سيرين، والثوري. وروي ذلك عن عمار، وابن عمر، لما روى سمرة «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، (1)» قال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح)، ولأن الجنس أحد وصفي علة ربا الفضل، فحرم النساء كالكيل والوزن.
والثالثة: لا يحرم النساء إلا فيما بيع بجنسه متفاضلا، فأما مع التماثل فلا؛ لما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«الحيوان اثنين بواحد لا يصلح نساء، ولا بأس به يدا بيد (2)» قال الترمذي: (هذا حديث حسن). وروى ابن عمر: «أن رجلا قال: يا رسول الله، أرأيت الرجل يبيع الفرس بالأفراس والنجيبة بالإبل؟ فقال: "لا بأس إذا كان يدا بيد (3)» . من المسند. وهذا يدل على إباحة النساء مع التماثل بمفهومه.
والرابعة: يحرم النساء في كل مال بيع بمال آخر، سواء كان من جنسه أو من غير جنسه. وهذا ظاهر كلام الخرقي، ويحتمل أنه أراد الرواية الثالثة؛ لأنه بيع عرض بعرض، فحرم النساء بينهما كالجنسين من أموال الربا. قال القاضي:(فعلى هذا لو باع عرضا بعرض، ومع أحدهما دراهم، العروض نقدا والدراهم نسيئة جاز، وإن كانت الدراهم نقدا والعروض نسيئة لم يجز؛ لأنه يفضي إلى النسيئة في العروض). وهذه الرواية ضعيفة جدا، لأنه إثبات حكم يخالف الأصل، بغير نص ولا إجماع ولا قياس صحيح، فإن في المحل المجمع عليه أو المنصوص عليه أوصافا لها أثر في تحريم الفضل، فلا يجوز حذفها عن درجة الاعتبار، وما هذا سبيله، لا يجوز
(1) سنن الترمذي كتاب البيوع (1237)، سنن النسائي كتاب البيوع (4620)، سنن أبو داود البيوع (3356)، سنن ابن ماجه كتاب التجارات (2270)، مسند أحمد بن حنبل (5/ 19)، سنن الدارمي كتاب البيوع (2564).
(2)
سنن الترمذي كتاب البيوع (1238)، سنن ابن ماجه كتاب التجارات (2271)، مسند أحمد بن حنبل (3/ 310).
(3)
مسند أحمد بن حنبل (2/ 109).
إثبات الحكم فيه، وإن لم يخالف أصلا، فكيف يثبت مع مخالفة الأصل في حل البيع! وأصح الروايات هي: الأولى، لموافقتها الأصل. والأحاديث المخالفة لها، قال أبو عبد الله:(ليس فيها حديث يعتمد عليه، ويعجبني أن يتوقاه). وذكر له حديث ابن عباس وابن عمر في هذا، فقال:(هما مرسلان)، وحديث سمرة، يرويه الحسن عن سمرة، قال الأثرم:(قال أبو عبد الله: لا يصح سماع الحسن من سمرة). وحديث جابر، قال أبو عبد الله:(هذا حجاج زاد فيه: "نساء"، وليث بن سعد سمعه من أبي الزبير، ولا يذكر فيه: "نساء"، وحجاج هذا: هو حجاج بن أرطأة، قال يعقوب بن شيبة: (هو واهي الحديث، وهو صدوق).
وإن كان أحد المبيعين مما لا ربا فيه، والآخر فيه ربا، كالكيل بالمعدود، ففيه روايتان: إحداهما: يحرم النساء فيهما. والثانية: لا يحرم، كما لو باع معدودا بمعدود من غير جنسه.
ثم قال:
(فصل) وإن باع شيئا فيه الربا، بعضه ببعضه، ومعهما أو مع أحدهما من غير جنسه، كمد ودرهم بمد ودرهم، أو بمدين. أو بدرهمين، أو باع شيئا محلى بجنس حليته، فهذه المسألة تسمى:(مسألة مد عجوة). والمذهب أنه لا يجوز ذلك، نص علي ذلك أحمد في مواضع كثيرة، وذكره قدماء الأصحاب. قال ابن أبي موسى في السيف المحلي، والمنطقة، والمراكب المحلات بجنس ما عليها:(لا يجوز، قولا واحدا). وروي هذا عن سالم بن عبد الله، والقاسم بن محمد، وشريح، وابن سيرين. وبه قال الشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وعن أحمد رواية أخرى، تدل على أنه يجوز، بشرط أن يكون المفرد أكثر من الذي معه غيره، أو يكون مع كل واحد منهما من غير جنسه، فإن مهنا نقل عن أحمد في أن
بيع الزبد باللبن يجوز، إذا كان الزبد المنفرد أكثر من الزبد الذي في اللبن. وروى حرب قال:(قلت لأحمد: دفعت دينارا كوفيا ودرهما، وأخذت دينارا شاميا وزنها سواء، لكن الكوفي أوضع؟ قال: لا يجوز إلا أن ينقص الدينار، فيعطيه بحسابه فضة). وكذلك روى عنه محمد بن أبي حرب الجرجرائي. وروى الميموني أنه سأله: لا يشتري السيف والمنطقة حتى يفصلها؟ فقال: لا يشتريها حتى يفصلها. إلا أن هذا أهون من ذلك؛ لأنه قد يشتري أحد النوعين بالآخر يفصله. وفيه غير النوع الذي يشتري به، فإذا كان من فضل الثمن، إلا أن من ذهب إلى ظاهر القلادة لا يشتريه حتى يفصله. قيل له: فما تقول أنت؟ قال: (هذا موضع نظر). وقال أبو داود: (سمعت أحمد سئل عن الدراهم المسيبية، بعضها صفر وبعضها فضة، بالدراهم؟ قال: لا أقول فيه شيئا)، قال أبو بكر:(روى هذه المسألة عن أبي عبد الله خمسة عشر نفسا، كلهم اتفقوا على أنه لا يجوز حتى يفصل، إلا الميموني). ونقل مهنا كلاما آخر، وقال حماد بن أبي سليمان وأبو حنيفة:(يجوز). هذا كله إذا كان المفرد أكثر من الذي معه غيره. أو كان مع كل واحد منهما من غير جنسه. وقال الحسن: (لا بأس ببيع السيف المحلى بالفضة بالدراهم). وبه قال الشعبي والنخعي، واحتج من أجاز ذلك بأن العقد إذا أمكن حمله على الصحة لم يحمل على الفساد؛ لأنه لو اشترى لحما من قصاب جاز، مع احتمال كونه ميتة، ولكن وجب حمله على أنه مذكى، تصحيحا للعقد. ولو اشترى من إنسان شيئا جاز، مع احتمال كونه غير ملكه، ولا أذن له في بيعه، تصحيحا للعقد أيضا. وقد أمكن التصحيح ههنا، بجعل الجنس في مقابلة غير الجنس، أو جعل غير الجنس في مقابلة الزائد على المثل.
ولنا: ما روى فضالة بن عبيد قال: «أتي النبي صلى الله عليه وسلم بقلادة فيها ذهب وحرز، ابتاعها رجل بتسعة دنانير، أو سبعة دنانير. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا
حتى تميز بينهما (1)»، قال: فرده حتى ميز بينهما، رواه أبو داود. وفي لفظ رواية مسلم قال:«فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذهب الذي في القلادة، فنزع وحدة، ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الذهب بالذهب وزنا بوزن (2)» . ولأن العقد إذا جمع عوضين مختلفي الجنس، وجب أن ينقسم أحدهما على الآخر، على قدر قيمة الآخر في نفسه، فإذا اختلفت القيمة اختلف ما يأخذه من العوض.
بيانه: أنه إذا اشترى عبدين، قيمة أحدهما مثل نصف قيمة الآخر بعشرة، كان ثمن أحدهما ثلثي العشرة، والآخر ثلثها. فلو رد أحدهما بعيب رده بقسطه من الثمن، ولذلك إذا اشترى شقصا وسيفا بثمن، أخذ الشفيع الشقص بقسطه من الثمن، فإذا فعلنا هذا في من باع درهما ومدا قيمته درهمان بمدين قيمتهما ثلاثة، حصل الدرهم في مقابلة ثلثي مد، والمد الذي مع الدرهم، في مقابلة مد وثلث، فهذا إذا تفاوتت القيم، ومع التساوي يجهل ذلك؛ لأن التقويم ظن وتخمين، والجهل بالتساوي كالعلم بعدمه في باب الربا، ولذلك لم يجز بيع صبرة بصبرة بالظن والخرص. وقولهم: يجب تصحيح العقد، ليس كذلك، بل يحمل على ما يقتضيه من صحة وفساد. ولذلك لو باع بثمن وأطلق، وفي البلاد نقود بطل، ولم يحمل على نقد أقرب البلاد إليه، أما إذا اشترى من إنسان شيئا، فإنه يصح؛ لأن الظاهر أنه ملكه، لأن اليد دليل الملك. وإذا باع لحما فالظاهر أنه مذكى، لأن المسلم في الظاهر لا يبيع الميتة.
(فصل) فأما إن باع نوعين من مختلفي القيمة من جنس، وبنوع واحد من ذلك الجنس، كدينار مغربي ودينار سابوري بدينارين مغربيين، أو دينار صحيح ودينار قراضة بدينارين صحيحين، أو قراضتين، أو حنطة حمراء وسمراء ببيضاء، أو تمرا برنيا ومعقليا بإبراهيمي، فإنه يصح، قال أبو بكر:(وأومأ إليه أحمد). واختار القاضي أبو يعلى، أن الحكم فيها كالتي
(1) صحيح مسلم المساقاة (1591)، سنن النسائي البيوع (4573)، سنن أبو داود البيوع (3351)، مسند أحمد بن حنبل (6/ 19).
(2)
صحيح مسلم المساقاة (1591)، سنن النسائي البيوع (4573)، سنن أبو داود البيوع (3353)، مسند أحمد بن حنبل (6/ 19).
قبلها. وهو مذهب مالك والشافعي؛ لأن العقد يقتضي انقسام الثمن على عوضه على حسب اختلافه في قيمته كما ذكرنا، وروي عن أحمد منع ذلك في النقد، وتجويزه في الثمن، نقله أحمد بن القاسم؛ لأن الأنواع في غير الأثمان، يكثر اختلاطها، ويشق تمييزها، فعفي عنها بخلاف الأثمان.
ولنا: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الذهب بالذهب مثلا بمثل والفضة بالفضة مثلا بمثل (1)» . الحديث، وهذا يدل على إباحة البيع، عند وجود المماثلة المراعاة، وهي المماثلة في الموزون وزنا، وفي المكيل كيلا، ولأن الجودة ساقطة في باب الربويات، فيما قوبل بجنسه، فيما لو اتحد النوع في كل واحد من الطرفين، فكذلك إذا اختلفا، واختلاف القيمة ينبني على الجودة والرداءة، لأنه باع ذهبا بذهب متساويا في الوزن فصح، كما لو اتفق النوع، وإنما يقسم العوض على المعوض فيما يشتمل على جنسين، أو في غير الربويات، بدليل ما لو باع نوعا بنوع يشتمل على جيد ورديء.
(فصل) وإن باع ما فيه الربا بغير جنسه، ومعه من جنس ما بيع به، إلا أنه غير مقصود، كدار مموه سقفها بالذهب جاز. لا أعلم فيه خلافا، وكذلك لو باع دارا بدار، مموه سقف كل واحدة منهما بذهب أو فضة جاز؛ لأن ما فيه الربا غير مقصود بالبيع، فوجوده كعدمه. وكذلك لو اشترى عبدا له مال، فاشترط ماله وهو من جنس الثمن، جاز إذا كان المال غير مقصود، ولو اشترى عبدا بعبد، واشترط كل واحد منهما مال العبد الذي اشتراه، جاز إذا لم يكن ماله مقصودا؛ لأنه غير مقصود بالبيع، فأشبه التمويه في السقف، ولذلك لا تشترط رؤيته في صحة البيع، ولا لزومه، وإن باع شاة ذات لبن بلبن، أو عليها صوف بصوف، أو باع لبونا بلبون، وذات صوف. بمثلها، ففيه وجهان:
أحدهما: الجواز، اختاره ابن حامد، وهو قول أبي حنيفة، وسواء كانت الشاة حية أو مذكاة؛ لأن ما فيه الربا غير مقصود فلم يمنع، كالدار.
(1) صحيح البخاري البيوع (2176)، صحيح مسلم المساقاة (1584)، سنن الترمذي البيوع (1241)، سنن النسائي البيوع (4565)، مسند أحمد بن حنبل (3/ 58)، موطأ مالك البيوع (1324).
المموه سقفها.
الثاني: المنع، وهو مذهب الشافعي؛ لأنه باع مال الربا بأصله الذي فيه منه، أشبه الحيوان باللحم، والفرق بينهما: أن اللحم في الحيوان مقصود بخلاف اللبن، ولو كانت الشاة محلوبة اللبن، جاز بيعها بمثلها وباللبن وجها واحدا؛ لأن اللبن لا أثر له، ولا يقابله شيء من الثمن، فأشبه الملح في الشيرج والخبز والجبن، وحبات الشعير في الحنطة، ولا نعلم فيه أيضا خلافا، وكذلك لو كان اللبن المنفرد من غير جنس لبن الشاة، جاز بكل حال.
ولو باع نخلة عليها تمر بتمر، أو بنخلة عليها تمر، ففيه أيضا وجهان:
أحدهما: الجواز. اختاره أبو بكر؛ لأن التمر غير مقصود بالبيع.
الثاني: لا يجوز. ووجه الوجهين ما ذكرناه في المسألة قبلها. واختار القاضي: أنه لا يجوز، وفرق بينها وبين الشاة ذات اللبن؛ بكون التمرة يصح إفرادها بالبيع وهي معلومة، بخلاف اللبن في الشاة، وهذا الفرق غير مؤثر، فإن ما يمنع إذا جاز إفراده يمنع، وإن لم يجز إفراده كالسيف المحلى يباع بجنس حليته، وما لا يمنع لا يمنع، وإن جاز إفراده كمال العبد.
(فصل) وإن باع جنسا فيه الربا بجنسه، ومع كل واحد من غير جنسه غير مقصود، فذلك ينقسم أقساما:
أحدها: أن يكون غير المقصود يسيرا، لا يؤثر في كيل ولا وزن، كالملح فيما يعمل فيه، وحبات الشعير في الحنطة فلا يمنع، لأنه يسير لا يخل بالتماثل، وكذلك لو وجد في أحدهما دون الآخر، لم يمنع لذلك، ولو باع ذلك بجنس غير المقصود الذي معه، مثل أن يبيع الخبز بالملح، جاز، لأن وجود ذلك كعدمه.
الثاني: أن يكون غير المقصود كثيرا، إلا أنه لمصلحة المقصود، كالماء في خل التمر، والزبيب، ودبس التمر، فهذا يجوز بيع الشيء منه بمثله،
وينزل خلطه- منزلة رطوبته؛ لكونه من مصلحته، فلا يمنع من بيعه بما يماثله، كالرطب بالرطب، ولا يجوز بيعه بما ليس فيه خلط، كبيع خل العنب بخل الزبيب؛ لإفضائه إلى التفاضل، فجرى مجرى بيع التمر بالرطب، ومنع الشافعي ذلك كله، إلا بيع الشيرج بالشيرج، لكون الماء لا يظهر في الشيرج.
الثالث: أن يكون غير المقصود كثيرا، وليس من مصلحته، كاللبن المشوب بالماء، والأثمان المغشوشة بغيرها، فلا يجوز بيع بعضها ببعض؛ لأن خلطه ليس من مصلحته، وهو يخل بالتماثل المقصود فيه، وإن باعه بجنس غير المقصود، كبيع الدينار المغشوش بالفضة بالدراهم، احتمل الجواز؛ لأنه يبيعه بجنس غير مقصود فيه، فأشبه بيع اللبن بشاة فيها لبن، ويحتمل المنع؛ بناء على الوجه الآخر في الأصل. وإن باع دينارا مغشوشا بمثله، والغش فيها متفاوت أو غير معلوم المقدار، لم يجز؛ لأنه يخل بالتماثل المقصود. وإن علم التساوي في الذهب والغش الذي فيهما، خرج على الوجهين، أولاهما: الجواز؛ لأنهما تماثلا في المقصود وفي غيره، ولا يفضي إلى التفاضل بالتوزيع بالقيمة؛ لكون الغش غير مقصود فكأنه لا قيمة له.
(فصل) ولو دفع إليه درهما، فقال: أعطني بنصف هذا الدرهم نصف درهم، وبنصفه فلوسا، أو حاجة أخرى جاز، لأنه اشترى نصفا بنصف، وهما متساويان، فصح، كما لو دفع إليه درهمين، وقال: بعني بهذا الدرهم فلوسا، وأعطني بالآخر نصفين. وإن قال: أعطني بهذا الدرهم نصفا وفلوسا، جاز أيضا؛ لأن معناه ذلك، ولأن ذلك لا يفضي إلى التفاضل بالتوزيع بالقيمة؛ فإن قيمة النصف الذي في الدرهم، كقيمة النصف الذي مع الفلوس يقينا، وقيمة الفلوس، كقيمة النصف الآخر سواء.
(فصل) وما كان مشتملا على جنسين بأصل الخلقة، كالتمر الذي
اشتمل على النوى وما عليه، والحيوان المشتمل على لحم وشحم وغيره، وأشباه ذلك، فهذا إذا قوبل بمثله، جاز بيعه به، ولا نظر إلى ما فيه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز بيع التمر بالتمر، والحيوان بالحيوان. وقد علم اشتمالهما على ما فيهما، ولو باع ذلك بنوع غير مقصود فيه، كبيع التمر الذي فيه النوى بالنوى، ففيه عن أحمد روايتان، قد ذكرناهما فيما مضى. فأما العسل قبل تصفيته، فقال أصحابنا:(لا يجوز بيع بعضه ببعض؛ لاشتماله على عسل وشمع، وذلك بفعل النحل، فأشبه السيف المحلى).
(فصل) ويحرم الربا في دار الحرب، كتحريمه في دار الإسلام، وبه قال مالك، والأوزاعي، وأبو يوسف، والشافعي، وإسحاق، وقال أبو حنيفة:(لا يجري الربا بين مسلم وحربي، في دار الحرب). وعنه في مسلمين أسلما في دار الحرب: لا ربا بينهما؛ لما روى مكحول، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«لا ربا بين المسلمين وأهل الحرب في دار الحرب» . ولأن أموالهم مباحة، وإنما حظرها الأمان في دار الإسلام، فما لم يكن كذلك كان مباحا.
ولنا: قول الله تعالى: {وَحَرَّمَ الرِّبَا} (1) وقوله: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} (2) وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} (3) وعموم الأخبار يقتضي تحريم التفاضل. وقوله: «من زاد أو ازداد فقد أربى (4)» . عام، وكذلك سائر الأحاديث. ولأن ما كان محرما في دار الإسلام، كان محرما في دار الحرب، كالربا بين المسلمين، وخبرهم مرسل لا نعرف صحته، ويحتمل أنه أراد النهي عن ذلك، ولا يجوز ترك ما ورد بتحريمه القرآن، وتظاهرت به السنة، وانعقد الإجماع على تحريمه، بخبر
(1) سورة البقرة الآية 275
(2)
سورة البقرة الآية 275
(3)
سورة البقرة الآية 278
(4)
صحيح مسلم المساقاة (1587)، سنن الترمذي البيوع (1240)، سنن النسائي كتاب البيوع (4563)، سنن أبو داود البيوع (3349)، مسند أحمد بن حنبل (5/ 314)، سنن الدارمي كتاب البيوع (2579).
مجهول، لم يرد في صحيح، ولا مسند، ولا كتاب موثوق به، وهو مع ذلك مرسل محتمل. ويحتمل أن المراد بقوله:"لا ربا" النهي عن الربا، كقوله:{فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} (1) وما ذكروه من الإباحة، منتقض بالحربي إذا دخل دار الإسلام، فإن ماله مباح، إلا فيما حظره الأمان، ويمكن حمله بين المسلمين على هبة التفاضل، وهو محرم بالإجماع، فكذا ههنا.
ثم قال:
(فصل) إذا علم المصطرفان قدر العوضين، جاز أن يتبايعا بغير وزن. وكذلك لو أخبر أحدهما الآخر بوزن ما معه فصدقه، فإذا باع دينارا بدينار كذلك وافترقا، فوجد أحدهما ما قبضه ناقصا، بطل الصرف، لأنهما تبايعا ذهبا بذهب متفاضلا، فإن وجد أحدهما فيما قبضه زيادة على الدينار، نظرت في العقد، فإن كان قال: بعتك هذا الدينار بهذا، فالعقد باطل؟ لأنه باع ذهبا بذهب متفاضلا، وإن قال: بعتك دينارا بدينار. ثم تقابضا، كان الزائد في يد القابض مشاعا مضمونا لمالكه، لأنه قبضه على أنه عوض، ولم يفسد العقد، لأنه إنما باع دينارا بمثله وإنما وقع القبض للزيادة على المعقود عليه، فإن أراد دفع عوض الزائد جاز، سواء كان من جنسه، أو من غير جنسه؛ لأنه معاوضة مبتدأة، وإن أراد أحدهما الفسخ فله ذلك، لأن آخذ الزائد وجد المبيع مختلطا بغيره، معيبا بعيب الشركة، ودافعه لا يلزمه أخذ عوضه، إلا أن يكون في المجلس، فيرد الزائد ويدفع بدله. ولو كان لرجل على رجل عشرة دنانير، فوفاه عشرة عددا، فوجدها أحد عشر، كان هذا الدينار الزائد في يد القابض مشاعا مضمونا لمالكه؛ لأنه قبضه على أنه عوض عن ماله، فكان مضمونا بهذا القبض، ولمالكه التصرف فيه كيف شاء.
(1) سورة البقرة الآية 197
(فصل) والدراهم والدنانير، تتعين بالتعيين في النقد، بمعنى أنه يثبت الملك بالعقد فيما عيناه، ويتعين عوضا فيه، فلا يجوز إبداله، وإن خرج مغصوبا بطل العقد، وبهذا قال مالك والشافعي، وعن أحمد:(أنها لا تتعين بالعقد، فيجوز إبدالها، ولا يبطل العقد بخروجها مغصوبة). وهذا مذهب أبي حنيفة؛ لأنه يجوز إطلاقها في العقد، فلا تتعين بالتعيين فيه كالمكيال والصنجة.
ولنا: أنه عوض في عقد؛ فيتعين بالتعيين كسائر الأعواض؛ ولأنه أحد العوضين فيتعين بالتعيين كالآخر، ويفارق ما ذكروه، فإنه ليس بعوض، وإنما يراد لتقدير العقود عليه، وتعريف قدره، ولا يثبت فيها الملك بحال، بخلاف مسألتنا.
(مسألة) قال: (وإذا تبايعا ذلك بغير عينة، فوجد أحدهما فيما اشتراه عيبا، فله البدل، إذا كان العيب ليس بدخيل عليه من غير جنسه، كالوضوح في الذهب والسواد في الفضة.
يعني اصطرفا في الذمة، نحو أن يقول: بعتك دينارا مصريا بعشرة دراهم. فيقول الآخر: قبلت. فيصح البيع، سواء كانت الدراهم والدنانير عندهما، أو لم يكونا، إذا تقابضا قبل الافتراق؛ بأن يستقرضا أو غير ذلك، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي. وحكي عن مالك:(لا يجوز الصرف، إلا أن تكون العينان حاضرتين)، وعنه:(لا يجوز حتى تظهر إحدى العينين وتعين). وعن زفر مثله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تبيعوا غائبا منها بناجز (1)» . ولأنه إذا لم يعين أحد العوضين، كان بيع دين بدين، وهو غير جائز.
ولنا: أنهما تقابضا في المجلس فصح، كما لو كانا حاضرين، والحديث يراد به أن لا يباع عاجل بآجل، أو مقبوض بغير مقبوض؟ بدليل ما لو عين أحدهما فإنه يصح، وإن كان الآخر غائبا والقبض في المجلس
(1) صحيح البخاري البيوع (2177)، صحيح مسلم المساقاة (1584)، سنن الترمذي البيوع (1241)، سنن النسائي البيوع (4570)، سنن ابن ماجه التجارات (2257)، مسند أحمد بن حنبل (3/ 51)، موطأ مالك البيوع (1324).
يجرى مجرى القبض حالة العقد، ألا ترى إلى قوله:«عينا بعين، يدا بيد (1)» . والقبض يجري في المجلس، كذا التعين.
فإذا ثبت هذا؛ فلا بد من تعيينهما بالتقابض في المجلس، ومتى تقابضا فوجد أحدهما بما قبضه عيبا قبل التفرق، فله المطالبة بالبدل، سواء كان العيب من جنسه، أو من غير جنسه؛ لأن العقد وقع على مطلق لا عيب فيه، فله المطالبة بما وقع عليه العقد، كالمسلم فيه. وإن رضيه بعيبه، والعيب من جنسه جاز، كما لو رضي بالمسلم فيه معيبا، وإن اختار أخذ الأرش، فإن كان العوضان من جنس واحد، لم يجز؛ لإفضائه إلى التفاضل فيما يشترط فيه التماثل، وإن كانا من جنسين جاز. فأما إن تقابضا وافترقا، ثم وجد العيب من جنسه، فله إبداله، في إحدى الروايتين. اختارها الخلال، والخرقي، وروي ذلك عن الحسن، وقتادة، وبه قال أبو يوسف، ومحمد، وهو أحد قولي الشافعي؛ لأن ما جاز إبداله قبل التفرق، جاز بعده، كالمسلم فيه.
والرواية الثانية: ليس له ذلك، وهو قول أبي بكر، ومذهب أبي حنيفة، والقول الثاني للشافعي؛ لأنه يقبضه بعد التفرق، ولا يجوز ذلك في الصرف، ومن صار إلى الرواية الأولى قال: قبض الأول صح به العقد، وقبض الثاني يدل على الأول. ويشترط أن يأخذ البدل في مجلس الرد، فإن تفرقا من غير قبض، بطل العقد، وإن وجد البعض رديئا فرده، فعلى الرواية الأولى: له البدل، وعلى الثانية: يبطل في المردود. وهل يصح فيما لم يرد؛ على وجهين، بناء على تفريق الصفقة، ولا فرق بين كون المبيع من جنس أو من جنسين. وقال مالك:(إن وجد درهما زيفا فرضي به جاز، وإن رده انتقض الصرف في دينار، وإن رد أحد عشر درهما انتقض الصرف في دينارين، وكلما زاد على دينار انتقض الصرف في دينار آخر). ولنا: أن ما لا عيب فيه لم يرد، فلم ينتقض الصرف فيما يقابله،
(1) صحيح مسلم المساقاة (1587)، سنن الترمذي البيوع (1240)، سنن النسائي كتاب البيوع (4563)، سنن أبو داود البيوع (3349)، سنن ابن ماجه التجارات (2254)، مسند أحمد بن حنبل (5/ 314)، سنن الدارمي كتاب البيوع (2579).
كسائر العوض. وإن اختار واجد العيب الفسخ، فعلى قولنا:(له البدل)، ليس له الفسخ إذا أبدل له؛ لأنه يمكنه أخذ حقه غير معيب، وعلى الرواية الأخرى: له الفسخ أو الإمساك في الجميع؛ لأنه تعذر عليه الوصول إلى ما عقد عليه، مع إبقاء العقد. فإن اختار أخذ أرش العيب بعد التفرق، لم يكن له ذلك؛ لأنه عوض يقبضه بعد التفرق عن الصرف إلا على الرواية الأخرى.
(فصل) ومن شرط المصارفة في الذمة: أن يكون العوضان معلومين، إما بصفة يتميزان بها، وإما أن يكون للبلد نقد معلوم أو غالب، فينصرف الإطلاق إليه. ولو قال: بعتك دينارا مصريا بعشرين درهما من نقد عشرة بدينار. لم يصح، إلا أن لا يكون في البلد نقد عشرة بدينار إلا نوع واحد، فتنصرف تلك الصفة إليه. وكذلك الحكم في البيع.
(فصل) إذا كان لرجل في ذمة رجل ذهب، وللآخر عليه دراهم، فاصطرفا بما في ذمتهما، لم يصح، وبهذا قال الليث والشافعي، وحكى ابن عبد البر عن مالك وأبي حنيفة جوازه؛ لأن الذمة الحاضرة كالعين الحاضرة، ولذلك جاز أن يشتري الدراهم بدنانير من غير تعيين.
ولنا: أنه بيع دين بدين ولا يجوز ذلك بالإجماع، قال ابن المنذر:(أجمع أهل العلم على أن بيع الدين بالدين لا يجوز). وقال أحمد: (إنما هو إجماع). وقد روى أبو عبيد في الغريب: «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الكالئ بالكالئ» . وفسره: بالدين بالدين، إلا أن الأثرم روى عن أحمد: أنه سئل أيصح في هذا حديث؟ قال: لا. وإنما صح الصرف بغير تعيين؛ بشرط أن يتقابضا في المجلس، فجرى القبض والتعيين في المجلس مجرى وجوده حالة العقد. ولو كان لرجل على رجل دنانير، فقضاه دراهم شيئا بعد شيء نظرت، فإن كان يعطيه كل درهم بحسابه من الدينار، صح. نص عليه أحمد، وإن لم يفعل ذلك، ثم تحاسبا بعد ذلك، فصارفه بها وقت
المحاسبة، لم يجز. نص عليه أيضا؛ لأن الدنانير دين، والدراهم صارت دينا، فيصير بيع دين بدين. وإن قبض أحدهما مني الآخر ماله عليه، ثم صارفه بعين وذمة، صح. وإذا أعطاه الدراهم شيئا بعد شيء، ولم يقضه ذلك وقت دفعها إليه، ثم أحضرها، وقوماها، فإنه يحتسب بقيمتها يوم القضاء، لا يوم دفعها إليه؛ لأنها قبل ذلك لم تصر في ملكه، إنما هي وديعة في يده، فإن تلفت، أو نقصت، فهي من ضمان مالكها، ويحتمل أن تكون من ضمان القابض لها، إذا قبضها بنية الاستيفاء؛ لأنها مقبوضة على أنها عوض ووفاء، والمقبوض في عقد فاسد، كالمقبوض في العقد الصحيح، فيما يرجع إلى الضمان وعدمه. ولو كان لرجل عند صيرفي دنانير، فأخذ منه دراهم إدرارا، لتكون هذه بهذه، لم يكن كذلك، بل كان كل واحد منهما في ذمة من قبضه. فإذا أراد التصارف أحضرا أحدهما، واصطرفا بعين وذمة.
(فصل) ويجوز اقتضاء أحد النقدين من الآخر، ويكون صرفا، بعين وذمة، في قول أكثر أهل العلم، ومنع منه ابن عباس، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وابن شبرمة، وروي ذلك عن ابن مسعود؛ لأن القبض شرط وقد تخلف.
ولنا: ما روى أبو داود، والأثرم، في (سننهما) عن ابن عمر قال:«كنت أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، آخذ هذه من هذه، وأعطي هذه من هذه، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم في بيت حفصة فقلت: يا رسول الله، رويدك أسألك، إني أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، آخذ هذه من هذه، وأعطي هذه من هذه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء (1)» ، قال أحمد:(إنما يقضيه إياها بالسعر). لم يختلفوا أنه يقضيه إياها بالسعر، إلا ما قال
(1) سنن الترمذي البيوع (1242)، سنن النسائي البيوع (4582)، سنن أبو داود البيوع (3354)، سنن ابن ماجه التجارات (2262)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 139)، سنن الدارمي البيوع (2581).
أصحاب الرأي: أنه يقضيه مكانها ذهبا على التراضي؛ لأنه بيع في الحال، فجاز ما تراضيا عليه إذا اختلف الجنس، كما لو كان العوض عرضا. ووجه الأول: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا بأس أن تأخذها بسعر يومها"، وروي عن ابن عمر: أن بكر بن عبد الله المزني، ومسروقا العجلي، سألاه عن كري لهما، له عليهما دراهم، وليس معهما إلا دنانير؟ فقال: ابن عمر: (أعطوه بسعر السوق). ولأن هذا جرى مجرى القضاء، فقيد بالمثل، كما لو قضاه من الجنس، والتماثل ههنا من حيث القيمة؛ لتعذر التماثل من حيث الصورة. قيل لأبي عبد الله: فإن أهل السوق يتغابنون بينهم بالدانق في الدينار وما أشبهه؟ فقال: (إذا كان مما يتغابن الناس به فسهل فيه، ما لم يكن حيلة، ويزاد شيئا كثيرا).
(فصل) فإن كان المقضي الذي في الذمة مؤجلا، فقد توقف أحمد فيه. وقال القاضي: يحتمل وجهين: أحدهما: المنع. وهو قول مالك، ومشهور قولي الشافعي؛ لأن ما في الذمة لا يستحق قبضه، فكان القبض ناجزا في أحدهما، والناجز يأخذ قسطا من الثمن.
والآخر: الجواز. وهو قول أبي حنيفة؛ لأنه ثابت في الذمة بمنزلة المقبوض، فكأنه رضي بتعجيل المؤجل. والصحيح الجواز، إذا قضاه بسعر يومها، ولم يجعل للمقضي فضلا لأجل تأجيل ما في الذمة؛ لأنه إذا لم ينقصه عن سعرها شيئا، فقد رضي بتعجيل ما في الذمة، بغير عوض فأشبه ما لو قضاه من جنس الدين، ولم يستفصل النبي صلى الله عليه وسلم ابن عمر حين سأله، ولو افترق الحال لسأل واستفصل.
(فصل) قال أحمد: (ولو كان لرجل على رجل عشرة دراهم فدفع إليه دينارا فقال: استوف حقك منه. فاستوفاه بعد يومين، جاز. ولو كان عليه دنانير، فوكل غريمه في بيع داره، واستيفاء حقه من ثمنها، فباعها
بدراهم، لم يجز أن يأخذ منها قدر حقه؛ لأنه لم يأذن له في مصارفة نفسه، ولأنه متهم. ولو باع جارية بدنانير، فأخذ بها دراهم، فردت الجارية بعيب أو إقالة، لم يكن للمشتري إلا الدنانير؛ لأنه الثمن الذي وقع عليه العقد، وإنما أخذ الدراهم بعقد صرف مستأنف). نص أحمد على هذه المسائل.
صفحة فارغة
الفتاوى
إعداد
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
في هذه الزاوية تجيب اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على ما يرد إليها من أسئلة واستفتاءات تهم المسلمين في شؤونهم الدينية والاجتماعية
القرآن كلام الله
من الفتوى رقم 3239
السؤال الرابع: نقرأ في القرآن الكريم: {وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ} (1) الآية، {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا} (2) الآية، وأمثال هاتين الآيتين كثير في القرآن، فكيف نسمي هذا قرآنا، وكلام الله القديم؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه، وبعد:
الجواب: الكلام يطلق على اللفظ والمعنى، ويطلق على كل منهما وحده، وناقله عمن تكلم به من غير تحريف لمعناه ولا تغيير لحروفه ونظمه مخبر مبلغ فقط، والكلام إنما هو لمن بدأه، أما إن غير حروفه ونظمه مع المحافظة على معناه فينسب إليه اللفظ حروفه ونظمه، وينصب من جهة معناه إلى من تكلم به ابتداء، ومن ذلك ما أخبر الله به عن الأمم الماضية كقوله تعالى:{وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ} (3) وقوله: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ} (4) فهاتان تسميان قرآنا وتنسبان إلى الله كلاما له باعتبار حروفهما ونظمهما؛ لأنهما من الله لا من كلام موسى وفرعون، لأن النظم والحروف ليسا منهما، وتنسبان إلى موسى وفرعون باعتبار المعنى، فإنه كان واقعا منهما، وهذا وذاك قد علمهما الله في الأزل، وأمر
(1) سورة غافر الآية 27
(2)
سورة غافر الآية 36
(3)
سورة غافر الآية 27
(4)
سورة غافر الآية 36
بكتابتهما في اللوح المحفوظ، ثم وقع القول من موسى وفرعون بلغتهما طبق ما كان في اللوح المحفوظ ثم تكلم الله بذلك بحروف أخرى ونظم آخر في زمن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فنسب إلى كل منهما باعتبار، وأما وصف كلام الله بالقدم فلم يعرف عن الصحابة رضي الله عنهم ولا عن أئمة السلف رحمهم الله، وإنما كان أهل السنة يقولون أيام المحنة: كلام الله غير مخلوق، ويقول مخالفوهم: كلام الله مخلوق، فوصف كلام الله بأنه قديم اصطلاح حادث، ولو جرينا عليه قلنا كلام الله قديم النوع حادت الآحاد؛ لأن الله تعالى لم يزل متكلما، ولا يزال متكلما بما يشاء، وحتى إنه ليتكلم يوم القيامة مع المؤمنين والكافرين وغيرهم بما يشاء، كما ثبت في الصحيحين عن عدي بن حاتم رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان. . (1)» الحديث، مع أحاديث أخرى في الموضوع.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو
…
نائب رئيس اللجنة
…
الرئيس
عبد الله بن قعود
…
عبد الرزاق عفيفي
…
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
(1) أحمد 4/ 256، 377، والبخاري برقم 1413 و 1417 و 3595 و 6023 و 6539 و 6540 و 6563 و 7443 و 7512، ومسلم برقم 1016، والترمذي برقم 2417، وابن ماجه برقم 173 واللفظ له.
فتوى رقم 6137
السؤال: إن أحد الأصدقاء طعن في صحة المصاحف التي بين أيدينا اليوم مدعيا أن التحريف دخلها حسب قوله من مصحف امتنع صاحبه
إعطاءه إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه وكان باليمن، ولقد أخذ صديقي يشرح لي، ودلني على الكتاب الذي أخذ منه معلوماته التي يجادلني بها، ولكن كان قد أثار غضبي وامتنعت عن الإذعان إليه، وبهذا كتبت مستفتيا سيادتكم عن هذا وطالبا منكم إمدادي بمعلومات عن نقل القرآن؛ لأنني أتعرض لمثل هذا بحكم انتمائي لجماعة تبليغ؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه، وبعد:
الجواب: القرآن كلام الله جل وعلا أخذه جبريل عن الله، وقرأه على محمد صلى الله عليه وسلم، واستمعه محمد صلى الله عليه وسلم من جبريل وأخذه منه، كما تكلم به الله جل وعلا وحفظه الله تعالى في قلب محمد صلى الله عليه وسلم قال تعالى:{لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} (1){إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} (2){فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} (3){ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} (4).
وقال ابن جرير رحمه الله في تفسيره: (اختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله قيل له {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} (5) فقال بعضهم: قيل له ذلك، لأنه كان إذا نزل عليه منه من شيء عجل به يريد حفظه من حبه إياه فقيل له: لا تعجل به فإنا سنحفظه عليك. وقال آخرون: بل السبب الذي من أجله قيل له ذلك أنه كان يكثر تلاوة القرآن مخافة نسيانه فقيل له: لا تحرك به لسانك لتعجل به، إن علينا جمعه لك ونقرئك فلا تنسى) (6) انتهى. وقال تعالى:{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (7)
(1) سورة القيامة الآية 16
(2)
سورة القيامة الآية 17
(3)
سورة القيامة الآية 18
(4)
سورة القيامة الآية 19
(5)
سورة القيامة الآية 16
(6)
تفسير ابن جرير 29/ 187.
(7)
سورة الحجر الآية 9
والذكر هو: القرآن، وقد حفظه الله على المسلمين، وتلقاه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن نبيهم صلى الله عليه وسلم كتابة وحفظا، وبلغوه الأمة غضا طريا لم يدخله شيء من التحريف أو النقص، وقد جمعه أبو بكر الصديق رضي الله عنه في خلافته بواسطة زيد بن ثابت رضي الله عنه، ثم جمعه عثمان في خلافته على حرف واحد لئلا تختلف الأمة في ذلك، ومن قال إنه غير محفوظ أو دخله شيء من التحريف أو النقص فهو ضال يستتاب فإن تاب وإلا وجب على ولي الأمر قتله مرتدا؛ لأن قوله يصادم قول الله عز وجل:{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (1) ويصادم إجماع الأمة على حفظه وسلامته، ولهذا أنكر علماء المسلمين على الشيعة الباطنية زعمهم أن القرآن الذي بين أيدي المسلمين ناقص، وأن الذي عندهم هو الكامل وهذا من أبطل الباطل.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو
…
عضو
…
نائب رئيس اللجنة
…
الرئيس
عبد الله بن قعود
…
عبد الله بن غديان
…
عبد الرزاق عفيفي
…
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
(1) سورة الحجر الآية 9
من الفتوى رقم 6093
السؤال الثالث: سمعت بعض العلماء يقول أيهما أفضل القرآن أم عيسى ابن مريم؟
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه، وبعد:
الجواب: القرآن كلام الله غير مخلوق، وعيسى من البشر مخلوق ولدته مريم بنت عمران، فالقرآن أفضل.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو
…
عضو
…
نائب رئيس اللجنة
…
الرئيس
عبد الله بن قعود
…
عبد الله بن غديان
…
عبد الرزاق عفيفي
…
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
من الفتوى رقم 7482
السؤال الرابع: هل القرآن كلام أو هو دعاء كما يقول بعض الناس؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه، وبعد:
الجواب: القرآن كلام الله سمعه جبريل عليه السلام من رب العالمين، ونزل به على محمد صلى الله عليه وسلم وتلاه عليه، وهو مشتمل على أدعية:{رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} (1) وهي آية من كلام الله تعالى.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو
…
عضو
…
نائب رئيس اللجنة
…
الرئيس
عبد الله بن قعود
…
عبد الله بن غديان
…
عبد الرزاق عفيفي
…
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
(1) سورة آل عمران الآية 8