المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌المحتويات الافتتاحية الوصية بكتاب الله لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله - مجلة البحوث الإسلامية - جـ ٥٤

[مجموعة من المؤلفين]

فهرس الكتاب

- ‌المحتويات

- ‌ النقل عن الحنابلة:

- ‌فوائد:

- ‌ النقل عن المالكية:

- ‌ النقل عن الشافعية:

- ‌ النقل عن الحنابلة:

- ‌أولا: حق ولي الأمر في الجباية:

- ‌ثانيا: زكاة عروض التجارة:

- ‌ثالثا: الدين الذي للإنسان على غيره هل تلزمه زكاته

- ‌رابعا: هل الدين يمنع وجوب الزكاة

- ‌خامسا: التعزير:

- ‌الفتاوى

- ‌ استخدام الماء المشمس والسخانات الشمسية

- ‌ الوضوء للصلاة من ماء البحر

- ‌ الوضوء في الحمام

- ‌ فصل بيت الأدب (المرحاض) عن الحمام

- ‌بول الرجل وهو واقف في محل مستور عن الناس

- ‌ وقع شخص بما يسمى بنتر الذكر فكيف يترك هذه العادة

- ‌ ذكر اسم الله في الحمامات المعروفة حاليا

- ‌ يدخل الحمام ويذكر الله عز وجل

- ‌ التسمية والتسبيح والتحميد والتكبير داخل الحمام أثناء الوضوء

- ‌ دخول دورة المياه بالمصحف الشريف

- ‌ دخول الخلاء بالسلاسل التي تحمل اسم الله أو الرسول أو بعض الآيات القرآنية

- ‌من فتاوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز

- ‌فضل التوبة ووجوب تكرارها إذا لزم الأمر

- ‌الأنبياء معصومون فيما يبلغونه عن الله

- ‌ إزالة الشعر الذي ينبت في وجه المرأة

- ‌ قال في معنى اسم الله الظاهر: أي الظاهر في كل شيء

- ‌الأدعية المستجابة

- ‌من مشاهد يوم القيامة "الجنة

- ‌ البحوث

- ‌التعريف بالجنة:

- ‌بناء الجنة وتربتها:

- ‌أبواب الجنة ودخول المؤمنين منها:

- ‌درجات الجنة:

- ‌الأنهار:

- ‌العيون

- ‌المساكن:

- ‌القصور:

- ‌الخيام:

- ‌الغرف:

- ‌أشجار الجنة وبساتينها:

- ‌ثمار الجنة:

- ‌حيوانات الجنة:

- ‌مشهد الحوت والثور:

- ‌طعام وشراب أهل الجنة:

- ‌لباس وحلي أهل الجنة:

- ‌فرش أهل الجنة:

- ‌خدم أهل الجنة:

- ‌زوجات أهل الجنة:

- ‌سوق الجنة:

- ‌النظر إلى الله عز وجل:

- ‌مشاهد أهل الجنة:

- ‌المبحث الأول: اسمه، ونسبه، وكنيته، ومولده ووفاته:

- ‌المبحث الثاني: علمه وتوثيق العلماء له:

- ‌المبحث الثالث: رحلاته العلمية ومؤلفاته:

- ‌المبحث الرابع: شيوخه وتلاميذه:

- ‌المبحث الخامس: مقارنة ابن إسحاق بغيره:

- ‌المبحث السادس: جرح العلماء له والأجوبة على ذلك:

- ‌رابعا: التدليس:

- ‌خامسا: اتهام محمد بن إسحاق برواية أحاديث في الصفات:

- ‌سادسا: الضعف في الحديث:

- ‌سابعا: حديث ابن إسحاق عن المجهولين والضعفاء:

- ‌ثامنا: روايته عن أبناء اليهود:

- ‌الخاتمة:

- ‌من رواد العلم والتعليم في المملكةالشيخ: محمد بن عبد العزيز المانع

- ‌مقدمة:

- ‌نسبه ومولده:

- ‌نشأته:

- ‌رحلته في طلب العلم:

- ‌شيوخه:

- ‌تلاميذه:

- ‌مؤلفاته:

- ‌أعماله:

- ‌صفاته وآثاره:

- ‌الأوراق والمكتبة:

- ‌ذكريات تلاميذه:

- ‌وفاته:

- ‌خاتمة:

- ‌الملاحق

- ‌واجب الشباب

- ‌وجوب الحذر من استقدام غير المسلمين

- ‌حديث شريف

الفصل: ‌ ‌المحتويات الافتتاحية الوصية بكتاب الله لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله

‌المحتويات

الافتتاحية

الوصية بكتاب الله لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز 7

بحث اللجنة

جباية الزكاة (القسم الأخير) اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء 35

الفتاوى

من فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء 93

من فتاوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز 117

ص: 4

البحوث

من مشاهد يوم القيامة (الجنة) للدكتور / دوخي بن زيد بن علي الحارثي 135

إمام المغازي محمد بن إسحاق للدكتور / مسفر بن سعيد بن دماس الغامدي 223

من رواد العلم في المملكة للدكتور / محمد بن سعد الشويعر 279

واجب الشباب للشيخ / علي بن قاسم الفيفي 355

وجوب الحذر من استقدام غير المسلمين لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز 379

ص: 5

صفحة فارغة

ص: 6

الوصية بكتاب الله (القرآن الكريم)

لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله وخليله، وأمينه على وحيه، وصفوته من خلقه، نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه، ومن سلك سبيله، واهتدى بهداه إلى يوم الدين.

أما بعد:

فإن كتاب الله فيه الهدى والنور، وهو حبله المتين، وصراطه المستقيم، وهو ذكره الحكيم، من تمسك به نجا، ومن حاد عنه هلك. يقول الله عز وجل في هذا الكتاب العظيم:{إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} (1){وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} (2).

هذا كتاب الله يهدي للتي. هي أقوم، يعني: للطريقة التي هي أقوم، والمسلك الذي هو أقوم، الذي هو خير الطرق وأقومها وأهداها، فهو يهدي إليه، يعني: يرشد إليه، ويدل عليه، ويدعو إليه، وهو توحيد الله وطاعته، وترك معصيته والوقوف عند

(1) سورة الإسراء الآية 9

(2)

سورة الإسراء الآية 10

ص: 7

حدوده، هذا هو الطريق الأقوم، وهو المسلك الذي به النجاة، أنزله الله جل وعلا تبيانا لكل شيء، وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين، كما قال سبحانه في سورة النحل:{وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} (1). فهو تبيان لكل شيء، وهدى إلى طريق السعادة ورحمة وبشرى. يقول جل وعلا:{قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ} (2). هدى لقلوبهم للحق، وشفاء لقلوبهم من أمراض الشرك والمعاصي والبدع والانحرافات عن الحق، وشفاء للأبدان من كثير من الأمراض. وهو بشرى للإنس والجن، لكنه سبحانه ذكر المؤمنين لأنهم هم الذين اهتدوا به وانتفعوا به، وإلا فهو شفاء للجميع، كما قال جل وعلا:{وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} (3) وقال سبحانه: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} (4). فالقرآن شفاء ودواء للقلوب من جميع الأدواء المتنوعة؛ أدواء الشرك، والمعاصي، والبدع، والمخالفات، وهو شفاء لأمراض الأبدان أيضا وأمراض المجتمعات؟ شفاء لأمراض المجتمع وأمراض البدن لمن صلحت نيته وأراد الله شفاءه. ويقول جل وعلا:{كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} (5). فهو

(1) سورة النحل الآية 89

(2)

سورة فصلت الآية 44

(3)

سورة النحل الآية 89

(4)

سورة الإسراء الآية 9

(5)

سورة إبراهيم الآية 1

ص: 8

كتاب يخرج الله به الناس من الظلمات؛ من ظلمات الشرك، والمعاصي، والبدع، والفرقة والاختلاف إلى نور الحق والهدى والاجتماع على الخير والتعاون على البر والتقوى، وهذا هو صراط الله المستقيم وهو توحيد الله، وأداء فرائضه، وترك محارمه، والتواصي بحقه، والحذر من معاصيه، ومن مخالفة أمره، هذا هو صراط الله المستقيم، وهذا هو النور والهدى، وهذا هو الطريق الأقوم. وقال سبحانه في سورة الأنبياء:{وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ} (1)، وقال سبحانه في سورة يس:{إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ} (2){لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ} (3) سورة يس، الآيتان 69، 70. . والمقصود أن الله جل وعلا جعل كتابه ذكرا، وجعله نذارة، وجعله شفاء، وجعله هدى؛ فالواجب على جميع المكلفين من الجن والإنس أن يهتدوا به، وأن يستقيموا عليه، وأن يحذروا مخالفته. قال جل وعلا:{كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ} (4)، وقال سبحانه:{وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (5)، وقال جل وعلا:{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} (6) «وسئلت عائشة رضي الله عنها، فقيل لها: يا أم المؤمنين، ماذا

(1) سورة الأنبياء الآية 50

(2)

سورة يس الآية 69

(3)

سورة يس الآية 70

(4)

سورة ص الآية 29

(5)

سورة الأنعام الآية 155

(6)

سورة محمد الآية 24

ص: 9

كان خلق النبي صلى الله عليه وسلم؟ قالت: كان خلقه القرآن (1)». قال الله تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} (2). والمعنى أنه صلى الله عليه وسلم كان يتدبر القرآن، ويكثر من تلاوته، ويعمل بما فيه، فكان خلقه القرآن: تلاوة، وتدبرا، وعملا بأوامره، وتركا لنواهيه، وترغيبا في طاعة الله ورسوله، ودعوة إلى الخير، ونصيحة لله ولعباده، إلى غير ذلك من وجوه الخير.

(1) رواه الإمام أحمد في (باقي مسند الأنصار) حديث السيدة عائشة رضي الله عنها برقم (24080 و 24774 و 25285)، ومسلم في (صلاة المسافرين) باب جامع صلاة الليل برقم (746) بمعناه.

(2)

سورة القلم الآية 4

ص: 10

وقال تعالى: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ} (1). فالقرآن هو أحسن القصص، وهو خلق النبي صلى الله عليه وسلم.

ونصيحتي لجميع المسلمين، رجالا ونساء، جنا وإنسا، عربا وعجما، علماء ومتعلمين، نصيحتي للجميع أن يعتنوا بالقرآن الكريم، وأن يكثروا من تلاوته بالتدبر والتعقل، بالليل والنهار، ولا سيما في الأوقات المناسبة التي فيها القلوب حاضرة للتدبر والتعقل. والذي لا يحفظه يقرؤه من المصحف، والذي لا يحفظ إلا البعض يقرأ ما تيسر منه. قال تعالى:{فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} (2). وإذا كان يعرف الحروف يتهجى ويقرأ من المصحف حتى يتعلم زيادة. والذي لا يعلم يتعلم من أمه، أو أبيه، أو

(1) سورة يوسف الآية 3

(2)

سورة المزمل الآية 20

ص: 10

ولده، أو زوجته إن كانت أعلم منه. والتي لا تعرف يعلمها أبوها، أو أخوها، أو زوجها، أو أختها، أو غيرهم.

وهكذا يتواصى الناس، ويتعاونون، الزوج يعين زوجته، والزوجة تعين زوجها، والأب يعين ولده، والولد يعين أباه، والأخ يعين أخاه، والخال والخالة، وهكذا الكل يتعاونون، ويتواصون بهذا الكتاب العظيم: تدبرا وتعقلا، وعملا لقول الله عز وجل:{وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} (1)، وقوله سبحانه:{وَالْعَصْرِ} (2){إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ} (3){إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} (4)، ولما رواه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للناس في خطبته يوم عرفة في حجة الوداع:«وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله (5)» . هكذا يوصيهم عليه الصلاة والسلام بكتاب الله ويخبرهم أنهم لن يضلوا إذا اعتصموا به.

وفي اللفظ الآخر «كتاب الله وسنة نبيه (6)» . وسنة الرسول

(1) سورة المائدة الآية 2

(2)

سورة العصر الآية 1

(3)

سورة العصر الآية 2

(4)

سورة العصر الآية 3

(5)

رواه مسلم في صحيحه، (الحج) باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم برقم (1217)، والحاكم في المستدرك 1/ 93.

(6)

رواه الإمام مالك في الموطأ بلاغا في (الجامع) باب النهي عن القول بالقدر برقم (1661)، وذكره صاحب كنز العمال برقم (954) عن ابن عباس.

ص: 11

صلى الله عليه وسلم من كتاب الله؛ لأن الله سبحانه يقول: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} (1). فكتاب الله يأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، قال تعالى:{قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} (2)، ويقول جل وعلا:{وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا} (3)، ويقول:{مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} (4). فالرسول صلى الله عليه وسلم أوصى بالقرآن؛ فوصيته بالقرآن وصية بالسنة، وهي أقواله وأفعاله وتقريراته كما تقدم.

ويروى عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «تكون فتن. فقيل له يا رسول الله، فما المخرج منها؟ قال: كتاب الله، فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم. . . (5)» الحديث.

فهو المخرج من جميع الفتن، وهو الدال على سبيل النجاة، وهو المرشد إلى أسباب السعادة والمحذر من أسباب الهلاك، وهو الداعي إلى جمع الكلمة، وهو المحذر من الفرقة

(1) سورة النساء الآية 59

(2)

سورة النور الآية 54

(3)

سورة المائدة الآية 92

(4)

سورة النساء الآية 80

(5)

رواه الترمذي (فضائل القرآن) باب ما جاء في فضل القرآن برقم (2906)، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 7/ 164، وبين بعض ألفاظهما اختلاف وزيادة

ص: 12

والاختلاف. قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} (1)، ويقول جل وعلا في هذا الكتاب العظيم:{وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ} (2)، ويقول سبحانه وتعالى:{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} (3). فهو يدعو إلى الاجتماع على الحق، والتواصي بالحق، كما قال سبحانه:{وَالْعَصْرِ} (4){إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ} (5){إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} (6). وهذه السورة العظيمة القصيرة قد جمعت الخير كله، وما أبقت شيئا من الخير إلا ذكرته، ولا شيئا من الشر إلا وحذرت منه.

وهؤلاء المستثنون فيها هم الرابحون؛ من الجن والإنس، من الذكور والإناث، من العرب والعجم، من التجار والفقراء، من الأمراء وغيرهم، هم الرابحون، وهم الناجون من الخسران، وهم الذين اتصفوا بأربع صفات، وهي: الإيمان، والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر.

هؤلاء هم السالمون من الخسران، ومن عداهم خاسر على حسب ما فاته من هذه الصفات الأربع. فمن آمن بالله ورسوله وصدق الله في أخباره، وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما

(1) سورة الأنعام الآية 159

(2)

سورة آل عمران الآية 105

(3)

سورة آل عمران الآية 103

(4)

سورة العصر الآية 1

(5)

سورة العصر الآية 2

(6)

سورة العصر الآية 3

ص: 13

صح عنه، وآمن بكل ما أخبر الله به ورسوله من أمر الآخرة والجنة والنار والحساب والجزاء وغير ذلك، وآمن بأن الله سبحانه هو المستحق للعبادة، وأنه واحد لا شريك له، وأن العبادة حقه، وأنه لا تجوز العبادة لغيره، وصدق بهذا كما أخبر الله في كتابه العظيم حيث قال سبحانه:{فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ} (1)، وقال تعالى:{وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} (2)، وقال سبحانه:{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} (3)، وقال تعالى:{وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} (4)، وقال تعالى:{وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} (5)، وقال سبحانه:{اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} (6)، وقال سبحانه:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (7)، وقال عز وجل:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} (8).

فهذا هو أصل الدين وأساس الملة أن تؤمن بأن الله هو الخالق والرازق، وأنه هو المعبود بالحق، وأنه سبحانه له الأسماء الحسنى والصفات العلى لا شبيه له، ولا كفو له، ولا شريك له

(1) سورة الزمر الآية 2

(2)

سورة الإسراء الآية 23

(3)

سورة الفاتحة الآية 5

(4)

سورة البينة الآية 5

(5)

سورة البقرة الآية 163

(6)

سورة الزمر الآية 62

(7)

سورة الذاريات الآية 56

(8)

سورة البقرة الآية 21

ص: 14

في العبادة، ولا في الملك والتدبير، كما قال سبحانه:{اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} (1)، وقال سبحانه:{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} (2){اللَّهُ الصَّمَدُ} (3){لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} (4){وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} (5)، وقال سبحانه:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} (6)، وقال سبحانه في سورة الحج:{ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ} (7)، وقال سبحانه:{وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} (8)، والآيات في هذا المعنى كثيرة.

(1) سورة البقرة الآية 255

(2)

سورة الإخلاص الآية 1

(3)

سورة الإخلاص الآية 2

(4)

سورة الإخلاص الآية 3

(5)

سورة الإخلاص الآية 4

(6)

سورة الشورى الآية 11

(7)

سورة الحج الآية 62

(8)

سورة الجن الآية 18

ص: 15

والخلاصة: أن الواجب على كل مكلف من الجن والإنس أن يخص الله بالعبادة، وأن يؤمن إيمانا قاطعا بأنه الخلاق الرزاق، لا خالق إلا الله، ولا رب سواه، وأنه سبحانه المستحق للعبادة، لا يستحقها أحد سواه، وهو المستحق لأن يعبد بالدعاء، والخوف والرجاء، والصلاة والصوم، والذبح والنذر وغيرها، كل لله وحده لا شريك له، قال تعالى:{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} (1)، وقال تعالى:{وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} (2). وهذا هو معنى لا إله إلا الله، فإن

(1) سورة الروم الآية 30

(2)

سورة البينة الآية 5

ص: 15

معناها لا معبود بحق إلا الله، كما قال تعالى:{فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} (1) يعني فاعلم أنه لا معبود بحق إلا الله، فهو المستحق أن يعبد. ومن عبد الأصنام، أو أصحاب القبور، أو الأشجار، أو الأحجار، أو الملائكة، أو الأنبياء، فقد أشرك بالله، وقد نقض قول لا إله إلا الله وخالفها، وقد خالف قوله تعالى:{وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} (2)، وخالف قوله تعالى:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (3)؛ فصار من جملة المشركين عباد القبور، والأصنام، والأشجار، والأحجار، الذين يستغيثون بأصحاب القبور، ويتبركون بقبورهم، ويدعونهم، أو يطوفون بقبورهم يرجون نفعهم وثوابهم، أو يستغيثون بهم، أو يطلبون منهم الولد أو المدد أو ما أشبه ذلك مما يفعله عباد القبور، وعباد الأصنام، أو يستغيثون بالنجوم، أو بالجن، أو بالملائكة، أو بالأنبياء، أو بغيرهم من المخلوقات. كل هذا نقض لقول لا إله إلا الله، وشرك بالله ينافي التوحيد ويضاده، ومخالف لقول الله جل وعلا:{وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} (4) وقوله تعالى: {وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (5) ولقوله تعالى: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (6){بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ} (7)،

(1) سورة محمد الآية 19

(2)

سورة البينة الآية 5

(3)

سورة الذاريات الآية 56

(4)

سورة البينة الآية 5

(5)

سورة الأنعام الآية 88

(6)

سورة الزمر الآية 65

(7)

سورة الزمر الآية 66

ص: 16

وقوله سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} (1)، وقوله تعالى:{إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} (2). فلا بد من توحيد الله، والإخلاص له: في صلاتك، وصومك، وسائر عباداتك، وفي ذبحك، ونذرك، وخوفك، ورجائك. لا بد في كل ذلك من ترك الإشراك بالله، والحذر منه، مع الإيمان بالله ربك، وأنه خالقك لا خالق غيره ولا رب سواه، مع الإيمان بأسمائه وصفاته، وأنه سبحانه ذو الصفات العلى والأسماء الحسنى، لا شبيه له ولا كفؤ له ولا ند له، كما قال سبحانه وتعالى:{وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} (3)، وقال تعالى:{فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا} (4) والمراد أشباه ونظراء، وقال تعالى:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} (5)، وقال تعالى:{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} (6){اللَّهُ الصَّمَدُ} (7){لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} (8){وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} (9) وعليه أيضا أن يؤمن بأن كل إنسان مكلف يجب أن يؤمن بأن الله سبحانه هو خالقه، وموجده، وأنه خالق كل شيء ومالكه، وأنه هو المستحق أن يعبده، وأنه هو الإله الحق، وهو المعبود

(1) سورة النساء الآية 48

(2)

سورة لقمان الآية 13

(3)

سورة الأعراف الآية 180

(4)

سورة البقرة الآية 22

(5)

سورة الشورى الآية 11

(6)

سورة الإخلاص الآية 1

(7)

سورة الإخلاص الآية 2

(8)

سورة الإخلاص الآية 3

(9)

سورة الإخلاص الآية 4

ص: 17

بالحق ولا يكون المرء مؤمنا إيمانا كاملا إلا إذا اعتقد أنه سبحانه له الأسماء الحسنى والصفات العلى، وأن أسماءه كلها حسنى وصفاته كلها على، وأنه لا شبيه له، ولا مثل له، ولا كفؤ له، كما قال سبحانه:{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} (1){اللَّهُ الصَّمَدُ} (2){لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} (3) وقال تعالى: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} (4) يعني: لا سمي له، ولا كفؤ له، ولا شريك له، قال تعالى:{فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (5) والمعنى: لا تجعلوا له أشباها ونظراء تدعونهم معه، قال سبحانه وتعالى:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} (6)، فهو يسمع أقوال عباده، ويسمع دعاءهم ويراهم، ومع ذلك لا شبيه له في ذاته، ولا في أسمائه، ولا في سمعه وبصره، ولا في جميع صفاته، فهو الكامل في كل شيء، وخلقه لهم النقص، أما الكمال فهو له سبحانه وتعالى في كل الأمور.

فعليك بتدبر القرآن حتى تعرف هذا المعنى، تدبر القرآن من أوله إلى آخره، من الفاتحة وهي أعظم سورة في القرآن وأفضل سورة فيه إلى آخر ما في المصحف، قل هو الله أحد والمعوذتين. تدبر القرآن، واقرأه بتدبر وتعقل، ورغبة في العمل والفائدة، لا تقرأه بقلب غافل، اقرأه بقلب حاضر، بتفهم وبتعقل، واسأل عما أشكل عليك، اسأل أهل العلم عما أشكل عليك، مع أن أكثره

(1) سورة الإخلاص الآية 1

(2)

سورة الإخلاص الآية 2

(3)

سورة الإخلاص الآية 3

(4)

سورة مريم الآية 65

(5)

سورة البقرة الآية 22

(6)

سورة الشورى الآية 11

ص: 18

بحمد الله واضح للعامة والخاصة ممن يعرف اللغة العربية، مثل قوله جل وعلا:{حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} (1)، وقوله تعالى:{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (2)، وقوله سبحانه:{مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} (3)، وقوله عز وجل:{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} (4)، وقوله تعالى:{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} (5)، وقوله سبحانه:{وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} (6)، وقوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (7)، وقوله عز وجل:{وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} (8). فكله آيات واضحات، بين الله سبحانه وتعالى فيها ما حرم على عباده، وما أحل لهم، وما أمرهم به، وما نهاهم عنه.

وهكذا حرم الله الظلم فقال تعالى: {وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} (9)، وقال سبحانه:{وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا} (10).

(1) سورة البقرة الآية 238

(2)

سورة النور الآية 56

(3)

سورة النساء الآية 80

(4)

سورة البقرة الآية 43

(5)

سورة البقرة الآية 183

(6)

سورة آل عمران الآية 97

(7)

سورة المائدة الآية 90

(8)

سورة البقرة الآية 275

(9)

سورة الشورى الآية 8

(10)

سورة الفرقان الآية 19

ص: 19

فعليك يا عبد الله أن لا تظلم الناس، لا في أنفسهم ولا في أعراضهم ولا في أموالهم.

ص: 20

احذر الظلم فعاقبته وخيمة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم:«كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله (1)» فاحذر، لا تعتد على الفقير أو تخنه، أو تخن غير الفقير، اتق الظلم في المعاملات وفي كل شيء، لا تظلم عمالا إذا كنت صاحب شركة، أو عندك عمال في بيتك، أعطهم حقوقهم، أوف لهم بالشروط، فشروطهم أعطهم إياها، سواء كنت مدير شركة، أو صاحب عمال في بيتك، أو في مزرعتك، فاتق الله فيهم، لا تستضعفهم فتخونهم، وهكذا في جميع شئونك، لا تكن خائنا ولا غشاشا في بيعك وشرائك. يقول النبي صلى الله عليه وسلم «من غشنا فليس منا (2)». ويقول الله جل وعلا:{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} (3)، ويقول سبحانه في وصف المؤمنين:{وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} (4)،

(1) رواه الإمام أحمد في (باقي مسند المكثرين) مسند أبي هريرة برقم (7670)، ومسلم في (البر والصلة) باب تحريم ظلم المسلم برقم (2564).

(2)

رواه الإمام أحمد في (مسند المكثرين) مسند عبد الله بن عمر برقم (5092)، ومسلم في (الإيمان) باب قول النبي- صلى الله عليه وسلم "من غشنا فليس منا" برقم (101)، وابن حبان في صحيحه في (التجارات) باب النهي عن الغش برقم (2225).

(3)

سورة النساء الآية 58

(4)

سورة المؤمنون الآية 8

ص: 20

ويقول جل وعلا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (1). فإذا كنت وكيلا لإنسان في مزرعة أو شركة أو غير ذلك فلا تخنه، انصح وأد الواجب، ولا تأخذ من حقه شيئا إلا بإذنه. وهكذا في جميع الأشياء؛ كالوكيل في البيع أو الشراء يجب عليه أن ينصح في ذلك، في الإجارة انصح ولا تخن، في أي شيء، في بيع ثمار النخل، في أي شيء انصح، قال تعالى:{وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} (2). وإذا كان عليك دين فاتق الله في أداء الدين، لا تقل: إنني لا أستطيع وأنت تكذب، اتق الله وأد الدين لمستحقه، فأنت مأمور بذلك، مأمور أن تؤدي الحقوق، وأن توفي بالعقود. يقول الله جل وعلا:{قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} (3){الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} (4){وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ} (5){وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ} (6) زكاة نفوسهم وزكاة أموالهم {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ} (7){إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} (8) أي: يحفظون الفروج من الزنا، واللواط وسائر المعاصي، إلا على أزواجهم أو ما ملكت إيمانهم فإنهم غير ملومين {فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ} (9){وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} (10) يرعون الأمانات والعهود حتى

(1) سورة الأنفال الآية 27

(2)

سورة المعارج الآية 32

(3)

سورة المؤمنون الآية 1

(4)

سورة المؤمنون الآية 2

(5)

سورة المؤمنون الآية 3

(6)

سورة المؤمنون الآية 4

(7)

سورة المؤمنون الآية 5

(8)

سورة المؤمنون الآية 6

(9)

سورة المؤمنون الآية 7

(10)

سورة المؤمنون الآية 8

ص: 21

يؤدوها كما شرع الله. وهكذا الكلام السري هو من الأمانات، فلا تتكلم به، ولا تفش السر. ومن قال: افعل كذا وكذا ولا تخبر به أحدا، فإن ذلك يكون سرا بينك وبينه فلا تخنه، ولا تخن أمانة السر التي ليس فيها ضرر على أحد. ومن أوصاك على عياله، أو أوصاك على مزرعته فأد الحق، وراقب الله في ذلك، فإن الله سبحانه رقيب عليك. وإذا اقترضت من إنسان حاجات فأد حقه إليه ولا تخنه في ذلك، واتق الله وأعطه جميع الحاجات التي أخذتها منه، أو ثمنها إن كنت أخذتها بالشراء، ولا تجحد ما عندك له إذا كان قد نسيه، بل أعطه إياه وقل: إن هذا لك عندي ثمن كذا وثمن كذا. قال تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} (1){وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} (2). فالصلاة أعظم الواجبات وأهم الفرائض بعد التوحيد، وهي عمود الإسلام، وهي أعظم ركن وأعظم فريضة بعد الشهادتين، فاتق الله فيها وحافظ عليها في الجماعة؛ لقوله الله تعالى:{حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ} (3)، ولقوله سبحانه:{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} (4)، ولقوله سبحانه:{وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} (5)، ولقوله سبحانه:{وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} (6){أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ} (7)،

(1) سورة المؤمنون الآية 8

(2)

سورة المؤمنون الآية 9

(3)

سورة البقرة الآية 238

(4)

سورة البقرة الآية 43

(5)

سورة العنكبوت الآية 45

(6)

سورة المعارج الآية 34

(7)

سورة المعارج الآية 35

ص: 22

ولقوله سبحانه عن المنافقين: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى} (1). فلا ترض لنفسك بمشابهتهم، ولا تكن مثلهم متثاقلا عن الصلوات كأنك تجر إليها جرا، لكن كن نشيطا قويا مسارعا إليها في صلاة الفجر وغيرها، فلا تقدم النوم على صلاة الفجر ولا على غيرها، بل كن صابرا مسارعا ومراقبا الله في جميع الأوقات، وهكذا زوجتك، وهكذا أولادك، كن قويا في هذا الأمر مع الزوجة، ومع الأولاد، ومع الخدم، وأنت أولهم، كن مسارعا، وكن قدوة في الخير، إذا سمعت النداء فبادر إلى الصلاة: في الفجر، والظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، كما أمرك الله سبحانه بذلك ورسوله صلى الله عليه وسلم. يقول الله:{حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} (2) والصلاة الوسطى هي صلاة العصر، خصها الله بالذكر لعظم شأنها، ويقول سبحانه:{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} (3) وإقامتها هي أداؤها كما أمر الله، وإيتاء الزكاة هو أداؤها لمستحقيها كما أمر الله. فالأموال التي عندك أد زكاتها كما أوجب الله، لا تبخل، وجاهد نفسك في إخراج الزكاة حتى تؤديها إلى أهلها، من هذا المال الذي عندك: من نقود، أو غنم، أو إبل، أو بقر، أو غير

(1) سورة النساء الآية 142

(2)

سورة البقرة الآية 238

(3)

سورة البقرة الآية 43

ص: 23

ذلك من وأموال الزكاة، وعروض التجارة، كالملابس، والأواني، والسيارات، إلى غير ذلك مما يعد للبيع.

فعليك أن تؤدي عن كل مال زكوي كلما حال عليه الحول في المائة من الدراهم والدنانير وغيرها من العمل اثنان ونصف، وهما ربع العشر، وفي الألف خمسة وعشرون، وفي مائة ألف ألفان وخمسمائة.

وهكذا في غنمك إذا كانت سائمة ترعى جميع الحول أو أكثره في الأربعين إلى مائة وعشرين واحدة وهي جذع من الضأن أو ثني من المعز، وفى المائة وإحدى وعشرين إلى مائتين اثنتان، وفي المائتين وواحدة ثلاث شياه، ثم تستقر الفريضة في كل مائة شاة؛ ففي أربعمائة من الغنم أربع شياه، وفي خمسمائة خمس شياه وهكذا.

وأما زكاة الإبل فقد فصلها النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل في الخمس من الإبل التي ترعى جميع الحول أو غالبه شاة واحدة، وفي العشر شاتان، وفي خمس عشرة من الإبل ثلاث شياه، وفي العشرين أربع شياه إلى خمس وعشرين، فإذا بلغت خمسا وعشرين ففيها بنت مخاض- أنثى قد تم لها سنة- فإن لم توجد لدى صاحب المال أجزأ عنها ابن لبون- ذكر قد تم له سنتان- إلى خمس وثلاثين، فإذا بلغت ستا وثلاثين ففيها بنت لبون- أنثى قد تم لها سنتان- إلى خمس وأربعين، فإذا بلغت ستا وأربعين ففيها حقة- قد تم لها ثلاث سنين- إلى ستين، فإذا

ص: 24

بلغت واحدة وستين ففيها جذعة- قد تم لها أربع سنين- إلى خمس وسبعين، فإذا بلغت ستا وسبعين ففيها بنتا لبون إلى إحدى وتسعين، فإذا بلغت إحدى وتسعين ففيها حقتان طروقتا الجمل إلى مائة وعشرين، فإذا زادت على مائة وعشرين ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة.

وهكذا في البقر إذا كانت سائمة ترعى جميع الحول أو أغلبه، ففي كل ثلاثين تبيع أو تبيعة قد تم لكل منهما سنة، وفي الأربعين مسنة قد تم لها سنتان، وفي الستين تبيعان أو تبيعتان، وفي السبعين تبيع ومسنة، وفي الثمانين مسنتان، وفي التسعين ثلاثة أتباع أو ثلاث تبيعات، وفي المائة تبيعان أو تبيعتان ومسنة، وفي المائة والعشرين ثلاث مسنات أو أربعة أتباع، ثم تستقر الفريضة، ففي كل ثلاثين تبيع أو تبيعة، وفي كل أربعين مسنة.

أما الحبوب والثمار التي تكال وتدخر ففيها نصف العشر إذا كانت تسقى بمؤونة كالسواني والمكائن، أما إذا كانت تسقى بالمطر أو الأنهار ونحو ذلك ففيها العشر إذا بلغت خمسة أوسق؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«فيما سقت السماء والعيون العشر، وفيما شقي بالنضح نصف العشر (1)» أخرجه البخاري في الصحيح. وقوله صلى الله عليه وسلم: «ليس فيما دون خمسة أوساق من تمر ولا حب صدقة (2)» متفق على صحته.

(1) رواه البخاري في (الزكاة) باب العشر فيما يسقى من ماء السماء برقم (1483).

(2)

رواه البخاري في (الزكاة) باب زكاة الورق برقم (1447)، ومسلم في (الزكاة) برقم (979) واللفظ له.

ص: 25

أما صيام رمضان فهو الركن الرابع من أركان الإسلام؛ يجب أن تتقي الله فيه. فإذا جاء رمضان عليك أن تصوم مع الناس كما أمر الله، وتحفظ صومك عن اللغو، وعن الغيبة والنميمة وسائر المعاصي، ولا تجرح صومك بشيء منها، بل الواجب أن تصون صيامك عن كل المعاصي؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه (1)» أخرجه البخاري في صحيحه.

وعليك بالكسب الحلال، تحر الحلال من مكسب طيب، واحذر الحرام، وصم صوما صحيحا، فإذا صمت فلتصم جوارحك عن كل ما حرم الله. هكذا الصوم الكامل، أن يصوم المرء عن الطعام والشراب، وأن يصوم عن كل ما حرم الله. وهكذا في حجك، لا ترفث ولا تفسق، فإذا حججت فصن حجك عن جميع المعاصي، احذر ذلك في جميع الأحوال؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه (2)» متفق على صحته، وقوله صلى الله عليه وسلم: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور

(1) رواه البخاري في (الصوم) باب من لم يدع قول الزور برقم (1903).

(2)

رواه البخاري في (الحج) باب فضل الحج المبرور برقم (1521، 1819، 1820)، ومسلم في (الحج) باب في فضل الحج والعمرة ويوم عرفة برقم (1350).

ص: 26

ليس له جزاء إلا الجنة (1)» متفق على صحته. والحج المبرور هو الذي ليس فيه رفث ولا فسوق.

وهكذا يجب عليك في جميع المعاملات الحذر من الغش والخيانة والكذب، فقد «مر النبي صلى الله عليه وسلم على رجل عنده صبرة من طعام في السوق، فكأنه أحس بشيء فيها، فأدخل يده فيها؛ فنالت أصابعه بللا فقال: "ما هذا يا صاحب الطعام؟ " قال: أصابته السماء يا رسول الله، فقال: " أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس؟ من غش فليس مني (2)» أخرجه مسلم في صحيحه.

والمقصود: أن كتاب الله فيه الهدى والنور، وفيه الدعوة إلى كل خير، وفيه التحذير من كل شر، وهكذا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها الدعوة إلى كل خير والتحذير من كل شر.

فوصيتي لنفسي ولجميع إخواني المسلمين هي تقوى الله سبحانه في جميع الأحوال، وتقوى الله: هي طاعته سبحانه بفعل الأوامر وترك النواهي، والإخلاص له جل وعلا في ذلك، والوقوف عند حدوده. ومن تقوى الله سبحانه العناية بالقرآن،

(1) رواه البخاري في (الحج) باب وجوب العمرة وفضلها برقم (1773)، ومسلم في (الحج) باب في فضل الحج والعمرة برقم (1349).

(2)

رواه مسلم في (الإيمان) باب قوله النبي- صلى الله عليه وسلم " من غشنا فليس منا " برقم (102)

ص: 27

وتدبر معانيه، والإكثار من تلاوته حفظا أو نظرا، مع التدبر والتعقل والعمل. قال الله سبحانه:{كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ} (1) فهو لم ينزل لجعله في الدواليب، ولا لمجرد القراءة أو الحفظ، وإنما نزل ليقرأ، ويتدبر، ويعمل به. قال تعالى:{كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} (2)، وقال تعالى:{وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (3)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم للناس يوم عرفة في حجة الوداع:«وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله (4)» ، ويقول صلى الله عليه وسلم أيضا:«إني تارك فيكم ثقلين: أولهما: كتاب الله، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله وتمسكوا به " ثم قال: " وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي (5)» ، يعني بهم زوجاته وقراباته من بني هاشم، يذكر الناس بالله في أهل بيته بأن يرفقوا بهم، وأن يحسنوا إليهم، ويكفوا الأذى عنهم، ويوصوهم بالحق، ويعطوهم حقوقهم ما داموا مستقيمين على دينه، متبعين

(1) سورة ص الآية 29

(2)

سورة إبراهيم الآية 1

(3)

سورة الأنعام الآية 155

(4)

رواه مسلم في (الحج) باب في المتعة بالحج والعمرة حديث رقم (1217)، والحاكم في المستدرك 1/ 93.

(5)

رواه مسلم في (فضائل الصحابة) باب من فضائل علي بن أبي طالب- رضي الله عنه برقم (2408) عن زيد بن أرقم.

ص: 28

لشريعته عليه الصلاة والسلام «وصح عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه أنه سئل عما أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أوصى بكتاب الله (1)» . يعني أوصى بالقرآن، فالقرآن وصية الله ووصية رسوله عليه الصلاة والسلام، فالله جل وعلا أوصانا بهذا الكتاب، فقال:{وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ} (2). فهذه وصيته وأمره سبحانه باتباع كتابه، والتمسك به، وقال عز وجل:{اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} (3). فهذا كتاب الله هو أحسن الحديث، وهو أحسن القصص، كما قال سبحانه في سورة يوسف:{نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ} (4).

فهو أحسن القصص؛ قص الله علينا فيه أخبار الماضين، من أخبار آدم، وأخبار نوح، وهود، وصالح، وغيرهم من الرسل المذكورين في القرآن، وقص علينا أخبار أممهم وما جرى لهم من العقوبات، وما جرى للمتقين من النصر والتأييد والعاقبة الحميدة، وليس هناك قصص أحسن منه، كما قص علينا صفات أهل الجنة والنار، وأنواع النعيم والعذاب، وأخبار يوم القيامة والجزاء والحساب، إلى غير ذلك من الأخبار العظيمة.

(1) صحيح البخاري الوصايا (2740)، صحيح مسلم الوصية (1634)، سنن الترمذي الوصايا (2119)، سنن النسائي الوصايا (3620)، سنن ابن ماجه الوصايا (2696)، مسند أحمد بن حنبل (4/ 355)، سنن الدارمي الوصايا (3180).

(2)

سورة الأنعام الآية 155

(3)

سورة الزمر الآية 23

(4)

سورة يوسف الآية 3

ص: 29

فالوصية أيها الإخوة: رجالا ونساء، جنا وإنسا، هي العناية بكتاب الله والإكثار من تلاوته وتدبره والعمل بما فيه، وبسنة الرسول؟ لأنها داخلة في ذلك، فسنة الرسول صلى الله عليه وسلم داخلة في الوصية بكتاب الله؛ لأن الله سبحانه أوحى إليه القرآن والسنة. قال جل وعلا:{وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى} (1){مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى} (2){وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى} (3){إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} (4)، وقال سبحانه:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا} (5).

وقال صلى الله عليه وسلم: «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه (6)» . فالوصية بالقرآن وصية بالسنة، فالواجب على جميع المسلمين هو العمل بالكتاب والسنة وتحكيمهما في كل شيء. وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم هي أحاديثه الصحيحة، والاستفادة منها وحفظ ما تيسر منها أيضا والسؤال عما أشكل منها، لأن الله أوصى بها. قال تعالى:{وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا} (7)، وقال جل وعلا:{فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} (8)

(1) سورة النجم الآية 1

(2)

سورة النجم الآية 2

(3)

سورة النجم الآية 3

(4)

سورة النجم الآية 4

(5)

سورة النساء الآية 59

(6)

رواه أبو داود في (السنة) باب لزوم السنة برقم (4604)، ورواه من طريقه ابن عبد البر في (التمهيد) 1/ 150 عن المقدام بن معدي كرب.

(7)

سورة المائدة الآية 92

(8)

سورة النور الآية 63

ص: 30

يعني عن أمر النبي صلى الله عليه وسلم: {أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (1)، وقال جل وعلا:{تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} (2){وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ} (3). نسأل الله العافية.

الوصية لنفسي ولكم ولجميع المسلمين ولجميع من بلغه هذا الكلام، الوصية هي تقوى الله، والعناية بكتاب الله الكريم، والتواصي بذلك: قولا وعملا ومذاكرة، ومن ضيع ذلك فهو خاسر، قال تعالى:{وَالْعَصْرِ} (4){إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ} (5){إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} (6). فهؤلاء هم أهل السعادة وهم أهل الربح الذين آمنوا بالله وبرسوله ووحدوه، وأخلصوا لله العبادة، وأدوا فرائضه، وتركوا محارمه، وتواصوا بالحق: أي تناصحوا فيما بينهم، وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، ثم مع ذلك صبروا ولم يجزعوا حتى لحقوا بربهم، وهم المذكورون في قوله تعالى:{وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ} (7).

(1) سورة النور الآية 63

(2)

سورة النساء الآية 13

(3)

سورة النساء الآية 14

(4)

سورة العصر الآية 1

(5)

سورة العصر الآية 2

(6)

سورة العصر الآية 3

(7)

سورة التوبة الآية 71

ص: 31

هذا هو شأنهم، وهذا شأن المؤمنين، وقد وعدهم الله بالرحمة، فقال تعالى:{أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ} (1) وهذا جزاؤهم في الدنيا بالتوفيق والهداية والتسديد في الآخرة بدخول الجنة والنجاة من النار، وهم المذكورون في قوله تعالى:{وَالْعَصْرِ} (2){إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ} (3){إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} (4)، ويقول سبحانه في هذا المعنى:{وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} (5) البر والتقوى هو أداء فرائض الله وترك محارمه، ثم يقول سبحانه:{وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (6)، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح:«الدين النصيحة " قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: " لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم (7)» رواه مسلم في الصحيح، ويقول صلى الله عليه وسلم:«المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا (8)» وشبك بين أصابعه. ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر

(1) سورة التوبة الآية 71

(2)

سورة العصر الآية 1

(3)

سورة العصر الآية 2

(4)

سورة العصر الآية 3

(5)

سورة المائدة الآية 2

(6)

سورة المائدة الآية 2

(7)

رواه مسلم في (الإيمان) باب بيان أن الدين النصيحة برقم (55) عن تميم الداري.

(8)

رواه البخاري في (المظالم) باب نصر المظلوم برقم (2446)، ومسلم (في البر والصلة) باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم برقم (2585).

ص: 32

الجسد بالسهر والحمى (1)».

هكذا كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأتباعهم بإحسان، متعاونين على البر والتقوى متناصحين، متواصين بالحق والصبر عليه، دعاة للخير محذرين من الشر، صبر في جميع الأحوال، مع أهلكم، ومع أولادكم، ومع جيرانكم، ومع جلسائكم، ومع جميع المسلمين أينما كانوا: في الباخرة، وفي الطائرة، وفي السيارة، في البر، وفي البحر، وفي أي مكان. فعليكم أيها الإخوة أن تكونوا متواصين بالحق متناصحين، متعاونين على البر والتقوى، دعاة للخير، محذرين من الشر، معتنين بكتاب الله: تلاوة وتدبرا وتعقلا وعملا.

والله المسئول بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يوفقنا وإياكم للفقه في دينه، والثبات عليه، وأن يعيذنا وإياكم وسائر المسلمين من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، وأن يوفقنا للعناية بكتابه، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والاهتداء بها والعمل بما فيها، وأن يكون كتاب الله سبحانه خلقا لنا كما كان خلقا لرسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، وأن يعيذنا وإياكم وسائر المسلمين من مضلات الفتن، ومن نزغات الشيطان، وأن ينصر دينه ويعلي كلمته، وأن يجعلنا وإياكم من أنصار دينه والدعاة إليه على بصيرة، إنه سميع قريب، وصلى الله وسلم على

(1) رواه مسلم في (البر والصلة) برقم (2586).

ص: 33

عبده نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

ص: 34

جباية الزكاة

(القسم الثالث)(1)

إعداد: اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء

د- وقال النووي:

الدين هل يمنع وجوب الزكاة؟ فيه ثلاثة أقوال: (أصحها) عند الأصحاب وهو نص الشافعي رضي الله عنه في معظم كتبه الجديدة تجب. (والثاني) لا تجب، وهو نصه في القديم وفي اختلاف العراقيين من كتبه الجديدة، وذكر المصنف دليل القولين. (الثالث) حكاه الخراسانيون، أن الدين يمنع وجوب الزكاة في الأموال الباطنية، وهي الذهب والفضة وعروض التجارة، ولا يمنعها في الظاهرة، وهي الزروع والثمار والمواشي والمعادن، والفرق أن الظاهرة نامية بنفسها. وبهذا القول قال مالك. قال أصحابنا: وسواء كان الدين حالا أو مؤجلا وسواء كان من جنس المال أو من غيره هذا هو المذهب وبه قطع الجمهور.

وقال جماعة من الخراسانيين: القولان إذا كان ماله من جنس الدين، فإن خالفه وجبت قطعا، وليس بشيء. فالحاصل

(1) هذا هو القسم الثالث وهو الأخير. إدارة المجلة.

ص: 35

أن المذهب وجوب الزكاة، سواء كان المال باطنا أو ظاهرا، من جنس الدين أم غيره. قال أصحابنا: سواء دين الآدمي ودين الله عز وجل، كالزكاة السابقة والكفارة والنذر وغيرها.

وأما مسألة الحجر الذي ذكرها المصنف قال أصحابنا: إذا قلنا: الدين يمنع وجوب الزكاة، فأحاطت برجل ديون وحجر عليه القاضي فله ثلاثة أحوال:(أحدها) يحجر ويفرق ماله بين الفرق الغرماء فيزول ملكه ولا زكاة. (والثاني) أن يعين لكل غريم شيئا من ملكه ويمكنهم من أخذه فحال الحول قبل أخذه فالمذهب أنه لا زكاة أيضا وبه قطع الجمهور لضعف ملكه.

وحكى الشيخ أبو محمد الجويني وآخرون من الخراسانيين وجها أن وجوب الزكاة فيه يخرج على الخلاف في المغصوب؛ لأنه حيل بينه وبينه. وقال القفال يخرج على الخلاف في اللقطة في السنة الثانية؛ لأنهم تسلطوا على إزالة ملكه تسلط الملتقط في السنة الثانية بخلاف المغصوب. والصحيح ما سبق عن الجمهور. والفرق أن تسلط الغرماء أقوى من تسلط الملتقط؛ لأنهم أصحاب حق على المالك ولأنهم مسلطون بحكم حاكم، فكان تسليطهم مسنده ثبوت المال في ذمة المالك، وهو أقوى، بدليل أنهم إذا قبضوه لم يرجع فيه المفلس بوجه ما، بخلاف الملتقط فإن للمالك إذا رجع أن يرجع في عين اللقطة على أحد الوجهين.

ص: 36

(الحال الثاني)(1) أن لا يفرق ماله ولا يعين لأحد شيئا ويحول الحول في دوام الحجر. وهذه هي الصورة التي أرادها المصنف. وفي وجوب الزكاة هنا ثلاثة طرق ذكرها المصنف بدلائلها: (أصحها) أنه على الخلاف في المغصوب. (والثاني) القطع بالوجوب. (والثالث) القطع بالوجوب في الماشية، وفي الباقي الخلاف كالمغصوب. والله أعلم.

إذا ثبت هذا فقد قال الشافعي رضي الله عنه في المختصر: ولو قضى عليه بالدين وجعل لهم ماله حيث وجدوه قبل الحول ثم جاء الحول قبل أن يقبضه الغرماء لم يكن عليه زكاة؛ لأنه صار لهم دونه قبل الحول. فمن الأصحاب من حمله على الحالة الأولى ومنهم من حمله على الثانية.

وقال الشافعي في الحالة الثانية: وللغرماء أن يأخذوا الأعيان التي عينها لهم الحاكم حيث وجدوها. فاعترض الكرخي عليه وقال: أباح الشافعي لهم نهب ماله. فأجاب أصحابنا عنه فقالوا: هذا الذي توهمه الكرخي خطأ منه؛ لأن الحاكم إذا عين لكل واحد عينا جاز له أخذها حيث وجدها؛ لأنه يأخذها بحق. والله أعلم.

(فرع) قال صاحب الحاوي وآخرون من الأصحاب: إذا أقر قبل الحجر بوجوب الزكاة عليه فإن صدقه الغرماء ثبتت، وإن كذبوه فالقول قوله مع يمينه؛ لأنه أمين. وحينئذ هل تقدم الزكاة

(1) كذا في الأصل. ولعل الصواب: (الحال الثالث). إدارة المجلة.

ص: 37

أم الدين أم يستويان؟ فيه الأقوال الثلاثة المشهورة في اجتماع حق الله تعالى، ودين الآدمي. وإن أقر بالزكاة بعد الحجر ففيه القولان المشهوران في المحجور عليه إذا أقر بدين بعد الحجر، هل يقبل في الحال ويزاحم به الغرماء أم يثبت في ذمته ولا تثبت مزاحمته.

(فرع) إذا قلنا: الدين يمنع الزكاة فقد ذكرنا أنه يستوي دين الله تعالى ودين الآدمي، قال أصحابنا: فلو ملك نصابا من الدراهم أو الماشية أو غيرهما فنذر التصدق بهذا المال أو بكذا من هذا المال فمضى الحول قبل التصدق فطريقان:

(أصحهما) القطع بمنع الزكاة لتعلق النذر بعين المال.

(والثاني) أنه على الخلاف في الدين. ولو قال: جعلت هذا المال صدقة أو هذه الأغنام ضحايا أو لله علي أن أضحي بهذه الشاة، وقلنا: يتعين التضحية بهذه الصيغة، فالمذهب أنه لا زكاة قطعا، وطرد إمام الحرمين وبعضهم فيه الخلاف.

قال الإمام: والظاهر أنه لا زكاة؛ لأن ما جعل صدقة لا تبقى فيه حقيقة ملك، بخلاف الصورة السابقة فإنه لم يتصدق وإنما التزم التصدق، ولو نذر التصدق بأربعين شاة أو بمائتي درهم ولم يضف إلى دراهمه وشياهه، فهذا دين نذر. فإن قلنا: دين الآدمي لا يمنع، فهذا أولى، وإلا فهي وجهان:(أصحهما) عند إمام الحرمين لا يمنع؛ لأن هذا الدين لا مطالبة به في الحال، فهو أضعف، ولأن النذر يشبه التبرعات، فإن الناذر مخير

ص: 38