الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
{إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} (1)، فأخبر عز وجل أن من تاب وأتبع توبته بالإيمان الصادق والعمل الصالح فإنه سبحانه يبدل سيئاته حسنات، وهذا يتضمن قبول التوبة، ثم زاده سبحانه مع كل ذلك بأن جعل مكان كل سيئة حسنة، وهذا من فضله وكرمه وجوده سبحانه.
وإن كان في المعصية حق للمخلوقين، من سرقة، أو عدوان على بعض أموال الناس، أو دمائهم، أو أعراضهم، فلا بد من التحلل من صاحب الحق، أو إعطائه حقه، فإذا سامحه سقط حقه، وهكذا في العدوان على العرض إذا استحل صاحبه فعفا، إلا أن يخاف مفسدة بسبب إخباره بالغيبة، فإنه لا يخبره، ولكن يدعو له، ويستغفر له، ويذكره بالخير الذي يعلمه منه، في المجالس التي ذكره فيها بالسوء، أو يثني عليه بالأشياء الطيبة التي يعلمها عنه حتى يقابل عمله السيئ بعمل صالح.
(1) سورة الفرقان الآية 70
الأنبياء معصومون فيما يبلغونه عن الله
س: سمعت من عالم إسلامي يقول: إن الرسول صلى الله عليه وسلم يخطئ، فهل هذا صحيح؟ وقد سمعت أيضا أن الإمام مالك يقول: كل منا راد ومردود عليه إلا صاحب هذا القبر مع بيان حديث الذباب بعد أن تجرأ على تكذيبه بعض الناس.
ج: قد أجمع المسلمون قاطبة على أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولا سيما خاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم معصومون من الخطأ فيما يبلغونه عن الله عز وجل من أحكام، كما قال عز وجل:{وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى} (1){مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى} (2){وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى} (3){إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} (4){عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى} (5) فنبينا محمد صلى الله عليه وسلم معصوم في كل ما يبلغ عن الله من الشرائع قولا وعملا وتقريرا، هذا لا نزاع فيه بين أهل العلم.
وقد ذهب جمهور أهل العلم أيضا إلى أنه معصوم من المعاصي الكبائر دون الصغائر، وقد تقع منه الصغيرة، لكن لا يقر عليها بل ينبه عليها، فيتركها.
أما في أمور الدنيا فقد يقع الخطأ، ثم ينبه على ذلك، كما وقع من «النبي صلى الله عليه وسلم لما مر على جماعة يلقحون النخل، فقال: "ما أظنه يضره لو تركتموه". فلما تركوه صار شيصا، فأخبروه صلى الله عليه وسلم، فقال عليه الصلاة والسلام: "إنما قلت ذلك ظنا مني، وأنتم أعلم بأمر دنياكم، أما ما أخبركم به عن الله عز وجل فإني لن أكذب على الله (6)» رواه مسلم في الصحيح، فبين عليه الصلاة والسلام أن الناس أعلم بأمور دنياهم، كيف يلقحون النخل، وكيف يغرسون، وكيف يبذرون ويحصدون، أما ما يخبر به الأنبياء عن الله سبحانه
(1) سورة النجم الآية 1
(2)
سورة النجم الآية 2
(3)
سورة النجم الآية 3
(4)
سورة النجم الآية 4
(5)
سورة النجم الآية 5
(6)
رواه الإمام أحمد في (مسند العشرة المبشرين بالجنة) مسند أبي محمد طلحة بن عبيد الله برقم (1398)، ومسلم في (الفضائل) باب وجوب امتثال ما قاله شرعا برقم (2361).
وتعالى فإنهم معصومون في ذلك، فقول من قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم يخطئ فهذا قول باطل، ولا بد من التفصيل كما ذكرنا، وقول مالك رحمه الله:"ما منا إلا راد ومردود عليه إلا صاحب هذا القبر" قول صحيح، تلقاه العلماء بالقبول، ومالك رحمه الله من أفضل علماء المسلمين، وهو إمام دار الهجرة في زمانه، في القرن الثاني، وكلامه هذا كلام صحيح، تلقاه العلماء بالقبول، فكل واحد من أفراد العلماء يرد ويرد عليه، أما الرسول صلى الله عليه وسلم فهو لا يقول إلا الحق فليس يرد عليه، بل كلامه كله حق، فيما يبلغ عن الله تعالى، وفيما يخبر به جازما به، أو يأمر به، أو يدعو إليه.
أما حديث الذباب فهو حديث صحيح رواه البخاري في صحيحه، وقد أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم جازما به، فقال عليه الصلاة والسلام:«إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه، ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء (1)» .
وله شواهد من حديث أبي سعيد الخدري، وحديث أنس بن مالك، وكلها صحيحة، وقد تلقتها الأمة بالقبول، ومن طعن فيها فهو غالط وجاهل، لا يجوز أن يعول عليه في ذلك ومن قال: إنه من أمور الدنيا، وتعلق بحديث:«أنتم أعلم بأمر دنياكم (2)» فقد غلط؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم جزم بهذا، ورتب عليه حكما
(1) رواه الإمام أحمد في (باقي مسند المكثرين) مسند أبي هريرة برقم (7518)، والبخاري في (بدء الخلق) باب إذا وقع الذباب في شراب أحدكم برقم (3320).
(2)
صحيح مسلم الفضائل (2363)، سنن ابن ماجه الأحكام (2471)، مسند أحمد بن حنبل (6/ 123).