الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مع أن من علت درجاتهم يرون فضلهم، وما قد أكرموا به لقاء سعيهم في الدنيا، ولا أحد أفضل ولا أكرم عند الله من صفوة الخلق، صاحب الحوض المورود والمقام المحمود محمد، فهو في الدرجة العالية الرفيعة في جنات النعيم.
قال الله تعالى: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} (1){دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} (2).
(1) سورة النساء الآية 95
(2)
سورة النساء الآية 96
الأنهار:
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله تعالى: {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ} (2) أي التي أعدها الله لعباده الذين اتقوا سخطه، واتبعوا رضوانه، أنها من نعتها، وصفتها الجميلة. {فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ} (3) أي: غير متغير، لا بوخم، ولا بريح منتنة، ولا بحرارة، ولا بكدورة، بل هو أعذب المياه وأصفاها، وأطيبها ريحا، وألذها شربا {وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ} (4) بحموضة ولا غيرها {وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ} (5) أي: يلتذ بها لذة عظيمة، لا كخمر الدنيا التي يكره مذاقها، وتصدع الرأس،
(1) سورة محمد الآية 15
(2)
سورة محمد الآية 15
(3)
سورة محمد الآية 15
(4)
سورة محمد الآية 15
(5)
سورة محمد الآية 15
وتغول العقل {وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى} (1) من شمعه، وسائر أوساخه " (2).
وقد جاءت الآيات مبينة بعظم نعيم الجنة الذي أعده الله تعالى لعباده الصالحين، وأن الأنهار تجري في ذلك جمالا للدار ونضرة وسرورا للساكن.
قال تعالى: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} (3).
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: " فوصفها بأنها تجري من تحتها الأنهار، أي: من تحت أشجارها وغرفها "(4). وقال تعالى: {لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} (5)، وقال تعالى:{وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} (6)، وقال تعالى:{وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} (7).
عن حكيم بن معاوية. رضي الله عنهما عن أبيه عن النبي
(1) سورة محمد الآية 15
(2)
تفسير كلام المنان 7/ 70.
(3)
سورة البقرة الآية 25
(4)
تفسير القرآن العظيم 1/ 96.
(5)
سورة آل عمران الآية 15
(6)
سورة النساء الآية 13
(7)
سورة التوبة الآية 72
صلى الله عليه وسلم قال: «إن في الجنة بحر الماء، وبحر العسل، وبحر اللبن، وبحر الخمر، ثم تشقق الأنهار بعد (1)» .
وقال القاري: قد يقال: المراد بالبحار هي الأنهار، وإنما سميت أنهارا لجريانها، بخلاف بحار الدنيا، فإن الغالب منها أنها محل القرار (2).
وعن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة رضي الله عنهما (في حديث الإسراء) قال: قال صلى الله عليه وسلم: «ورفعت لي سدرة المنتهى فإذا نبقها كأنه قلال هجر (4)، في أصلها أربعة أنهار: نهران باطنان ونهران ظاهران؛ فسألت جبريل، فقال: أما الباطنان ففي الجنة، وأما الظاهران النيل والفرات» .
(1) رواه الترمذي (كتاب صفة الجنة) باب 27حديث 2571 وقال: حديث حسن صحيح.
(2)
تحفة الأحوذي 7/ 288.
(3)
رواه البخاري (كتاب بدء الخلق) باب 6 حديث 3207 واللفظ له، ورواه مسلم (كتاب الإيمان) حديث 164، ورواه أحمد في المسند 4/ 208 ورواه النسائي (كتاب الصلاة) 1/ 225.
(4)
(3) وورقها كأنه آذان الفيول الفيل: معروف والجمع أفيال وفيول وفيلة لسان العرب مادة فيل 11/ 534.
قال النووي: " هكذا هو في أصول صحيح مسلم: (يخرج من أصلها) والمراد: من أصل سدرة المنتهى، كما جاء مبينا في صحيح البخاري وغيره. قال مقاتل: الباطنان هما السلسبيل والكوثر. قال القاضي رحمه الله: هذا الحديث يدل على أن أصل سدرة المنتهى في الأرض لخروج النيل والفرات من أصلها. قلت: هذا الذي قاله ليس بلازم، بل معناه أن الأنهار تخرج من أصلها، ثم تسير حيث أراد الله تعالى، حتى تخرج من الأرض وتسير فيها، وهذا لا يمنعه عقل ولا شرع، وهو ظاهر الحديث، فوجب المصير إليه. والله أعلم "(1).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سيحان وجيحان والفرات والنيل كل من أنهار الجنة (2)» .
قال النووي: " اعلم أن سيحان وجيحان غير سيحون وجيحون. فأما سيحان وجيحان المذكوران في هذا الحديث اللذان هما من أنهار الجنة في بلاد الأرمن، فجيحان نهر المصيصة، وسيحان نهر إذنة، وهما نهران عظيمان جدا أكبرهما جيحان. فهذا هو الصواب في موضعهما "(3).
وقد تعقب بعض الأقوال القائلة بغير هذا، (4) وقال:
(1) شرح النووي على مسلم 2/ 224.
(2)
رواه مسلم (كتاب صفة الجنة) حديث 2839.
(3)
شرح النووي على مسلم 17/ 176.
(4)
انظر نفس المرجع السابق تجد كلامه رحمه الله تعالى.
" جيحون وسيحون وراء خراسان عند بلخ ".
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الشهداء على بارق نهر بباب الجنة في قبة خضراء يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيا (1)» .
وفي الجنة أنهار كثيرة، جعلها الله تعالى نعيما لأوليائه الصالحين من عباده المتقين، وهي مختلفة الأشكال والألوان والمذاق. وقد اختص نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بالكوثر، كما أخبر تعالى:{إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} (2)، وكما أخبر صلى الله عليه وسلم، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«بينما أنا أسير في الجنة (4)» .
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الكوثر نهر في الجنة، حافتاه من ذهب، ومجراه على الدر
(1) صحيح الجامع الصغير 3/ 235 حديث 3636 وقال المحقق (الألباني) الحديث حسن.
(2)
سورة الكوثر الآية 1
(3)
رواه البخاري (كتاب الرقاق) باب 53 حديث 6581.
(4)
(3) إذ أنا بنهر حافتاه قباب الدر المجوف، قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك، فإذا طيبه - أو طينه- مسك أذفر " شك هدبة "
والياقوت، تربته أطيب من المسك، وماؤه أحلى من العسل وأبيض من الثلج (1)».
وعن عطاء بن السائب قال: قال لي محارب بن دثار: ما سمعت سعيد بن جبير يذكر عن ابن عباس في الكوثر؟ فقلت سمعته يقول: قال ابن عباس: هذا الخير الكثير، فقال محارب: سبحان الله ما أقل ما يسقط لابن عباس قول. سمعت ابن عمر يقوله: «لما أنزلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هو نهر في الجنة، حافتاه من ذهب، يجري على جنادل الدر والياقوت، وشرابه أحلى من العسل، وأشد بياضا من اللبن، وأبرد من الثلج، وأطيب من ريح المسك (4)» قال: صدق ابن عباس، هذا والله الخير الكثير.
قال أحمد محمد شاكر رحمه الله تعالى: " وتفسير ابن عباس - الموقوف عليه هنا"- الكوثر بأنه الخير الكثير، رواه عنه البخاري من رواية سعيد بن جبير) (5). ثم قال ابن كثير: وهذا التفسير يعم النهر وغيره؛ لأن الكوثر من الكثرة، وهو الخير الكثير، ومن ذلك النهر، كما قال ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد ومحارب بن دثار والحسن بن أبي الحسن البصري،
(1) رواه الترمذي (كتاب التفسير) سورة الكوثر حديث 3361، وقال حديث حسن صحيح.
(2)
رواه أحمد في المسند (ترتيب أحمد محمد شاكر) 8/ 159 حديث 5913، وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح.
(3)
سورة الكوثر الآية 1 (2){إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ}
(4)
جنادل: الجندل: الحجارة. انظر لسان العرب مادة (جندل)، 11/ 128. (3)
(5)
تفسير القرآن العظيم 4/ 889 تحقيق حسين إبراهيم زهران.