الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بلغه بالدعوة في مكة ثلاثة عشر عاما ثم في المدينة قبل أن يؤمر بالقتال، والصحابة والمسلمون انتشروا في الأرض ودعوا إلى الله، ومن أبى جاهدوه؛ لأن السيف منفذ، قال تعالى {وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} (1) وقال تعالى:{وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} (2) فمن أبى قاتلوه لمصلحته ونجاته، كما يجب إلزام من عليه حق لمخلوق بأداء الحق الذي عليه ولو بالسجن أو الضرب، ولا يعتبر مظلوما، فكيف يستنكر أو يستغرب إلزام من عليه حق لله بأداء حقه؟ فكيف بأعظم الحقوق وأوجبها وهو توحيد الله سبحانه وترك الإشراك به؟ ومن رحمة الله سبحانه أن شرع الجهاد للمشركين وقتالهم حتى يعبدوا الله وحده ويتركوا عبادة ما سواه، وفي ذلك سعادتهم ونجاتهم في الدنيا والآخرة.
(1) سورة الحديد الآية 25
(2)
سورة الأنفال الآية 39
الأدعية المستجابة
.
س: ما هو الدعاء الذي أدعو به ليستجاب لي وهل الدعاء كطلب الزواج وغيره جائز في السجود في الفريضة، وما هي الأوقات التي يتحرى فيها المسلم الدعاء؟
ج: الله شرع لعباده الدعاء، فقال سبحانه وتعالى:{وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} (1)
(1) سورة غافر الآية 60
وقال عز وجل: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} (1) والسجود محل للدعاء في الفرض والنفل.
وأحرى الأوقات لإجابة الدعاء آخر الليل وجوف الليل، وهكذا السجود في الصلاة فرضا أو نفلا يستجاب فيه الدعاء، وهكذا آخر الصلاة قبل السلام بعد التشهد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وهكذا الدعاء يوم الجمعة حين يجلس الخطيب على المنبر إلى أن تقضى الصلاة، وبعد صلاة العصر إلى غروب الشمس يوم الجمعة.
فينبغي لمن أراد أن يدعو أن يتحرى هذه الأوقات، وهكذا ما بين الأذان والإقامة الدعاء فيه لا يرد، ومن أهمها آخر الليل؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«"ينزل ربنا تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له (2)» وفي لفظ آخر يقوله جل وعلا: «هل من داع فيستجاب له، هل من سائل فيعطى سؤله هل من تائب فيتاب عليه حتى يطلع الفجر (3)» وهذا وقت عظيم
(1) سورة البقرة الآية 186
(2)
رواه الإمام أحمد في (باقي مسند المكثرين) مسند أبي هريرة برقم (7567)، والبخاري في الجمعة برقم (145)، ومسلم في صلاة المسافرين وقصرها) برقم (758).
(3)
رواه الإمام أحمد في (باقي مسند المكثرين) مسند أبي هريرة برقم (8751) وفي مسند أبي سعيد الخدري برقم (10993)، ومسلم في (صلاة المسافرين وقصرها) باب الترغيب في الدعاء والذكر برقم (758).
ينبغي للمؤمن والمؤمنة أن يكون لهما فيه حظ من التهجد والدعاء والاستغفار.
وهذا النزول الإلهي نزول يليق بالله عز وجل، لا يشابهه نزول خلقه، فهو ينزل سبحانه نزولا يليق بجلاله، لا يعلم كيفيته إلا الله سبحانه وتعالى، ولا يشابه الخلق في شيء من صفاته، كالاستواء والرحمة والغضب والرضا وغير ذلك لقوله سبحانه:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} (1) ومن ذلك قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} (2) فالاستواء يليق بجلاله سبحانه، ومعناه العلو والارتفاع فوق العرش، لكنه استواء يليق بالله لا يشابه فيه خلقه، ولا يعلم كيفيته إلا الله سبحانه وتعالى، كما قال تعالى:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} (3) وكما قالت أم سلمة رضي الله عنها: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإقرار به إيمان، وإنكاره كفر" وقال ربيعة بن أبي عبد الرحمن شيخ الإمام مالك أحد التابعين رضي الله عنه لما سئل عن ذلك، قال:"الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ومن الله الرسالة، وعلى الرسول التبليغ، وعلينا التصديق".
ولما سئل الإمام مالك رحمه الله إمام دار الهجرة في زمانه في القرن الثاني عن الاستواء، قال:"الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة" ثم قال للسائل ما أراك إلا رجل سوء ثم أمر بإخراجه.
وهذا الذي قاله الإمام مالك وأم سلمة وربيعة رضي الله عنهم هو قول أهل السنة والجماعة كافة، يقولون في أسماء الله وصفاته أنها يجب إثباتها لله عز وجل على الوجه اللائق به سبحانه وتعالى، فالإيمان والإقرار
(1) سورة الشورى الآية 11
(2)
سورة طه الآية 5
(3)
سورة الشورى الآية 11
بها واجب، والتكييف منفي لا يعلم كيفيتها إلا الله عز وجل، ولهذا يقول سبحانه:{وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} (1) ويقول سبحانه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} (2) ويقول سبحانه: {فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} (3) وهو سبحانه يغضب على أهل معصيته والكفر به، ويرضى عن أهل طاعته ويحب أولياءه ويبغض أعداءه، وهذا الحب والبغض والرضا والغضب وغيرها من صفاته سبحانه كلها ثابتة له سبحانه على الوجه الذي يليق بجلاله عز وجل، وهو قول أهل السنة والجماعة.
فالواجب التزام هذا القول والثبات عليه والرد على من خالفه.
ومن أدلة الدعاء في السجود قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «أما الركوع فعظموا فيه الرب وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم (4)» وقال صلى الله عليه وسلم: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء (5)» .
أخرجه مسلم في صحيحه، فإذا سألت المرأة زوجا صالحا في
(1) سورة الإخلاص الآية 4
(2)
سورة الشورى الآية 11
(3)
سورة النحل الآية 74
(4)
رواه الإمام أحمد في (مسند بني هاشم) مسند عبد الله بن عباس برقم (1903)، ومسلم في (الصلاة) باب النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود برقم (479).
(5)
رواه الإمام أحمد في (باقي مسند المكثرين) مسند أبي هريرة برقم (9165)، ومسلم في (الصلاة) باب ما يقال في الركوع والسجود برقم (482)
السجود أو في آخر الليل أو مالا حلالا، وكذلك الرجل إذا سأل ربه أن يعطيه زوجة صالحة أو مالا حلالا فكل ذلك طيب والنكاح عبادة وفيه مصالح كثيرة للرجل والمرأة، وهكذا بقية الحاجات الخاصة، كأن يقول اللهم أغنني بفضلك عمن سواك، اللهم أغنني عن سؤال خلقك، اللهم ارزقني ذرية صالحة ونحو ذلك.
س: كيف نرد على من قال: إنكم تقولون إن الله ينزل إلى السماء الدنيا بالثلث الأخير من الليل فإن ذلك يقتضي تركه العرش؛ لأن ثلث الليل الأخير ليس في وقت واحد على أهل الأرض؟
ج: هذا كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو القائل عليه الصلاة والسلام: «ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له حتى ينفجر الفجر (1)» متفق على صحته وقد بين العلماء أنه نزول يليق بالله وليس مثل نزولنا، لا يعلم كيفيته إلا هو سبحانه وتعالى، فهو ينزل كما يشاء، ولا يلزم من ذلك خلو العرش، فهو نزول يليق به جل جلاله، والثلث يختلف في أنحاء الدنيا، وهذا شيء يختص به تعالى لا يشابه خلقه في شيء من صفاته كما قال سبحانه:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} (2) وقال جل وعلا: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} (3)
(1) رواه الإمام أحمد في (باقي مسند المكثرين) مسند أبي هريرة برقم (7567)، والبخاري في (الجمعة) باب الدعاء في الصلاة من آخر الليل برقم (1145)، ومسلم في (صلاة المسافرين وقصرها) باب الترغيب في الدعاء والذكر برقم (758).
(2)
سورة الشورى الآية 11
(3)
سورة طه الآية 110
وقال عز وجل في آية الكرسي: {وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ} (1) والآيات في هذا المعنى كثيرة، وهو سبحانه أعلم بكيفية نزوله، فعلينا أن نثبت النزول على الوجه الذي يليق بالله، ولا يلزم أن نقول يخلو منه العرش أو لا يخلو منه العرش، فهو ينزل مع علوه ومع كونه استوى على العرش، فهو ينزل كما يليق به عز وجل ليس كنزولنا، إذا نزل فلان من السطح خلا منه السطح، وإذا نزل من السيارة خلت منه السيارة، فهذا قياس فاسد له؛ لأنه سبحانه لا يقاس بخلقه، ولا يشبه خلقه في شيء من صفاته.
كما أننا نقول استوى على العرش على الوجه الذي يليق به سبحانه ولا نعلم كيفية استوائه، فلا نشبهه بالخلق ولا نمثله، وإنما نقول: استوى استواء يليق بجلاله وعظمته ولما خاض المتكلمون في هذا المقام بغير حق حصل لهم بذلك حيرة عظيمة حتى آل بهم الكلام إلى إنكار الله بالكلية حتى قالوا لا داخل العالم ولا خارج العالم ولا كذا ولا كذا حتى وصفوه بصفات معناها العدم وإنكار وجوده سبحانه بالكلية.
ولهذا ذهب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل السنة والجماعة تبعا لهم فأقروا بما جاءت به النصوص من الكتاب والسنة، وقالوا: لا يعلم كيفية صفاته إلا هو سبحانه، ومن هذا ما قاله مالك رحمه الله: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب،
(1) سورة البقرة الآية 255
والسؤال عنه بدعة" يعني عن الكيفية، ومثل ذلك ما يروى عن أم سلمة رضي الله عنها، وعن ربيعة بن أبي عبد الرحمن شيخ مالك رحمهما الله: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان بذلك واجب ".
ومن التزم بهذا الأمر سلم من شبهات كثيرة، ومن اعتقادات لأهل الباطل عديدة وحسبنا أن نثبت ما جاء في النصوص وأن لا نزيد على ذلك.
وهكذا نقول: يسمع ويتكلم ويبصر ويغضب ويرضى على وجه يليق به سبحانه، ولا يعلم كيفية صفاته إلا هو، وهذا هو طريق السلامة وطريق النجاة وطريق العلم، وهو مذهب السلف الصالح، وهو المذهب الأسلم والأعلم والأحكم، وبذلك يسلم المؤمن من شبهات المشبهين، وضلالات المضللين، ويعتصم بالسنة والكتاب المبين، ويرد علم الكيفية إلى ربه سبحانه وتعالى.
والله سبحانه ولي التوفيق.