الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأما القسم الثاني من قسمي كفر الحاكم بغير ما أنزل الله، وهو الذي لا يخرج من الملة، فقد تقدم أن تفسير ابن عباس رضي الله عنهما لقول الله عز وجل:
{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} . قد شمل ذلك القسم، وذلك في قوله رضي الله عنه في الآية:(كفر دون كفر) وقوله أيضاً: (ليس بالكفر الذي تذهبون اليه) إ هـ. وذلك أن تحمله شهوته وهواه على الحكم في القضية، بغير ما أنزل الله مع اعتقاده أن حكم الله ورسوله هو الحق مع اعترافه على نفسه بالخطأ.
وهذا وإن لم يخرجه كفره عن الملة، فإنه معصية عظمى أكبر من الكبائر كالزنا، وشرب الخمر، والسرقة، واليمين الغموس، وغيرها، فإن معصية سماها الله في كتابه: كفراً، أعظم من معصية لم يسمها كفراً، نسأل الله أن يجمع المسلمين على التحاكم الى كتابه، انقياداً ورضاءً، إنه ولي ذلك والقادر عليه" (انظر تحكيم القوانين)
كيف تعظم الذنوب
اعلم أن الذنوب تكبر بأسباب:
1 -
منها الإصرار والمواظبة: ولذلك قيل لا صغيرة مع إصرار، ولا كبيرة مع استغفار.
2 -
ومنها أن يستصغر الذنب: فإن الذنب كلما استعظمه العبد من نفسه صغر عند الله تعالى وكلما استصغره كبر عند الله تعالى لأن استعظامه يصدر عن نفور القلب عنه، وكراهيته له. وذلك النفور يمنع من شدة أثره به واستصغاره يصدر عن الأُلف به، وذلك يوجب شدة الأثر في القلب، والقلب هو المطلوب تنويره بالطاعات والمحذور تسويده بالسيئات، وقد جاء في الأثر"المؤمن يرى ذنبهُ كالجبل فوقه يخاف أن يقعَ عليه، والمنافق يرى ذنبه كَذُبابٍ مرَّ على أنفه فأطاره"(رواه البخاري)
3 -
ومنها السرور بالذنب والفرح والتبجح (1): واعتداد التمكن من ذلك نعمة، والغفلة عن كونه سبب الشقاوة، فكلما غلبت حلاوة الذنوب عند العبد كبرت المعاصي وعظم أثرها في تسويد قلبه، حتى إن من المذنبين من يمتدح بذنبه ويتبجح به، لشدة فرحه بمقارفته (2) إياه، كما يقول: أما رأيتني كيف مزقتُ
(1) التبجح: الفخر.
(2)
مقارفته الذنوب: مباشرتها وإرتكابها.
عرضه؟ وكيف ذكرتُ مساويه حتى أخجلتهُ؟ وكيف استخففت به؟ وكيف لبَّست عليه؟ ويقول المعامل في التجارة: أما رأيت كيف روّجت عليه الزائف؟ وكيف خدعته؟ وكيف غبنته في ماله؟ وكيف استحمقته؟ فهذا وأمثاله تكبر به الذنوب، فإن الذنوب مهلكات، وإذا دُفع العبد إليها، وظفر الشيطان به في الحمل عليها، فينبغي أن يكون في مصيبة وتأسف بسبب غلبة العدو عليه، وبسبب بعده من الله تعالى. فالمريض الذي يفرح بأن ينكسر إناؤه الذي فيه دواؤه حتى يتخلص من ألم شربه، لا يُرجى شفاؤه.
4 -
ومنها أن يتهاون بستر الله عليه: وحلمه عنه، وإمهاله إياه، ولا يدرى أنه إنما يُمهل مقتاً ليزداد بالإِمهال إثماً. فيظن أن تمكنه من المعاصي عناية من الله تعالى به. فيكون ذلك لأمنه من مكر الله، وجهله بمكامن الغرور بالله:
كما قال الله تعالى: {وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ} . (المجادلة 8)
5 -
ومنها أن يأتى الذنب ويظهره بأن يذكره بعد إتيانه: أو يأتيه في مشهد غيره، فإن ذلك جناية منه على ستر الله الذي سدله عليه وتحريك لرغبة الشر فيمن أسمعه ذنبه، أو أشهده فعله. فهما جنايتان انضمتا إلى جنايته، فغلظت به، فإن أضيف إلى ذلك الترغيب للغير فيه والحمل عليه، وتهيئة الأسباب له، صارت جناية رابعة، وتفاحش الأمر. وفي الحديث:"كل أمتي معافى إلا المجاهرين". (متفق عليه)
المسلم إذا أذنب ذنباً ولم يجهر به ستره الله عليه وأمره إلى الله تعالى، وهذا لأن من صفات الله ونعمه أنه يظهر الجميل ويستر القبيح، ولا يهتك الستر، فالإِظهار كفران لهذه النعمة.
وقال بعضهم: لا تذنب، فإن كان ولا بد فلا تُرغّب غيرك فيه فتذنب ذنبين: ولذلك قال تعالى: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ} . (التوبة 61)
وقال بعض السلف: ما انتهك المرء من أخيه حرمة أعظم من أن يساعده على معصية، ثم يُهونها عليه.
6 -
ومنها أن يكون المذنب عالماً يُقتدى به: فإذا فعله بحيث يُرى ذلك منه كبر ذنبه،