الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
خطر اختلاط الرجال بالنساء
قال الله تعالى:
اختلف المفسرون في هَمِّ يوسف بها على أقوال:
الأول: أنه كان من جنس همها، فلولا أن الله تعالى عصمه لفعل.
الثاني: أنها همَّت به أن يفترشها، وهمَّ بها، أي: تمناها أن تكون له زوجة.
الثالث: أن في الكلام تقديمًا وتأخيرًا: ولقد همَّت به، ولولا أن رأى برهان ربه لهمَّ بها فلما رأى البرهان لم يقع منه الهم، فقدم جواب (لولا) عليها، كما يقال: قد كنت من الهالكين، لولا أن فلانًا خلَّصك.
الرابع: أنه هَمَّ أن يضربها ويدفعها عن نفسه، فكان البرهان الذي رآه من ربه أن الله أوقع في نفسه أنه إن ضربها كان ضربه إياها حجة عليه، لأنها تقول: راودني فمنعته فضربني. (ذكره ابن الأنباري). [انظر زاد المسير لابن الجوزي ج 4/ 203]
أقول: اختار هذا القول الأخير الشيخ محمد رشيد رضا في تفسير المنار، واختاره أبو بكر الجزائري حين قال:
(ولقد همَّت به. وهمَّ بها لولا أن رأى برهان ربه) أي همَّت بضربه لامتناعه عن إجابتها لطلبها بعد مراودات طالت مدتها، وهمَّ هو بضربها دفعًا لها عن نفسه، إلا أنه أراه الله برهانًا في نفسه، فلم يضربها (1)، وآثر الفرار إلى خارج البيت، ولحقته تجرى وراءه لترده. [انظر أيسر التفاسير ج 2/ 391]
أقول 1 - : هذا القول هو الذي دل عليه السياق وهو الآية التي قبلها، قوله:{وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ} [يوسف: 23]
(1) أقول: لذلك وجب الوقف على قوله {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ} ثم يبتدىء بقوله: {وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} ليفهم القارىء أن الهم لم يقع من يوسف.
فالمراودة: وهي طلب المرأة من يوسف أن يواقعها بعد تغليق الأبواب قد حصلت، وقد قالت له: أقبل إليَّ فإني أُحب مضاجعتك! فكان جواب يوسف: {مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [يوسف: 23]
فكان هذا الرد الحاسم من يوسف صفعًا لها، ومخيبًا لآمالها، ومخالفًا لأمرها، ولا سيما وأنها السيدة امرأة العزيز، ويوسف فتى عندها وخادم لها، فلذلك همَّت به أن تضربه تأديبًا له، لعله يستجيب بهذا الضرب إلى طلبها، بعد أن امتنع عن طلبها بالقول اللين، والعبارات المغرية.
2 -
أما اللحاق: وهي الآية التي بعدها، وهي قوله تعالى:
{كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ} [يوسف: 24]
فالله قد صرف عنه السوء وهو الضرب الذي لو فعله للحق به ما يُسيء إليه، وهو إلصاق التهمة به، وقد صرف الله عنه الفحشاء: وهو الزنى بامرأة العزيز،
وعلل ذلك قوله: {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} [يوسف: 24]
فيوسف عليه السلام من عباد الله الذين استخلصهم، واصطفاهم لرسالته،
وعصمهم من السوء والفحشاء، فلا يمكن أن يقع يوسف في السوء والفحشاء، لأن الله صرف عنه ذلك، فلذلك جاء التعبير بقوله:{لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ} ولم يقل لنصرفه عن السوء والفحشاء، وهذا يرد على القائلين بأن يوسف وقع منه همٌّ بامرأة العزيز.
3 -
ودليل آخر على تفسير الهمِّ بالضرب: هو همُّ يوسف بالهرب منها تخلصًا منها حينما حاولت ضربه، وقد لحقته لتمسك به وتأخذه بقوة، وأمسكت بقميصه من الخلف فشقته، وذلك قوله تعالى:
{وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ} [يوسف: 25]
ما يستفاد من هذه القصة
1 -
التحذير من اختلاط الخدم والسواقين وغيرهم من الرجال بالنساء، وعدم الدخول عليهن، والخلوة معهن، لئلا يقع من النساء ما وقع لامرأة العزيز، ولا سيما عند غياب صاحب البيت، ومنع النساء من الاختلاط بالأجانب وخاصة العمال في البيوت والسواقين. . الخ.
2 -
السواقون والخدم والمدرسون لا يقاسون بيوسف الذي عصمه الله، فقد يقعون بالفاحشة إلا من رحم ربك.
3 -
تحذير النساء مما وقعت فيه امرأة العزيز من الخيانة الزوجية، وقد وصل خبرها إلى النساء، ورأوها في ضلال مبين.
4 -
الاقتداء بيوسف عليه السلام، والإبتعاد عن الزنا ومقدماته، ولا سيما للمسلم الذي يحرم عليه دينه ذلك.