الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَمِنَ الْبِدَعِ الذَّمِيمَةِ وَالْمُحْدَثَاتِ الْوَخِيمَةِ مَأْخَذُ الْفَأْلِ مِنَ الْمُصْحَفِ فَإِنَّهُ مِنَ اتِّخَاذِ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَلَعِبًا وَلَهْوًا، سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ. وَمَا أَدْرِي كَيْفَ حَالُ مَنْ فَتَحَ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى:{لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ..} (1)، وقوله:{وغضب الله عليه ولعنه} (2) وَأَمْثَالِ هَذِهِ الْآيَاتِ، وَيُرْوَى أَنَّ أَوَّلَ مَنْ أَحْدَثَ هَذِهِ الْبِدْعَةَ بَعْضُ الْمَرْوَانِيَّةِ (3) وَأَنَّهُ تَفَاءَلَ يَوْمًا فَفَتَحَ الْمُصْحَفَ فَاتَّفَقَ لِاسْتِفْتَاحِهِ قَوْلُ اللَّهِ عز وجل:{وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} (4) الآيات، فيقال: إنه أحرق المصحف غصباً مِنْ ذَلِكَ وَقَالَ أَبْيَاتًا لَا نُسَوِّدُ بِهَا الْأَوْرَاقَ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ هَذِهِ بِدْعَةٌ قَبِيحَةٌ، وَالْفَأْلُ إِذَا قَصَدَهُ الْمُتَفَائِلُ فَهُوَ طِيَرَةٌ كَالِاسْتِقْسَامِ بِالْأَزْلَامِ.
أما
كفارة الطيرة وما يذهبها
فقد رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو ابن العاص رضي الله عنهما وَقَّفَهُ: (مَنْ رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ عَنْ حَاجَتِهِ فَقَدْ أَشْرَكَ) قَالُوا: فَمَا كَفَّارَةُ ذَلِكَ؟ قَالَ: (أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُكَ، وَلَا طير إلا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك)(5) .
-وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (الطِّيَرَةُ شِرْكٌ) ثَلَاثًا، (وَمَا مِنَّا إِلَّا، وَلَكِنَّ اللَّهَ يُذْهِبُهُ بِالتَّوَكُّلِ)(6) ،
(1) المائدة: 78.
(2)
النساء: 93.
(3)
انظر ص: 428.
(4)
إبراهيم: 15.
(5)
وصححه الألباني مرفوعاً في سلسلة الأحاديث الصحيحة 1065 (مج3 ص53، 54) ، وصحيح الجامع الصغير 1640.
(6)
صحيح. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة، حديث رقم 429، جامع الأصول، رقم 5802، وفي هذا الكلام محذوف، تقديره: وما منا إلا ويعتريه التطير ويسبق إلى قلبه الكراهة له، فحذف ذلك اختصاراً واعتماداً على فهم السامع. جامع الأصول ج7 ص630، وقال محققه: وقوله: (وما منا إلا.. الخ مدرج من كلام ابن مسعود غير مرفوع كما قال البخاري وغيره.
وَقَوْلُهُ: (وَمَا مِنَّا إِلَّا) الْخَ هُوَ مِنْ كلام ابن مسعود رضي الله عنه كما بينه الترمذي رحمه الله (1) .
-وأما الهامة والصفر وقد ورد نفيهما في الحديث السابق في الكلام عن العدوى، فروى أبو داود عن بَقِيَّةُ قَالَ: قُلْتُ لِمُحَمَّدٍ - يَعْنِي ابْنَ رَاشِدٍ - قَوْلُهُ: (هَامَ)، قَالَ: كَانَتِ الْجَاهِلِيَّةُ تَقُولُ: لَيْسَ أَحَدٌ يَمُوتُ فَيُدْفَنُ إِلَّا خَرَجَ مِنْ قَبْرِهِ هامة (2)، قلت فقوله:(صفر) قال: كانوا يستشئمون بدخول صفر فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: (لَا صَفَرَ) قَالَ مُحَمَّدٌ: وَقَدْ سَمِعْنَا مَنْ يَقُولُ هُوَ وَجَعٌ يَأْخُذُ فِي الْبَطْنِ، فَكَانُوا يَقُولُونَ: هو يعدي فقال: (لا صفر)(3) ، وعن عطاء أن الهامة دابة، وعن مالك وقد سئل عَنْ قَوْلِهِ:(لَا صَفَرَ) قَالَ: إِنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يُحِلُّونَ صَفَرَ، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:(لا صفر) وكل هذا الْمَعَانِي لِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ قَدِ اعْتَقَدَهَا الْجُهَّالُ وَكُلُّهَا بجميع معانيها المذكورة منفية بنص الحديث.
-وَأَمَّا الغُول (4) فَهِيَ وَاحِدُ الْغِيلَانِ وَهِيَ مِنْ شَرِّ شَيَاطِينِ الْجِنِّ وَسَحَرَتِهِمْ وَالنَّفْيُ لِمَا كَانَ يَعْتَقِدُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ فِيهِمْ مِنَ الضُّرِّ وَالنَّفْعِ، وكانوا يخافونهم
(1) قال المناوي: (لكن تعقبه ابن القطان بأن كل كلام مسوق في سياق، لا يقبل دعوى درجه إلا بحجة)، قال الألباني:(ولا حجة هنا في الإدراج فالحديث صحيح بكامله) الصحيحة مج1 ص716.
(2)
وقال ابن الأثير: الهام جمع هامة، وهو طائر كانت العرب تزعم أن عظام الميت تصير هامة فتطير، وكانوا يقولون: إن القتيل تخرج من هامته - أي: رأسه - هامة، فلا تزال تقول: اسقوني، اسقوني، حتى يُقتَل قاتله. جامع الأصول ج7 ص637.
(3)
وقال ابن الأثير: والعرب تزعم أن في البطن حية تصيب الإنسان إذا جاع وتؤذيه، وأنها تُعْدِي، فأبطله الإسلام. جامع الأصول ج7 ص634.
(4)
في صحيح مسلم عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يقول: (لا عدوى ولا صفر ولا غُول) . واه في كتاب السلام، باب لا عدوى ولا طيرة ولا هامة. وانظر صحيح مسلم بشرح النووي ج14 ص216، 217.
خَوْفًا شَدِيدًا وَيَسْتَعِيذُونَ بِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنْهُمْ: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا} (1) أي: زَادَ الْإِنْسُ الْجِنَّ جَرَأَةً عَلَيْهِمْ وَشَرًّا وَطُغْيَانًا وزادهم الْجِنُّ إِخَافَةً وَخَبَلًا وَكُفْرَانًا. وَكَانَ أَحَدُهُمْ إِذَا نَزَلَ وَادِيًا قَالَ: أَعُوذُ بِسَيِّدِ هَذَا الْوَادِيَ مِنْ سُفَهَائِهِ فَيَأْتِي الشَّيْطَانُ فَيَأْخُذُ مِنْ مَالِ هَذَا الْمُسْتَعِيذِ أَوْ يُرَوِّعُهُ فِي نَفْسِهِ. فَيَقُولُ: يَا صَاحِبَ الْوَادِي، جَارُكَ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ. فَيَسْمَعُ مُنَادِيًا يُنَادِي ذَلِكَ الْمُعْتَدِيَ أَنِ اتْرُكْهُ أَوْ دَعْهُ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَأَبْطَلَ الله تعالى وسوله صلى الله عليه وسلم ذَلِكَ وَنَفَى أَنْ يَضُرُّوا أَحَدًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ عز وجل، وَأَبْدَلَنَا عَنِ الِاسْتِعَاذَةِ بِالْمَخْلُوقِينَ الِاسْتِعَاذَةَ بِجَبَّارِ السَّمَاوَاتِ والأرض وَكَلِمَاتِهِ التَّامَّاتِ الَّتِي لَا يُجَاوِزُهُنَّ جَبَّارٌ وَلَا مُتَكَبِّرٌ، فقال تَعَالَى:{وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وأعوذ بك رب أن يحضرون} (2)، وَقَالَ تَعَالَى:{وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فاستعذ بالله} (3)، وقال تعالى:{قل أعوذ برب الفلق} (4) إلى آخر السورة، و {قل أعوذ برب الناس} (5) إلى آخر السورة (6) ،
وفي الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال: (مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا فَقَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ يَضُرَّهُ شيء حتى يرحل من منزله ذلك) .
وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ إِنِ الْمُرَادَ فِي الْحَدِيثِ نَفِيُ وُجُودِ الْغِيلَانِ مُطْلَقًا فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأَنَّ ذَلِكَ مُكَابَرَةً لِلْأُمُورِ الْمُشَاهَدَةِ الْمَعْلُومَةِ بِالضَّرُورَةِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَقَبْلَهُ وَبَعْدَهُ مِنْ إِتْيَانِهِمْ وَانْصِرَافِهِمْ وَمُخَاطَبَتِهِمْ وَتَشَكُّلِهِمْ. والله أعلم.
(1) الجن: 6.
(2)
المؤمنون: 97، 98.
(3)
الأعراف: 200، فصلت:36.
(4)
الفلق: 1.
(5)
الناس: 1.
(6)
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في هاتين السورتين: (ما تعوذ الناس بأفضل منهما) . انظر صحيح الجامع الصغير 4272..