الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إِلَّا بِمَحَبَّةِ مَا يُحِبُّهُ وَكَرَاهَةِ مَا يَكْرَهُهُ فَلَا طَرِيقَ إِلَى مَعْرِفَةِ مَا يُحِبُّهُ تَعَالَى وَيَرْضَاهُ وَمَا يَكْرَهُهُ وَيَأْبَاهُ إِلَّا بِاتِّبَاعِ مَا أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَاجْتِنَابِ مَا نَهَى عَنْهُ فَصَارَتْ مَحَبَّتُهُ مستلزمة لمحبة الرسول صلى الله عليه وسلم وتصديقه ومتابعته، ولهذا قرن محبته بمحبة الرسول صلى الله عليه وسلم فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ كَقَوْلِهِ عز وجل:{قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يهدي القوم الفاسقين} (1) .
8-بيان أنه لا تناقض بين أحاديث أن الشهادتين سبب لدخول الجنة، وأحاديث الوعيد بالنار أو تحريم الجنة على من فعل بعض الذنوب، ونحو ذلك من أحاديث الوعد والوعيد:
ذكر ابن رجب رحمه الله أن أظهر الأقوال في ذلك (2) أن المراد من الأحاديث الدالة على أن الشهادتين تدخل صاحبهما الجنة (3) وأن (من صلى البردين دخل الجنة)(4) ونحو ذلك أن هذه الأعمال سبب لدخول الجنة ومقتضٍ لذلك، وكذا أحاديث الوعيد، التي مضمونها أن من فعل كذا من الأفعال دخل النار أو لم يدخل الجنة، فالمراد أن ذلك سبب مقتضٍ لدخول
(1) التوبة: 24.
(2)
وكذا اختاره ابن تيمية رحمه الله في أكثر من موضع في الفتاوى منها على سبيل المثال ج 6 ص:426-428.
(3)
سبق ذكر بعضها في الكلام على شروط لا إله إلا الله، وفي صحيح الجامع رقم 6310:(مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، نَفَعَتْهُ يوماً من دهره، يصيبه قبل ذلك ما أصابه) . وقد أورده الشيخ رحمه الله في معارج القبول.
(4)
رواه البخاري في مواقيت الصلاة، باب فضل صلاة الفجر، ومسلم في المساجد، باب فضل صلاتي الصبح والعصر والمحافظة عليهما، انظر الفتح ج2 حديث 574، شرح النووي على صحيح مسلم ج5 ص:135.
النار، وَلَكِنَّ الْمُقْتَضِي لَا يَعْمَلُ عَمَلَهُ إِلَّا بِاسْتِجْمَاعِ شُرُوطِهِ وَانْتِفَاءِ مَوَانِعِهِ، فَقَدْ يَتَخَلَّفُ عَنْهُ مُقْتَضَاهُ لِفَوَاتِ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِهِ أَوْ لِوُجُودِ مَانِعٍ، وهذا قول الحسن ووهب بن منبه.
وقد ذكرنا فيما مضى بالأدلة أن لا إله إلا الله لها شروط لا تصح إلا بها وإنما ينتفع قائلها باستكمالها، وقد يذكر الرسول صلى الله عليه وسلم مرة هذا الشرط ومرة أخرى يذكر ذلك الشرط، ومرة يذكر الوعد بالجنة دون الإشارة إلى تلك الشروط فتكون هذه نصوصاً مطلقة لها ما يقيدها في الأحاديث الأخرى، ولذلك لما تخلفت هذه الشروط عن قول المنافقين: لا إله إلا الله لم تنفعهم هذه الكلمة (1) ، وكذلك الأعمال التي وعد عليها الرسول صلى الله عليه وسلم بالجنة مقيدة بأشياء منها ترك الشرك وأعمال الكفر، فقد قال تَعَالَى:{وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك} (2) ، ولذلك لم ينتفع المنافقون بصلاة البردين، فظهر أن المراد أن هذه الأعمال الممدوحة من الأعمال المؤدية لدخول الجنة مع وجود الشروط وانتفاء الموانع، وقد قال وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ لِمَنْ سَأَلَهُ: أَلَيْسَ مِفْتَاحُ الْجَنَّةِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنْ مَا مِنْ مِفْتَاحٍ إِلَّا لَهُ أَسْنَانٌ، فَإِنْ أَتَيْتَ بِمِفْتَاحٍ لَهُ أَسْنَانٌ فُتِحَ لَكَ وإلا لم يفتح لك (3) . وقال الحسن للفرزدق وهو يدفن امرأته: ماذا أَعْدَدْتَ لِهَذَا الْيَوْمِ؟ قَالَ: شَهَادَةَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُنْذُ سَبْعِينَ سَنَةً. قَالَ الْحَسَنُ: نِعْمَ الْعُدَّةُ لَكِنْ لِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ شُرُوطًا فَإِيَّاكَ وَقَذْفَ الْمُحْصَنَاتِ. وَقِيلَ لِلْحَسَنِ: إِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ: مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ. فَقَالَ: مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَأَدَّى حَقَّهَا وَفَرْضَهَا دخل الجنة.
وقد اشترط رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة أعمالاً أخرى غير الشهادتين
(1) قال تَعَالَى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النار} [النساء: 145] .
(2)
الزمر: 65.
(3)
ذكره البخاري في صحيحه. في أول الجنائز، وانظر فتح الباري ج3 ص:131.
لدخول الجنة كقوله صلى الله عليه وسلم في الصحيحين لمن سأله عن عمل يدخله الجنة: (تَعْبُدُ اللَّهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا وَتُقِيمُ الصلاة وتؤتي الزكاة وتصل الرحم) والرسول صلى الله عليه وسلم لا يتناقض كلامه، فدل هذا على أن الأحاديث التي وعد فيها بالجنة على عمل واحد من الأعمال أو أكثر فالمراد أن هذه الأعمال أسباب لدخول الجنة:(تَعْبُدُ اللَّهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا وَتُقِيمُ الصلاة وتؤتي الزكاة وتصل الرحم) والرسول صلى الله عليه وسلم لا يتناقض كلامه، فدل هذا على أن الأحاديث التي وعد فيها بالجنة على عمل واحد من الأعمال أو أكثر فالمراد أن هذه الأعمال أسباب لدخول الجنة مع وجود شروطها وانتفاء موانعها، فمثل هذه النصوص المطلقة ينبغي أن تقيد بما ذكر من زيادات في أحاديث أخر، ففي بعض أحاديث الوعد بالجنة على كلمة لا إله إلا الله (مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ الله..) وفي بعضها (مستيقناً) ، وفي هذا وغيره مما ذكرنا سابقاً إشارة إلى العمل بمقتضيات تلك الشهادة وضرورة تحقق القلب بمعناها، وذلك أن لا يأله العبد غير الهه حُبًّا وَرَجَاءً وَخَوْفًا وَطَمَعًا وَتَوَكُّلًا وَاسْتِعَانَةً وَخُضُوعًا وَإِنَابَةً وَطَلَبًا، وَتَحَقُّقُهُ بِشَهَادَةِ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ لَا يعبد الله بِغَيْرِ مَا شَرَعَهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم.
فالمراد إذاً من قول: لا إله إلا الله الإتيان بهذه الكلمة بمقتضياتها وإلا كانت عبثاً، ومن قال هذه الكلمة العظيمة ملتزماً بما تضمنته فلا شك أنه ممن يستحق الوعد بالجنة، وبيان ذلك أَنَّ قَوْلَ الْعَبْدِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يقتضي أن لا إله غيره، والإله هو الذي يطاع هَيْبَةً وَإِجْلَالًا وَمَحَبَّةً وَخَوْفًا وَرَجَاءً وَتَوَكُّلًا عَلَيْهِ وَسُؤَالًا مِنْهُ وَدُعَاءً لَهُ، وَلَا يَصْلُحُ ذَلِكَ كله لغير الله عز وجل، ولا شك أَنَّ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ بمعناها هذا عاملاً به يدخل الجنة دون عقاب، وأما من أخل بشيء من مقتضياتها فإنه ينتقص من توحيده بقدر ما أخل به، وقد ينتقض توحيده بالكلية كما لو أشرك مع الله غيره في عبادة من العبادات فهذا عقوبته النار خالداً فيها إن لم يتب، وقد يكون ما أخل به قادحاً في تمام التوحيد فيعذب بقدر ما أخل به قبل أن يدخل الجنة، وكل ما يأتي به العبد من أمور تخالف مقتضيات كلمة الشهادة فهو قدح في إخلاصه في قول لا إله إلا الله ونقص في توحيده، ويكون فيه من العبودية لغير الله بحسب ما تلبس به من تلك الأمور المخالفة لمقتضيات الشهادة وهذا كله من فروع الشرك.
وكذلك اتِّبَاعُ هَوَى النَّفْسِ فِيمَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ قَادِحٌ فِي تَمَامِ التَّوْحِيدِ وَكَمَالِهِ، وَلِهَذَا أَطْلَقَ الشرع على كثير من الذنوب التي منشؤها هوى النفس أنها كفر وشرك، وكذا وَرَدَ إِطْلَاقُ الْإِلَهِ عَلَى الْهَوَى الْمُتَّبَعِ، قَالَ تعالى:{أرأيت من اتخذ إلهه هواه} (1) قال الحسن: هُوَ الَّذِي كُلَّمَا هَوِيَ شَيْئًا رَكِبَهَ، وَكُلَّمَا اشْتَهَى شَيْئًا أَتَاهُ، لَا يَحْجِزُهُ عَنْ ذَلِكَ ورع. ويشهد لهذا الحديث الصحيح:(تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ، تَعِسَ عَبْدُ الْقَطِيفَةِ، تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيصَةِ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ)(2) فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ مَنْ أَحَبَّ شَيْئًا وَأَطَاعَهُ وَكَانَ مِنْ غاية مقصوده وَمَطْلُوبِهِ وَوَالَى لِأَجْلِهِ وَعَادَى لِأَجْلِهِ فَهُوَ عَبْدُهُ وكان ذلك الشيء معبوده وإلهه، وكان ذلك -بحسب قدره- إما منافياً بالكلية لشهادة أن لا إله إلا الله، وإما قادحاً ومنافياً لكمالها وتمامها، وفي الحالة الأولى لا يستحق صاحب تلك العبادة الباطلة ما جاء في أحاديث الوعد على الشهادتين لأنه لم يحققهما، وفي الحالة الثانية لا يستحق دخول الجنة دون سابقة عذاب، ومثله إنما يدخل الجنة بالشهادتين بعدما يطهره الله من ذنوبه في النار إن لم يغفر له. ويدل على ما ذكرنا أَيْضًا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّى طَاعَةَ الشَّيْطَانِ في معصية الله عبادة للشيطان فقال تعالى:{ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين} (3)، ولا يكون مخلصاً في قول لا إله إلا الله مخلصاً عبوديته للرحمن إلا من خلص من عبادة الشيطان وهم الذين قال الله فِيهِمْ:{إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} (4)
فهم
(1) الفرقان: 43.
(2)
رواه البخاري. في الجهاد والسير، باب فضل الحراسة في الغزو في سبيل الله، انظر فتح الباري ج6 ص: 95، رواه ابن ماجه، انظر صحيح سن ابن ماجه رقم 3336 وفيهما:(تعس عبد الدينار وعبد الدرهم) .
(3)
يس: 60.
(4)
الحجر: 42، الإسراء:65..
الذين حققوا قول لا غله إلا الله وأخلصوا في قَوْلَهُمْ بِفِعْلِهِمْ فَلَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَى غَيْرِ اللَّهِ مَحَبَّةً وَرَجَاءً وَخَشْيَةً وَطَاعَةً وَتَوَكُّلًا، وَهُمُ الَّذِينَ صَدَقُوا فِي قَوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَهُمْ عِبَادُ اللَّهِ حَقًّا، فَأَمَّا مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ بِلِسَانِهِ ثُمَّ أَطَاعَ الشَّيْطَانَ وَهَوَاهُ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَمُخَالَفَتِهِ فَقَدْ كَذَّبَ قَوْلَهُ فِعْلُهُ وَنَقَصَ مِنْ كَمَالِ تَوْحِيدِهِ بقدر معصيته لله، ومما يشهد لذلك أيضاً أن من أخل بشيء من حقوق لا إله إلا الله في الدنيا لا ترتفع عنه العقوبة لمجرد تلفظه بالشهادتين، فكذا عقوبة الآخرة، وبيان ذلك أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:(أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم (1) ، فَفَهِمَ عُمَرُ وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم جميعاً - أن من أتى بالشهادتين امْتَنَعَ مِنْ عُقُوبَةِ الدُّنْيَا بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ، فَتَوَقَّفُوا فِي قِتَالِ مَانِعِي الزَّكَاةِ، وَفَهِمَ الصِّدِّيقُ رضي الله عنه، أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ قِتَالُهُ إِلَّا بِأَدَاءِ حُقُوقِهَا لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم في نفس الحديث السابق:(فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلا بحقها، وحسابهم على الله) ولذا رأى قتال مانعي الزكاة، وهذا الذي فهمه الصديق ثبت عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ؛ (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ..)(2) ،
وَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ قوله تعالى: {فإن تابوا وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم} (3) ، فمن
(1) رواه البخاري في استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم، ومسلم في كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ محمد رسول الله، انظر الفتح ج12 ص: 882، شرح النووي ج1 ص: 201-211.
(2)
رواه البخاري قي الإيمان، باب {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سبيلهم} ، ومسلم في كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ محمد رسول الله، انظر الفتح ج1ص: 94، 95، شرح النووي ج 1ص:212..
(3)
التوبة: 5.
مقتضيات الشهادتين ومن حقوق التوحيد أداء الفرائض، وَلَمَّا قَرَّرَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه هذا للصحابة رجعوا إلى قوله ورأوا صَوَابًا، فَإِذَا عُلِمَ أَنَّ عُقُوبَةَ الدُّنْيَا لَا تَرْتَفِعُ عَمَّنْ أَدَّى الشَّهَادَتَيْنِ مُطْلَقًا بَلْ يُعَاقَبُ إذا أخل بِحَقٍّ مِنْ حُقُوقِ الْإِسْلَامِ فَكَذَلِكَ عُقُوبَةُ الْآخِرَةِ، فالذي شرع عقوبة الدنيا هو الذي سيعاقب في الآخرة سبحانه وتعالى.
وختاماً لهذا الموضوع نحب أن نثبت بالإضافة إلى ما سبق بقة الأقوال في أحاديث الوعد والوعيد، وملخص الأقوال في هذا الأمر أن أحاديث الوعد إما أن تكون وعداً بالجنة أو تحريماً على النار، وكذلك أحاديث الوعيد إما أن تكون وعيداً بالنار أو تحريماً على الجنة وفيما يلي بيان كل من هذه الأقسام بما يحصل به الجمع بين الأحاديث:
أولاً: أحاديث الوعد: (أي الوعد بالجنة لمن أتى بالشهادتين أو فعل بعض الطاعات، أو تحريم النار عليه) .
أ-أحاديث الوعد بالجنة:
-وهذه تحمل على أن المراد أن يدخلها إذا فعل الأمر الممدوح المذكور في الحديث بعد أن يطهر من ذنوبه في النار.
ب-أحاديث التحريم على النار:
-وهذه تحمل على أن المراد تحريمه عليها بعد خروجه منها بعد تطهيره من الذنوب الأخرى أو بالشفاعة ثم اغتساله في نهر الحياة ودخوله الجنة فحينئذ يحرم على النار فلا تمسه أبداً.
-أو أن المراد تحريمه عَلَى النَّارِ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ الَّتِي لَا يخرج منها من دخلها وهي ماعدا الطبقة العليا من النار التي يدخلها عصاة الموحدين ممن شاء الله عقابه وتطهيره بها على قدر ذنبه.
-وأجاب بعض العلماء عن أحاديث الوعد عامة بأجوبة أخرى غير هذه منها أن هذه الأحاديث كانت قبل نزول الفرائض واستكمال الدين في حق من مات قبل هذه الفرائض فجعلها البعض منسوخة بالأحاديث الأخرى وجعلها البعض محكمة لكن ضمت إليها شرائط، وهذا راجع إلى الخلاف المشهور بين الأصوليين هل زيادة النص نسخ أم لا، وقد يزول الخلاف إذا التفتنا إلى أن بعض المتقدمين كانوا يسمون الإيضاح والبيان نسخاً. وهذا بعيد لصدور بعض أحاديث الوعد في وقت متأخر من حياته صلى الله عليه وسلم.
ثانياً: أحاديث الوعيد: (أي الوعيد بالنار أو تحريم الجنة على من فعل بعض الذنوب) :
أ-أحاديث الوعيد بالنار:
-إما أن يقال إن المراد أن العبد يعذب فيها بقدر ذنبه ثم يدخل الجنة.
-أو يقال أن المقصود بالوعيد من استحل الذنب أو المعصية فهو مستحل للخلود في النار بكفره إن لم يتب، وكذا كل من كان فعله كفراً مخرجاً من الملة.
ب-أحاديث التحريم على الجنة:
-وهذه يجاب عنها بأنها جنات كَثِيرَةٌ كَمَا أَخْبَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَيَكُونُ فَاعِلُ هَذَا الذَّنْبِ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ التي أعدت لمن لم يرتكبه، فأهل الجنة متفاوتون في درجاتهم ومنازلهم.
-كما يجب أن يجاب بأن أهل الجنة متفاوتون في السبق في دخولها فَيَكُونُ فَاعِلُ هَذَا الذَّنْبِ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ في الوقت الذي يدخل فيه من لم يرتكب هذا الذنب.