الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وليتجمل بالصبر، حتى لا يكون بالمكان الذي قد يتعرض فيه لكلمة جارحة من أحمق أو سفيه، يمدّ إليه يده بشىء من الإحسان، محمّلا بالمن والأذى! قوله تعالى:«وَمَغْفِرَةٌ» هى مغفرة مطلوبة من المتصدّق، فهو الجانب القوى الذي يملك العفو والمغفرة، وذلك كأن يساء إليه ممن أحسن هو إليه، فلا يلقى هذه الإساءة بالمنّ عليه وفضحه بين الناس، حين يمنّ عليه بما كان من سابق إحسانه إليه.. وليذكر أنه إنما وضع إحسانه فى سبيل الله، وقدمه خالصا لوجه الله..
وقوله تعالى: «وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ» تذكير للمحسنين بأنهم إنما يحسنون بما أحسن الله به إليهم، وأن غناهم مستمد من غنى الله، والله الذي أعطاهم هذا العطاء يغفر لهم الكثير، ويتجاوز لهم عن الكثير، حلما منه وفضلا وكرما، فليغفروا هم لمن أحسنوا إليهم، ثم قابلوا الإحسان بالإساءة..
الآية: (264)[سورة البقرة (2) : آية 264]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (264)
قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى» تنبيه للمؤمنين الذين يغرسون فى مغارس الخير، من أن تسطو على هذا الغرس آفة فتذهب به، ويضيع أجرهم الذي كانوا يرجونه عند الله.
والمنّ.. هو إزعاج المحسن إليه من المحسن بما يذكر- بمناسبة أو بغير مناسبة- من إحسانه إليه وفضله عليه، يريد بذلك استصغاره وامتهانه، على حين ينبغى لنفسه تفاخرا وتعاليا.
فالمنّ أذّى جارح قد يصيب الإنسان فى مقاتله.. ولهذا كان هو الآفة التي تأكل الصدقة كما تأكل النار الحطب، إذ قد استوفى بها صاحبها حقّه من المتصدق عليه، حين أحسن أولا، ثم أساء ثانيا.. فذهبت إساءته بإحسانه.
وقوله تعالى: «كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ» هو مثل رفعه الله لأعين المؤمنين الذين يتصدقون، فيذهب بصدقتهم ما سلطوه عليها من منّ وأذى، وفى هذا المثل يرون صورة واضحة ناطقة، للإحسان الذي يذهب هباء ويضيع هدرا.
فالكافر الذي يؤمن بالله واليوم الآخر، لا يتقبل الله منه صالحا أبدا، لأنه أبطل كل صالح بهذا الكفر الذي انعقد عليه قلبه، وفسد به كيانه كلّه.
وقد يتصدق هذا الكافر لا لوجه الله، ولا فى سبيل الله، ولكن ليرى الناس إحسانه، أو ليملك وجودهم بإحسانه إليهم، أو ليحتل منزلة فى قلوبهم..
فهذه الصدقة وغيرها مما يحسب فى وجوه البر والإحسان مما تجود به يد الكافر، لا يتقبلها الله، ولا يجزى الجزاء الحسن عليها، والله سبحانه وتعالى يقول:«مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ» (18: إبراهيم) .
وإنها لصورة كريهة مفزعة للمؤمن الذي يتصدق فيبطل صدقته بيده كما يبطل الكافر إحسانه بكفره! وهنا يتمثل المنّ والأذى كأنه الكفر..
وإذ تجنب المؤمن الكفر حتى حسب فى المؤمنين، فليتجنب المنّ والأذى حتى يكون فى المحسنين، وإلا فهو والكافر فى هذا الموقف سواء بسواء.. لا يقبل الله من أىّ منهما عمله الذي عمل.
ثم ضرب الله سبحانه مثلا للكافر ولأعماله التي تدخل فى باب الإحسان، وما لهذه الأعمال من وزن عند الله!.
فالكافر فى ذاته حجر صلد، أصمّ، لا يمسك خيرا، ولا يجود بخير!.
وأما ما يكون منه من أعمال حسنة فى ظاهرها، فهى أشبه بما يعلو هذا الحجر الصلد الأصم من تراب.. والتراب من شأنها أن تنبت الزرع، وتخرج الثمر، إذا رواها الماء واختلط بها.
والصورة تبدو هكذا: الكافر وأعماله التي يرجى خيرها، والحجر الصلد وما عليه من تراب، يرجى منه أن يكون يوما أرضا معشبة، أو حبة مثمرة! وينجلى الأمر عن هذا الموقف هكذا:
الكافر يوم القيامة، وقد جاء عريانا مجردا من كل عمل ينفعه فى هذا اليوم.. والحجر الصلد وقد أصابه الغيث فجرف بتياره العنيف كل ما عليه من تراب، فانكشف وتعرّى، وأصبح ولا موضع فيه لنبت يطلع منه! وفى هذا يقول الله تعالى:«فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ» والصفوان: الحجر الأصم. والوابل: المطر الغزير، والصلد: الأصم الأملس.
وقوله تعالى: «لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا» استحضار للكافرين جميعا ليشهدوا هذا الموقف الذي يتعرّى فيه الكافر من كل شىء، كما أنه استحضار للمحسنين الذين أبطلوا إحسانهم بالمن والأذى.