الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الخبرة- أنه غبن، ولا سبيل إلى الرجوع فى عملية البيع. فالمتماثلان، لا يفضل أحدهما الآخر إلا فى أمور لا يتعرف عليها إلا أهل النظر والخبرة فى هذا الشأن، ومن هنا يقع الغبن، الذي تنتج عنه العداوة والبغضاء، كما ينتج الظلم يأكل أموال الناس بالباطل، عن طريق الربا المعروف، وهو ربا النسيئة.
وقد يقال: إن هذا الذي يقع فى بيع المتماثلين مع زيادة أحدهما عن الآخر- يقع أيضا فى بيع المتماثلين مثلا بمثل.. إذ لا شك أن المتماثلين لا يتماثلان فى جميع الوجوه، وإلا لما كان هناك داع يدعو إلى استبدال هذا بذاك.
ونعم. إنه لا بد من فروق بين المتماثلين، حيث يرى كل من صاحبيهما الرغبة فيما فى يد الآخر.. ولكن الغالب فى المماثلة أن تكون الفروق طفيفة، يمكن أن يحتملها الطرفان بالزيادة أو النقص، ولكن لو فتح باب المفاضلة بين المتماثلين لا تسع مجال الغبن، وتضاعفت مقاديره.. فكان فى إباحة بيع المتماثلين مثلا بمثل رفع للحرج على الناس فى تبادل المنافع، التي لا غنى لهم عنها، كما كان فى تقييد هذه الإباحة بألّا يفضل أحد المثلين الآخر، وزنا أو كيلا- كان فى هذا ما يحرس هذه العملية من الغبن الفاحش، لو فتح فيها باب التفاضل!.
2- بيوع الغرر
ومن الأمور المفضية إلى الربا، بيع الغرر، والغرر فى اللغة، معناه التغرير والخداع.. يقال. غرّر فلان بفلان أي ساقه إلى سوء، أو أوقعه فى مكروه عن طريق الحيلة والخديعة والغش.
ويقع الغرر أو التغرير فى بعض صور هذا البيع.. وذلك كبيع المعدوم..
مثل حبل الحبلى، وبيع السمك فى الماء، وبيع المعجوز عن تسليمه، كالحيوان الشارد عن صاحبه، أو بيع المجهول المطلق.. مثل قولك: بعتك منزلا، أو المجهول العين، مثل قولك: بعتك ما فى جيبى.
ولا شك أن مثل هذه المبايعات لا تنتهى- غالبا- إلا بخلاف بين المتابعين إن لم يكن متخذا صورة مادية ظاهرة، اتخذ مشاعر محملة بالبغضة والعداوة، لأن البيع الذي حدث على تلك الصورة هو فى الواقع ضرب من المقامرة والمخاطرة.. إذ لا يدرى أحد متى تحمل هذه الناقة أو النعجة، التي وقع البيع على ما قد تحمل فى المستقبل، ولا أحد يدرى ما سيكون عليه نتاجها.. أهو سليم أو معطوب، أو هو واحد أو اثنين أو ثلاثة.. ويقال مثل هذا فى بيع الحيوان الشارد، أو المجهول جهالة مطلقة، كالبيع الواقع على كلمة «منزل» أو ما فى «الجيب» .
روى عن أنس بن مالك رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، نهى عن بيع الثمار حتى تزهى، قبل: وما نزهى؟ قال: تحمرّ أو تصفر.. قال:
أرأيت إذا منع الله الثمرة، بم يستحلّ أحدكم مال أخيك؟.
وروى أحمد فى مسنده، قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، ونحن نتبايع الثمار قبل أن يبدو صلاحها، فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم خصومة، فقال: ما هذا؟ فقيل: إن هؤلاء ابتاعوا الثمار.. يقولون: أصابها الدّمّان والقشام «1» ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلا تبايعوها حتى يبدو صلاحها» .
فالرسول- صلوات الله وسلامه عليه- لم ينه عن هذا البيع إلا بعد أن تكشفت آثاره السيئة، وتكشفت عن مشاحنة وبغضاء.. ولو جرى هذا البيع دون أن يثير مثل هذه المشاحنات أو لو كان بين أيدى الناس من وسائل العلم ما يضبط الحال التي سيكون عليها الثمر وقت نضجه، لما وقع حظر على هذا البيع، وما ماثله.
(1) الدمان والقشام: من الآفات التي تعرض للثمر قبل أن ينضج، فيعطب أو يفسد.