الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
استطاع إنسان أن يمر بهذه التجربة سالما، فهل ذلك فى مقدور الناس جميعا؟
الواقع والتجربة ينقضان هذا، ويؤكدان أن كثيرا من الناس شربوا قليل الخمر مداواة، أو لعبا، فتجاوزوا المداواة واللعب إلى الإدمان، ثم الإغراق فى الإدمان! هذا صنيع الإسلام فى كل محرم.. إنه يحرّمه ويحرّم الذرائع المؤدية إليه.
وفى الربا.. حرم القرآن الكريم الرّبا، على الصورة التي كانت معروفة له فى الجاهلية، وهو ربا النسيئة، ثم جاءت السنّة المطهرة، فحرمت الذرائع المفضية إليه، حتى لا يتخذ الناس من تلك الذرائع مطايا- تنقلهم بقصد أو غير قصد- إلى الربا الصريح!.
ومن الذرائع التي حرّمها الإسلام، وعدّها من الرّبا، إذ كانت بابا يؤدى إليه- هذه الصور من المعاملات:
1- ربا الفضل
وهو بيع المتماثلين.. من ذهب أو فضة أو برّ أو تمر أو غير هذا.. بزيادة أحد المثلين على الآخر.. كمن يبيع درهما من الذهب بدرهم وبضعة قراريط من الذهب، وكمن يبيع قدحا من التمر، بقدح ونصف منه.. فهذا بيع متلبّس بالحرمة والإثم.
يقول ابن قيّم الجوزية: «ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم حرّم أشياء، مما يخفى فيها الفساد، لإفضائها إلى الفساد، كما حرم قليل الخمر، لأنه يدعو إلى كثيرها، ومثل ربا الفضل، فإن الحكمة فيه- أي فى تحريمه- قد تخفى..
إذ العاقل لا يبيع درهما بدرهمين إلا لاختلاف الصفات، مثل كون الدرهم صحيحا والدرهمين مكسورين، أو الدرهم مصوغا، أو من نقد نافق (أي رائج) ، ونحو ذلك.. ولهذا خفيت حكمته على ابن عباس ومعاوية، حتى أخبرهما الصحابة الأكابر، كعبادة بن الصامت وأبى سعيد الخدرىّ وغيرهما- بتحريم
النبىّ- صلى الله عليه وسلم لربا الفضل «1» » .
وقد ألحق الرسول الكريم هذا الضرب من المعاملات بالربا.. إلّا أن يكون مثلا بمثل، ويدا بيد.. يقول الرسول صلوات الله وسلامه عليه:«لا تبيعوا الذهب بالذهب إلّا مثلا بمثل ولا تشفّوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل ولا تشفّوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائبا بناجز «2» وفى لفظ: «إلّا وزنا بوزن، مثلا بمثل، سواء بسواء «3» » .
وعن أبى سعيد الخدري، رضى الله عنه قال: جاء بلال إلى النبي صلى الله عليه وسلم بتمر برنىّ «4» .
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أين هذا؟» قال بلال: كان عندنا تمر ردىء، فبعت منه صاعين بصاع لمطعم النبي، فقال النبي عند ذلك:«أوه!! عين الرّبا.. لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشترى فبع التمر ببيع آخر، ثم اشتر به «5» » .
ولا شك أن مثل هذه المعاملات لا يقصد منها الربا على الوجه المعروف، المراد منه استغلال الفقير المحتاج، وفرض إرادة صاحب المال- الدائن- عليه.. ولكن يمكن أن تجرّ هذه المعاملات إلى ما يجرّ إليه الربا من ضغينة وعداوة.
أما الضغينة والعداوة فتنشآن مما يتكشف عنه الحال بعد عملية بيع المتماثلين مع تفضيل أحدهما عن الآخر، حين يرى أحد المتبايعين- بعد الرجوع إلى ذوى
(1) القواعد النورانية.. لابن القيم ص 117.
(2)
الورق. الفضة، والشف الزيادة أو النقصان، والناجز: الحاضر
(3)
صحيح مسلم جزء/ 4 ص 24.
(4)
التمر البرني: من أحسن أنواع التمر عند العرب. [.....]
(5)
صحيح مسلم: جزء/ 4 ص 48.