الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وعدة، وإنما هو أمر إيمان بالحق. وثبات عليه، واستشهاد فى سبيله، ولقد رأى المشركون ذلك بأعينهم، إذ جاءوا بعددهم وعدّتهم، والمسلمون بين أيديهم قلة فى العدد والعدة «يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ» .. فانتصرت الفئة القليلة على الفئة الكثيرة:«كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ» (249: البقرة) فليستيقن المؤمنون، ولينتظر المشركون، فإن ما وعد الله به واقع لا شك فيه.
هذا والظاهر- والله أعلم- أن هذه الآية وما قبلها كان نزولها عقب موقعة بدر، بل ربّما والمشركون فى طريقهم بعد الهزيمة، لم يبلغوا مكة بعد، وفى هذا ما يضاعف من حسرتهم، ويملأ قلوبهم يأسا، من كل أمل يتعزّون به فى مستقبل الأيام.. فأيامهم المقبلة أشد سوادا وأكثر شؤما من يومهم هذا الذي هم فيه.
الآية: (14)[سورة آل عمران (3) : آية 14]
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14)
التفسير: هذا جواب عن سؤال يعرض فى كل موقف يتصارع فيه الحق والباطل، وهذا السؤال هو: لم هذا الضلال من الناس؟ ولم هذا الباطل الذي يمسكون به ويحرصون عليه؟
وفى الآية الكريمة الجواب على هذا..
فالناس- كل الناس- مفطورون على حبّ الاقتناء، والاستزادة مما
يقتنون، من الأشياء التي تغذّى عواطفهم، وتشبع حاجاتهم الجسدية، والنفسية، وتنزلهم فى الحياة منزلا عاليا رفيعا، يبسط لهم سلطانا يستجيب لكلّ ما يدّعون وما يشتهون! هذه طبيعة فى الناس، غير منكرة، ولا متكرّهة، لأنها قوة عاملة فى الحياة، بها يخفّ الناس إلى السعى والجد، والمغامرة والمخاطرة،، ولولاها لما خطت الإنسانية هذه الخطوات الواسعة، إلى العمران والمدنية! وهذا فى ذاته خير للإنسانية وكسب للناس.
ولكن الشيء إذا زاد عن حدّه انقلب إلى ضدّه- كما يقولون.
وهذا ما يحدث لغريزة حبّ الاقتناء، إذا جاوزت حدّها، وخرجت عن سنن القصد والاعتدال! إنها تتحول حينئذ إلى شره قاتل، يصير به الإنسان حيوانا ضاريا، يشتبك فى صراع دام مع كل من يلقاه! وقوله تعالى:«زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ» عرض لصور مما تشتهيه النفس، وتحرص عليه، وتستكثر منه.. النساء والبنين، والذهب والفضة، والخيل المعلّمة، والأنعام، والحرث والزرع.. ولم يتحدث القرآن عن الدّور والقصور والأناث والرياش، ولا عن ألوان الطعام، ولا عن الخدم والأتباع، وكلها مما تشتهيه النفوس، وترغب فيه.. لم يذكر القرآن الكريم هذا، ولا كثيرا غيره من مطالب النفس- لأنه ذكر
الأصل الذي ترجع إليه كل هذه الأشياء، وهو المال، من الذهب والفضة والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة، فبهذا المال ينال كل هذا وأكثر من هذا، فحيث كان المال كان معه الجاه والسلطان، وكل متع الحياة، لمن أرادها من أصحاب المال.
وقد ذكر القرآن النساء والبنين والذهب والفضة والخيل المسوّمة والأنعام والحرث، لأنها أصول قائمة فى النفوس، لا تتغير بتغير الأزمان واختلاف الأمم! النساء رغيبة الرّجال من جميع الشعوب.. الأغنياء والفقراء.
والبنون قرة عين الوالدين، فى كل زمان ومكان.. أغنياء وفقراء.
والذهب والفضة.. لهما حب مستقل لذاتهما، حيث يجد الإنسان القوة والعزة، بامتلاكهما، ولو لم يسخرّهما لمأرب من مآربه..
والخيل المسوّمة، (أي المعلّمة) نموذج للمراكب الطيبة، التي تجمع بين البهجة والمتعة.
والأنعام والحرث، نموذج آخر لمتعة العين وبهجتها لهذا المال المتحرك فى الإنعام، والمزدهر الثمر فى الزروع والجنات.
وقوله تعالى: «ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا» إشارة إلى أن هذا الذي يرغب فيه الناس ويشتهونه فى حياتهم، إنما هو متاع وزاد للحياة الدنيا، يزول بزوال هذه الحياة، ويفنى بفناء الطاعمين له..
وقوله تعالى: «وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ» إلفات إلى حياة أخرى غير هذه الحياة، لا يزول نعيمها، ولا تفنى لذاذاتها. تلك هى الحياة الآخرة، التي أعدّ الله فيها لعباده المتقين، ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.