الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
به على إخوته لأمه نصيبهم المفروض لهم، كأن يوصى ولا رغبة له فى الوصية ولكن ليدخل الضيم على نصيب هؤلاء الأخوة، وكأن يصطنع على التركة دينا لغير دائن، لهذا الغرض نفسه..
وهذا ما نبه الله سبحانه وتعالى إليه الميت قبل أن يموت، ثم أكد سبحانه وتعالى هذا التنبيه بقوله «وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ» أي هذا فرض فرضه الله للأخوة لأم، وجعله حقا لهم.. فهم- والأمر كذلك- لم يجيئوا إلى هذا الميراث متطفلين. بل هم أصحاب حق فرضه الله لهم، كما فرض لغيرهم من الورثة ما فرض..
ثم أكّد سبحانه وتعالى هذا الأمر مرة أخرى بقوله: «وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ» أنه سبحانه وتعالى «عليم» بما يعمل الظالمون «حليم» لا يعجّل لهم العقاب، ولكن يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار.
الآيتان: (13- 14)[سورة النساء (4) : الآيات 13 الى 14]
تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ (14)
التفسير: قوله تعالى: «تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ» إشارة إلى كل ما بيّن الله سبحانه وتعالى من أحكام وما شرع من حدود، فى صيانة أموال اليتامى، وتسليمها إليهم سليمة، لم تقع فيها خيانة، أو يقع عليها اعتداء، وفى التعفف عن زواج اليتيمات، تجنبا للظلم المحتمل وقوعه عليهن، وفى المواريث وأحكامها
وما لكل وارث من نصيب.. «تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ» وهذه أحكامه، أوجب على عباده أن يلتزموها، وأن يقفوا عندها لا يتجاوزونها.. «وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ» .
فهذا الجزاء الحسن، قد أعدّه الله سبحانه لمن أطاعه وأطاع رسوله، الذي حمل إليه ما أمر الله به، وما نهى عنه..
إنه جنّات تجرى من تحتها الأنهار، فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
وإنه الخلود فى هذه الجنات والعيش الدائم فى نعيمها.. وذلك هو الفوز العظيم، الذي لا يقاس إليه شىء مما يعده أهل الدنيا فوزا، فيما يقع لأيديهم من مال ومتاع، ولو كان حلالا خالصا.. فكيف إذا كان مشوبا بالحرام، أو كان هو الحرام كل الحرام؟
وقوله تعالى: «وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ» .. هو كشف عن الوجه البغيض المقابل لهذا الوجه الطيب الكريم.. إنه وجه أولئك الذين لا يخشون الله، ولا يخافون عقابه، فلا يمتثلون أوامره، ولا يعملون بما يدعوهم الله ورسوله إليه.. وإنها للنار التي أعدت للكافرين، وإنه للخلود فى عذابها وهوانها.. وذلك هو الخزي المبين! وهنا ما ينبغى أن ننظر فيه، ونتأمله:
فلقد جاء الخطاب من قبل الحق جلّ وعلا لمن يطيعون الله ورسوله فى صيغة المفرد، حتى إذا دخل الجنة، انتقل الخطاب من المفرد إلى الجمع..
هكذا: «وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ.. خالِدِينَ فِيها..» فما وجه هذا؟ وما سره؟
ونقول- والله أعلم-:
إن إفراد الخطاب فى هذه المراحل: «يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ.. يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ» فيه مواجهة صريحة كاملة، تضع الإنسان وحده فى مواجهة هذا الخطاب الإلهى، فيلتفت إليه بكيانه كله، حيث لا يقع فى شعوره- والحال كذلك- أن هذا الخطاب العلوي متجه إلى غيره! وهذا من شأنه أن يجعل الإنسان فى وضع يحسن فيه التلقي عن الله، والانتفاع بما تلقى..
وذلك ما يقيمه على طاعة الله، ويصل به إلى مرضاته، ثم إلى الجنة التي أعدت للمتقين..
وليس الشأن كذلك إذا دخل الجنة.. إنه هنا فى حال ينعم فيها بنعيم الله، ويأنس بألطافه..
ومن تمام نعيم الله هنا، ومزيد ألطافه، أن يجد الإنسان نفسه بين لدات وإخوان، يشاركهم هذا النعيم، وتلك الألطاف، وأن ينظر هذا النعيم وتلك الألطاف التي تغمر كيانه، قد تجسدت على وجوه إخوانه، فأصبحت بشرا، وحبورا، فيزداد لذلك بشره وحبوره..
وماذا يأخذ الإنسان أو يعطى، وهو منفرد وحده فى هذه الجنات؟ إن هذا النعيم الطيب كله فيها، والملائكة والحور الذين يشرقون فيها كما تشرق الشموس- إن كل هذا لا يعرف المرء قدره، ولا يتذوق طعومه، على أكمل وجه وأتمه، إلا إذا كان له إخوان من جنسه، يألفهم ويألفونه، ويأخذ معهم ويعطى.. من كؤوس هذا النعيم..
وهذا الشعور الجماعى فى الإنسان قد عرف الله سبحانه وتعالى حاجته إليه، فأسعفه بها، وجعلها من بعض ألطافه على عباده فى جناته.. فجعل أهل الجنة فى حياة جماعية، يتلاقون، ويتعارفون ويتبادلون الطيّب من الحديث،
والكريم الهنيء من النعيم.. فيقول سبحانه فى أصحاب الجنة: «يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْساً لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ» (23: الطور) ويقول جل شأنه:
«وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ» (47:
الحجر) ويقول سبحانه: «إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ» (55، 56: يس) .
وعن هذا الشعور كان قول أبى العلاء المعرّى:
ولو أنّى حبيت الخلد فردا
…
لما أحببت فى الخلد انفرادا
وانظر إلى أصحاب النار، كيف كان الخطاب من الله- سبحانه وتعالى مفردا، قبل النار وبعدها. خارجها وداخلها.. حيث يقول جل شأنه:
إن الإنسان هنا يواجه وحده بهذا الوعيد من رب العالمين، حتى لكأنه هو الوحيد الذي انفرد من بين الناس بالشرود عن طريق الحق، والعصيان لله ورسوله.. ثم ها هو ذا يلقى مصيره المشئوم وحده «ناراً خالِداً فِيها» حتى لكأن جهنم قد خصصت له، وحتى لكأن عذابها مقصور عليه.
وفى هذا ما فيه من مضاعفة العذاب، النفسي، فوق العذاب الحسّى! إن المشاركة فى البلاء تخفف من شدته، وتكسر من حدته، حيث يتأسّى المصاب بغيره من المصابين، ويجد فى مصاب غيره عزاء لمصابه..
وفى هذا تقول الخنساء فى رثاء أخيها صخر:
ولولا كثرة الباكين حولى
…
على إخوانهم لقتلت نفسى
وارجع إلى الآيتين الكريمتين الآن، ورتلهما ترتيلا، مستصحبا معك