الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الآية: (258)[سورة البقرة (2) : آية 258]
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (258)
التفسير: هنا نجد المثل لمن آمن بالله فكان الله وليّه، يخرجه من الظلمات إلى النور، ومن كفر فكان الطاغوت وليّه، يخرجه من النور إلى الظلمات! ومثل الأول نجده على أكمل صورة وأتمها، فى إبراهيم عليه السلام، كما نجد مثل الثاني فى هذا الذي آتاه الله الملك، وغمره بالنعم، فاستقبلها بالجحود والكفران، والإغراق فى البهت والضلال.. ولم يذكر القرآن اسم هذا الإنسان المتمرد على الله، ولم يدل عليه، لأنه ساقط من حساب الإنسانية، إذ باع إنسانيته للشيطان، وأسلمها للطاغوت.. ثم إنه لا ضرورة لذكره، حتى لا يتعرف عليه أحد، فتصيبه عدواه ولو من بعيد، كما تصيب الرائحة الخبيثة بالأذى كلّ من يمر به حامل الجيف.. ثم لمن أراد أن يعرف وجه هذا الشر، وحامل هذا المنكر فإن التاريخ يقول إنه «النمرود» ملك كنعان.. وكم فى الناس من نمرود؟
والذي تعرضه الآية الكريمة هنا، وتحرص على كشفه وتجليته، وهو هذا الصّدام الفكرى بين منطق الحق وسفاهة الباطل، بين نور الإيمان وهداه، وظلام الشرك وضلاله! يقول الله تعالى:«أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ» فهذا الإنسان الذي فضل الله عليه وأوسع له فى فضله، ومكّن له فى الأرض، قد غرّه ما بيده من سلطان، فكفر بأنعم الله، ثم لجّ به الكفر فحادّ الله ورسوله، وادعى لنفسه الألوهية، وقال قولة فرعون:«أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى» !
فلما جاءه نبىّ الله، إبراهيم، يدعوه إلى الله، أنكر هذه الدعوة، وجحد أن يكون فى الأرض إله معه، وجعل يلقى إلى إبراهيم بالحجج الدالة على ألوهيته، وأهليته لتلك الألوهية، بما فى يده من سلطان بتصرف به كيف يشاء..
وكثرت بينه وبين إبراهيم المحاجّة والمناظرة.. وتخير القرآن الكريم من هذه المواقف مشهدين، يلخصان القضية كلها، ويضبطان محتواها ومضمونها.
«قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ» ! هذا هو ربّ إبراهيم، الذي يدين له، ويدعو إليه.. هو الذي بيده الحياة والموت، وهو الّذى أمات وأحيا.. فذلك أمر لا يشاركه فيه أحد، ولا يدّعيه لنفسه مخلوق، إلا أن يركب الحماقة والسّفه.
وقد ركب هذا الجهول الحماقة والسفه وانطلق بلا عنان.. «قالَ: أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ!!» هكذا يقولها بملء فيه! ولم يذكر من أين هو جاء، ولا إلى أين هو يصير؟ «أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً» ؟
(67: مريم) .
ولم ير إبراهيم- إزاء هذا السّفه الوقاح- أن يقف عند هذا الجواب، وأن يكشف باطل هذا الأحمق الجهول.. فقد يذهب بالرجل الحمق والجهل فيقول لإبراهيم: ألا تصدق ما أقول؟ أتريد شاهدا؟ أنت نفسك أنا الذي أحييه، لأنى لا أريد قتلك! وأنا أميتك لو أردت! فهل تريد مصداق ذلك؟
وقد يفعلها الرجل ولا معقّب عليه!! وتحاشى إبراهيم أن يدخل مع النمرود فى هذا الجدل، وأن يمد له فى حبال السفسطة، بل جاء إليه إبراهيم بما يخرسه ويفحمه! «قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ» .