الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المؤمنين الذين يؤمنون بالمنزّل، وما أعده لهم في الدنيا والآخرة من منازل الخيرات ودرجات السعادات في جنات عدن، حتى تتم المقارنة بين وعد هؤلاء، ووعيد أولئك.
روي أن أحياء العرب كانوا يبعثون أيام الموسم من يأتيهم بخبر النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا جاء الوافد المقتسمين طرق مكة للحيلولة بين القادمين وبين الإيمان بالنبي، قالوا له ما قالوا سابقا، وإذا جاء المؤمنين قالوا له ذلك.
روى ابن أبي حاتم عن السّدّي قال: اجتمعت قريش، فقالوا: إن محمدا رجل حلو اللسان إذا كلمه الرجل ذهب بعقله، فانظروا ناسا من أشرافكم المعدودين المعروفة أنسابهم، فابعثوهم في كل طريق من طرق مكة على رأس ليلة أو ليلتين، فمن جاء يريده فردوه عنه، فخرج ناس في كل طريق، فكان إذا أقبل الرجل وافدا لقومه ينظر ما يقول محمد، ووصل إليهم، قال أحدهم: أنا فلان بن فلان، فيعرّفه نسبه، ويقول له: أنا أخبرك عن محمد: إنه رجل كذاب، لم يتّبعه على أمره إلا السفهاء والعبيد، ومن لا خير فيهم، وأما شيوخ قومه وخيارهم، فمفارقون له، فيرجع الوافد، فذلك قوله تعالى:{وَإِذا قِيلَ لَهُمْ: ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ؟ قالُوا: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ} .
فإن كان الوافد ممن عزم الله له الرشاد، فقالوا له مثل ذلك، قال: بئس الوافد لقومي، إن كنت جئت، حتى إذا بلغت مسيرة يوم، رجعت قبل أن ألقى هذا الرجل، وأنظر ما يقول، وآتي قومي ببيان أمره، فيدخل مكة، فيلقى المؤمنين، فيسألهم ماذا يقول محمد؟ فيقولون: خيرا.
التفسير والبيان:
تتميز الأشياء بأضدادها، فأخبر الله تعالى عن السعداء المؤمنين إثر الإخبار عن الأشقياء المشركين، ليتضح الفرق، وتتجلى أسس العدل. فسئل الذين اتقوا
الكفر والمعاصي وخافوا الله: ماذا أنزل ربكم؟ قالوا: أنزل خيرا أي رحمة وبركة لمن اتبعه وآمن به وبرسوله.
والسائل: هم الوافدون على المسلمين في أيام المواسم والأسواق، فكان الرجل يأتي مكة، فيسأل المشركين عن محمد وأمره، فيقولون: إنه ساحر وكاهن وكذاب، فيأتي المؤمنين، ويسألهم عن محمد وما أنزل الله عليه، فيقولون: أنزل خيرا.
ثم أخبر تعالى عما وعد هؤلاء المؤمنين في مقابل وعيد المشركين السابق، فقال:{لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا.} . أي للذين آمنوا بالله ورسوله وأطاعوه، وأحسنوا العمل في الدنيا، أحسن الله إليه عمله في الدنيا والآخرة.
فلهم في الدنيا مثوبة حسنة من عند الله بالنصر والفتح والعزة، وفي الآخرة بنعيم الجنة وما فيها من خير.
ثم أعلمنا الله تعالى بأن دار الآخرة خير من الحياة الدنيا، والجزاء فيها أتم من الجزاء في الدنيا.
ونظير صدر الآية: {مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ، فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً، وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل 97/ 16].
ونظير آخر الآية: {وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ: وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً} [القصص 80/ 28] وقوله تعالى: {وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ} [آل عمران 197/ 3] وقوله: {وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى} [الضحى 4/ 93] وقوله: {وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى} [الأعلى 17/ 87].
ثم وصف الدار الآخرة بقوله: {وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ. جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي}
أي لنعم دار المتقين دار الآخرة، وهي جنات عدن أي إقامة تجري بين أشجارها وقصورها الأنهار، ونعيمها دائم ميسر غير ممنوع:{لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها} أي للمحسنين في الدنيا ما يتمنون ويطلبون في الجنات، كما قال تعالى:{وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ، وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ} [الزخرف 71/ 43] وقال سبحانه: {وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ. لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ} [الواقعة 32/ 56 - 33].
وهذا جزاء التقوى: {كَذلِكَ يَجْزِي اللهُ الْمُتَّقِينَ} أي مثل ذلك الجزاء الطيب، يجزي الله كل من آمن به واتقاه، وتجنب الكفر والمعاصي، وأحسن عمله. وهذا حث على ملازمة التقوى.
ثم أخبر الله تعالى عن حال المتقين عند الاحتضار في موازاة أو مقابلة حال المشركين: {الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ} فقال: {الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ} أي الذين تقبض أرواحهم الملائكة طاهرين طيبين من الشرك والمعصية وكل سوء. وكلمة {طَيِّبِينَ} كما قال الرازي: كلمة مختصرة جامعة للمعاني الكثيرة، يدخل فيها إتيانهم بكل ما أمروا به، واجتنابهم كل ما نهوا عنه، واتصافهم بالأخلاق الفاضلة، والتبرؤ عن الأخلاق المذمومة، والتوجه إلى حضرة القدس، وعدم الانهماك في الشهوات واللذات الجسدية، فيطيب للملائكة قبض أرواحهم. وأكثر المفسرين على أن هذا التوفي هو قبض الأرواح.
وتسلّم عليهم الملائكة وتبشرهم بالجنة عند قبض الأرواح، كقوله سبحانه:
ومضمون تحية الملائكة هو: {يَقُولُونَ: سَلامٌ عَلَيْكُمْ، اُدْخُلُوا.} . أي