الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فيشمل المطر والبحر والأنهار، وأما التراب فيفهم من كلمة الأرض، وأما الحرارة فمن الشمس، وأما الهواء فهو أساس حياة الإنسان والحيوان والنبات، وكان واسطة تسيير الفلك في البحار.
التفسير والبيان:
تتابع الآيات التنبيه إلى أدلة أخرى لإثبات الذات الإلهية من حركة الكون وعالم النبات، والبحار، والجبال، وبدأ بعالم النبات الذي يتسبب بإنزال المطر من السماء، فقال سبحانه:{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ.} . أي إن الذي خلق السموات والأرض والإنسان والأنعام والدواب، هو الذي هيّأ ظروف الحياة للإنسان بإنزال المطر من السماء، فجعله عذبا زلالا يسوغ لكم شرابه، ولم يجعله ملحا أجاجا، وأخرج به شجرا ترعون فيه أنعامكم، وأنبت به لكم زرعا وزيتونا ونخيلا وأعنابا، ومن كل الثمرات على اختلاف أصنافها وألوانها وطعومها وروائحها وأشكالها، رزقا لكم تستطيعون به تحقيق قوام الحياة، والمراد بالشجر هنا: النبات مطلقا، سواء كان له ساق أم لا، كما نقل عن الزجاج، وهو حقيقة في الأول ويستعمل في الثاني بمعنى الكلأ؛ لأنه الذي يعلف.
{إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً.} . أي في ذلك المذكور كله من إنزال الماء والإنبات لدلالة وحجة على أنه لا إله إلا الله، لقوم يتعظون ويتفكرون في تلك الأدلة؛ لأنه لا مبدع ولا موجد لها غير الله الخالق الأحد، المستحق للتمجيد والعبادة، كما قال تعالى:{أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ، وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً، فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ، ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها؟ أَإِلهٌ مَعَ اللهِ؟ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ} [النمل 60/ 27].
ثم نبّه الله تعالى على آياته الكونية العظام، ممتنا بنعمه عليكم، فقال:{وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ.} . أي وصير لكم ما ينفعكم من تعاقب الليل والنهار للنوم والاستراحة والسعي وكسب المنافع وقضاء المصالح، ودوران الشمس والقمر للإنارة وانتفاع الإنسان والحيوان والنبات بالحرارة والضوء ومعرفة عدد السنين
والشهور، وتزيين السماء بالنجوم الثوابت والسيارات في أرجاء السموات، نورا وضياء، ليهتدى بها في الظلمات، وكل منها يسير في فلكه بنظام دقيق وحركة مقدرة، لا زيادة فيها ولا نقص، وكل ذلك خاضع لسلطان الله وقهره، كقوله تعالى:{إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ، ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ، يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ، يَطْلُبُهُ حَثِيثاً، وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ، أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ، تَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ} [الأعراف 54/ 7].
{إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ.} . إن في المذكور كله دلالات على قدرته تعالى الباهرة وسلطانه العظيم، لقوم يعقلون عن الله كلامه، ويفهمون حججه.
والسبب في ختم الآية السابقة بقوله: {لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} وختم هذه الآية بقوله: {لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} لأن دلالة الأدلة السماوية العلوية على قدرة الله ووحدانيته ظاهرة لا تحتاج إلا لمجرّد العقل دون تأمل، وأما الأدلة الأرضية من الزرع والنخيل وغيرها فتحتاج في دلالتها على إثبات وجود الله إلى تفكر وتأمل وتدبر.
وبعد أن نبّه الله تعالى على معالم السماء، نبّه على ما خلق في الأرض من عجائب فقال:{وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ.} . أي وما خلق لكم في الأرض من أشياء مختلفة الألوان والأشكال والمنافع والخواص من نباتات ومعادن وجمادات وحيوانات.
{إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً.} . أي إن في المذكور جميعه لدلالات على قدرة الله، لقوم يذكّرون آلاء الله ونعمه، فيشكرونه عليها، وختمت هذه الآية الثالثة بالتذكر بعد ختم الأولى بالتفكر والثانية بالتعقل؛ للتنبيه على أن المؤثر فيما وجد في الأرض هو الفاعل المختار الحكيم وهو الله سبحانه وتعالى.
وبعد أن احتجّ تعالى على إثبات الإله أولا بأجرام السموات، وثانيا ببدن الإنسان ونفسه، وثالثا بعجائب خلقة الحيوانات، ورابعا بعجائب طبائع
النباتات، ذكر خامسا الاستدلال على وجود الصانع بعجائب أحوال العناصر، مبتدئا بعنصر الماء، فقال:
{وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ.} . أي والله تعالى يمتن على عباده أيضا بتذليله البحر لهم، وتيسيره للركوب فيه، وإباحته السّمك حيّا وميتا، في الحلّ والإحرام، وخلقه اللآلئ والجواهر النفيسة فيه، وتيسير استخراج العباد له من قراره، حلية يلبسونها، وكذا الاستفادة من المرجان الذي ينبت في قيعانه:
{يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ} [الرحمن 22/ 55]، وتسخيره البحر لحمل السفن التي تمخره، أي تشقه وتجتازه في بلد إلى آخر، ولتبتغوا من فضله، أي ولتطلبوا فضل الله ورزقه بالتجارة فيه، ولتشكروا نعمه وإحسانه عليكم بما يسّره لكم في البحار.
وفي وصف اللحم بالطراوة بيان قدرة الله في إخراج العذب من المالح، ويدل أيضا على أنه يطلب أكله بسرعة؛ لأنه يتسارع إليه الفساد.
ثم ذكر الله تعالى بعض النعم التي خلقها في الأرض فقال: {وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ.} . وهي نعم ثلاث:
الأولى-تثبيت الأرض بالجبال الرواسي، أي الثوابت لتقرّ ولا تضطرب أثناء دورانها بما عليها من كائنات حيّة، كما قال تعالى:{وَالْجِبالَ أَرْساها} [النازعات 32/ 79].
الثانية-إجراء الأنهار على وجه الأرض، ففيها حياة الأنفس والنبات والحيوان. وذكرها بعد الجبال؛ لأن أكثر الأنهار إنما تتفجر منابعها من الجبال.
وتلك الأنهار كثيرة في العالم، منها القصير والغزير والطويل ومنها غير ذلك، وتتجه يمينا أو يسارا، أو جنوبا أو شمالا، أو شرقا أو غربا. والأودية التي تحدث أحيانا ترفد تلك الأنهار.