الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
1 -
البعد عن منهج الاستقامة والنّأي عن طريق الهدى، بعد الثّبات فيهما.
2 -
تحمّل سوء العذاب في الدّنيا بالقتل والأسر وسلب الأموال وهجر الأوطان.
3 -
العقاب في الآخرة جزاء الإعراض عن جادّة الحقّ والإعراض عن أهله.
ثم حذّر الله تعالى عن نقض العهد بالمعاوضات فقال: {وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً} أي لا تعتاضوا عن الأيمان المحلوفة بالله عرض الحياة الدّنيا وزينتها، فإنها قليلة.
{إِنَّما عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} أي لو خيرت للإنسان الدّنيا بحذافيرها، لكان ما عند الله هو خير له، أي جزاء الله وثوابه خير لمن رجاه وآمن به، وهو خير أيضا من ذلك العرض القليل في الدّنيا.
{إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أي إن كنتم تعلمون التّفاوت بين خيرات الدّنيا وبين خيرات الآخرة.
ووجه الخيرية: {ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللهِ باقٍ} أي إن متاع الدّنيا أو نعيمها ينقضي ويفرغ ويزول، وإن طال الأمد، وما عند الله من ثواب في الجنّة باق خالد لا انقطاع ولا نفاد له، فإنه دائم لا يحول ولا يزول.
{وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا.} . أي والله لنجازي ونثيب الصابرين الذين صبروا على أذى المشركين وأحكام الإسلام التي تتضمن الوفاء بالعهود، بأحسن أعمالهم ونتجاوز عن سيئها، وهو ثواب عظيم، ووعد حسن بمغفرة السّيئات.
فقه الحياة أو الأحكام:
حدّدت هذه الآيات دعائم المجتمع المسلم في الحياة الخاصة والعامة، للفرد والجماعة والدولة.
فأمرت الآية بأوامر ثلاثة، ونهت عن نواه ثلاثة، تعتبر محاسن الأخلاق.
أما الأوامر: فهي التزام العدل، والإنصاف بأداء الواجبات والفرائض، وفعل الإحسان وهو الزيادة والتّفضل، أو النافلة المستحبة فوق الفرض والواجب، وإيتاء ذي القربى أي صلة الأقارب والأرحام. وإنما خصّ ذا القربى؛ لأن حقوقهم أوكد، وصلتهم أوجب.
قال ابن عطية: العدل: هو كلّ مفروض من عقائد وشرائع في أداء الأمانات، وترك الظلم والإنصاف، وإعطاء الحقّ. والإحسان: هو فعل كلّ مندوب إليه؛ فمن الأشياء ما هو كلّه مندوب إليه، ومنها ما هو فرض، إلا أنّ حدّ الإجزاء منه داخل في العدل، والتّكميل الزائد على الإجزاء داخل في الإحسان.
وقسم ابن العربي العدل ثلاثة أقسام: عدل مع الله، وعدل مع النفس، وعدل مع الناس، فقال:
العدل بين العبد وبين ربّه: إيثار حقّه تعالى على حظّ نفسه، وتقديم رضاه على هواه، والاجتناب للزّواجر والامتثال للأوامر.
وأما العدل بينه وبين نفسه: فمنعها مما فيه هلاكها؛ قال الله تعالى:
{وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى} وعزوب الأطماع عن الاتّباع، ولزوم القناعة في كلّ حال ومعنى.
وأما العدل بينه وبين الخلق: فبذل التّضحية، وترك الخيانة فيما قلّ وكثر، والإنصاف من نفسك لهم بكلّ وجه؛ ولا يكون منك إساءة إلى أحد بقول ولا فعل، لا في سرّ ولا في علن، والصّبر على ما يصيبك منهم من البلوى، وأقل ذلك الإنصاف وترك الأذى.
وأما النّواهي الثلاثة: فهي عن الفحشاء والمنكر والبغي. والفحشاء:
الفحش، وهو كلّ قبيح من قول أو فعل كالزّنى والغيبة. والمنكر: ما أنكره الشّرع بالنّهي عنه، وهو يعمّ جميع المعاصي والرّذائل والدّناءات على اختلاف أنواعها، وأخطرها الشّرك. والبغي: هو تجاوز الحدّ، كالكبر والظّلم والحقد والتّعدّي. وخصّ بالذّكر، بالرّغم من دخوله تحت المنكر، اهتماما به؛ لشدّة ضرره. ومن معاني
الحديث: «لا ذنب أسرع عقوبة من بغي» «الباغي مصروع» ، وقد وعد الله من بغي عليه بالنّصر، وفي بعض الكتب المنزلة:
لو بغى جبل على جبل لجعل الباغي منهما دكّا.
وتضمّنت هذه الآية الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر.
والآية الثانية خصصت بالذّكر الأمر بالوفاء بالعهد، لخطورة العهود والمواثيق. وعهد الله: لفظ عام يشمل جميع ما يعقد باللسان ويلتزمه الإنسان من بيع أو صلة أو مواثقة في أمر موافق للديانة.
وأكّدت الآية حرمة العهود والمواثيق بعدّة مؤكّدات: أولها النّهي عن نقضها حتى تنتهي مدّتها، بعد تشديدها وتغليظها، وإشهاد الله عليها. وإنما قال تعالى:{بَعْدَ تَوْكِيدِها} للتّفرقة بين اليمين المؤكّدة بالعزم وبين لغو اليمين.
ثمّ مثّل لنقضها بصورة المرأة الحمقاء التي تنقض غزلها إنقاضا بعد إبرامه وفتله، ثمّ شنّع على النّاقضين باتّخاذ الأيمان خديعة ومكرا وغشّا وتغريرا، ثمّ قبّح البواعث والأهداف من الغدر ونقض العهد تأييدا لقوّة قبيلة كثيرة قوية، وتحلّلا من عهد القبيلة الضّعيفة القليلة العدد، والعدد، فقال تعالى: لا تنقضوا العهود من أجل أن طائفة أكثر من طائفة أخرى، أو أكثر أموالا، فتنقضون أيمانكم، إذا رأيتم الكثرة والسّعة في الدّنيا لأعدائكم المشركين.
ثم نبّه الله تعالى أن العهود ابتلاء واختبار، وأن الله تعالى سيبيّن الحقائق يوم القيامة في الاختلاف من البعث وغيره.
ثم ذكر تعالى أنه قادر على جعل الناس على ملّة واحدة هي ملّة الإيمان، والاجتماع على الوفاء بالعهود.
ولكنه تعالى يوفق بهدايته من يشاء فضلا منه عليهم، ويضلّ من يشاء بخذلانه إياهم لاختيارهم سبيل الضّلال، عدلا منه فيهم، وسيسأل الجميع عن أفعالهم.
ثم بالغ تعالى في النّهي عن عقد الأيمان والعهود المنطوية على الخديعة والفساد، فتزلّ قدم بعد ثبوتها، أي عن الإيمان بعد المعرفة بالله، وهذا استعارة لمستقيم الحال، الذي لا يوفي بالعهد، فيقع في شرّ عظيم.
ثمّ توعّد تعالى المخادعين في الأيمان والعهود بعذاب في الدّنيا، وعذاب عظيم في الآخرة. وهذا الوعيد الشديد فيمن نقض عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإن من عاهده، ثمّ نقض عهده، خرج عن الإيمان، وذاق السّوء في الدّنيا: وهو ما يحلّ بهم من المكروه.
ثم حذّر الله تعالى من المتاجرة بالأيمان والعهود، فنهى عن الرّشاوى وأخذ الأموال على نقض العهد، فقال تعالى:{وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً} أي لا تنقضوا عهودكم لعرض قليل من الدّنيا، وإنما كان قليلا وإن كثر؛ لأنه مما يزول، فهو إذن قليل.
ثم بيّن تعالى الفرق بين حال الدّنيا وحال الآخرة، بأن كلّ ما في الدّنيا ينفد ويتحوّل، وما في الآخرة وما عند الله من مواهب فضله ونعيم جنته لا يزول، لمن وفّى بالعهد، وثبت على العقد.