الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التفسير والبيان:
هذا امتنان آخر بما أنعم الله على عبيده بالإيواء في المساكن فقال: {وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ.} . أي والله جعل لكم بيوتا هي سكن لكم، تأوون إليها، وتسترون بها، وتنتفعون بها بسائر وجوه الانتفاع.
{وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ.} . أي وجعل لكم أيضا من جلود الأنعام المعروفة بيوتا أي من الأدم، في السفر والحضر، تستخفون حملها يوم سفركم وانتقالكم ويوم إقامتكم، وهي الخيام والقباب، يخف حملها عليكم في الأسفار.
وجعل من أصواف الغنم، وأوبار الإبل، وأشعار المعز ما تتخذونه أثاثا لبيوتكم، تكتسون به، وتنتفعون به في الغطاء والفراش، وجعل لكم منها متاعا تتمتعون به من جملة الأموال والتجارات، إلى أجل مسمى وزمن معين في علم الله، فإنه يتخذ من الأثاث البسط والثياب وغير ذلك، ويتّخذ مالا وتجارة، وهذا كله بحسب عرف العرب في الماضي، وإن تغير الحال اليوم. فالأثاث: متاع البيت من الفرش والأكسية.
{وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمّا خَلَقَ ظِلالاً} أي ومن نعمه تعالى أن جعل لكم من الأشجار والجبال وغيرها ظلالا تستظلون بها من شدة حر الشمس، وشدة عصف الرياح.
{وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً} أي وجعل لكم من الجبال حصونا ومعاقل ومغارات وكهوفا ونحوها، تأمنون فيها من العدو أو حر الشمس أو البرد.
{وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ.} . أي وجعل لكم ثيابا من القطن والكتّان والصوف ونحوها، تقيكم شدة الحر، أي والبرد، لكن ذكر الحر لحاجة العرب في بلادهم الحارة إلى اتقاء الحر، وما يقي الحر يقي البرد.
{وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ} أي وجعل لكم دروعا من الحديد المصفح والزرد وغير ذلك، تقيكم البأس والشدة في الحرب والطعن والضرب ورمي النبال، واليوم تقي شظايا القنابل.
{كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ.} . أي هكذا يجعل لكم ما تستعينون به على أمركم وحوائجكم، ليكون عونا لكم على طاعته وعبادته، أو مثل ذلك الإتمام بهذه النعم، يتم نعمة الدنيا والدين عليكم، ونعمة الدنيا والآخرة.
{لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ} يا أهل مكة، أي لتدخلوا في حظيرة الإسلام، وتؤمنوا بالله وحده، وتتركوا الشرك وعبادة الأوثان، فتدخلوا جنة ربكم، وتأمنوا عذابه وعقابه.
{فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما.} . أي فإن أعرضوا بعد هذا البيان، وتعداد النعم، فليس عليك شيء، إنما عليك فقط البلاغ لرسالتك، الموضح لمهمتك، المفسر لأصول الاعتقاد ومقاصد الدين، وأسرار التشريع، وقد أديت ذلك، أي إن أعرضوا فلست بقادر على إيجاد الإيمان في نفوسهم، إن عليك إلا البلاغ فحسب.
وسبب هذا الإعراض هو ما قاله: {يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ.} . أي يعرفون أن الله تعالى هو المنعم عليهم بهذه النعم، المتفضل بها عليهم، ومع هذا ينكرون ذلك بأفعالهم، ويعبدون معه غيره، ويسندون الرزق والنصر إلى غيره، إذ يقولون:
إن هذه النعم إنما حصلت بشفاعة هذه الأصنام، فلم يخصوه تعالى بالشكر والعبادة، بل شكروا غير الله تعالى.
{وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ} أي وأكثرهم الجاحدون المعاندون، وأقلهم المؤمنون الصادقون. وإنما قال {أَكْثَرُهُمُ} لأنه كان فيهم من لم يكن معاندا، بل جاهلا بصدق الرسول عليه الصلاة والسلام، وما ظهر له كونه نبيا حقا من عند الله.