الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المفردات اللغوية:
{وَلِلّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ} أي علم ما غاب فيهما، وهو يختص بعلم الغيب، لا يعلمه غيره، وهو ما غاب فيهما عن العباد، بأن لم يكن محسوسا ولم يدل عليه محسوس، وقيل: يوم القيامة، فإن علمه غائب عن أهل السموات والأرض. {السّاعَةِ} وقت القيامة، سميت بذلك لأنها تفجأ الإنسان في ساعة ما، فيموت الخلق بصيحة واحدة. {كَلَمْحِ الْبَصَرِ} اللمح: النظر بسرعة، ولمح البصر: رجع الطرف من أعلى الحدقة إلى أسفلها. {أَوْ هُوَ أَقْرَبُ} أو أمرها أقرب منه؛ لأنه بلفظ {كُنْ فَيَكُونُ} . والمعنى: ما أمر قيام القيامة في سرعته وسهولته إلا كلمح البصر {السَّمْعَ} أي الأسماع. {وَالْأَفْئِدَةَ} جمع فؤاد وهي القلوب. {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} كي تعرفوا ما أنعم الله عليكم طورا بعد طور، فتشكروا وتؤمنوا.
{مُسَخَّراتٍ} مذللات للطيران. {فِي جَوِّ السَّماءِ} الفضاء بين السماء والأرض.
{ما يُمْسِكُهُنَّ} عند قبض أجنحتهن أو بسطها أن يقعن. {إِلاَّ اللهُ} بقدرته. {إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ} أي إن في تسخير الطير للطيران وتمكنها منه، وإمساكها في الهواء وخلق الجو لدلالات على الإله الواحد الخالق. {لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} لأنهم المنتفعون بها.
المناسبة:
بعد أن مثّل تعالى الأصنام أو الكفار بالأبكم العاجز، ومثّل نفسه بالآمر بالعدل، وهو على صراط مستقيم، ولا يكون كذلك إلا إذا كان كامل العلم والقدرة، أردف ذلك ببيان كمال علمه وقدرته. أما كمال العلم فهو قوله تعالى:
{وَلِلّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ} . وأما كمال القدرة فهو قوله: {وَما أَمْرُ السّاعَةِ إِلاّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ} . ومن مظاهر كمال قدرته وحكمته: خلق الإنسان في أطواره المختلفة، وتمكين الطير من الطيران في الجو، وهذا وما يأتي بعده من دلائل التوحيد.
التفسير والبيان:
{وَلِلّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ} أي علم الله وحده غيب السموات والأرض، والتعبير يفيد الحصر، معناه: أن العلم بالمغيبات ليس إلا لله، وهو
مختص بعلم الغيب، فلا اطلاع لأحد على ذلك. إلا أن يطلعه تعالى على ما يشاء. وهذا إخبار عن كمال علم الله تعالى. ثم أخبر عن كمال قدرته وأنه إذا أراد شيئا قال له: كن فيكون، فقال:{وَما أَمْرُ السّاعَةِ إِلاّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ} أي وما شأن الساعة (وهي الوقت الذي تقوم فيه القيامة) في سرعة المجيء إلا كطرف العين أو رجع البصر من أعلى الحدقة إلى أسفلها، أو هو أقرب من هذا وأسرع؛ لأن أمره فوري الحدوث والتنفيذ:{كُنْ فَيَكُونُ} [البقرة 117/ 2 ومواضع أخرى]{ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ} [لقمان 28/ 31]. فالله تعالى قادر على إقامة القيامة في أسرع لحظة، ولما كان أسرع الأحوال والحوادث في عقولنا وأفكارنا هو لمح البصر، ذكره تقريبا للأذهان.
ونظير الآية: {وَما أَمْرُنا إِلاّ واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ} [50/ 54] أي فيكون ما يريد كطرف العين.
وخص قيام الساعة من بين المغيبات، لكثرة الجدل حوله، وإنكاره من كثير من الناس، فهي محط الأنظار، ومحل البحث والجدل بين المنكرين والموحّدين.
والمقصود من الآية: أن شرع التحليل والتحريم إنما يحسن بمن يحيط بالعواقب والمصالح، وأنتم أيها المشركون لا تحيطون بذلك، فلم تتحكمون؟! ثم ذكر تعالى دليل ذلك فقال:{إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أي إن الله قادر على كل شيء، ومن مشتملات قدرته: إقامة الساعة في أسرع من لمح البصر أو غمضة العين.
ثم ذكر بعض مظاهر قدرته تعالى ومنته على عباده، فقال:{وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ.} . أي والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا، فالإنسان خلق في مبدأ الفطرة خاليا عن معرفة الأشياء، ثم زوده الله
بالمعارف والعلوم، فرزقه عقلا يفهم به الأشياء، ويميز به بين الخير والشر، وبين النفع والضرر، وهيأ له مفاتيح المعرفة من السمع الذي يسمع به الأصوات ويدركها، والبصر الذي يبصر به الأشخاص والأشياء والفؤاد الذي يعي به الأمور، كقوله تعالى في آية أخرى:{قُلْ: هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ، وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ، قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ. قُلْ: هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ، وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [الملك 23/ 67 - 24].
{لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي لتشكروا نعم الله عليكم، باستعمال كل عضو فيما خلق من أجله، ولتتمكنوا من عبادة ربكم، وتطيعوه فيما أمركم.
وذلك كما
جاء في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من عادى لي وليا، فقد بارزني بالحرب، وما تقرّب إلى عبدي بشيء أفضل من أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها
(1)
، ولئن سألني لأعطينّه، ولئن دعاني لأجيبنّه، ولئن استعاذني لأعيذنّه، وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت، وأكره مساءته، ولا بد له منه».
أي إن العبد إذا أخلص الطاعة لله، صارت أفعاله كلها لله عز وجل، فلا يسمع إلا لله، ولا يبصر إلا لله، أي لما شرعه الله له، ولا يبطش ولا يمشي إلا في طاعة الله عز وجل، مستعينا بالله في ذلك كله
(2)
.
ثم ذكر الله تعالى دليلا آخر على كمال قدرته وحكمته فقال: {أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ.} .
(1)
هذا من قبيل المجاز عن عون الله وتوفيقه ورضاه.
(2)
تفسير ابن كثير: 579/ 2