الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
{فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها} فيه استعارة القدم للرسوخ في الدين والتمكن فيه، لكون الثبات يكون عادة بالقدم، ثم شبه الانحراف عن الحق بزلل القدم، وهو تشبيه المعنوي بالانزلاق الحسي بطريق الاستعارة.
{يُضِلُّ} {وَيَهْدِي} بينهما طباق، وكذا بين {يَنْفَدُ} و {باقٍ} .
المفردات اللغوية:
{بِالْعَدْلِ} قال ابن عطية: العدل: فعل كل مفروض من عقائد وشرائع وسير مع الناس في أداء الأمانات، وترك الظلم، والإنصاف وإعطاء الحق. والإحسان: فعل كل مندوب إليه
(1)
.
وذكر البيضاوي أن العدل: التوسط في الأمور اعتقادا، كالتوحيد المتوسط بين التعطيل والتشريك، والقول بالكسب المتوسط بين محض الجبر والقدر، وعملا كالتعبد بأداء الواجبات المتوسط بين البطالة والترهب، وخلقا كالجود المتوسط بين البخل والتبذير. والإحسان: إحسان الطاعات، وهو إما بحسب الكمية كالتطوع بالنوافل، أو بحسب الكيفية، كما
قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه الشيخان عن عمر: «الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك» .
والخلاصة: إن العدل: الإنصاف، والإحسان: إتقان الأعمال والتطوع بالزائد عن الفرائض، ومقابلة الخير بأفضل منه، والشر بأقل منه.
{وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى} إعطاء القرابة حقهم من الصلة والبر، وخص ذلك بالذكر اهتماما به و {الْفَحْشاءِ} كل قبيح قولا أو فعلا، ويشمل الزنى والسرقة وشرب المسكرات والطمع ونحو ذلك من المذموم {وَالْمُنْكَرِ} ما أنكره الشرع واستقبحه العقل السليم، كالكفر والمعاصي من الضرب الشديد والقتل وغمط حقوق الناس، ونحو ذلك {وَالْبَغْيِ} ظلم الناس، والاستعلاء عليهم وتجاوز الحد، وخصه بالذكر اهتماما، كما بدأ بالفحشاء اهتماما بها {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} تتعظون.
جاء في المستدرك عن ابن مسعود: وهذه أجمع آية في القرآن للخير والشر. وكانت سبب إسلام عثمان بن مظعون رضي الله عنه، ولو لم يكن في القرآن غير هذه الآية، لصدق عليه أنه تبيان لكل شيء وهدى ورحمة للمؤمنين.
{بِعَهْدِ اللهِ} العهد: كل ما يلتزمه الإنسان باختياره، ويدخل فيه الوعد والبيع والأيمان وغيرها {وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ} نقض اليمين: الحنث فيها، والأيمان هنا: مطلق الأيمان أو أيمان
(1)
البحر المحيط: 529/ 5
العهد {تَوْكِيدِها} توثيقها {كَفِيلاً} شاهدا ورقيبا بالوفاء، حيث حلفتم به، والجملة حال {إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ} في نقض الأيمان أو العهود، وهو تهديد لهم.
{نَقَضَتْ} أفسدت أو فكت غزلها من بعد إبرام وإحكام {غَزْلَها} ما غزلته من صوف ونحوه، وهو مصدر بمعنى المفعول {مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ} متعلق بنقضت، أي من بعد إحكام له وإبرام {أَنْكاثاً} جمع نكث: وهو ما ينكث بمعنى منكوث وهو المنقوص، أي يحل فتله وينقض بعد غزله. وهي امرأة حمقاء من مكة، كانت تغزل طول يومها، ثم تنقضه. {تَتَّخِذُونَ} أي لا تكونوا مثلها في اتخاذكم أيمانكم مكرا وخديعة {دَخَلاً} أي فسادا ومكرا وخديعة، وأصل الدّخل: ما يدخل في الشيء، وليس منه، والمراد أن يظهر المرء الوفاء بالعهد ويبطن النقض.
{أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ} أي لأن تكون جماعة {هِيَ أَرْبى} أكثر وأوفر عددا. والمناسبة: أنهم كانوا يحالفون الحلفاء، فإذا وجدوا أكثر منهم وأعز، نقضوا حلف أولئك، وحالفوهم.
{إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللهُ بِهِ} يختبركم الله بما أمر به من الوفاء بالعهد، لينظر المطيع منكم والعاصي، أو يختبركم بكون أمة أربى، لينظر: أتفون بالعهود أم لا؟ {وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} في الدنيا من أمر العهد وغيره، بأن يعذب الناكث ويثيب الوافي {وَلَوْ شاءَ اللهُ} هذه المشيئة مشيئة اختيار على مذهب أهل السنة {أُمَّةً واحِدَةً} أهل دين واحد، متفقين على الإسلام {وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ، وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ} أي أنه تعالى جعل ناسا للشقاوة أو الضلال وهم من لم يأخذوا بأسباب الهدى، وكان في سابق علم الله أنهم لو تركوا وأنفسهم لما فعلوا إلا الضلال والفساد والبهتان، وجعل ناسا آخرين للسعادة وهم من اهتدوا بآيات الله، وعلى هذا النحو خلق الضلال والهدى، أما الإضلال فبالخذلان لمن اختار الكفر، عدلا، وأما الهداية فبالتوفيق لاختيار الإيمان والدوام عليه، فضلا.
{وَلَتُسْئَلُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} هذا سؤال توبيخ وتبكيت يوم القيامة، لا سؤال تفهم، فهذا منفي في آيات أخرى، مثل:{فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ} [الرحمن 39/ 55].
{وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ} كرره تأكيدا، وهو تصريح بالنهي عنه بعد التضمين، تأكيدا ومبالغة في قبح المنهي {فَتَزِلَّ قَدَمٌ} أي أقدامكم عن محجة الإسلام، وإنما وحد ونكر للدلالة على أن زلل قدم واحدة عظيم، فكيف بأقدام كثيرة؟! {بَعْدَ ثُبُوتِها} استقامتها عليه {السُّوءَ} العذاب في الدنيا {بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ} أي بصدودكم عن الوفاء بالعهد، أو بصدكم غيركم عنه؛ لأنه يستن بكم {وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ} في الآخرة.
{وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً} أي ولا تستبدلوا بعهد الله وبيعة رسوله عرضا يسيرا من الدنيا، بأن تنقضوه لأجله. والمناسبة: أن قريشا كانوا يعدون بوسائل الإغراء ضعاف المسلمين