الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فقه الحياة أو الأحكام:
يستدل بالآيات على ما يأتي:
1 -
إن ذا القرنين أحد الملوك المؤمنين الذين ملكوا الدنيا وسيطروا على أهلها، فقد آتاه الله ملكا واسعا، ومنحه حكمة وهيبة وعلما نافعا، ونحن لا نقطع بمعرفته بالذات، ولا نؤمن إلا بالقدر الذي حكاه القرآن المجيد.
روي أن جميع ملوك الدنيا كلها أربعة: مؤمنان وكافران؛ فالمؤمنان:
سليمان بن داود وإسكندر، والكافران: نمروذ وبختنصّر. قال ابن إسحاق:
وكان من خبر ذي القرنين أنه أوتي ما لم يؤت غيره، فمدت له الأسباب حتى انتهى من البلاد إلى مشارق الأرض ومغاربها، لا يطأ أرضا إلا سلّط على أهلها، حتى انتهى من المشرق والمغرب إلى ما ليس وراءه شيء من الخلق.
2 -
هيّأ الله تعالى لذي القرنين الأسباب التي توصله إلى مراده، وأخبرنا عن وقائع ثلاث حدثت له في المغرب والمشرق والوسط. أما في مغرب الشمس فقد وجد قوما كافرين، فخيّره الله بين أمرين: إما التعذيب بالقتل والإبادة جزاء كفرهم وطغيانهم، وإما الاستبقاء والإرشاد إلى الحق والهدى وتوحيد الله، فاختار ذو القرنين الإمهال والدعوة إلى الله، وأقام فيهم مدة ردع فيها الظالم، ونصر المظلوم، وأقام العدل، ودعا إلى الله تعالى.
وأما في المشرق فوجد قوما بدائيين يعيشون في بقعة رملية لا يستقر فيها بناء، ولا يستترون فيها بظل شجر أو سقف بيت، قال الحسن البصري: كانت أرضهم لا جبل فيها ولا شجر، وكانت لا تحمل البناء، فإذا طلعت عليهم الشمس نزلوا في الماء، فإذا ارتفعت عنهم خرجوا، فيتراعون كما تتراعى البهائم.
وقال قتادة: لم يكن بينهم وبين الشمس ستر، كانوا في مكان لا يستقر عليه
بناء، وهم يكونون في أسراب لهم، حتى إذا زالت الشمس عنهم رجعوا إلى معايشهم وحروثهم، يعني لا يستترون منها بكهف جبل ولا بيت يكنهم منها.
والقولان يدلان على ألا مدنية هناك، وربما يكون منهم من يدخل في الماء، ومنهم من يدخل في السّرب، فلا تناقض بين قول الحسن وقتادة.
وهذا تأريخ لحال جماعة بدائية تعيش على صيد الأسماك، دون ستر ولا مأوى، مما يستوجب على أهل المدينة شكر النعمة العظمى على العيش بأمان وارتياح تحت ظلال الأشجار وفي ردهات المنازل.
وأما رحلة ذي القرنين إلى الشمال بين الشرق والغرب وبين السدين وهما جبلان بين أرمينية وأذربيجان، فكانت إنقاذا لشعب مقهور مستضعف يتعرض لغارات القبائل المتوحشة، فيفسدون في الأرض، فبنى لهم سدا منيعا حصينا حماهم من تلك الموجات الغازية، وأعلمهم أن بقاءه مرهون بإرادة الله. وهذا مثل فيه عبرة للدول القوية التي يجب عليها المحافظة على الشعوب الضعيفة، والإبقاء على ثرواتها دون أخذ شيء منها، منعا من الاسهام في إضعافها، وأخذا بيدها نحو الأفضل، وإغاثتها وإنقاذها من التخلف والضياع، فإن ذا القرنين ملك الدنيا أبى أن يأخذ شيئا من أموال أولئك الأقوام، بالرغم من بناء السد الحصين.
3 -
قال القرطبي: في هذه الآية (آية السد) دليل على اتخاذ السجون، وحبس أهل الفساد فيها، ومنعهم من التصرف لما يريدونه، ولا يتركون وما هم عليه، بل يوجعون ضربا ويحبسون، أو يكفلون ويطلقون كما فعل عمر رضي الله عنه
(1)
.
4 -
إن أهل الصلاح والإخلاص يحرصون على إنجاز الأعمال ابتغاء وجه الله،
(1)
تفسير القرطبي: 59/ 11
دون انتظار مقابل أو عوض دنيوي من الناس، فإن ذا القرنين الذي أيده الله قال:{ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ} أي ما بسطه الله تعالى لي من القدرة والملك خير من خرجكم وأموالكم، ولكن أعينوني بقوة الأبدان، أي بالرجال وعمل الأبدان والآلة التي أبني بها السد (الردم). وهذا بداية النجاح في العمل، فإن القوم لو جمعوا له خرجا، لم يعنه أحد، ولتركوه يبني، فكان عونهم أسرع في إنجاز العمل وإنجاح المشروع.
5 -
تدل الآية أيضا: {ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ} على أن من واجب الملك أو الحاكم أن يقوم بحماية الخلق في حفظ ديارهم، وإصلاح ثغورهم، من أموالهم، بشروط ثلاثة هي:
الأول-ألا يستأثر عليهم بشيء.
الثاني-أن يبدأ بأهل الحاجة فيعينهم.
الثالث-أن يسوّي في العطاء بينهم على قدر منازلهم.
فإذا احتاج الحاكم إلى دعم رعيته، بذلوا أنفسهم قبل أموالهم، ويؤخذ بقدر الحاجة من أموالهم، وتصرف بتدبير، فهذا ذو القرنين أبى أخذ شيء من أموال القوم، قائلا: إن الأموال عندي والرجال عندكم، فكان التطوع بخدمة الأبدان أولى.
وضابط الأمر: أنه لا يحل مال أحد إلا لضرورة تعرض، فيؤخذ ذلك المال جهرا لا سرا، وينفق بالعدل لا بالاستئثار، وبرأي الجماعة لا بالاستبداد بالأمر
(1)
.
6 -
إن الحديد والنحاس من مرتكزات الصناعة الثقيلة قديما وحديثا، فقد كانا أداة بناء السد المنيع على يد ذي القرنين، وهما الآن المادة الأساسية في الصناعات المختلفة الحربية والسلمية.
(1)
تفسير القرطبي: 60/ 11