الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المناسبة:
بعد أن أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بالصبر على ما يقوله المشركون، وأمره بأن يعدل إلى التسبيح والتحميد، وأتبع ذلك بنهيه عن مدّ عينيه إلى ما متع به القوم، ذكر هنا بعض أقاويلهم الباطلة، ومنها ادعاؤهم أن القرآن ليس بحجة ولا معجزة تدل على نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ثم أوضح لهم أنهم يوم القيامة سيعترفون بأنه آية بيّنة، وأنه لو أهلكناهم لطلبوا إرسال، ثم هددهم وأوعدهم بما سيؤول إليه الأمر في المستقبل، ويتميز المحق من المبطل.
التفسير والبيان:
كان المشركون يكثرون من اقتراح الآيات على النبي للتعجيز والعناد والمضايقة بسبب عدم إيمانهم، وعدم الاكتفاء بالمعجزات التي يرونها، فقال تعالى واصفا تعنتهم:
{وَقالُوا: لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ، أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى} أي وقال الكفار المشركون: هلا يأتينا محمد بآية من ربه دالة على صدقه في أنه رسول الله، كما كان يأتي بها من قبله من الأنبياء، من الآيات التي اقترحناها عليه؟ مثل ناقة صالح وعصا موسى، وإحياء عيسى الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، فأجابهم الله: ألم يأتهم القرآن المعجزة الباقية الخالدة، وهو البينة والشاهد على صحة ما في الكتب المتقدمة، كالتوراة والإنجيل والزبور وسائر الكتب المنزلة المشتملة على العقيدة والأحكام التشريعية، وفيها التصريح بنبوته والتبشير به، فإن هذه الكتب المنزلة هم معترفون بصدقها وصحتها، وفيها ما يدفع إنكارهم لنبوته، ويبطل تعنتاتهم وتعسفاتهم؟! ونظير الآية قوله تعالى:{وَقالُوا: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ، قُلْ:}
{إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللهِ، وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ، أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ
يُتْلى عَلَيْهِمْ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [العنكبوت 50/ 29 - 51].
وفي الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «ما من نبي إلا وقد أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة» .
وقد ذكر هاهنا أعظم الآيات التي أعطيها صلى الله عليه وآله وسلم وهو القرآن وإلا فله صلى الله عليه وآله وسلم من المعجزات ما لا يحد ولا يحصر.
وسيعترف المشركون يوم القيامة بأن القرآن آية بينة كما قال تعالى:
{وَلَوْ أَنّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ، لَقالُوا: رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً، فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى} أي ولو أنا أهلكنا هؤلاء المكذبين قبل بعثة هذا الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإنزال هذا الكتاب العظيم، لقالوا يوم القيامة: يا ربنا هلا كنت أرسلت إلينا رسولا في الدنيا، حتى نتبع آياتك التي يأتي بها الرسول من قبل أن نذل بالعذاب في الدنيا ونخزى بدخول النار؟ والآية دليل على أن التكليف والعقاب لا يكون قبل مجيء الشرع.
والحق أن هؤلاء المكذبين متعنتون معاندون، لا يؤمنون ولو جاءتهم الآيات تترى، كما قال تعالى:{وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها، قُلْ: إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللهِ وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ. وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ، كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [الأنعام 109/ 6 - 110].
{قُلْ: كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ، فَتَرَبَّصُوا، فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدى} أي قل يا محمد لهؤلاء الذين كذبوك وخالفوك واستمروا على كفرهم وعنادهم: كل واحد منا ومنكم منتظر لما يؤول إليه الأمر، فانتظروا أنتم، فستعلمون عن قريب في عاقبة الأمر، من هو على الطريق الحق المستقيم، أنحن