الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
6 -
7: {وَلَمْ يَكُنْ جَبّاراً عَصِيًّا} أي لم يكن متكبرا على الناس، بل كان متواضعا لهم، ولم يكن مخالفا عاصيا ما أمره به ربه،
روى عبد الرزاق عن سعيد بن المسيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «ما من أحد يلقى الله يوم القيامة إلا ذا ذنب إلا يحيى بن زكريا» .
وبعد ذكر هذه الأوصاف الجميلة ليحيي ذكر الله تعالى جزاءه على ذلك، فقال:{وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا} أي له الأمان من الله في هذه الثلاثة أحوال: أمان عليه من الله يوم الولادة، فقد أمن أن يناله الشيطان في ذلك اليوم كما ينال سائر بني آدم، ويوم الموت، فيأمن عذاب القبر، ويوم البعث يأمن هول يوم القيامة وعذابه.
قال سفيان بن عيينة: أوحش ما يكون المرء في ثلاثة مواطن: يوم ولد، فيرى نفسه خارجا مما كان فيه، ويوم يموت، فيرى قوما لم يكن عاينهم، ويوم يبعث، فيرى نفسه في محشر عظيم، فأكرم الله يحيى بن زكريا، فخصه بالسلام عليه، فقال:{وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا} .
فقه الحياة أو الأحكام:
ذكر الله تعالى في هذه الآيات تسع صفات ليحيي بن زكريا عليهما السلام وهي:
1 -
الجد والصبر على القيام بأمر النبوة، فليس المراد من قوله {خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ} القدرة على الأخذ؛ لأن ذلك معلوم لكل أحد، فيجب حمله على معنى يفيد المدح وهو الجد والصبر على النبوة.
2 -
إيتاؤه النبوة وهو صبي؛ لأن الله تعالى بعث يحيى وعيسى عليهما السلام وهما صبيان، لا كما بعث موسى ومحمدا عليهما السلام، وقد بلغا الأشد وهو أربعون سنة.
3 -
جعله ذا حنان، أي محبة ورحمة وشفقة على الناس، كصفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأنه الرؤوف الرحيم.
4 -
جعله ذا بركة ونفع ونماء بتقديم الخير للناس وهدايتهم، كما وصف عيسى عليه السلام:{وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ} [مريم 31/ 19].
5 -
كونه تقيا: يتقي نهي الله فيجتنبه، ويتقي أمر الله فلا يهمله، ولهذا لم يعمل خطيئة ولم يلّم بها.
6 -
بارا بوالديه: فلا عبادة بعد تعظيم الله تعالى مثل تعظيم الوالدين، والله تعالى جعل طاعة الوالدين بعد طاعته مباشرة، فقال:{وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ، وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً} [الإسراء 23/ 17].
7 -
لم يكن جبارا متكبرا: بل كان ليّن الجانب متواضعا، وذلك من صفات المؤمنين، وقد أمر الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بذلك فقال:{وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الحجر 88/ 15] وقال: {وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران 159/ 3].
8 -
لم يكن عصيا لربه ولا لوالديه.
9 -
سلام وأمان من الله عليه يوم مولده ويوم وفاته ويوم بعثه. وقال ابن عطية: والأظهر عندي أنها التحية المتعارفة، فهي أشرف وأنبه من الأمان؛ لأن الأمان متحصل له بنفي العصيان عنه وهي أقل درجاته، وإنما الشرف في أن سلم الله تعالى عليه، وحياة في المواطن التي يكون الإنسان فيها في غاية الضعف والحاجة وقلة الحيلة والفقر إلى الله تعالى عظيم الحول.