الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
{وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي، ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً} أي إن ما فعلته من الأمور الثلاثة لم يكن باجتهادي ورأيي، ولكنه بأمر الله وإلهامه ووحيه، فالإقدام على ذلك كله من الاعتداء على المال والنفس وإصلاح الجدار، وهو لا يكون إلا بالوحي والنص القاطع.
وذلك المذكور هو تفسير ما ضاق صبرك عنه، ولم تطق السكوت عنه، ولم تصبر حتى أبيّن لك السبب والحكمة فيه.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
1 -
إن الأحداث الثلاثة التي فعلها الخضر كانت من قبيل اختيار أهون الشرين، وأخف الضررين، وتحمل الضرر الأدنى لدفع الضرر الأعلى، وهو معنى قوله تعالى:{رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ} ، فهي وإن كانت مستنكرة في الظاهر، وحقّ لموسى عليه السلام إنكارها والاعتراض عليها، فهي خير في الحقيقة والواقع، وذلك لا يتسنى لأحد ادعاؤه بغير وحي صريح، وأحكام العالم والنبي في غير حال الوحي تنبني على ظواهر الأمور، وفي حال الوحي تنبني على الأسباب الحقيقية الواقعية.
والوحي لا يحصل إلا لنبي أو رسول، والجمهور كما تقدم على أن الخضر كان نبيا؛ لأن قوله تعالى:{فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا} يدل على نبوته؛ لأن بواطن الأفعال لا تكون إلا بوحي؛ ولأن الإنسان لا يتعلم ولا يتّبع إلا من فوقه، وليس فوق النبي من ليس بنبي.
ويرى آخرون أن الخضر لم يكن نبيا، وقد يوجد في المفضول ما ليس في الفاضل. قال بعض العلماء: ولا يجوز أن يقال: كان نبيا؛ لأن إثبات النبوة
لا يجوز بأخبار الآحاد، وهذا هو المحقق في كتب العقائد، والمراد بقوله:{وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي} الإلهام وليس الوحي.
2 -
إن ترك الضيافة المندوبة شرعا من المستقبح عرفا وعقلا وشرعا، وقد تصبح أمرا واجبا في حال تعرض الجائع للهلاك، ولعل موسى والخضر عليهما السلام كانا في حالة جوع شديد، وإن لم يبلغا حد الهلاك، مما سوغ الغضب الشديد لدى موسى.
3 -
قوله تعالى: {اِسْتَطْعَما أَهْلَها} دليل على جواز سؤال القوت، وأن من جاع وجب عليه أن يطلب ما يسد جوعه، والاستطعام: سؤال الطعام، والمراد به هنا سؤال الضيافة؛ لقوله تعالى:{فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما} فاستحق أهل القرية لذلك أن يذمّوا، وينسبوا إلى اللوم والبخل، كما وصفهم بذلك نبينا عليه الصلاة والسلام. قال قتادة في هذه الآية: شر القرى التي لا تضيف الضيف، ولا تعرف لابن السبيل حقه. ويظهر من ذلك أن الضيافة كانت عليهم واجبة، وأن الخضر وموسى إنما سألا ما وجب لهما من الضيافة. وهذا هو الأليق بحال الأنبياء، ومنصب الفضلاء والأولياء.
4 -
إن ضرر المشقة الحاصلة بسبب الإقدام على إقامة جدار أقل من سقوطه؛ لأنه لو سقط لضاع مال تلك الأيتام، وفيه ضرر شديد.
وتسوية الجدار تمت بإعادة بنائه،
ذكر ابن الأنباري عن ابن عباس عن أبي بكر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه «قرأ: {فَوَجَدا فِيها جِداراً، يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ} ثم قال: فهدمه ثم قعد يبنيه» وهذا الحديث صحيح السند؛ جار مجرى التفسير للقرآن. وقال سعيد بن جبير: مسحه بيده وأقامه، فقام. قال القرطبي: وهذا القول هو الصحيح، وهو الأشبه بفعل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، بل والأولياء.
5 -
واجب على الإنسان ألا يتعرض للجلوس تحت جدار مائل يخاف سقوطه، بل يسرع في المشي إذا كان مارّا عليه؛
لقوله عليه الصلاة والسلام:
«إذا مرّ أحدكم بطربال
(1)
مائل، فليسرع المشي» ذكره ابن الأثير في النهاية.
6 -
كرامات الأولياء ثابتة، بدليل الأخبار الثابتة والآيات المتواترة، ولا ينكرها إلا المبتدع الجاحد أو الفاسق الحائد، فالآيات: مثل ما أخبر الله تعالى في حق مريم من ظهور الفواكه الشتوية في الصيف، والصيفية في الشتاء، وما ظهر على يدها حيث أمرت النخلة وكانت يابسة فأثمرت، وهي ليست بنبية، ومثل ما ظهر على يد الخضر عليه السلام من خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار، وهذا على رأي من قال: إنه ليس نبيا.
7 -
هل يجوز أن يعلم الوليّ أنه ولي أو لا؟ قولان للعلماء:
أحدهما-أنه لا يجوز، وأن ما يظهر على يديه يجب أن يلاحظه بحذر وحيطة، لأنه لا يأمن أن يكون استدراجا له، ولأنه لو علم أنه وليّ، لزال عنه الخوف من الله، وحصل له الأمن من عذابه، ومن شرط الولي أن يستديم الخوف إلى أن تتنزل عليه الملائكة، كما قال عز وجل:{تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاّ تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا} [فصّلت 30/ 41] ولأن الولي: من كان مختوما له بالسعادة، والعواقب مستورة، ولا يدري أحد ما يختم له به؛ ولهذا
قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه الأصبهاني عن ابن عباس: «وإنما الأعمال بخواتيمها» .
القول الثاني-أنه يجوز أن يعلم أنه ولي؛ إذ لا خلاف أنه يجوز لغيره أن يعلم أنه وليّ الله تعالى، فجاز له أن يعلم ذلك، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن حال العشرة المبشرين بالجنة من أصحابه: أنهم من أهل الجنة، ولم يكن في ذلك زوال خوفهم، بل كانوا أكثر تعظيما لله تعالى، وأشد خوفا وهيبة، فغيرهم مثلهم.
(1)
الطربال: القطعة العالية من الجدار، والصخرة العظيمة المشرفة من الجبل.
8 -
لا ينكر أن يكون للولي مال وضيعة (عقارات) يصون بها وجهه وعياله، وحسبك بالصحابة وأموالهم، مع ولايتهم وفضلهم، وهم الحجة على غيرهم.
وأما
حديث الترمذي عن ابن مسعود: «لا تتخذوا الضيعة فتركنوا إلى الدنيا» فمحمول على من اتخذها مستكثرا أو متنعما ومتمتعا بزهرتها، وأما من اتخذها معاشا يصون بها دينه وعياله، فاتخاذها بهذه النية من أفضل الأعمال، وهي من أفضل الأموال؛
قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه أحمد وابن منيع عن عمرو بن العاص: «نعم المال الصالح للرجل الصالح» .
9 -
تمّ خرق السفينة وتعييبها لحفظها لأصحابها المساكين (المحتاجين المتعيشين بها في البحر) من اغتصاب ملك ظالم عات لكل سفينة صالحة، وقد احتج الشافعي بهذه الآية على أن حال الفقير في الضر والحاجة أشد من حال المسكين؛ لأنه تعالى سمّاهم مساكين، مع أنهم كانوا يملكون تلك السفينة.
10 -
حدث قتل الغلام بسبب كفره حتى لا يتأثر به أبواه، ويميلا إلى دينه، بسبب محبتهما الفطرية له، وقد أبدلهما الله خيرا منه زكاة، أي دينا وصلاحا، وأقرب رحما، أي أقرب رحمة وعطفا وشفقة عليهما.
11 -
إن صلاح الآباء يفيد الأبناء حتى الجيل السابع؛ لأن أب الغلامين كان هو الأب السابع، كما قال جعفر بن محمد. وقد روي أن الله تعالى يحفظ الصالح في سبعة من ذريته، وعلى هذا يدل قوله تعالى:{إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ، وَهُوَ يَتَوَلَّى الصّالِحِينَ} [الأعراف 196/ 7].
12 -
قوله تعالى: {وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي} يقتضي أن الخضر نبي، وقال جماعة: لم يكن نبيا، وهو الأصح. واسم الخضر: إيليا بن ملكان بن قالغ بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح، وكنيته أبو العباس، وكان أبوه ملكا. وأمه كانت بنت فارس، واسمها ألمى، ولدته في مغارة.
وذهب الجمهور إلى أن الخضر مات؛
لقوله عليه الصلاة والسلام: «أرأيتكم ليلتكم هذه، فإنه على رأس مائة منها لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد»
(1)
. وقالت فرقة: إنه حي؛ لأنه شرب من عين الحياة، وأنه باق في الأرض، وأنه يحج البيت.
قيل: إن الخضر لما ذهب يفارق موسى قال له موسى: أوصني، قال: كن بسّاما ولا تكن ضحّاكا، ودع اللجاجة، ولا تمش في غير حاجة، ولا تعب على الخطائين خطاياهم، وابك على خطيئتك يا ابن عمران.
13 -
لا تثبت الأحكام الشرعية إلا بالوحي أو برؤيا الأنبياء، ولا يصح القول بأن الأحكام تثبت للأولياء بالإلهام في قلوبهم، وما يغلب عليهم من خواطر، لصفاء قلوبهم عن الأكدار، وخلوها عن الأغيار، وفتتجلى لهم العلوم الإلهية، والحقائق الربانية، فيقفون على أسرار الكائنات، ويعلمون أحكام الجزئيات، فيستغنون بها عن أحكام الشرائع الكليات، كما اتفق للخضر، فإنه استغنى بما تجلى له من العلوم، عما كان عند موسى من تلك الفهوم، واستدلوا
بحديث رواه البخاري في التاريخ عن وابصة: «استفت نفسك وإن أفتاك المفتون» . قال أبو العباس المالكي: وهذا القول زندقة وكفر يقتل قائله ولا يستتاب؛ لأنه إنكار ما علم من الشرائع؛ فإن الله تعالى قد أجرى سنته، وأنفذ حكمته، بأن أحكامه لا تعلم إلا بواسطة رسله السفراء بينه وبين خلقه، وهم لمبلغون عنه رسالته وكلامه، المبيّنون شرائعه وأحكامه، اختارهم لذلك، وخصهم بما هنالك، كما قال تعالى:{اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النّاسِ، إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [الحج 75/ 22] وقال تعالى: {اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ} [الأنعام 124/ 6]
(1)
رواه مسلم عن عبد الله بن عمر، قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات ليلة صلاة العشاء في آخر حياته، فلما سلم قام فقال:«أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن على رأس مائة سنت منها لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد» .
وقال تعالى: {كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً، فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ} [البقرة 213/ 2] إلى غير ذلك من الآيات.
وقال القرطبي: وعلى الجملة فقد حصل العلم القطعي، واليقين الضروري، وإجماع السلف والخلف على أن لا طريق لمعرفة أحكام الله تعالى التي هي راجعة إلى أمره ونهيه، ولا يعرف شيء منها إلا من جهة الرسل، فمن قال: إن هناك طريقا آخر يعرف بها أمره ونهيه غير الرسل بحيث يستغني عن الرسل فهو كافر، يقتل ولا يستتاب، ولا يحتاج معه إلى سؤال ولا جواب. ثم هو قول بإثبات أنبياء بعد نبينا عليه الصلاة والسلام؛ الذي قد جعله الله خاتم أنبيائه ورسله، فلا نبي بعده ولا رسول. وبيان ذلك: أن من قال: يأخذ عن قلبه، وأن ما يقع فيه هو حكم الله تعالى، وأنه يعمل بمقتضاه، وأنه لا يحتاج مع ذلك إلى كتاب ولا سنة، فقد أثبت لنفسه خاصة النبوة، فإن هذا نحو مما
قاله رسول الله عليه الصلاة والسلام: «إن روح القدس نفث في روعي»
(1)
.
14 -
لهذه القصة فوائد أدبية رفيعة مجملها: أن يكون المرء متواضعا غير معجب بعلمه، وأن يلتزم بعهده، فلا ينقضه ويعترض على ما لم يعرف سره، وألا يتعجل النبي صلى الله عليه وآله وسلم بطلب إنزال العقوبة بالمشركين الذين كذبوه وأنكروا رسالته واستهزءوا به وبكتابه، فهم معاقبون هالكون في الدنيا والآخرة.
وتتكرر حوادث القصة مع مرور الزمان، فلا يعترض الإنسان على موت غلام صغير، فقد يكون موته خيرا له ولوالديه، كما أن وقائع الموت المتكررة رحمة بالمجتمع، فلو لم يمت كبار السن وغيرهم لضاقت الأرض بالمواليد المتجددة يوميا. وخرق السفينة يذكرنا بتسلط الظلمة على أموال الضعفاء، وهدم الجدار وإقامته لون من ألوان توفير الثروة المنتظرة ليتيم أو ضعيف من الإله الرحيم
(1)
تفسير القرطبي: 40/ 11 - 41. والرّوع: القلب أو العقل. والحديث رواه أبو نعيم في الحلية عن أبي أمامة، وهو ضعيف.