الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
{ما دُمْتُ حَيًّا} {ما} مصدرية ظرفية زمانية، أي مدة دوامي حيا، و {حَيًّا} خبر {ما دُمْتُ} ، والجملة منصوبة على الظرف، وعامله {أَوْصانِي} .
{وَبَرًّا بِوالِدَتِي} معطوف على قوله {مُبارَكاً} و {مُبارَكاً} مفعول ثان لجعل. ومن قرأ وبر عطفه على (الصلاة) أي أوصاني بالصلاة وببرّ بوالدتي.
المفردات اللغوية:
{فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ} أتت مع ولدها قومها راجعة إليهم بعد ما طهرت من النفاس حاملة إياه. {فَرِيًّا} عظيما منكرا خارقا للعادة، حيث أتيت بولد من غير أب. {يا أُخْتَ هارُونَ} هو أخو موسى عليه السلام، وكان بينهما ألف سنة، أو رجل صالح من بني إسرائيل، أي يا شبيهته في العفة، وشبهوها به تهكما. {اِمْرَأَ سَوْءٍ} أي زانيا. {وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا} أي زانية، فمن أين لك هذا الولد؟! وفيه تنبيه على أن الفواحش من أولاد الصالحين أفحش.
{فَأَشارَتْ إِلَيْهِ} أشارت لهم إلى عيسى أن كلموه ليجيبكم. {قالُوا: كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ} أي وجد {فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا} أي لم نعهد صبيا في المهد كلمه عاقل. و {الْمَهْدِ} فراش الصبي الرضيع الموطّأ له، جمع مهود.
{آتانِيَ الْكِتابَ} أي الإنجيل {مُبارَكاً} نفّاعا للناس، معلما للخير. والتعبير بالماضي:
إما باعتبار ما سبق في قضاء الله، فهو إخبار ما كتب له، أو بجعل المحقق وقوعه كالواقع.
{وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ} أمرني بهما أو كلفني. {جَبّاراً} متعاظما لا يرى لأحد حقا عليه.
{شَقِيًّا} عاصيا لربه. {وَالسَّلامُ عَلَيَّ} أي والأمان علي يوم الولادة ويوم الموت ويوم البعث حيا، كما هو على يحيى عليه السلام، والتعريف هنا في السلام على الأظهر للجنس.
التفسير والبيان:
لما اطمأنت مريم عليها السلام بما رأت من الآيات، وسلمت لأمر الله عز وجل، واستسلمت لقضائه أتت بعيسى تحمله إلى أهل بيتها، كما قال تعالى:
{فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا: يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا} أي لما برئت مريم من نفاسها، جاءت به قومها تحمله من المكان القصي، فلما رأوا الولد معها، حزنوا وأعظموا الأمر واستنكروه جدا، وقالوا منكرين: يا مريم، لقد فعلت أمرا عجيبا عظيما منكرا خارجا عن المألوف وهو الولادة بلا أب، وكانوا
أهل بيت صالحين: {إِنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ، ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ} [آل عمران 33/ 3 - 34].
{يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ، وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا} أي يا شبيهة هارون في العبادة، أو يا من أنت من نسل هارون أخي موسى، كما يقال للتميمي: يا أخا تميم، وقيل: هارون هذا رجل صالح في ذلك الوقت، أنت من بيت طيب طاهر معروف بالصلاح والعبادة، فكيف تأتين بمثل هذا؟ ما كان أبوك بالفاجر، وما كانت أمك بالزانية البغي، فمن أين يأتيك السوء، ومن أين لك هذا الولد؟!!
أخرج أحمد ومسلم والترمذي والنسائي وغيرهم عن المغيرة بن شعبة قال:
«بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل نجران، فقالوا: أرأيت ما تقرؤون:
يا أخت هرون وموسى قبل عيسى بكذا وكذا؟ قال: فرجعت، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بالأنبياء والصالحين قبلهم». وهذا يرشد إلى أن هارون هو رجل صالح في زمان مريم وعيسى عليهما السلام. ويستفاد من هذا جواز التسمية بأسماء الأنبياء.
{فَأَشارَتْ إِلَيْهِ، قالُوا: كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا} أي فأشارت مريم إلى عيسى أن يكلمهم، وقد اكتفت بالإشارة ولم تأمره بالنطق، لأنها نذرت للرحمن صوما عن الكلام، فقالوا لها متهكمين بها، ظانين أنها تزدري بهم تهزأ:
كيف نكلم طفلا ما يزال في المهد، أي فراش الرضيع؟ وهنا ظهرت المعجزة الكبرى بنطق الرضيع ووصف نفسه بتسع صفات هي:
1 -
{قالَ: إِنِّي عَبْدُ اللهِ} قال عيسى: إني عبد تام العبودية لله الكامل الصفات، الذي لا أعبد غيره، فكان أول ما نطق به الاعتراف بالعبودية لربه،
وتبرئته عن الولد، تنبيها للنصارى على خطئهم فيما ادعوه له من الربوبية.
2 -
{آتانِيَ الْكِتابَ} سينزل علي الإنجيل، وقدّر لي وحكم في الأزل أن أكون نبيا ذا كتاب، وقضى أنه يؤتيني الكتاب فيما قضى، وإن لم يكن الكتاب منزّلا في الحال.
3 -
{وَجَعَلَنِي نَبِيًّا} أي قدّر لي أن أكون نبيا، وفي هذا تبرئة لأمه مما نسبت إليه من الفاحشة، لأن الله تعالى لا يجعل الأنبياء أولاد زنى، وإنما هم نخبة عالية من الطهر وصفاء السلالة والمعدن.
4 -
{وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ} أي صيرني الله نفّاعا للعباد، معلما للخير، هاديا إلى الرشاد في أي مكان وجدت. وعبر تعالى عن هذه الصفات بصيغة الماضي إشارة إلى تحققها وحدوثها فعلا في المستقبل.
5 -
{وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا} وأمرني ربي بالصلاة التي تربط العبد بربه وتطهر النفس، وتمنعه عن اقتراف الفاحشة، وأمرني أيضا بزكاة المال التي هي طهرة للمال، وعون للفقير والمسكين، ما دمت على قيد الحياة في الدنيا.
6 -
{وَبَرًّا بِوالِدَتِي} أي وجعلني بارا بوالدتي مريم، وأمرني ببرها وطاعتها والإحسان إليها بعد طاعة ربي، لأن الله كثيرا ما يقرن بين الأمر بعبادته وطاعة الوالدين. وهذا أيضا دليل على نفي الزنى عنها، إذ لو كانت زانية، لما كان الرسول المعصوم مأمورا بتعظيمها.
7 -
8: {وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبّاراً شَقِيًّا} أي ولم يجعلني متعظما عاصيا مستكبرا عن عبادة ربي وطاعته وبر والدتي، فأشقى بذلك.
9 -
{وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا} أي