المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً، إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ} - التفسير المنير - الزحيلي - جـ ١٦

[وهبة الزحيلي]

فهرس الكتاب

- ‌تتمة قصة موسى مع الخضر

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌قصة ذي القرنين ويأجوج ومأجوج

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌جزاء الكفار

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌جزاء المؤمنين وسعة معلومات الله وتوحيده

- ‌الإعراب:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌سبب النزول:

- ‌نزول الآية (109):

- ‌نزول الآية (110):

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌سورة مريم

- ‌تسميتها:

- ‌مناسبتها لما قبلها:

- ‌ما اشتملت عليه السورة:

- ‌فضلها:

- ‌دعاء زكريا عليه السلام طالبا الولد وبشارته بيحيى

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌قصة زكريا عليه السلام:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌إيتاء يحيى عليه السلام النبوة والحكم صبيا

- ‌الإعراب:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌قصة يحيى عليه السلام:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌قصة مريم

- ‌1 -حملها بعيسى عليه السلام

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌2 -ولادة عيسى وما اقترن بها

- ‌الإعراب:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌3 -نبوة عيسى ونطقه وهو طفل في المهد

- ‌الإعراب:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌4 -اختلاف النصارى في شأن عيسى

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌إيضاح آية {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ} بحديث صحيح:

- ‌أضواء على قصة عيسى عليه السلام:

- ‌الأناجيل:

- ‌إنجيل برنابا:

- ‌رسالة عيسى:

- ‌الحواريون:

- ‌معجزات عيسى:

- ‌وفاة المسيح:

- ‌الثالوث عند النصارى:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌قصة إبراهيم عليه السلامأو مناقشته لأبيه في عبادة الأصنام

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌المناسبة:

- ‌إسحاق عليه السلام:

- ‌يعقوب عليه السلام:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌قصة موسى عليه السلام

- ‌الإعراب:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌قصة إسماعيل عليه السلام

- ‌الإعراب:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌المناسبة:

- ‌أضواء على قصة إسماعيل الذبيح:

- ‌إسماعيل وأمه هاجر في مكة:

- ‌بناء البيت:

- ‌حياة إسماعيل وأولاده:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌قصة إدريس عليه السلام

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌جملة صفات الأنبياء عليهم السلام

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌صفات خلف الأنبياء وجزاؤهم وصفات التائبين ومستحقي الجنة

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌تنزل الوحي بأمر الله تعالى

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌سبب النزول:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌شبهة المشركين في إنكار البعث

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌سبب النزول: نزول: {وَيَقُولُ الْإِنْسانُ}:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌شبهة أخرى للمشركين بحسن الحال في الدنيا

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌مقالة المشركين في البعث والحشر استهزاء وطعنا

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌سبب النزول:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌الرد على عبّاد الأصنام بصيرورتهم لهم أعداءواتخاذهم الشياطين أولياء

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌الرد على من نسب الولد إلى الله تعالى

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌محبة المؤمنين وتيسير الذكر المبين وإهلاك المجرمين

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌سبب النزول:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌سورة طه

- ‌التسمية:

- ‌مناسبتها لما قبلها:

- ‌ما اشتملت عليه السورة:

- ‌القرآن سبب السعادة

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌سبب النزول:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌ إسلام عمر

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌قصة موسى عليه السلام

- ‌1 -تكليم ربه إياه (أو مناجاة موسى) وابتداء الوحي إليه فيالوادي المقدس

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌2 -انقلاب عصا موسى حية (المعجزة الأولى)

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌3 -اليد البيضاء (المعجزة الثانية)

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌4 -نعم الله الثمان على موسى قبل النبوة

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌5 -التوجيهات لموسى وهارون في دعوة فرعون

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌6 -الحوار بين فرعون وموسى حول الربوبية

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌7 -اتهام موسى بالسحر

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌الأعراب

- ‌8 -جمع فرعون السحرة وتحذير موسى لهم

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌9 -المبارزة بين موسى والسحرة وإعلان إيمانهم بالله تعالى

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌10 -إغراق فرعون وجنوده في البحر ونعم الله على بني إسرائيل

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌11 -تكليم الله موسى في الميقات وفتنة السامري بصناعة العجل إلها

- ‌الإعراب:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌ 195/ 7].-12 -معاتبة موسى لهارون على تأليه العجل وإلقائه في البحروتوحيد الإله الحق

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌العبرة من القصص القرآني وجزاء المعرض عن القرآن

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌أحوال الأرض والجبال والناس يوم القيامة

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌سبب النزول:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌عربية القرآن ووعيده وعدم التعجل بقراءته قبل إتمام الوحي

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌سبب النزول:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌قصة آدم في الجنة وإخراجه منها وإلزامه بالهداية الربانية

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌الاعتبار بهلاك الأمم الماضية والصبر على أذى المشركين وعدمالالتفات إلى متعهم وأمر الأهل بالصلاة

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌اقتراح المشركين الإتيان بمعجزة أو إرسال رسولوتهديدهم بمآل المستقبل

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

الفصل: رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً، إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ}

رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً، إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ} [آل عمران 38/ 3]، فاستجاب الله دعاءه، وبشرته الملائكة بيحيى، وقد كان في سن الشيخوخة وامرأته عاقر:{فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى، مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ، وَسَيِّداً، وَحَصُوراً، وَنَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ} [آل عمران 39/ 3] فتعجب زكريا من البشرى قائلا: {قالَ: رَبِّ أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ، وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ، وَامْرَأَتِي عاقِرٌ، قالَ: كَذلِكَ اللهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ} وفي سورة مريم: {قالَ: رَبِّ أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ، وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً، وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا. قالَ: كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ: هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ، وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ، وَلَمْ تَكُ شَيْئاً} [8 - 9].

ووالده اسمه (برخيا) ويلاحظ أنه يوجد شخص آخر اسمه (زكريا بن برخيا) له كتاب قانوني عند النصارى، وكان في زمن (داريوس) قبل زمن المسيح عليه السلام بما يقرب من ثلاثة قرون

(1)

.

‌التفسير والبيان:

{كهيعص} تقرأ هكذا: كاف، ها، يا، عاين، صاد بإدغام نون عاين في الصاد، ويتعين في الكاف والصاد منها المدّ المطول ست حركات بثلاث ألفات، ويتعين في الهاء والياء المد الطبيعي حركة واحدة بألف واحدة، ويجوز في العين المد المطول وقصره بحركتين بمقدار ألفين.

والمراد بهذه الحروف المقطعة التنبيه في أول الكلام على ما يأتي بعدها، وتحدي العرب بالإتيان بمثل القرآن أو بمثل سورة منه، ما دام الكلام القرآني مركبا من حروف الهجاء العربية التي يتركب منها الكلام العربي نثرا وخطابة وشعرا. ولا يصح القول بأن هذه الأحرف مبهمات أو تشير إلى أسرار معينة أو أنها

(1)

قصص الأنبياء للأستاذ عبد الوهاب النجار 368.

ص: 52

علم (اسم) أو وصف؛ لأنه كما قال الرازي: لا يجوز من الله تعالى أن يودع كتابه ما لا تدل عليه اللغة، لا بالحقيقة ولا بالمجاز؛ لأنا إن جوزنا ذلك فتح علينا قول من يزعم أن لكل ظاهر باطنا، واللغة لا تدل على ما ذكروه، فإنه ليست دلالة الكاف أولى من دلالته على الكريم أو الكبير أو على اسم آخر من أسماء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أو الملائكة أو الجنة أو النار، فيكون حمله على بعضها دون البعض تحكما لا تدل عليه اللغة أصلا

(1)

.

{ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّا. إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا} أي هذا المتلو ذكر رحمة ربك الذي نقصه عليك عبده زكريا، الذي كان نبيا عظيما من أنبياء بني إسرائيل، وزوجته خالة عيسى عليه السلام، وأنه-كما في صحيح البخاري- كان نجارا يأكل من عمل يده في النجارة، حين دعا ربّه دعاء خفيّا مستترا، إخلاصا وبعدا عن الرياء، ولئلا ينسب في طلب الولد-وهو عجوز كبير-إلى الرعونة، ويكون محل اللوم والتهكم من قومه.

والمراد بذكر الرحمة: بلوغها وإصابتها وإجابة الله دعاء زكريا وهو:

{قالَ: رَبِّ، إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي، وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً، وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا، وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي، وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً} أي قال زكريا:

يا ربّ، لقد صرت فاتر العظام، ضعيف القوى، هرما كثير الشيب جدا، ولم أعهد منك إلا إجابة الدعاء، ولم تردّني قط فيما سألتك، فما كنت خائبا، بل كلما دعوتك استجبت لي، وإني خفت أقاربي العصبات من بني العم ونحوهم إهمال أمر الدين وتضييعه بعد موتي، فطلبت ولدا نبيا من بعدي يحرس بنبوته شأن الدين والوحي، وكانت امرأتي (وهي أخت حمنة أم مريم) عاقرا لا تلد. واسم امرأته: إيشاع بنت فاقوذا بن قبيل، أخت حمنة بنت فاقوذا، وعلى هذا يكون يحيى ابن خالة عيسى عليهما السلام على الحقيقة.

(1)

تفسير الرازي: 179/ 21.

ص: 53

ويلاحظ أنه ذكر مسوغات ثلاثة لدعائه، تستدعي العطف والرحمة والشفقة، وهي:

1 -

ضعف البدن باطنا وظاهرا، أي ضعف العظام وظهور الشيب.

2 -

كونه مستجاب الدعاء، فلم يكن في وقت من الأوقات خائبا، بل كان كلما دعا ربه أجابه.

3 -

خوفه من ورثته من ضياع الدين وما يوحى إليه بعد موته، ولم يكن خوفه من إرث المال، فإن النبي أعظم منزلة وأجل قدرا من الإشفاق على ماله، ولأنه لم يكن ذا مال، وإنما كان نجارا يأكل من كسب يده، ولأنه كما

ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لا نورث، ما تركنا صدقة»

وفي رواية الترمذي: «نحن معشر الأنبياء لا نورث» ويكون ميراث الأنبياء هو وراثة النبوة أو العلم والمحافظة على الدين والدعوة إليه.

{فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي، وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ، وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا} أي فامنحني وأعطني من جنابك وواسع فضلك وليا يلي أمر الدين، يكون ولدا من صلبي يرثني النبوة، وهذا ما أراده وإن لم يصرح به، ويرث ميراث آل يعقوب وهي وراثة العلم والنبوة على الراجح لا وراثة المال، كما تقدم، فيرث ما عندهم من العلم، ويقوم برعاية أمورهم في الدين، واجعله يا رب برّا تقيا مرضيا عندك في أخلاقه وأفعاله، ترضاه وتحبه أنت ويرضاه عبادك ويحبونه، ليكون أهلا لحمل رسالة الدين وتعليمه وتبليغه وإقامة شعائره.

ونظير الآية: {هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ، قالَ: رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ} [آل عمران 38/ 3]، {وَزَكَرِيّا إِذْ نادى رَبَّهُ: رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً، وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ} [الأنبياء 89/ 21]. ويعقوب: هو إسرائيل، وكان زكريا متزوجا بأخت مريم بنت عمران، ويرجع نسبها إلى يعقوب؛ لأنها

ص: 54

من ولد سليمان بن داود، وهو من ولد يهوذا بن يعقوب، وزكريا من ولد هارون أخي موسى، وهارون وموسى من ولد لاوي بن يعقوب، وكانت النبوة في سبط يعقوب بن إسحاق.

فأجاب الله دعاءه، كما قال تعالى:

{يا زَكَرِيّا إِنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا} أي فاستجاب الله دعاءه وناداه من جهة الملائكة: يا زكريا إنا نبشرك بمنحتنا لك غلاما اسمه يحيى (معرّب يوحنا، وهو يوحنا المعمدان الذي كان يعمّد الناس) لم يسمّ أحد قبله بهذا الاسم. وقال مجاهد: لم يجعل له شبيها ولا مثلا ولا نظيرا، أخذه من معنى قوله تعالى:{هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم 65/ 19]، أي شبيها.

وقال ابن عباس: «لم تلد العواقر قبله مثله» . وهذا دليل على أن زكريا وامرأته عاقران لا يولد لهما، بخلاف إبراهيم وسارّة عليهما السلام، فإنهما تعجبا من البشارة بإسحاق، لكبرهما، لا لعقرهما، فقد ولد لإبراهيم قبله إسماعيل بثلاث عشرة سنة.

فتعجب زكريا من هذه البشارة سائلا:

{قالَ: رَبِّ أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ، وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً، وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا} تعجب زكريا عليه السلام حين أجيب دعاؤه، وفرح فرحا شديدا، وسأل عن كيفية ما يولد له والوجه الذي يأتيه منه الولد، مع أن امرأته كانت عاقرا لم تلد من أول عمرها مع كبرها وكبره، فتساءل متأثرا بالأحوال المعتادة لا مستبعدا قدرة الله تعالى: كيف يكون لي ولد، وامرأتي عاقر لا تحبل ولا تلد، وقد كبرت وضعفت؟ فقوله:{وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا} معناه: انتهى سنه وكبر ونحل عظمه وفقد القدرة على جماع النساء.

فأجابه الله تعالى بقوله:

ص: 55

{قالَ: كَذلِكَ، قالَ رَبُّكَ: هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ، وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً} أي قال الله تعالى من جهة الملك مجيبا زكريا عما تعجب منه: الأمر كما قلت، سنهب لك ولدا بالرغم من العقم والهرم، هو علي سهل ميسور، إذا أردت شيئا قلت له: كن فيكون، وقد خلقتك ابتداء وأوجدتك من العدم المحض، ولم تك شيئا قبل ذلك، فإيجاد الولد بطريق التوالد المعتاد أهون من ذلك وأسهل منه.

وهذا دليل على القدرة الإلهية الفائقة، فإنه تعالى يسهل عليه كل شيء، وقد قرر هنا أن الأمر سهل يسير عليه، وذكر ما هو أعجب مما سأل عنه زكريا، بحسب تقدير الناس، والحقيقة أن الأمرين على قدرة الله سواء، فسيان خلق الإنسان من العدم أو من طريق التوالد، ومن قدر على خلق الذات، فهو قادر على تبديل الصفات، فيعيد الله إليه وإلى زوجته القدرة على الإنجاب، كما قال:

{فَاسْتَجَبْنا لَهُ، وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى، وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ} [الأنبياء 90/ 21].

ثم أخبر الله تعالى عن طلب آخر لزكريا هو تعرف وقت طلوع المبشر به، فقال:

{قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً} أي قال زكريا: يا رب اجعل لي علامة ودليلا على وقت وجود الأمر المبشر به وهو حمل امرأتي، لتستقر نفسي، ويطمئن قلبي بما وعدتني، إذ الحمل خفي في مبدئه، ولا سيما ممن انقطع حيضها في الكبر.

فأجابه الله مرة أخرى إلى مطلبه قائلا:

{قالَ: آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا} أي قال الله بواسطة الملك: علامتك على وقوع المسؤول وحصول البشرى من الله سبحانه بحمل امرأتك بابنها يحيى أن يعتقل لسانك، ويحبس عن الكلام، فلا تقدر على تكليم الناس ومحاورتهم مدة ثلاث ليال، وأنت صحيح سوي الخلق، ليس بك آفة أو مرض أو علة تمنعك من الكلام.

ص: 56