الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
{فَلَمّا أَتاها} أتى النار، وجد نارا بيضاء تتقد في شجرة خضراء. {فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ} أي للتواضع والأدب. {الْمُقَدَّسِ} المطهر أو المبارك، وهو تعليل للأمر باحترام البقعة.
{اِخْتَرْتُكَ} اصطفيتك للنبوة من قومك. {لِما يُوحى} إليك مني، أو للوحي، واللام تحتمل التعلق بكل من الفعلين. {أَنَا اللهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدْنِي} دال على أن الأمر مقصور على تقرير التوحيد الذي هو منتهى العلم، والأمر بالعبادة التي هي كمال العمل. {وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي} لتكون ذاكرا لي، خصها بالذكر، لما فيها من تذكر المعبود، وشغل القلب واللسان بذكره، وقيل:
لذكر صلاتي، لما
روي أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال فيما رواه أحمد والشيخان والترمذي والنسائي عن أنس: «من نام عن صلاة، أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها» ، إن الله تعالى يقول:{وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي} .
{إِنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ} كائنة لا محالة. {أَكادُ أُخْفِيها} أبالغ في إخفائها ولا أظهرها بأن أقول: إنها آتية، أو أريد إخفاء وقتها عن الناس، ويظهر لهم قربها بعلاماتها. {لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى} أي لتجزى فيها كل نفس بما تسعى من خير أو شر. {فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها} لا يصرفنك عن الإيمان بها. {هَواهُ} ما تهواه نفسه في إنكارها. {فَتَرْدى} فتهلك إن صددت عنها.
المناسبة:
لما عظم الله تعالى حال القرآن وحال الرسول فيما كلفه به من التبليغ، أتبع ذلك بما يقوي قلب رسوله صلى الله عليه وآله وسلم في الإبلاغ من ذكر أحوال الأنبياء عليهم السلام كما قال تعالى:{وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ} [هود 120/ 11]. وبدأ بقصة موسى ليأتم به في تحمل أعباء النبوة، وتبليغ الرسالة، والصبر على مقاساة الشدائد، فإن هذه السورة من أوائل ما نزل، وكان موسى أشد الناس صبرا على تحمل مكاره قومه. وفي سياق هذه القصة تسلية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم لما يلاقيه من مشاق أحكام النبوة.
التفسير والبيان:
{وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى} أي وهل بلغك خبر موسى وقصته مع فرعون وملئه، وكيف كان ابتداء الوحي إليه، وتكليمه إياه؟ وبدئ بالاستفهام لتثبيت الخبر، وتقريره في نفس المخاطب، فذلك أسلوب مؤثر في إلقاء الكلام العربي.
قال المفسرون: استأذن موسى عليه السلام شعيبا في الرجوع إلى والدته، فأذن له، فخرج، فولد له ابن في الطريق في ليلة شاتية مثلجة، وكانت ليلة الجمعة، وقد حاد عن الطريق، فقدح موسى عليه السلام النار، فلم تور المقدحة شيئا، فبينا هو يزاول ذلك، إذ نظر نارا من بعيد عن يسار الطريق، فظن أنها نار من نيران الرعاة، من جانب جبل الطور الواقع عن يمينه
(1)
، كما قال تعالى:
{إِذْ رَأى ناراً، فَقالَ لِأَهْلِهِ: اُمْكُثُوا، إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النّارِ هُدىً} أي هل أتاك خبر موسى حين رأى نارا، وكانت رؤيته للنار في ليلة مظلمة لما خرج مسافرا من مدين إلى مصر، والصحيح كما قال الرازي أنه رأى نارا، لا تخيل نارا، ليكون صادقا في خبره؛ إذ الكذب لا يجوز على الأنبياء.
فقال لزوجه وولده وخادمه مبشرا لهم: أقيموا مكانكم، إني رأيت نارا من بعيد، لعلني أوافيكم منها بشعلة مضيئة أو بشهاب، أو جذوة كما في آية أخرى، لعلكم تستدفئون (أو تصطلون) بها، مما يدل على وجود البرد، أو أجد عند النار من يهديني إلى الطريق ويدلني عليها، كما قال تعالى:{لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النّارِ، لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ} [القصص 29/ 28]. والهدى: ما يهتدى به، وهو اسم مصدر، فكأنه قال: أجد على النار ما أهتدي به من دليل أو علامة.
ومعنى الاستعلاء على النار: أن أهل النار يستعلون المكان القريب منها، ولأن المصطلين بها إذا أحاطوا بها كانوا مشرفين عليها.
{فَلَمّا أَتاها نُودِيَ: يا مُوسى، إِنِّي أَنَا رَبُّكَ، فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً} أي فلما أتى النار التي آنسها، واقترب منها نودي من قبل الرب تبارك وتعالى، كما قال:{نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ}
(1)
تفسير الرازي 15/ 21
{الشَّجَرَةِ: أَنْ يا مُوسى: إِنِّي أَنَا اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ} [القصص 30/ 28]. وقال هاهنا:
{إِنِّي أَنَا رَبُّكَ} أي نودي: يا موسى، إن الذي يكلمك ويخاطبك هو ربك، فاخلع حذاءك؛ لأن ذلك أبلغ في التواضع، وأقرب إلى التشريف والتكريم، وحسن التأدب، إنك بالوادي المطهر المسمى {طُوىً} من أرض سيناء.
{وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى} أي وأنا الله الذي اخترتك للرسالة والنبوة، فاستمع سماع قبول واستعداد ووعي لما ينزل عليك من الوحي، كما قال تعالى:{إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي} [الأعراف 144/ 7] أي على جميع الناس الموجودين في زمانك.
ثم ذكر الموحى به فقال تعالى:
{إِنَّنِي أَنَا اللهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا، فَاعْبُدْنِي، وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي} أي إن الذي يناديك هو الله، وهو تأكيد لما سبق، وهذا أول واجب على المكلفين أن يعلموا أنه لا إله إلا الله وحده لا شريك له. ووحدني وقم بعبادتي من غير شريك؛ لأن اختصاص الألوهية به سبحانه موجب لتخصيصه بالعبادة، والمعنى: أنا الإله الحق الواحد، المستحق للعبادة دون سواي.
وأد الصلاة المفروضة على النحو الذي آمرك به، مستكملة الأركان والشروط لتذكرني فيها وتدعوني دعاء خالصا إلي. وخص الصلاة بالذكر، لكونها أشرف طاعة وأفضل عبادة. أو المعنى: أقم الصلاة عند تذكرك بالواجب وذكرك لي؛ لما
رواه الإمام أحمد عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها، فليصلها إذا ذكرها، فإن الله تعالى قال: {وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي}»
وفي الصحيحين عن أنس أيضا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «من نام عن صلاة أو نسيها، فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك» .
وأخرج الترمذي وابن ماجه وغيرهما عن أبي هريرة قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم: «من نسي صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها، فإن الله قال: {وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي}» .
واقتصر الحديث على حالتي النوم أو النسيان؛ لأن شأن المؤمن ألا يقصر في واجبه بأداء الصلاة، فإذا تركها عمدا كان قضاؤها ألزم وأوجب؛ إذ لا كفارة لها إلا أداؤها أو قضاؤها.
ثم أخبر عن الساعة أو مجيء يوم القيامة ومصير الخلائق بعد توحيد الله وعبادته، باعتبارها مقر الحساب على الأعمال، فقال:
{إِنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى} أي إن الساعة قائمة لا محالة، وكائنة لا بد منها، أكاد أخفيها من نفسي، فكيف يعلمها غيري، فاعمل لها الخير من عبادة الله والصلاة، ولأن مجيء الساعة أمر حتم لازم لأجزي كل عامل بعمله، ولتجزى كل نفس بما تسعى فيه من أعمالها، كما قال تعالى:
{إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الطور 16/ 52] وقال سبحانه: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة 7/ 99 - 8].
والله أخفى الساعة أي القيامة، وأجل الإنسان، ليعمل الإنسان بجد ونشاط، ولا يؤخر التوبة، ويترقب الموت كل لحظة. وكلمة {أَكادُ} أي أقارب، وهي زائدة، أي إن الساعة آتية أخفيها.
{فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها، وَاتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى} أي فلا يصرفنك يا موسى عن الإيمان بالساعة (القيامة) والتصديق بها، والاستعداد لها من لا يصدق بها من الكفرة، واتبع أهواءه وتصوراته المغلوطة، بالانهماك في الملذات المحرمة الفانية، فإنك إن تفعل ذلك تهلك.
والخطاب ليس مقصورا على موسى الرسول عليه السلام، وإنما بدئ به لتعليم غيره، فهو شامل جميع الناس البالغين العقلاء.