الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات ما يأتي:
1 -
أنكر هارون عليه السلام على السامري وتابعيه عبادة العجل إنكارا شديدا قبل أن يأتي موسى ويرجع إليهم، فعصوه وكادوا أن يقتلوه، وسوفوا وما طلوا حتى يرجع موسى عليه السلام، لينظروا هل يقرهم على ما فعلوا أم لا.
2 -
لقد توهموا أن موسى يعبد العجل، فاعتزلهم هارون مع اثني عشر ألفا لم يعبدوا العجل، فلما رجع موسى سمع الصياح والضجيج، وكانوا يرقصون حول العجل، فقال للسبعين الذين معه: هذا صوت الفتنة.
3 -
قوله تعالى: {قالَ: يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلاّ تَتَّبِعَنِ، أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} دليل على أن السكوت على المنكر ضلال، والمعنى: حين رأيتهم أخطئوا الطريق وكفروا، ما منعك عن اتباعي والإنكار عليهم، إن مقامك بينهم-وقد عبدوا غير الله-عصيان منك لي.
قال القرطبي: وهذا كله أصل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتغييره ومفارقة أهله، وأن المقيم بينهم لا سيما إذا كان راضيا حكمه كحكمهم.
وسئل الإمام أبو بكر الطرطوشي رحمه الله:
ما يقول سيدنا الفقيه في مذهب الصوفية؟ وهم جماعة يجتمعون، فيكثرون من ذكر الله تعالى، وذكر محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ثم إنهم يوقعون بالقضيب على شيء من الأديم، ويقوم بعضهم يرقص ويتواجد حتى يقع مغشيا عليه، ويحضرون شيئا يأكلونه، هل الحضور معهم جائز أم لا؟ فأجاب: يرحمك الله، مذهب الصوفية بطالة وجهالة وضلالة، وما الإسلام إلا كتاب الله وسنة رسوله، وأما الرقص والتواجد فأول من أحدثه أصحاب
السامري، لما اتخذ لهم عجلا جسدا له خوار، قاموا يرقصون حواليه ويتواجدون؛ فهو دين الكفار وعباد العجل؛ وأما القضيب: فأول من اتخذه الزنادقة ليشغلوا به المسلمين عن كتاب الله تعالى؛ وإنما كان يجلس النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع أصحابه، كأنما على رؤوسهم الطير من الوقار؛ فينبغي للسلطان ونوابه أن يمنعهم من الحضور في المساجد وغيرها؛ ولا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحضر معهم، ولا يعينهم على باطلهم؛ هذا مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم من أئمة المسلمين، وبالله التوفيق
(1)
.
4 -
أجاب هارون معتذرا مبينا وجهة اجتهاده: وهي أنه خشي إذا خرج وتركهم-وقد أمره موسى بالبقاء معهم-أن تقع الفرقة بين بني إسرائيل، وربما أدى الأمر إلى سفك الدماء، وخشي إن زجرهم أن يقع قتال، فيلومه موسى عليه، وقد أوضح ذلك هنا بقوله:{إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ: فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ} وفي الأعراف قال: {إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي، فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ} لأنك أمرتني أن أكون معهم.
5 -
بعد عتاب هارون اتجه موسى للسامري سائلا: {فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ؟} أي ما أمرك وما شأنك، وما الذي حملك على ما صنعت؟ وقصده من سؤاله: انتزاع اعتراف منه بباطله.
قال قتادة: كان السامري عظيما في بني إسرائيل من قبيلة يقال لها «سامرة» ولكن عدو الله نافق بعد ما قطع البحر مع موسى، فلما مرت بنو إسرائيل بالعمالقة، وهم يعكفون على أصنام لهم {قالُوا: يا مُوسَى، اِجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ} فاغتنمها السامري، وعلم أنهم يميلون إلى عبادة العجل، فاتخذ العجل.
(1)
تفسير القرطبي: 237/ 11 - 238.
فقال السامري مجيبا لموسى: {بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ} يعني رأيت ما لم يروا؛ رأيت جبريل عليه السلام على فرس الحياة، فألقي في نفسي أن أقبض من أثره قبضته، فما ألقيته على شيء، إلا صار له روح ولحم ودم؛ فلما سألوك أن تجعل لهم إلها، زينت لي نفسي ذلك.
6 -
عاقب موسى عليه السلام ذلك السامري الذي اعترف بأنه صنع العجل لهوى في نفسه، فنفاه عن قومه، وأمر بني إسرائيل ألا يخالطوه ولا يقربوه ولا يكلموه عقوبة له. قال الحسن البصري: جعل الله عقوبة السامري ألا يماس الناس ولا يماسوه، عقوبة له ولما كان منه إلى يوم القيامة؛ وكأن الله عز وجل شدد عليه المحنة، بأن جعله لا يماس أحدا، ولا يمكن من أن يمسه أحد، وجعل ذلك عقوبة له في الدنيا.
ويقال: لما قال له موسى: فاذهب، فإن لك في الحياة أن تقول:
{لا مِساسَ} خاف فهرب، فجعل يهيم في البرية مع السباع والوحش، لا يجد أحدا من الناس يمسه، حتى صار كالقائل: لا مساس؛ لبعده عن الناس وبعد الناس عنه.
7 -
قال القرطبي: هذه الآية أصل في نفي أهل البدع والمعاصي وهجرانهم وألا يخالطوا، وقد فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك بكعب بن مالك وصاحبيه الذين خلفوا.
ومن التجأ إلى الحرم وعليه قتل لا يقتل عند بعض الفقهاء، ولكن لا يعامل ولا يبايع ولا يشارى، ليضطر إلى الخروج. ومن هذا القبيل: التغريب في حد الزنى.
8 -
وهناك عقاب آخر للسامري يوم القيامة، وموعد لعذابه لا بد من مجيئه، والصيرورة إليه، ولا خلف فيه.
9 -
حرق موسى عليه السلام بالنار العجل الذي اتخذه السامري. ثم ألقى
رماده في البحر، وهذا هو الواجب المتعين في استئصال المنكر وتصفية جميع آثاره.
10 -
طوى موسى عليه السلام من تاريخ بني إسرائيل واقعة عبادة العجل التي طرأت في فترة زمنية قصيرة الأمد، وقرر إلى الأبد مبدأ التوحيد، وأوجب عبادة الله الذي لا إله إلا هو، العليم بكل شيء، وسع كل شيء علمه، الخبير بأحوال المخلوقات الظاهرة والباطنة، وهذه هي صفات الإله الحق المستحق للعبادة دون سواه.
11 -
لم يكن أخذ موسى برأس أخيه وبلحيته معصية قادحة بعصمة الأنبياء عليهم السلام، كما زعم بعض الطاغين، وإنما كان هذا تعبيرا قويا عن إنكاره، وغضبا لله لا لنفسه، وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يغضب لنفسه، وإنما يغضب إذا انتهكت محارم الله. والغضب في هذا الموضع محمود غير مذموم، ولا يستنكر ولا يستغرب ظهور أمارات الغضب على النفس، وقد أجرى موسى عليه السلام أخاه هارون مجرى نفسه؛ لأنه كان أخاه وشريكه، فصنع به ما يصنع الرجل بنفسه في حال الفكر والغضب، فإن الغضبان المتفكر قد يعض على شفتيه، ويفتل أصابعه، ويقبض لحيته
(1)
.
والدليل على ذلك أن هارون عليه السلام عذر أخاه موسى عليه السلام فيما فعل، وكل ما في الأمر أنه استمهله وهدأ أعصابه، ليبين له وجهة نظره، ووجه اجتهاده.
(1)
تفسير الرازي: 108/ 22.