الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل التاسع: تطوير المناهج
بين التغيير والتحسين والتطوير
…
الفصل التاسع: تطوير المناهج
يرتبط مفهوم التطوير بمفهوم المنهج ذاته والنظرة إليه، فالتطوير يشمل جميع عناصر المنهج من الأهداف إلى التقويم1، فالتطوير عملية شاملة لأنها تتناول جميع الجوانب والعوامل التي تتصل بالمنهج وتؤثر فيه وتتأثر به، فهي تتناول أهداف المنهج والخبرات الدراسية سواء منها ما يتصل بالكتب والمقررات الدراسة أو الأنشطة الأخرى كالمعامل والتجارب والرحلات والمعسكرات والندوات.. إلخ. وتتناول أيضا طرائق التدريس والوسائل المعينة والإدارة المدرسية والمكتبات ووسائل التقويم المتبعة ومدى دقتها ومناسبتها للأهداف المحددة سلفا.
إن عملية التطوير تستلزم أيضا دراسة الفلسفة التربوية التي تستند إليها الممارسة الحقيقية، كما تستلزم دراسة التلميذ دراسة متكاملة، وتحديد كل مطالبه وحاجاته، ودراسة البيئة التي يعيش فيها التلميذ ومطالبها، وأيضا دراسة طبيعة المادة الدراسية ومتطلباتها، إن أية تغيرات تحدث في أي أو في كل من هذه العوامل، تتطلب بالتالي تغيرا مناسبا في المنهج.
بين التحسين والتغيير والتطوير:
إذا أردنا أن نضع خطة ذات خطوط محددة لتطوير المنهج فإننا يجب أن نفرق أولا بين ما يسمى بتحسين المنهج Curriculum Improvement، وتغيير المنهج Curriculum Change، وتطوير المنهج Curriculum Development، حيث إن هناك خلطا في الاستعمال، والمناقشات الجارية بين هذه المفاهيم، ومع ذلك فينبغي أن ندرك أن هناك تداخلا بينها، فكل من التحسين والتطوير يتطلب تغييرا، مع اختلاف في الحجم والعمق.
وعلى أية حال فإن تحسين المنهج يمكن فهمه على أنه تغيير مظاهر معينة في المنهج، ولكن دون تغيير المفاهيم الأساسية فيه أو في نظامه2، فالتحسين يعني توسيع الإدراك الحالي للمنهج ونظامه، وذلك كالتغيير في الأهداف وفي طريقة صياغتها، أو إضافة بعض الأفكار والخبرات إلى المحتوى المنهجي، أو إعادة تنظيم خبراته ومواده Sequence، أو إيجاد الروابط بين هذه الخبرات بعضها والبعض، أو بينها وبين خبرات من مادة دراسية أخرى Integration، أو تحسين طرائق التدريس المتبعة وإضافة طرائق جديدة إليها، أو تحسن نظام التقويم المتبع.. إلخ.
1 الدمرداش سرحان ومنير كامل، المناهج، القاهرة، دار العلوم للطباعة، ط3، 1972، ص313.
2 Taba H.، Curriculum Development، Theory Practice، New York Harcout، Brace، Braess، & Word، INC. 1962، P. 454.
تغيير المنهج:
إن المنهج نتاج منظم لفكر وعمل الإنسان، فكلما تغيرت أفكار الإنسان تغيرت أفعاله، وهذا هو ما يحدث للمنهج، فالإنسان أحيانا يريد أن يتغير، وأحيانا لا يريد، فهناك أناس لديهم الرغبة في التغير، وهناك آخرون لا يرون أية ضرورة لذلك، فإذا كان المنهج لا بد أن يتغير، إذن لا بد أن يتغير الناس، وعندئذ سوف يتغير المنهج، وهذا ينطبق على قول الحق تبارك وتعالى:{إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11] وهذا يعني أيضا أن تغير المنهج عملية مستمرة، لأنه مرتبط بالإنسان الذي يعيش في زمان ومكان معينين.
إن تغيير المنهج يعني بطريقة ما تغيير مؤسسة An Institution، وتغيير المؤسسات يعني كما يقول "مرتون Merton"، تغيير كل من الأهداف والوسائل1 ومع ذلك، فإن تغيير الأهداف والوسائل لا يعني أن الأهداف سوف تتحقق، فقد يحدث أن يتم اختيار الوسائل التي لا تتفق مع طبيعة الأهداف ومتطلباتها وبالتالي لا تتحقق الأهداف، أي: إن الأهداف والوسائل قد لا يكونان متناسبين، فقد يحدث التأكيد على الأهداف ولكن دون تأكيد على الوسائل التي تحقق هذه الأهداف، فهناك أهداف تربوية مثل "تعليم الطفل وتدريبه على التفكير النقدي"، أو "خلق المواطن الديمقراطي"، أو "الاهتمام بجماع شخصية التلميذ بكل جوانبها العقلية والجسمية والنفسية والاجتماعية"، نقول إن مثل هذه الأهداف قد تكون طموحا أو مثالية، أو من قبيل الطموحات أو الشعارات التي لا تهتم بها المؤسسات التي تعمل على تحقيقها.
إن تغيير المنهج، بناء على هذا، يعني أيضا تغيير الأفراد المهتمين به، كالتلاميذ والآباء والمدرسين ولجان التخطيط والتطوير والقائمين على النظام بصفة عامة، إذن فهو يعتمد على التغيرات الإنسانية، فالتغير السليم هو الذي يحدث في أفكار الناس ومعتقداتهم ونظمهم المعيارية والقيمية، ثم ينتقل إلى مؤسساتهم وأنظمتهم، فالتغيير في الأنماط المعيارية والقيمية للمجتمع يؤدي إلى تغيير في المؤسسات التابعة له، ولكن يجب أن يكون واضحا هنا أن التغيير عملية متكاملة، فالتغير في القيم والمعايير لا بد أن يؤدي إلى تغيير في المؤسسات، وذلك من أجل الحفاظ على توازن النظام الاجتماعي2.
ولكن هل هناك نظام اجتماعي متكامل ومتوازن تماما؟ طبعا الإجابة بالنفي؛ وذلك لأن التغيرات تقع بطرق مختلفة، وفي أوقات مختلفة، وبمستويات مختلفة، كما أن هناك تغيرات مفاجئة وأخرى تحدث بالتدريج، ولذلك فإن توازن النظم الاجتماعية
1 Merton، R.K.، Social Theory and Social Structure، New York، Free Press، 1957
as referred to by Taba، H.، op. cit.، PP. 455-6.
2 Madkour، A.A.A.، Curriclum Development in the General Secondary School in Egypt Since 1952، With Camparativ Reference to the Secondary School in America and The Grammar Shcool in England، ph. D. thesis، University of London، Institute of Education، 1979. 53-55.
وتكاملها عملية نسبية تعتمد على مدى قدرة هذا المجتمع أو ذلك على التكيف مع المتغيرات الجديدة، وعلى مدى نشاطه في تكييفها بما يناسبه.
وعلى كل حال فإن النظام الاجتماعي المتكيف النشيط The Adaptive and active Social System هو الذي عندما تقع بعض التغيرات المقبولة في بعض أفكاره وقيمه وأنماطه المعيارية فإنه يكيف الأفكار والقيم والأنماط المعيارية الباقية للأولى، وعندما تقع بعض التغيرات المقبولة في بعض مؤسساته فإنه يستجيب لذلك بتكييف المؤسسات الأخرى لمتطلبات التغيرات الجديدة، فتبني نظاما اقتصاديا يقوم على العرض والطلب، مثلا يتطلب تغيرات معينة في نظام التعليم ومناهجه، كما أن الاقتناع بنظام اقتصادي يقوم على التخطيط يتطلب إجراء تغييرات معينة في النظام والمناهج، والتغير في الكوادر العمالية، ونظم العمالة في المجتمع لا بد أن يصاحبه تغيير في النظام التربوي.
عوائق التغيير:
إن تغيير المنهج يشتمل أولا على تغيير الأفراد، وتغيير الأفراد يتضمن نوعين من التغيرات: النوع الأول هو تغيير النظرة التي يرى الفرد بها العالم من حوله، ماذا يدرك وماذا يتوقع؟ وهذه هي المظاهر المعرفية، النوع الثاني هو تغيير المظاهر الانفعالية، فما الأشياء التي يشعر الفرد بأنها مهمة، وما دوافعه لفعلها؟ فالمدرس قد يشعر بأهمية التغير وضرورته ولكنه لا يسلك سلوكا يؤدي إلى التغير أو يتدخل بإرادته لإحداث هذا التغير وجعله واقعا1.
على أن هناك مجموعة من العوامل التي قد تقف عائقا أمام عملية تغيير المنهج منها:
1-
القصور الذاتي، وقد يكون القصور بين المدرسين أو الموجهين أو المهتمين بالعملية التربوية، وقد يكون أيضا بين الإداريين، أو بين أعضاء المجتمع أو بين هؤلاء جميعا، فعندما يشعر هؤلاء أنهم راضون عن الأشياء كما هي، فلا يجب أن يتوقع أحد أي تغيير.
2-
الشعور بالخوف وعدم الاطمئنان، فكثيرا ما يصاحب التغير بالخوف وعدم الشعور بالأمن ورهبة المجهول، وقد يتجسد ذلك في صورة الشعور بعدم مناسبة الجديد أو عدم أهميته، وقد يشعر بعض الناس بأن الجديد هذا اعتداء على خبراته
1 Coffey، H.S..، and W.P. Golden، Jr. "Psychologe of Change Within Institutions" as referred to by Taba. op cit.، P. 455.