الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]، {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} [سبأ: 28] .
وأخيرا، فإن أهم ما يجب أن يظل ماثلا في الذهن هنا حقيقتان: الأولى هي أن مبادئ الإسلام العليا "التي تسبق آخر ما وصلت إليه البشرية في خلال أربعة عشر قرنا، كانت قائمة فيه منذ اليوم الأول، وأنه منذ ذلك اليوم قد أخذ بيد البشرية في طور الترقي إلى الآفاق المرسومة خطوة خطوة فكان التطور، لا في مبادئه وأهدافه، ولكن في قرب البشرية يوما بعد يوم من هذه المبادئ والأهداف، وهذا ما ينفي فكرة التطور التاريخي من أساسها، بالقياس إلى الفكرة الإسلامية، وإلى نظام المجتمع الإسلامي"1.
الحقيقة الثانية التي يجب أن تظل ماثلة في الذهن هي "أن النظام الإسلامي ليس هو الرق، وليس هو الإقطاع، وليس هو الرأسمالية، وليس هو الاشتراكية، وليس هو الشيوعية. إن النظام الإسلامي هو فقط، النظام الإسلامي"2.
مقومات المجتمع:
إذن فالقاعدة الأساسية التي يقوم عليها مجتمعنا هي أنه نظام رباني، عالمي، يقوم على أساس القواعد العامة والأصول الكلية لشريعة الله، والمنصوص عليها في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. ومن هذه القاعدة العريضة للنظام الاجتماعي، تنبثق أربعة مقومات رئيسية يعتمد عليها البناء الاجتماعي كله، وتؤثر في كل خلاياه وجزئياته الداخلية، وهذه المقومات أو العمد الأربعة هي: العلم، والعدل، والعمل، والحرية المنضبطة بقواعد منهج الله، ونتناول كل مقوم من هذه المقومات الأربعة بشيء من التفصيل فيما يلي:
1 المرجع السابق، ص75.
2 المرجع السابق، ص91.
العلم والمعرفة ومكونات المجتمع:
العلم شعار الإسلام وفطرة الله في الإنسان، فالإنسان هو خليفة الله في الأرض ليعمرها ويرقيها وفق منهج الله، وهي منزلة اشرأبت لها أعناق الملائكة وتشوفت إليها نفوسهم، فلن يعطوها، ومنحها الله للإنسان1.
وعمارة الأرض وترقيتها لا تكون إلا بالعلم، ولذلك عندما أراد الله أن يعد الإنسان لحمل أمانة تنفيذ منهجه في الأرض، هيأه لها بالعلم: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، قَالَ يَا آدَمُ
1 يوسف القرضاوي: الخصائص العامة للإسلام، ط3، القاهرة، مكتبة وهبة.
أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} [البقرة: 31-33] .
ولا عجب في أن العلم هو شعار الإسلام الأول، فأولى الآيات التي نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم هي:{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 1-5] ، كما جعل الإسلام طلب العلم فريضة. وطالب العلم مجاهد في سبيل الله، كما أكد الإسلام هذا الشعار في كل مناسبة حتى يذكر الإنسان، ويحرك أحاسيسه، ويثير مشاعره كلما تبلد أو ابتعد عن منهج الله، والآيات والأحاديث في ذلك أكثر من أن تحصى في هذا المقام.
أما كون العلم فطرة الله في الإنسان، فهذا يمكن فهمه من القرآن في قوله تعالى:{وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} [الأعراف: 172] .
فالآية ترجع مسألة العلم بوحدانية الله، والاعتراف بربوبيته إلى الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وأخذ بها عليهم الميثاق في ذات أنفسهم وذات تكوينهم، ولقد شهد الكيان البشري على نفسه بهذه الحقيقة، وذلك بحكم وجوده، فوجوده يعني هذه الحقيقة.
فإذا كان العلم بوحدانية الله، والاعتراف بربوبيته -وهما غاية كل علم- فطرة في الكيان البشري، فإن تعلم كل العلوم القديمة والحديثة يجب أن تكون الغاية منه هي الحفاظ على فطرة الله في الإنسان، وحتى الرسالات والكتب السماوية ما هي إلا تذكير وتحذير وتقويم لمن ينحرفون عن فطرتهم الأولى، فقد اقتضت رحمة الله ألا يكل الناس إلى أنفسهم، فقد تنحرف عن الفطرة، وألا يكلهم إلى عقولهم فقد تضل، وأن يبعث إليهم رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل.
دور المناهج التربوية:
هنا يأتي دور المناهج التربوية، فالعلم ليس غاية في ذاته، وإنما هو وسيلة للحفاظ على فطرة الله في الإنسان حتى لا تنحرف عن العلم بوحدانية الله، والاعتراف بربوبيته، والمعرفة ما هي إلا وسيلة لإقدار الناس على القيام بحق الخلافة
في الأرض بإيجابية وفاعلية. فالتقاعس عن التعليم والتعلم، وانتشار الجهل هما سير ضد الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وضد مقتضيات القيام بحق الخلافة في الأرض؛ لأنها سبيل الخراب والتخلف لا العمار والرقي، وهنا ترتبط قضية العلم، بقضية الإيمان بالألوهية والوحدانية، وبقضية خلافة الإنسان في عمارة الأرض وترقيتها برباط واحد، وأي منهج للتربية لا تظهر فيه هذه العلاقة الوطيدة فهو منهج منحرف، ولا علاقة له بالإسلام1.
والخلاصة، أن المجتمع المتحضر يتخذ العلم وسيلة للحفاظ على فطرة الله في الإنسان وهي العلم بالألوهية والوحدانية، والاعتراف بالربوبية، كما يتخذه وسيلة لإقدار أبنائه على المساهمة بإيجابية وفاعلية في عمارة الأرض وترقيتها وفق منهج الله.
التدفق المعرفي:
يتلقى الإنسان معرفته من الوحي والنص، ومن الكون والحياة، فالإسلام يرد كل شيء ابتداء إلى إرادة الله وتدبيره، ويرد الخلق كله بما في ذلك الكون، والإنسان، والمعرفة إلى إرادة الله الواحد، ومن ثم فلا تناقض في أن يكون الكون أو "الطبيعة"، وأن تكون الحياة بأوضاعها السياسية والاقتصادية والاجتماعية مصدرا آخر للمعرفة بجانب الوحي، وعن طريق العقل، وسائر المدارك والطاقات فيه، باعتبار أن هذا كله من صنع الله، فهي من عنده، كما أن الوحي من عنده أيضا.
ولكي يقوم الإنسان بحق الخلافة كاملا، لا بد من إعداده وتربيته من خلال مناهج مخططة ومنظمة، بحيث يكون قادرا على مواجهة التدفق المعرفي الهائل الذي نتج عن الثورة الهائلة في تكنولوجيا الاتصالات. ويلزم لذلك ثلاث مهارات رئيسية.
1-
القدرة على الاختيار والانتقاء من المعارف المتدفقة.
2-
القدرة على إعادة تنظيم المعرفة في نسق علمي ومنطقي.
3-
القدرة على الاستخدام الأمثل للمعرفة في إنتاج الأفكار والأشياء.
العلم وتعليم الكبار:
لقد بدأ تعليم الكبار في تاريخ البشرية بتعليم الله لآدم الأسماء كلها: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [البقرة: 31، 32] .
1 محمد متولي الشعراوي: منهج التربية في الإسلام، القاهرة، دار المسلم، بدون تاريخ، ص11-12.
وكانت بداية الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول الله تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق: 1]"هو حادث ضخم بحقيقته، وضخم بدلالاته، وضخم بآثاره في حياة البشرية، وهذه اللحظة التي تم فيها هذا الحادث تعد -بغير مبالغة- هي أعظم لحظة مرت بهذه الأرض في تاريخها الطويل"1، ولهذا فليس من المبالغة القول بأن العلم هو شعار الإسلام الأول.
ولقد رفع الإسلام -من اللحظة الأولى- شعار العلم لتحقيق الفطرة، فالعلم فطرة الله في الإنسان، وهذا واضح في قول الحق تبارك وتعالى:{وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} [الأعراف: 172] .
فهذه الآية ترشدنا في وضوح إلى مجموعة من الأمور أهمها ما يلي:
أولا: أن العلم بالألوهية والوحدانية -وهو غاية كل علم- فطرة الله في الإنسان، وأن الانحراف عن هذا العلم هو انحراف عن فطرة الله التي فطر الناس عليها. ولهذا يجب مقاومته بجميع الوسائل لرد الإنسان إلى الفطرة.
ثانيا: يترتب على أولا، أن الأخذ بأسباب العلم فريضة لازمة لتأكيد الفطرة والحفاظ عليها وعدم الانحراف عنها؛ لأن الانحراف عنها يتبعه الانحراف عن الإيمان بوحدانية الله، وما يترتب عليه من انحراف الإنسان عن وظيفته، ألا وهي عمارة الأرض وترقيتها وفق منهج الله.
ثالثا: وبما أن العلم فطرة الله في الإنسان، وهو سبيل الإنسان إلى معرفة الله وخشيته {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28] وهو وسيلته إلى عمارة الأرض وترقيتها، فإنه لا سبيل إلى ذلك إلا بالاستمرار في عملية التعليم والتعلم من الصغر إلى الكبر.
إن حاجات الحياة متغيرة متجددة بتغير الحياة نفسها، وهذا يتطلب -بطبيعة الحال- استمرار الإنسان في التعلم لينفض عن نفسه، وعن مشاعره، ما يكون قد علق بها من صدأ أو بلادة، نتيجة الانغماس في الحياة تحت وطأة قبضة الطين ومطالبها.
رابعا: إن عمارة الأرض وترقية الحياة على ظهرها، عملية مستمرة دائمة، وهي بالتالي تتطلب معلومات متجددة، وهذا كله يتطلب التربية والتعليم والتدريب للكبار بصفة دائمة ومستمرة، إن الإنسان الذي يقوم بحق الخلافة في الأرض، هو
1 سيد قطب: في ظلال القرآن: مرجع سابق، مجلد 6، ج30، ص3936.
الذي يأخذ بكل الأسباب التي تساعده في أداء هذه الغاية بطريقة حسنة، فالمسلم مطالب بحسن الأداء، لا بمجرد الأداء، وهذا يتطلب أن يكون الإنسان متجددا ومترقيا وملما بكل ما يجد في ميدان عمله من معارف وخبرات ومهارات، إذن فترقية الحياة وفق منهج الله تتطلب التربية المستمرة، بل وحسن التربية.
المناهج ومصادر العلم:
تختلف مصادر منهج التربية في الإسلام عن مصادر المناهج الأخرى، فمنهج التربية يستمد أصوله وموجهاته من منهج الله الكلي للكون والإنسان والحياة، والمتمثل في شريعة الله، أما معظم المناهج الأخرى فتستمد أصولها من الفلسفات والنظريات التابعة لها.
فالشريعة الإسلامية كفت القائمين على بناء منهج التربية في الإسلام شر اللجوء إلى الفلسفات والنظريات البشرية. فالفلسفات يلجأ إليها غير المسلمين لعدم وجود شريعة عاملة لديهم، وفي ذلك يقول ابن عبد البر في كتابه "جامع بيان العلم وفضله":"إن أهل الفلسفة قد قسموا العلوم إلى علم أعلى، وعلم أوسط، وعلم أسفل. وجعلوا الفلسفة هي العلم الأعلى؛ لأن هذا العلم عندهم يرتبط بأمور قد أغنت عن الكلام فيها كتب الله الناطقة بالحق، المنزلة بالصدق، وما صح عن الأنبياء صلوات الله عليهم"1.
إننا لا يجب أن نحيد عن القرآن والسنة، كأصول وموجهات لمنهج التربية، فما ضياعنا إلا نتيجة مباشرة لهذا الحياد عن أصول منهج الله، ولقد كان المسلمون الأول يدركون هذه الحقيقة حتى إن عمر رضي الله عنه كما يقول ابن القيم:"كان يمنع الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكيف لو رأى اشتغال الناس بآرائهم، وزبد أفكارهم، وزبالة أذهانهم عن القرآن والحديث؟ "2.
هذه هي طبيعة هذه المنهج، يجب أن نعرفها، وألا نحاول تغييرها لرغبات معجلة مهزومة أمام أزياء الفلسفات والنظريات البشرية، فهو بهذه الطبيعة صنع الأمة المسلمة أول مرة، وبها يصنع الأمة المسلمة في كل مرة يراد فيها أن يعاد إخراج الأمة المسلمة للوجود كما أخرجها الله أول مرة:{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 153] .
وتختلف مصادر العلم في منهج التربية باختلاف نوع المعلوم. فالكون محسوس وغير محسوس، شهود وغيب، فالغيب مصدر العلم به هو الوحي الصادق من صاحب الغيب سبحانه وتعالى، وتحقيق هذا العلم يكون بتحقيق نسبة الخير إلى الله عز وجل، والمحسوس سبيل العلم به الملاحظة، والتجربة، والخير أيضا، ويكون تحقيق الخير بالاستقراء والاستنباط والملاحظة والتجربة3.
1 ابن عبد البر النمري القرطبي: جامع بيان العلم وفضله، جـ2، ص37-387.
2 ابن القيم: إعلام الموقعين عن رب العالمين، مرجع سابق، ص376.
3 محمد رشاد خليل، مرجع سابق، ص38-39.