الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والمستوى الثاني: هو مستوى التراث الإسلامي، الذي هو عبارة عن اجتهادات المسلمين على مر العصور في كل جوانب الحياة الإنسانية. وواجب مناهج التربية حيال هذا الجانب، هو أن تتناوله بالدراسة والتقويم في ضوء القيم والمعايير الأصولية، وفي ضوء المعطيات المتجددة للعلوم الحديثة، التي لا تتناقض مع الإسلام.
والمستوى الثالث: هو مستوى التراث الإنساني العام، ودور مناهج التربية حيال هذا التراث، هو دراسة أهم معالمه، وأبرز معطياته في ضوء قيم الإسلام ومعاييره الإنسانية، ونواميسه الكونية، والاستفادة من كل ما هو مفيد فيه.
20-
إدراك مفهوم الثقافة والحضارة:
إن إدراك الطلاب لمفهوم الثقافة والحضارة أمر في غاية الأهمية. وهنا يجدر الإجابة عن الأسئلة التالية:
ما معنى الثقافة؟ ومن هو المثقف؟ وما علاقة الثقافة بمناهج التربية؟
الثقافة هي الأسلوب الكلي لحياة المجتمع، الذي يتسق مع تصوره العام للكون والإنسان والحياة. وهذا المفهوم يشتمل على شقين رئيسيين:
الشق الأول عام لا يختلف باختلاف المجتمعات. فالثقافة هي طريقة المجتمع -أي مجتمع- في الحياة، فالطريقة التي يفكر بها الناس في مجتمع ما، ويعملون بها، وتقوم عليها نظمهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والطريقة التي يتحدثون بها، ويسيرون بها في الشوارع، ويقودون بها السيارات، ويتعاملون بها مع بعضهم البعض داخليا، ومع الآخرين خارجيا، وعاداتهم وتقاليدهم.. إلخ كل هذا يطلق عليه الأسلوب الكلي لحياة الجماعة، فكل جماعة لها أسلوبها الكلي وطريقتها الشاملة في الحياة. وعند هذا الحد لا يختلف مجتمع عن آخر في أن له أسلوبا وطريقة للحياة.
ولكن ما الذي يجعل المجتمع المصري -مثلا- يختلف عن المجتمع الأمريكي أو المجتمع الروسي؟ الإجابة هي أن كل مجتمع له أسلوب للحياة وله طريقة للعيش تتسق مع عقيدته أو مع فلسفته، والفلسفات المختلفة هي سبب اختلاف الثقافات واختلاف أساليب الحياة وطرائق المعيشة. ووظيفة مناهج التربية هنا هي أن تعد أبناء المجتمع المصري -مثلا- لعيشوا الحياة المصرية التي تتسق مع الرؤية المصرية التي تتسق مع دستور مصر وعقيدتها ورؤيتها للكون والإنسان والحياة. وهذا الدور لا تقوم به مناهج التربية الدينية والتربية الوطنية فقط، وإنما ينبغي أن تقوم به أيضا مناهج اللغة العربية والتاريخ والجغرافيا والاجتماعيات والإنسانيات خصوصا، والعلوم التطبيقية على وجه العموم.
ومفهوم الثقافة على النحو السابق يقودنا إلى الإجابة عن سؤال: من هو المثقف؟ فالمثقف -وفقا لما سبق- هو الشخص الذي يدرك بوضوح رؤية مجتمعه للألوهية والكون والإنسان والحياة ويؤمن بها، ويدافع بوعي عنها. ومفهوم المثقف هذا يعني ثلاثة أمور:
الأول: أن الشخص الذي ليس له رؤية لا يعد مثقفا، حتى لو كان عالما في مجال تخصصه الصرف في الرياضيات أو الكيمياء أو الفيزياء أو التاريخ أو اللغات، حتى لو كان حائزا على أعلى الجوائز الدولية في مجال تخصصه، أو كان حائزا على شهادات عالية علمية أو ألقاب أكاديمية من جامعات عالمية شهيرة. فالمثقف شخص له رؤية.
الثاني: أن الإنسان السلبي أو المترف أو المتردد أو الصامت أو المنعزل لا يعد مثقفا مهما كان عالما؛ فالمثقف لا بد أن يسهم بفكره وعمله وعلمه ونشاطه في تغيير المجتمع وفقا لرؤيته، ورؤية المجتمع التي تتسق مع فلسفته وعقيدته. وعلى ذلك، فهؤلاء الذين يرفضون التدخل في القضايا غير العلمية البحتة في مجال تخصصهم والتي تمس الحياة العامة للناس، والذين يرفضون إبداء الرأي في المفاهيم الثقافية والفكرية والأيديولوجية، والذين يرفضون النزول إلى الشارع وإبداء الرأي في الأفكار والقيم والمشكلات والسلوكيات المطروحة ليسوا بمثقفين مهما كانت إنجازاتهم في تخصصاتهم العلمية البحتة.
الثالث: أن يكونوا قادرين على التعبير عن رؤى نظرية واجتماعية متقدمة، وفكرا وثقافيا متحددا في مستقبل مجتمعاتهم، وفي أبعاد نشاطهم -وبذلك يمكنهم الخروج عن إطار تخصصهم العلمي الضيق.
وواجب مناهج التربية هنا أن تسهم في إعداد المثقف الأصيل والمتجدد في نفس الوقت. فهي تعد المثقف القادر على الحفاظ على أصالته وأصالة مجتمعه، وعلى الحفاظ على هويته وهوية مجتمعه، وذلك عن طريق إمداده بأسس ثقافته من منابعها الأصيلة. وإمداده بمجموعة الحقائق والمعايير والخبرات والمهارات التي تجعل منه إنسانا متميزا في مجتمع متميز.
كما يجب أن تمده أيضا بمجموعة الخبرات والرؤى والتصورات التي تعينه على التفكير الابتكاري وعلى استشراف آفاق المستقبل وتحديد معالمه، وتعينه أيضا على المشاركة الإيجابية في القضايا والتحولات والمنجزات الكبرى التي تسهم في تغيير مجرى الحياة، وتؤثر في مسار واتجاه المجتمعات، وتقودهما نحو الحق والخير