الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والجمال، وأن على مناهج التربية أن تنمي شعور المتعلمين وإدراكهم للمسؤلية الاجتماعية بعناصرها الثلاثة: الاهتمام، والفهم، والمشاركة.
وتنمية الاهتمام تعني تنمية الارتباط العاطفي بالجماعة، بالحرص على استمرارها وتقدمها وتماسكها وبلوغها أهدافها.
أما تنمية المناهج للفهم فيكون عن طريق فهم الفرد لتاريخ الجماعة ولعقيدتها وفلسفتها، وعاداتها وقيمها وللظروف المؤثرة في حاضرها ومستقبلها، وتكون أيضا عن طريق إقدار الفرد على فهم المغزى الاجتماعي لأفعاله، وإدراكه لآثار أفعاله وتصرفاته وقراراته على الجماعة.
وعلى المناهج أن تنمي في الفرد الرغبة والقدرة على المشاركة مع آخرين في الجماعة، في إنجاز الأعمال التي يمليها الاهتمام ويتطلبها الفهم، بما يساعد الجماعة على إشباع حاجاتها وحل مشكلاتها، والوصول إلى أهدافها، والمحافظة على تقدمها واستمرارها.
21-
إدراك الفرق بين الغزو الثقافي والتفاعل الثقافي:
لا بد أن يدرك الطلاب -على جميع مستوياتهم- الفرق بين الغزو الثقافي والتفاعل الثقافي. وذلك يقتضي التفكير فيما يلي:
أولا: إن الإسلام هو المنهج الوحيد الباقي بلا تحريف ولا تزييف، وأنه منهج كامل شامل، لا يحتاج إلى "قطع غيار" من خارجه؛ وذلك لأنه منهج رباني من خلق الله الذي خلق الكون، والإنسان، والحياة:{وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} [الفرقان: 2] إذن فلا عجب ألا يهزم الإسلام عقائديا ولا حضاريا، في الوقت الذي هزمت فيه أمته -المنحرفة عنه- سياسيا واقتصاديا وأخلاقيا!
إن من سنن الله في الكون أن يقوم بناء النظم والمؤسسات المختلفة كالمصنع والمدرسة والمزرعة إلى آخره على أساس تصور معين للكون، والحياة والإنسان، ومركز الإنسان في الكون، ووظيفته في الحياة. والعقيدة والإنسان في هذا التصور هما أهم ما فيه. فالنظم والمؤسسات على أهميتها البالغة تظل فاقدة للوعي. قابلة للانهيار. إذا فقدت العقيدة التي توجهها والإنسان الذي يحرسها من الضياع والتلف والانهيار عن طريق حمايته للعقيدة التي تمثل القاعدة التي يقوم عليها بناء هذه المؤسسات.
وعليه فإننا عندما نبني نظاما من نظم الحياة في السياسة أو الاقتصاد أو التربية إلى آخره، فإننا لا يجب أن نخلط بين التصور الإسلامي ومنظومته الحضارية الربانية العالمية الثابتة، وبين غيره من التصورات ذات المنظومات الحضارية البشرية المتغيرة، التي تخضع في مسيرتها لكثير من نزوات البشر وشهواتهم.
لكن هذا لا يقتضينا أن نتطرف فننظر إلى مناهج الآخرين على أنها شر كلها لا ينبغي الاقتباس منها في شيء؛ فسنن الله في خلقه لا تتبدل ولا تتخلف، فمن أخذ بها وصل إلى نتائجها، وهذه السنن لا تجامل مسلما لإسلامه، ولا تعادي كافرا لكفره، كما لا ينبغي الاعتقاد أنه لا نهضة لأمتنا إلا بتقليد الغرب في كل شيء وقبول دور التابع له، فإن هذا من شأنه أن يذيب شخصية الإنسان المسلم، والأمة الإسلامية!
ثانيا: مما سبق يمكن القول: إننا نحن المسلمين لا نستطيع أن نعيش في عالم اليوم، وأن نتعامل مع الآخرين، مع الاحتفاظ في نفس الوقت بكامل كرامتنا الإنسانية، دون التمسك بالإسلام عقيدة وشريعة، أي: تصورا اعتقاديا، وتصورا اجتماعيا. إن هذا هو السبيل الوحيد الذي يجعل الأمة الإسلامية تقف في مصاف القوى الكبرى بمناهجها المتصارعة. وإلا فالبديل هو الذوبان في إحدى هذه القوى.
وفي اعتقادي أنه لن يصلح حاضر هذه الأمة ومستقبلها إلا بما صلح به ماضيها، مع الأخذ في الاعتبار عوامل الزمان والمكان، وحاجات الناس ومطالبهم في كل زمان ومكان.
وعليه فإن "التصور الاعتقادي" الإسلامي لا يمكن السماح بالخلط والتلبيس فيه، كما لا يمكن اقتباس شيء من خارجه لإدخاله فيه؛ وذلك لأنه تصور رباني، عالمي، ثابت، شامل. أما مناهج الآخرين الحالية، فأقل ما يمكن أن يقال فيها، إنها أزياء فصلت وطرزت لتناسب أقواما معينين في زمان ومكان معينين!
أما بالنسبة "للتصور الاجتماعي" النابع من "التصور الاعتقادي" الإسلامي فلا بد من النظر فيه: فما هو ثابت قد فصله الإسلام، وهذا لا مجال فيه للاقتباس من مناهج أخرى. وما هو متغير قد أجمله الإسلام، وهذا هو الباب المفتوح للاقتباس والتعلم من الآخرين.
ثالثا: إننا يجب أن نستعين بما يمكن الاستعانة به في مجال العلوم التقنية فقط، ودون التأثر بنمطه الحضاري العام. ويجب في هذا الإطار أن نفرق بدقة بين
الخصوصيات الحضارية وبين العموميات الإنسانية، وإلا فالنتيجة هي الإمعية الحضارية والتبعية الذليلة!
ومن العبث في هذا الصدد أن يقال: وماذا يملك المسلمون من خصوصيات حضارية كي يتعاملوا مع الآخرين من موقف القوة؟! ولنا في الماضي عبرة في الرد على هذا العبث المحبط اليائس: فماذا كان يملك ربعي بن عامر غير الإيمان، واستعلاء الإيمان، والرغبة في الموت في سبيل عقيدته، حينما دخل بثياب صفيقة وترس وقوس قصيرة على رستم قائد الجيوش الفارسية وأميرهم قبيل موقعة القادسية، وكان رستم يجلس على سرير من الذهب، وقد زين مجلسه بالنمارق والزرابي والحرير، واليواقيت واللآلئ الثمينة. وعندما أقبل ربعي على رستم، قالوا له: ضع سلاحك، فقال: إني لم آتكم، وإنما جئتكم حين دعوتموني، فإن تركتموني هكذا، وإلا رجعت. فقال له رستم: ما جاء بكم؟ فقال: الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام!
رابعا: إن الناس جميعا هم خلق الله، وقد جعلهم الله شعوبا وقبائل ليتعارفوا، لا ليتصارعوا ويتباعدوا:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} [الحجرات: 13] . ففكرة الإسلام هي أن الوجود واحد، وأن الإنسانية وحدة متكاملة. فالحكمة من وراء الاختلاف والتنوع، هي التعاون والتكامل وإلا فلو شاء الله لجعل الناس أمة واحدة:{وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [المائدة: 48] .
لكن الله لم يشأ أن يأخذ الناس قسرا إلى هذه الغاية، لكنه جعل لكل منهم طريقا ومنهجا، وتركهم يستبقون، وجعل هذا ابتلاء لهم يقوم عليه جزاؤهم يوم يرجعون إليه، وهم إليه راجعون.
إذن فتواصل الأمة الإسلامية بغيرها من الأمم يجب أن يظل قائما، على أن يظل التقارب الوثيق أو التباعد إلى حد القطيعة محكوما بنواميس الهدى والضلال التي تمشي بها مشيئة الله في الناس. وعليه فإنه في سبيل إقامة علاقات تفاهم وتعاون مع الآخرين لحفظ السلام في العالم، لا يجب أن نتجاهل المبادئ والسنن الكونية في الحق والعدل في فلسطين وفي البوسنة وغيرهما، فمثل هذا التجاهل لا يؤدي إلى التفاهم الدولي ولا إلى الإسلام العالمي، بل إلى التنازل عن الحقوق
الإنسانية الضرورية، تنازل المقهور بقوة قاهره. وهذا -في النهاية- لن يؤدي إلى إقامة حق ولا عدل ولا سلام.
خامسا: إن الغرب يقيم تصوره للكون والإنسان والحياة على أساس السيطرة على الأرض واستغلال ثرواتها، واحتكار طاقات أبنائها، وقد تمت هذه السيطرة أولا عن طريق الاحتلال العسكري. وتتم هذه السيطرة الآن وتعمق تقنيا عن طريق وسائل السيطرة عن بعد كالراديو والتلفاز، والفيديو، والبث التليفزيوني الدولي المباشر عن طريق الأقمار الصناعية. كما تتم السيطرة الثقافية والفكرية عن طريق عرض النظريات العقائدية ذات النظم الاجتماعية الناجحة ماديا واقتصاديا، وعن طريق الاحتلال الثقافي والفكري بالواسطة، عن طريق من سبق تسميتهم في الغرب "بسلسلة القياد" وهم مجموعات الشباب والمثقفين الذين درسوا في الغرب، ثم عادوا إلى بلادهم -وهم ما يزالون يعيشون داخل المنظومة الغربية- ليحتلوا مواقع المسئولية، ويقودوا الحياة الاجتماعية بموجبات غربية!
إننا في هذا الصدد لا بد من أن نفرق بين التفاعل الثقافي والغزو الثقافي. فالتفاعل الثقافي يتم بين طرفين متعادلين، يأخذ كل منهما من الآخر ويعطيه. وهذا التفاعل مرغوب. بل ومطلوب. أما الغزو الثقافي فيتم بين طرفين أحدهما قوى غالب، والآخر ضعيف مغلوب على أمره. وهذا المغلوب -عادة- ما يتحول إلى مبهور، ثم إلى مقهور بقوة قاهره.. فيؤخذ منه كل شيء.. ما يريد، وما لا يريد.
إنه لا عاصم لنا اليوم من هذه الهجمة العاتية إلا العودة إلى الإسلام عقيدة وشريعة وتنظيما حياتيا كاملا. وإذا كان الآخرون متقدمين ماديا واقتصاديا، فهم مفلسون إلى حد كبير في عالم "القيم"، القيم التي يمكن أن تنشأ في ظلها حياة إنسانية كريمة، وتوظف في ظلها نتائج العلم في عمارة الأرض وترقية الحياة الإنسانية، وليس في السيطرة والاحتكار!
إننا في هذه الحالة، وفي هذه الحالة فقط، نستطيع أن نتعامل مع الآخرين ليس من موقف الضعيف المغلوب، بل من موقف القوى العادل. إن الآخرين قد يعطوننا المنتجات الصناعية ولكنهم لن يعطونا المصانع، وقد يعطوننا الأجهزة التكنولوجية، ولكنهم لا يعطوننا أسباب التكنولوجيا؛ لأن هذه ببساطة إحدى أهم وسائلهم في السيطرة. إنني أومن إيمانا راسخا أننا لا نحتاج إلى التكنولوجيا أولا، بل نحتاج أولا إلى أن نحول الإسلام إلى عقيدة راسخة، وحركة إيجابية فاعلة في كل جوانب حياتنا، ساعتها، وساعتها فقط، سوف نملك أسباب التقانة في زمن قصير
جدا. وأمامنا الآن نماذج لبلدان كانت خرابا يبابا من عشرين سنة فقط، وقد تحولت في هذه الفترة القصيرة إلى عملاق اقتصادي وثقافي يهدد كل السابقين عليه!
سادسا: إذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: "الحكمة ضالة المؤمن حيثما وجدها فهو أحق بها"؛ فقد يكون من الحكمة أن نرسل أبناءنا الآن إلى الغرب -بعد أن نسلحهم بفهم منهج الله للكون والإنسان والحياة- لدراسة العلوم البحتة والتطبيقية. كالرياضيات والعلوم، وكل علوم الصناعة والزراعة والإدارة، وعلوم الحرب وفنون القتال، وكل العلوم الأخرى التي ليس لها صبغة فلسفية، ولا علاقة لها بتفسير السلوك الإنساني.
لكن الأمر المجافي للحكمة تماما، ولا يتسامح فيه الإسلام هو أن يتلقى المسلم أصول عقيدته، أو مقومات تصوره، أو تفسير قرآنه وحديثه وسيرة نبيه، أو منهج تاريخه وتربيته، أو تفسير نشاطه، أو مذهب مجتمعه، أو نظام حكمه، أو منهج سياسته، أو موحيات فنه وأدبه وتعبيره من مصادر غير إسلامية، أو يتلقى في كل هذا من غير مسلم يوثق في دينه وتقواه.
يقول الله -سبحانه- عن الهدف النهائي لليهود والنصارى في شأن المسلمين بصفة عامة: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ} [البقرة: 120] .
مما سبق يمكن تلخيص موقف الأمة في مستقبل علاقاتها مع الآخرين فيما يلي:
1-
الأمة الإسلامية -بحكم رسالتها، وبحكم وسطيتها وشهادتها على الناس لا بد من أن تتصل بالغرب وتتعامل معه. وهي إذ تقوم بذلك إما أن تكون بكامل إرادتها وسيادتها، فيكون لها التمكين والنصر والريادة، وإما أن يتم ذلك وهي مفككة، مسلوبة الإرادة فيكون مصيرها الانهيار والذوبان في الآخرين أو فقدان الشخصية الفاعلة على الأقل!
2-
ولكي تتعامل الأمة مع الغرب بكامل إرادتها، لا بد من أن تتوحد إرادة أبنائها من خلال تجسيد المنهج الإسلامي في مجتمعاتها، باعتبار المنهج الإنساني العالمي الأخير لتحرير الإنسان من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده. إن هذا هو طريق العزة الوحيد لهذه الأمة، وقد صور ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه بقوله:"لقد أعزكم الله بالإسلام، فإن ابتغيتم العزة في غيره أذلكم الله".