الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وهنا لا يجب أن نفهم أن أساس الرفعة هو المال فقط، فالصحيح أن كل فرد في المجتمع مرفوع مرة، ومرفوع عليه مرة أخرى، فالفرد في المجتمع مرفوع فيما يجيد وفيما يحسن، ومرفوع عليه غيره فيما لا يجيده ولا يحسنه، إذن فكل فرد فاضل في جهة ومفضول عليه في جهة أخرى، والمفضول عليه يسخر الفاضل لخدمته. إذن فكل فرد في الكون مسخر لكل فرد، وعلى هذا فلا يجب تفسير قوله تعالى:{لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا} [الزخرف: 32] على أساس أن الطبقة الأعلى تسخر الطبقة الأدنى.
إن المجتمع الإسلامي مجتمع غير طبقي، والقرآن دقيق في تعبيره، فقوله تعالى:{وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ} [الزخرف: 32] جعلك لا تستطيع أن تحدد البعض المرفوع، ولا البعض المرفوع عليه، لأن كلمة "بعض" مبهمة، فكل بعض مرفوع وكل بعض مرفوع عليه، والاختلاف والتفاوت إنما هو في قدر الدرجات في كل زاوية وفي كل علم وفي كل فن، وفي كل مهارة، فالفاضل مرفوع بقدر مهارته في العلم ودرجة إتقانه له.
وبذلك ينسجم المجتمع ولا يتصارع، وإنما يتعاون ويتعاضد، فلو تساوى الناس في علم واحد أو فن واحد أو مهارة واحدة لتدافعوا وتصارعوا. ولكن كلا منهم يحتاج إلى الآخر، وعجز هذا تكمله قدرة ذاك، وخير الناس أنفعهم للناس، وهذه واحدة من أجل معاني العدالة.
31-
إدراك الطلاب لأهمية نظام الأسرة:
الأسرة هي قاعدة البناء الاجتماعي، وهي تقوم على أساس "التخصص" بين الزوجين في العمل، ورعاية الجيل الناشئ هي أهم وظائف الأسرة، فالمجتمع الذي هذا شأنه هو المجتمع المتحضر.. ذلك أن الأسرة على هذا النحو -في ظل المنهج الإسلامي "تكون هي البيئة التي تنشأ وتنمى فيها القيم والأخلاق "الإنسانية". ممثلة في الجيل الناشئ، والتي يستحيل أن تنشأ في وحدة أخرى غير وحدة الأسرة. فأما حين تكون العلاقات الجنسية "الحرة كما يسمونها" والنسل "غير الشرعي" هو قاعدة المجتمع، حين تقوم العلاقات بين الجنسين على أساس الهوى والنزوة والانفعال، لا على أساس الواجب والتخصص الوظيفي في الأسرة.. حين تصبح وظيفة المرأة هي الزينة والغواية والفتنة.. وحين تتخلى المرأة عن وظيفتها الأساسية في رعاية الجيل الجديد، وتؤثر هي -أو يؤثر لها المجتمع "أن تكون عاملة في أي مكان، بالنهار أو بالليل". حين تنفق طاقتها في "الانتاج المادي" و"صناعة
الأدوات"، ولا تنفقها في "صناعة الإنسان" لأن الإنتاج المادي يومئذ أغلى وأعز وأكرم من "الإنتاج الإنساني" عندئذ يكون هذا هو "التخلف الحضاري" بالقياس الإنساني.. أو تكون هي الجاهلية بالمصطلح الإسلامي"1.
لقد شاءت فطرة الله أن يكون ميدان إنشاء العنصر الإنساني وتنشئته هو ميدان عمل المرأة بالدرجة الأولى، ويقارن الشيخ محمد متولي الشعراوي بين ميدان عمل المرأة هذا وبين ميدان عمل الرجل خارج البيت، ويرى أن ميدان عمل المرأة أهم وأدق من ميدان عمل الرجل؛ لأن الرجل -بحكم عمله خارج البيت- إنما يتعامل مع "أشياء" هي كلها مسخرة لخدمة الإنسان، الذي هو أكرم ما في الوجود كله، أما المرأة فمهمتها هي التعامل مع هذا المخلوق الراقي، الكريم على الله، وهو الإنسان، تتعامل معه كزوج فيسكن إليها، وتتعامل معه جنينا في بطنها، وووليدا في حضنها، ورضيعا تغذيه وتحنو عليه، وطفلا، وصبيا، وشابا تربيه وترعاه وتضرب له المثل.
إن ترك المرأة لهذا الميدان الذي هو مجال عملها الرئيسي -والذي خلقها الله وفطرها لتحسن الأداء فيه- إلى ميدان آخر، لهو مأساة بكل المقاييس يقول الأستاذ عباس محمود العقاد:"إن المجتمع الذي يتزاحم فيه الرجال والنساء على عمل واحد في المصانع والأسواق، لن يكون مجتمعا صالحا، مستقيما على سواء الفطرة مستجمعا لأسباب الرضى والاستقرار بين بناته وبنيه؛ لأنه مجتمع يبذر جهوده تبذير السرف والخطل، على غير طائل، ويختل فيه نظام العمل والسوق، كما يختل فيه نظام الأسرة والبيت"2.
فالمرأة لم تزود بالعطف والحنان والرفق بالطفولة، والقدرة على فهمها وإفهامها، والسهر على رعايتها في أطوارها الأولى لتهجر البيت، وتلقي بنفسها في غمار الأسواق والدكاكين. وسياسة الدولة كلها ليست بأعظم شأنا، ولا بأخطر عاقبة، من سياسة البيت؛ لأنهما عالمان متقابلان: عالم العراك والجهاد، يقابله عالم السكينة والاطمئنان؛ وتدبير الجيل الحاضر يقابله تدبير الجيل المقبل. وكلاهما في اللزوم وجلالة الخطر سواء3.
وإذا كان ميدان المرأة الحقيقي هو البيت بمن فيه وما فيه، فإن تركها لهذا الميدان وخروجها للعمل في المجتمع الخارجي على اتساعه يعد تخريبا للميدان الحقيقي الذي تركته، وللميدان الجديد الذي لم تعد له بالفطرة والاستعداد والدربة. "ولولا مركب النقص، لكان للمرأة فخر بمملكة البيت، وتنشئة "المستقبل" فيه، لا يقل
1 سيد قطب: معالم في الطريق، مرجع سابق، ص123، 124.
2 عباس محمود العقاد: المرأة في القرآن، القاهرة، دار الإسلام، 1973م، ص46-47.
3 المرجع السابق.
عن فخر الرجل بسياسة "الحاضر"، وحسن القيام على مشكلات المجتمع التي تحتاج إلى الجهد والكفاح. وهي لو رجعت إلى سليقتها، لأحست أن زهوها بالأمومة، أغلى لديها، وألصق بطبعها من الزهو بولاية الحكم ورئاسة الديوان، فليس في العواطف الإنسانية شعور يملأ المرأة، كما يملؤه الشعور بالتوفيق في الزواج، والتوفيق في إنماء البنين الصالحين، والبنات الصالحات.."1.
إذن فقضية الأسرة والعلاقات بين الجنسين، قضية حاسمة في تحديد صفة المجتمع، فالمجتمعات التي تسود فيها النزعات الحيوانية لا يمكن أن تكون مجتمعات متحضرة، مهما تبلغ من التفوق الصناعي والاقتصادي والعلمي.
إن هذه المجتمعات متخلفة أو جاهلية.. من وجهة نظر "الإسلام" وبمقياس خط التقدم "الإنساني"، مهما كانت درجة تفوقها العلمي أو الاقتصادي.
والخلاصة: أن الإسلام هو الحضارة، والمجتمع الإسلامي هو المجتمع المتحضر، لأنه يؤمن أن إعداد جيل يترقى في خصائص "الإنسانية"، ويبتعد عن خصائص "الحيوانية"، لا يمكن أن يتم إلا في محضن "أسرة" قائمة على أساس الواجب والتخصص، ومحوطة بضمانات الأمن والاستقرار العاطفي، فهذا ما يوفر للمجتمع مقومات الترقي على خط التقدم الإنساني، لذلك جعل الله الزوجة شق النفس، ومحضن السكينة والأمن والاستقرار، فهذا هو المحضن "الإنساني" الوحيد الذي يعد الأجيال التي تسير صعدا على خط التقدم الإنساني، قال تعالى:{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21] .
1 المرجع سابق، ص47.