الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إن هذا يعني أن مناهج العلوم الشرعية ومناهج العلوم الاجتماعية ومناهج اللغات والفنون والآداب يجب أن تتعاون في إيضاح نظم الحياة السابقة بما يتفق مع دين الله ومنهجه للحياة. إن إهمال ذلك في مناهج التربية والتعليم إما أن يؤدى إلى الغلو في الدين واتهامه بما ليس فيه، وإما إلى الابتعاد عن دين الله وعبادة الشيطان.
يجب علينا جميعا -آباء ومعلمين ومربين- أن نعلم أبناءنا أن الله إنما خلقهم لإعمار الدنيا وترقية الحياة. فلا معنى للعمل للآخرة ونسيان الدنيا، ولا معنى للاستغراق في الدنيا ونسيان الآخرة. فالحياة الدنيا ليست بديلا ولا نقيضا للحياة الآخرة، فمن حسنت دنياه حسنت آخرته، ومن ساءت دنياه ساءت آخرته. قال تعالى:{وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [القصص: 77] .
إن منهج تربية المسلم المعاصر لا بد وأن يأخذ في اعتباره عند تخطيطه، وتنفيذه، وتطويره، أن الإسلام هو الإطار المرجعي لهذه الأمة، وأنه وحده هو الكفيل بالحيلولة دون انسحاقها أو تبعيتها.
مفهوم العبادة وعلاقته بمناهج التربية:
تصور الإنسان للعبادة قد لازمه في تاريخه كله، منذ خلق الله آدم حتى الآن، فالعبادة عاطفة فطرية مركوزة في النفس الإنسانية بحكم فطرتها، فهي حاجة نفسية ضرورية كحاجة النفس إلى إشباع دوافع الجوع والعطش، والأمن والاطمئنان، والراحة، والجنس
…
إلخ، إذن، العبادة عاطفة فطرية، مغروزة في الإنسان تدفعه إلى تلمس إله للعبادة، وإلى هذا الحد فالعبادة عاطفة فطرية لا يختلف حالها في نفوس البشر عن سائر العواطف الإنسانية الأخرى.
لكن إشباع هذه الحاجة أو العاطفة الفطرية المغروزة في خلق الإنسان من يوم أن خلقه الله، تختلف باختلاف مراحل التاريخ الإنساني، وباختلاف الجماعات الإنسانية، وباختلاف الأفراد، فكما يختلف الناس في أساليب إشباعهم لحاجات الطعام والشراب واللباس والجنس.. إلخ، فكذلك يختلفون في تصوراتهم لعباداتهم ومعبوداتهم وآلهتهم.
العبادة تشمل كل نشاط الحياة:
من أهم خواص منهج التربية أنه منهج عبادة لله، إن العبادة هي العبودية لله وحده، والتلقي من الله وحده، في كل أمور الدنيا والآخرة.. إنها الصلة الدائمة بالله في جميع الأحوال.
والعبادة -على هذا النحو- تتمثل في أمرين:
الأمر الأول: هو الاعتراف بوجود الله الواحد الأحد، الذي لا شيء غيره معه، وليس كمثله شيء، ولا حقيقة لوجود إلا وجوده، ولا حقيقة لفاعلية إلا فاعليته، ولا أثر لإرادة إلا إرادته، ولا توجه حقيقي في الرغبة والرهبة، في السراء والضراء، في النعماء والبأساء إلا إليه.
الأمر الثاني: هو الأخذ بالسنن الإلهية، التي يسير الكون بموجبها، فالله سبحانه وتعالى جعل الإنسان خليفته في الأرض ليعمرها، ويرقى الحياة على ظهرها، ومقتضى العبادة أن يأخذ المؤمن بالأسباب التي تعينه على عمارة الأرض واستغلال ما أودع فيها من كنوز وثروات وطاقات1، على أن يستقر في عقله وقلبه في جميع الأحوال نفي فاعلية الأسباب الظاهرة، ورد كل شيء وكل حدث، وكل حركة إلى السبب الأول الذي منه صدرت، وبه تأثرت، وقد عنى القرآن عناية كبيرة بتقرير هذه الحقيقة في التصور الإيماني، ولذلك فهو دائما ينحي الظاهرة، ويصل الأمور مباشرة بمشيئة الله {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} [الأنفال: 17] ، {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} [الأنفال: 10] ، {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ} [التكوير: 29] ، وهكذا.
والإسلام يوسع مفهوم العبادة لتشمل كل الحياة، ليس حياة الإنسان فقط، بل حياة كل المخلوقات:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء: 44] .
والإسلام بهذا المفهوم للعبادة لا يقصر العبادة التي يقوم بها الإنسان على لحظات المناسك القصيرة للصلاة والصيام والزكاة والحج، فهذه ليست إلا لحظات قصيرة عابرة في صفحة النفس وفي صفحة الكون، وقيمتها تكمن في آثارها على السلوك النفسي في كل وقت على طول الحياة، لكن "الإسلام يوسع مفهوم العبادة حتى تشمل كل الحياة، فكل عمل يتوجه به الإنسان إلى الله فهو عبادة، وكل عمل
1 سيد قطب: في ظلال القرآن، مرجع سابق، ص589-591.
يتركه الإنسان تقربا لله واحتسابا فهو عبادة، وكل شعور نظيف في باطن النفس فهو عبادة، وكل امتناع عن شعور هابط من أجل مرضاة الله فهو عبادة، وكل ذكر لله في الليل والنهار فهو عبادة، ومن ثم تشمل العبادة الحياة، ويصبح الإنسان عابدا لله حيثما توجه إلى الله"1.
وهكذا
…
تصبح العبادة من مظاهر التجمع والتوجه في الكينونة الإنسانية، حيث يصبح النشاط الإنساني كله حركة واحدة متجهة إلى تحقيق غاية الوجود الإنساني وهي العبادة.
مكافأة العبودية:
والله -سبحانه- يكافئ كل خلقه على عبوديتهم له:
{وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا} [هود: 6] . فالإنسان كما يساوي غير من الموجودات في هذا الكون في عبادة الله، يساويها كذلك في نيل المكافأة، وكل ما يرى من فروق في أشكال المكافأة التي ينالها الإنسان وتنالها الموجودات إنما ترجع إلى الفروق بينهما في القابلية والحاجات. فالفروق هنا من ناحية شكل المكافأة، لا أصل المكافأة.
وينال المؤمن والكافر مكافأة العبودية لله إذا أخذ بالسنن الكونية، والمقصود بالعبودية هنا عبودية الفطرة التي فطر الله الناس عليها، التي عبر عنها ابن تيمية بـ"توحيد الربوبية"، وعبر عنها المودودي بـ"العبادة الفطرية"، لكن المكافأة لغير المؤمن هنا مقصودة على الحياة الدنيا فقط، على حين أنها تكون للمؤمن في الدنيا والآخرة.
بل إن الكافر إذا فاق المؤمن في الأخذ بقانون الفطرة، كأن يكون أمهر منه في العمل، أو أكثر منه جدية فيه، أو أفضل منه أخذا بالأسباب، فإنه ينال مكافأته على تلك "العبادة" بأحسن مما يناله المؤمن2؛ لأنه أخذ بالسنن الإلهية التي يسير الكون بموجبها. لكن هذه المكافأة لا تعدو أن تكون في حقيقتها متاع الغرور؛ لأن غير المؤمنين ينسبون آثار الأعمال للأسباب الظاهرة، بينما المؤمن ينحي الأسباب الظاهرة، ويرد كل شيء إلى الله.
إن المؤمن الذي يأخذ بالأسباب، بكل الدقة والمهارة المطلوبة للعمل، وهو في نفس الوقت يراقب الله في العمل، أو يحس بأن الله يراه، هذا المؤمن له متاع الحياة الدنيا خيرا، ونصرا، وقوة، وتمكينا في الأرض، وقيادة لها، وله في الآخرة جنات
1 محمد قطب: منهج الفن الإسلامي، بيروت دار الشروق، 1403هـ-1983م، ص67.
2 أبو الأعلى المودودي: مفاهيم إسلامية حول الدين والدولة، الدار السعودية للنشر والتوزيع، جدة، 1405هـ-1985م، ص7-14.
وعيون، ومقام عند الله كريم:{إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ} [الذاريات: 15، 16] .
إن قصر مفهوم العبادة على الشعائر التعبدية من صلاة، وصيام، وزكاة، وحج، تؤدى في لحظات قصيرة لا أثر لها في صفحة النفس ولا في صفحة الكون، هذا المفهوم الذي دلف إلى حياة المسلمين في القرون الأخيرة هو الذي أدى إلى حياة الذل والهوان، والتخلف الذي تعاني منه الأمة الآن.
إن نسيان تعاليم القرآن التي تقرر بجلاء -كما يقول الشيخ محمد الغزالي- أن الأرض مخلوقة للناس، وأن التمكين فيها جزء من رسالة الحياة الأولى والأخرى
…
إن هذا هو الذي أغرى الكثيرين من أبناء الأمة بالتمسك بأحاديث ضعيفة في سندها ومتنها تغري بالتجرد والفقر.
إننا الآن -بالمقارنة بشعوب العالم- شعوب مستهلكة لا منتجة، تأخذ أكثر مما تعطي، ويستحيل أن تنجح رسالة كبرى يوم يكون حملتها في هذا المستوى، إن امتلاك الحياة الدنيا عن علم وقدرة وخبرة هو السبيل الأوحد لنصرة المبادئ والمذاهب.
إن العالم عندما يرانا نتسول أرزاقنا من غرس أعدائنا الذين يصنعون لنا الطعام والكساء والدواء والسلاح، فلن يسمع منا، ولن يرتضينا له قادة، فلا يجوز أن يكون الإمام أجهل من المأموم.
فالاستخلاف في الأرض، والتمكين، والأمن، والقيادة، والريادة، والنصر.. كل هذا مرهون بالعبادة الحقيقة لله، وحيث إننا أعرضنا عن العبادة الحقيقية، فلماذا ننتظر الاستخلاف، والريادة، والقيادة، والنصر؟
هذا هو المحور الذي يجب أن يدور حوله، ويركز عليه منهج تربية الإنسان المعاصر.. وإلا فلن يكون إنسانا، ولن يكون أصيلا، ولن يكون معاصرا.