الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الْأَمْرِ إنَّمَا يُبَاحُ الشُّرْبُ وَالْأَكْلُ وَالْجِمَاعُ بَعْدَ الْغُرُوبِ إلَى أَنْ يَنَامَ الْمُكَلَّفُ أَوْ يُصَلِّيَ الْعِشَاءَ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ جَمِيعُ ذَلِكَ ثُمَّ وَقَعَ لِقَيْسِ بْنِ صِرْمَةَ - بِكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ - أَنَّهُ طَلَبَ مِنْ امْرَأَتِهِ مَا يُفْطِرُ عَلَيْهِ فَذَهَبَتْ لِتَأْتِيَ لَهُ بِهِ فَوَجَدَتْهُ قَدْ نَامَ فَأَصْبَحَ صَائِمًا فَغُشِيَ عَلَيْهِ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ فَنَزَلَ قَوْله تَعَالَى {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ} [البقرة: 187] الْآيَةَ.
وَرُوِيَ «أَنَّ عُمَرَ رضي الله عنه أَرَادَ وَطْءَ امْرَأَتِهِ فَزَعَمَتْ أَنَّهَا نَامَتْ فَكَذَّبَهَا وَوَطِئَهَا ثُمَّ خَوَّنَ نَفْسَهُ وَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم» وَذَكَرَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ فَنَزَلَ قَوْله تَعَالَى: {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: 187] . الْآيَةَ. وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْأَمْرَيْنِ سَبَبٌ لِنُزُولِهَا فَأُبِيحَ جَمِيعُ ذَلِكَ مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ. وَحِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّةِ الصَّوْمِ هُوَ مُخَالَفَةُ الْهَوَى؛ لِأَنَّهُ يَدْعُو إلَى شَهْوَتَيْ الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ وَكَسْرُ النَّفْسِ وَتَصْفِيَةُ مِرْآةِ الْعَقْلِ وَالِاتِّصَافُ بِصِفَةِ الْمَلَائِكَةِ وَالتَّنْبِيهُ عَلَى مُوَاسَاةِ الْجَائِعِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَاب مَا يَثْبُت بِهِ رَمَضَان]
ص (بَابُ يَثْبُتُ رَمَضَانُ بِكَمَالِ شَعْبَانَ)
ش: يَعْنِي أَنَّ رَمَضَانَ يَثْبُتُ بِأَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا الرُّؤْيَةُ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا وَالثَّانِي إكْمَالُ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَذَلِكَ إذَا لَمْ يُرَ الْهِلَالُ لِغَيْمٍ أَوْ نَحْوِهِ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ مِنْ الشُّهُورِ وَلَوْ تَوَالَى الْغَيْمُ فِي شُهُورٍ مُتَعَدِّدَةٍ فَقَالَ مَالِكٌ: يُكْمِلُونَ عِدَّةَ الْجَمِيعِ حَتَّى يَظْهَرَ خِلَافُهُ اتِّبَاعًا لِلْحَدِيثِ وَيَقْضُونَ إنْ تَبَيَّنَ لَهُمْ خِلَافُ مَا هُمْ عَلَيْهِ فَإِنْ حَصَلَ الْغَيْمُ فِي رَمَضَانَ وَمَا قَبْلَهُ مِنْ الشُّهُورِ فَكَمَّلُوهَا ثَلَاثِينَ ثَلَاثِينَ ثُمَّ إنْ رَأَوْا هِلَالَ شَوَّالٍ لَيْلَةَ ثَلَاثِينَ مِنْ رَمَضَانَ لَمْ يَقْضُوا شَيْئًا لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ رَمَضَانُ نَاقِصًا فَإِنْ رَأَوْا شَوَّالًا لَيْلَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ قَضَوْا يَوْمًا وَاحِدًا وَإِنْ رَأَوْهُ لَيْلَةَ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ قَضَوْا يَوْمَيْنِ وَإِنْ رَأَوْهُ لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ قَضَوْا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَنَقَلَهُ فِي الذَّخِيرَةِ.
(تَنْبِيهَانِ: الْأَوَّلُ) فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ. جَوَازُ اسْتِعْمَالِ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الشَّهْرِ وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ وَابْنُ الْفَرَسِ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ وَكَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ وَالْقَرَافِيِّ وَالْجُزُولِيِّ وَقَالَ فِي الْإِكْمَالِ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم وَتَصُومُ رَمَضَانَ: أَنَّهُ يَرُدُّ قَوْلَ مَنْ كَرِهَ أَنْ يُقَالَ: صُمْنَا رَمَضَانَ. حَتَّى يُقَالَ: شَهْرَ. وَقَالَ: إنَّهُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ لَا يَصِحُّ وَحَكَى الْبَاجِيُّ عَنْ الْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الطَّيِّبِ أَنَّهُ قَالَ: إنَّمَا يُكْرَهُ ذَلِكَ فِيمَا يُلْبِسُ، مِثْلُ: جَاءَ رَمَضَانُ وَدَخَلَ رَمَضَانُ وَأَمَّا صُمْنَا رَمَضَانَ فَلَا بَأْسَ بِهِ، انْتَهَى.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: قَوْلُهُ وَتَصُومُ رَمَضَانَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ قَوْلِ الْقَائِلِ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ إضَافَةِ الشَّهْرِ إلَيْهِ خِلَافًا لِمَنْ يَقُولُ: لَا يُقَالُ إلَّا شَهْرُ رَمَضَانَ تَمَسُّكًا فِي ذَلِكَ بِحَدِيثٍ لَا يَصِحُّ ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ الْإِكْمَالِ وَقَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّةِ: اُخْتُلِفَ هَلْ يُقَالُ جَاءَ رَمَضَانُ؟ فَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ بِجَوَازِهِ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ إذَا دَخَلَ رَمَضَانُ، انْتَهَى. وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْجَوَازِ وَعَدَمِهِ وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الْإِكْمَالِ أَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِي الْكَرَاهَةِ وَهُوَ الظَّاهِرُ كَمَا سَيَأْتِي فِي كَلَامِ النَّوَوِيِّ وَقَالَ فِي الْإِكْمَالِ فِي كِتَابِ الصَّوْمِ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَذَكَرَ الدَّمِيرِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ فِي شَرْحِ سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ وَابْنِ حَجَرَ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: رَمَضَانُ وَتَبِعَا فِي ذَلِكَ النَّوَوِيَّ فَإِنَّهُ قَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي كِتَابِ الصَّوْمِ: فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ قَالَتْ، طَائِفَةٌ: لَا يُقَالُ: رَمَضَانُ عَلَى انْفِرَادِهِ بِحَالٍ وَإِنَّمَا يُقَالُ: شَهْرُ رَمَضَانَ، وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِمْ. وَقَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا وَابْنُ الْبَاقِلَّانِيِّ: إنْ كَانَ هُنَالِكَ قَرِينَةٌ تُصْرَفُ إلَى الشَّهْرِ فَلَا كَرَاهَةَ وَإِلَّا فَتُكْرَهُ. وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ مَذْهَبُ الْبُخَارِيِّ وَالْمُحَقِّقِينَ أَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِي إطْلَاقِ رَمَضَانَ
بِقَرِينَةٍ وَبِغَيْرِ قَرِينَةٍ.
وَهَذَا الْمَذْهَبُ هُوَ الصَّوَابُ وَالْمَذْهَبَانِ الْأَوَّلَانِ فَاسِدَانِ، انْتَهَى. إلَّا أَنَّ كَلَامَ النَّوَوِيِّ لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ بَلْ ظَاهِرُ عِبَارَتِهِ أَنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ، وَالْعَجَبُ مِنْ الْأَبِيِّ فِي نَقْلِ كَلَامِهِ وَسُكُوتِهِ عَلَيْهِ وَعَدَمِ ذِكْرِهِ كَلَامَ الْقَاضِي عِيَاضٍ وَمِنْ ابْنِ الْفَاكِهَانِيِّ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ فِي نَقْلِهِ كَلَامَ النَّوَوِيِّ وَعَدَمِ تَنْبِيهِهِ عَلَى مَا نَسَبَهُ لِأَصْحَابِ مَالِكٍ مَعَ أَنَّهُ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ فِي كَلَامِهِ مُؤَاخَذَةً عَلَيْهِ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ وَذَكَرَهَا ((قُلْتُ)) وَمَا نَسَبَهُ لِأَصْحَابِ مَالِكٍ غَرِيبٌ غَيْرُ مَعْرُوفٍ فِي الْمَذْهَبِ وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي لَفْظِ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّإِ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَفْظُ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الشَّهْرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَنَقَلَ الْمَسْأَلَةَ النَّوَوِيُّ أَيْضًا فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِنِسْبَةِ ذَلِكَ لِأَصْحَابِ مَالِكٍ وَنَصُّهُ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ يُكْرَهُ أَنْ يُقَالَ رَمَضَانُ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الشَّهْرِ؟ فَذَهَبَ بَعْضُ الْمُتَقَدِّمِينَ إلَى كَرَاهَتِهِ وَقَالَ أَصْحَابُنَا: إنْ كَانَتْ هُنَاكَ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الشَّهْرُ كَقَوْلِهِ: صُمْت رَمَضَانَ، وَجَاءَ رَمَضَانُ الشَّهْرُ الْمُبَارَكُ. لَمْ يُكْرَهْ إفْرَادُهُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ قَرِينَةٌ كُرِهَ كَقَوْلِهِ: جَاءَ رَمَضَانُ وَدَخَلَ رَمَضَانُ، قَالَ: وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «لَا تَقُولُوا رَمَضَانَ؛ فَإِنَّ رَمَضَانَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَكِنْ قُولُوا شَهْرَ رَمَضَانَ» . وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَضَعَّفَهُ وَالضَّعْفُ بَيِّنٌ عَلَيْهِ.
قَالَ: وَرَوَى الْكَرَاهَةَ فِي ذَلِكَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَالطَّرِيقُ إلَيْهَا فِي ذَلِكَ ضَعِيفٌ، وَالصَّحِيحُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْبُخَارِيُّ. وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِي ذَلِكَ مُطْلَقًا كَيْفَمَا قِيلَ: لِأَنَّ الْكَرَاهَةَ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِالشَّرْعِ وَلَمْ يَثْبُتْ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ. وَقَدْ صَنَّفَ جَمَاعَةٌ لَا يُحْصَوْنَ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَمْ يُثْبِتُوا هَذَا الِاسْمَ وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ جَوَازُ ذَلِكَ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ: «إذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ» . الْحَدِيثَ. وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ إذَا دَخَلَ رَمَضَانُ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: إذَا كَانَ رَمَضَانُ، انْتَهَى. وَقَالَ الْجُزُولِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: اُخْتُلِفَ فِي رَمَضَانَ هَلْ هُوَ اسْمٌ لِلشَّهْرِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ أَوْ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى؟ قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَجَمَاعَةٌ، انْتَهَى.
(الثَّانِي) قَالَ الْجُزُولِيُّ لَا يَجُوزُ أَنْ يُضَافَ الشَّهْرُ إلَى اسْمِهِ وَيُقَالُ شَهْرُ كَذَا إلَّا رَمَضَانُ وَرَبِيعَانِ فَيُقَالُ شَهْرُ رَمَضَانَ وَشَهْرُ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ وَلَا يُقَالُ شَهْرُ رَجَبٍ وَشَهْرُ شَوَّالٍ وَإِنَّمَا يُقَالُ رَجَبٌ وَشَوَّالٌ، انْتَهَى. وَمُرَادُهُ بِعَدَمِ الْجَوَازِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ فَقَدْ ذَكَرَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ الْفَرَّاءِ أَنَّهُ يُقَالُ هَذَا شَهْرُ رَمَضَانَ وَهُمَا شَهْرَا رَبِيعٍ وَلَا يُذْكَرُ الشَّهْرُ مَعَ أَسْمَاءِ سَائِرِ الشُّهُورِ الْعَرَبِيَّةِ. وَقَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّةِ: الشُّهُورُ كُلُّهَا مُذَكَّرَةٌ إلَّا جُمَادَى.
وَقَالَ ابْنُ دُرُسْتَوَيْهِ: لَيْسَ مِنْهَا شَيْءٌ يُضَافُ إلَيْهِ شَهْرٌ إلَّا رَمَضَانُ وَالرَّبِيعَانِ وَمَا كَانَ مِنْهَا اسْمًا لِلشَّهْرِ أَوْ صِفَةً قَامَتْ مَقَامَ الِاسْمِ فَهُوَ الَّذِي لَا يَجُوزُ أَنْ يُضَافَ الشَّهْرُ إلَيْهِ كَالْمُحَرَّمِ وَصَفَرٍ، انْتَهَى بِاخْتِصَارٍ. وَنَقَلَ الْجَلَالُ السُّيُوطِيّ فِي هَمْعِ الْهَوَامِعِ أَنَّ سِيبَوَيْهِ أَجَازَ إضَافَةَ شَهْرٍ إلَى سَائِرِ أَعْلَامِ الشُّهُورِ وَمَنَعَ ذَلِكَ الْمُتَأَخِّرُونَ فَقَالَ أَبُو حَيَّانَ: لَمْ تَسْتَعْمِلْ الْعَرَبُ مِنْ أَسْمَاءِ الشُّهُورِ مُضَافًا إلَى شَهْرٍ إلَّا رَمَضَانَ وَرَبِيعَ الْأَوَّلَ وَرَبِيعَ الْآخِرَ وَلَا يُقَالُ شَهْرُ الْمُحَرَّمِ وَلَا شَهْرُ جُمَادَى، انْتَهَى. وَهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ الضَّعِيفِ: إنَّ رَمَضَانَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الْمَشْهُورِ أَنَّهُ اسْمُ الشَّهْرِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ وَفِي مُخْتَصَرِ الْمُتَيْطِيَّةِ إشَارَةٌ إلَى هَذَا فَإِنَّهُ قَالَ: وَالْعِلَّةُ فِي اخْتِصَاصِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ بِذَلِكَ أَنَّ رَمَضَانَ قَدْ جَاءَ أَنَّهُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَمَّا رَبِيعُ فَلَزِمَهُ الشَّهْرُ؛ لِئَلَّا يَلْتَبِسَ بِفَصْلِ الرَّبِيعِ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تُسَمِّيهِ رَبِيعًا أَوَّلَ وَالْخَرِيفَ رَبِيعًا ثَانِيًا، انْتَهَى. وَقَالَ الْقَبَّابُ: قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: الْمَشْهُورُ فِي التَّلَفُّظِ بِاسْمِ الشَّهْرِ مَعَ الشَّهْرِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا وَهُوَ شَهْرُ رَبِيعٍ لَا تَقُولُ جَاءَ رَبِيعٌ الْأَوَّلُ أَوْ الْآخِرُ وَإِنَّمَا تَقُولُ جَاءَ شَهْرُ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ أَوْ الْآخِرِ، وَرَمَضَانُ أَنْتَ فِيهِ مُخَيَّرٌ إنْ شِئْت أَثْبَتَّهُ وَإِنْ شِئْت تَرَكْتَهُ
وَسَائِرُ الشُّهُورِ لَا يَجُوزُ أَنْ تَلْفِظَ مَنْعَهَا بِاسْمِ الشَّهْرِ وَإِنَّمَا تَقُولُ جَاءَ الْمُحَرَّمُ وَكَذَلِكَ سَائِرُهَا، هَذَا نَقْلُ أَهْلِ اللُّغَةِ، انْتَهَى. وَفُهِمَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ عَدَمَ الْجَوَازِ إنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ اللُّغَةِ وَلَعَلَّ هَذَا فِي الْأَكْثَرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (أَوْ بِرُؤْيَةِ عَدْلَيْنِ)
ش: هَذَا هُوَ الْأَمْرُ الثَّانِي الَّذِي يَثْبُتُ بِهِ رَمَضَانُ وَهُوَ الرُّؤْيَةُ وَهِيَ عَلَى وَجْهَيْنِ: مُسْتَفِيضَةٌ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا، وَغَيْرُ مُسْتَفِيضَةٍ، وَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ شَهَادَةِ عَدْلَيْنِ وَهَذَا فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَرَ الْهِلَالَ بِنَفْسِهِ وَأَمَّا مَنْ رَآهُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الصَّوْمُ كَمَا سَيَأْتِي وَعَلَى هَذَا فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ كَمَا قَالَ اللَّخْمِيُّ: الصَّوْمُ وَالْإِفْطَارُ يَصِحُّ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ، الرُّؤْيَةُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَالشَّهَادَةُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ شَهَادَةٌ فَبِكَمَالِ الْعِدَّةِ ثَلَاثِينَ
انْتَهَى.
ثُمَّ يُفَصِّلُ فِي الشَّهَادَةِ إلَى مُسْتَفِيضَةٍ وَغَيْرِ مُسْتَفِيضَةٍ بَلْ يَأْتِي فِي كَلَامِ صَاحِبِ الْمُقَدِّمَاتِ أَنَّ الصَّوْمَ يَجِبُ بِأَحَدِ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ وَمَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا هُوَ طَرِيقَةُ ابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ اشْتِرَاطِ عَدْلَيْنِ فِي الشَّهَادَةِ هُوَ الْمَشْهُورُ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: لَا يُصَامُ رَمَضَانُ وَلَا يُفْطَرُ فِيهِ وَلَا يُقَامُ الْمَوْسِمُ إلَّا بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ حُرَّيْنِ مُسْلِمَيْنِ عَدْلَيْنِ، انْتَهَى. فَلَا يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ خِلَافًا لِأَشْهَبَ وَلَا بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ خِلَافًا لِابْنِ مَسْلَمَةَ قَالَ فِي النَّوَادِرِ: وَلَا يُصَامُ وَلَا يُفْطَرُ بِشَهَادَةِ صَالِحِي الْأَرِقَّاءِ وَلَا مَنْ فِيهِ عَلَقَةُ رِقٍّ وَلَا بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ مِنْ الشُّهُورِ فَلَا يَثْبُتُ شَوَّالٌ وَذُو الْحِجَّةِ وَغَيْرُهُمَا مِنْ الشُّهُورِ إلَّا بِرُؤْيَةِ عَدْلَيْنِ وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ أَيْضًا: قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: رَأَيْت أَهْلَ مَكَّةَ يَذْهَبُونَ فِي هِلَالِ الْمَوْسِمِ فِي الْحَجِّ مَذْهَبًا لَا نَدْرِي مِنْ أَيْنَ أَخَذُوهُ إنَّهُمْ لَا يَقْبَلُونَ فِي الشَّهَادَةِ فِي هِلَالِ الْمَوْسِمِ إلَّا أَرْبَعِينَ رَجُلًا وَقِيلَ عَنْهُمْ خَمْسِينَ وَالْقِيَاسُ أَنْ يَجُوزَ فِيهِ شَاهِدَا عَدْلٍ كَمَا يَجُوزُ فِي الدِّمَاءِ وَالْقُرُوحِ وَلَا أَعْلَمُ شَيْئًا فِيهِ أَكْثَرَ مِنْ شَاهِدَيْنِ إلَّا الزِّنَا، انْتَهَى. وَنَقَلَهُ اللَّخْمِيُّ فَقَالَ: وَاخْتُلِفَ فِي مَوْسِمِ الْحَجِّ هَلْ يُكْتَفَى فِي ذَلِكَ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ؟ فَالظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِهِ الْجَوَازُ ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَقَالَ بَعْدَهُ: وَهُوَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ سَحْنُونٍ فِي أَنَّهُ لَا يُكْتَفَى بِشَاهِدَيْنِ، انْتَهَى.
وَيَعْنِي قَوْلَ سَحْنُونٍ فِي مَسْأَلَةِ شَهَادَةِ الشَّاهِدَيْنِ فِي الصَّحْوِ بِالْمِصْرِ الْكَبِيرِ. وَنَقَلَ ابْنُ الْحَاجِّ فِي مَنَاسِكِهِ كَلَامَ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَنَقَلَهُ التَّادَلِيُّ وَذَكَرَ بَعْدَهُ كَلَامَ اللَّخْمِيِّ لَكِنَّهُ يُوهِمُ أَنَّ قَوْلَ سَحْنُونٍ فِي هِلَالِ الْمَوْسِمِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَقَالَ سَنَدٌ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ كَلَامَ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَعِنْدِي أَنَّهُمْ رَأَوْا شَأْنَ الْحَجِّ مِنْ أَعْظَمِ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ وَأَعْظَمِ الْحُقُوقِ يُعْتَبَرُ فِيهِ خَمْسُونَ رَجُلًا وَهُوَ الْقَسَامَةُ فِي الدَّمِ، انْتَهَى.
(تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ) عُلِمَ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِمْ يَثْبُتُ رَمَضَانُ بِكَذَا خُصُوصِيَّةَ الثُّبُوتِ عِنْدَ الْقَاضِي وَإِنَّمَا الْمُرَادُ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ أَنْ يَثْبُتَ حُكْمُهُ وَيَسْتَقِرَّ وُجُودُهُ عِنْدَ الْقَاضِي وَغَيْرِهِ وَسَيَأْتِي فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ وَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ.
(الثَّانِي) قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي الْأَلْغَازِ: إذَا تَعَلَّقَ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ فَرْضٌ كَالصَّوْمِ وَالْفِطْرِ فَلَا بُدَّ مِنْ اثْنَيْنِ وَأَمَّا إذَا أُرِيدَ بِذَلِكَ عِلْمُ التَّارِيخِ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ فِي ذَلِكَ رُؤْيَةُ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ وَالْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّهُ خَبَرٌ فَيُقْبَلُ مِنْهُمْ وَنَقَلَهُ عَنْ الطُّرْطُوشِيِّ فِي أَوَّلِ تَعْلِيقِهِ الْخِلَافَ وَدَخَلَ فِي قَوْلِهِ إذَا تَعَلَّقَ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ فَرْضُ كُلِّ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ فَإِذَا تَعَلَّقَ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ حُلُولُ دَيْنٍ أَوْ إكْمَالُ مُعْتَدَّةٍ عِدَّتَهَا فَلَا بُدَّ فِي ذَلِكَ مِنْ شَاهِدَيْنِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَائِدَةٌ) قَالَ فِي الْأَذْكَارِ: رَوَيْنَا فِي مُسْنَدِ الدَّارِمِيِّ وَكِتَابِ التِّرْمِذِيِّ أَنَّ «النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إذَا رَأَى الْهِلَالَ قَالَ: اللَّهُمَّ أَهِلَّهُ عَلَيْنَا بِالْيُمْنِ وَالْإِيمَانِ وَالسَّلَامَةِ وَالْإِسْلَامِ رَبِّي وَرَبُّك اللَّهُ.» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ وَفِي مُسْنَدِ الدَّارِمِيِّ أَيْضًا «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إذَا رَأَى الْهِلَالَ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُمَّ أَهِلَّهُ عَلَيْنَا بِالْيُمْنِ وَالْإِيمَانِ وَالسَّلَامَةِ وَالْإِسْلَامِ وَالتَّوْفِيقِ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى رَبُّنَا وَرَبُّك اللَّهُ» . وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد «كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إذَا رَأَى الْهِلَالَ قَالَ: هِلَالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ هِلَالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ آمَنْت بِاَلَّذِي خَلَقَك ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي ذَهَبَ بِشَهْرِ كَذَا وَجَاءَ بِشَهْرِ كَذَا» ، انْتَهَى. وَقَوْلُهُ: هِلَالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ هَكَذَا ذَكَرَهُ فِي الْأَذْكَارِ مَرَّتَيْنِ وَصَرَّحَ بِذَلِكَ الدَّمِيرِيُّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ فَقَالَ: وَفِي أَبِي دَاوُد «كَانَ يَقُولُ: هِلَالُ رُشْدٍ وَخَيْرٍ مَرَّتَيْنِ» ، انْتَهَى. وَرَأَيْتُهُ فِي نُسْخَةٍ مُصَحَّحَةٍ مِنْ أَبِي دَاوُد مُكَرَّرًا ثَلَاثًا قَالَ الدَّمِيرِيُّ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ مَا تَقَدَّمَ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ بَعْدَ ذَلِكَ سُورَةَ الْمُلْكِ لِأَثَرٍ وَرَدَ فِيهِ وَلِأَنَّهَا الْمُنْجِيَةُ الْوَافِيَةُ قَالَ الشَّيْخُ يَعْنِي تَقِيَّ الدِّينَ السُّبْكِيَّ: وَكَانَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا ثَلَاثُونَ آيَةً بِعَدَدِ أَيَّامِ الشَّهْرِ وَلِأَنَّ السَّكِينَةَ تَنْزِلُ عِنْدَ قِرَاءَتِهَا وَكَانَ
- صلى الله عليه وسلم يَقْرَؤُهَا عِنْدَ النَّوْمِ.
(فَائِدَةٌ) أُخْرَى قَالَ فِي النِّهَايَةِ فِي حَرْفِ السِّينِ: «كَانَ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ إذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ: اللَّهُمَّ سَلِّمْنِي مِنْ رَمَضَانَ وَسَلِّمْ رَمَضَانَ لِي وَسَلِّمْهُ مِنِّي» .
قَوْلُهُ: سَلِّمْنِي مِنْ رَمَضَانَ أَيْ لَا يُصِيبُنِي فِيهِ مَا يَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَ صِيَامِهِ مِنْ مَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَقَوْلُهُ: وَسَلِّمْهُ لِي هُوَ أَنْ لَا يَغُمَّ عَلَيْهِ الْهِلَالُ فِي أَوَّلِهِ أَوْ آخِرِهِ فَيَلْتَبِسَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ وَالْفِطْرُ، وَقَوْلُهُ: سَلِّمْهُ مِنِّي أَيْ يَعْصِمُهُ مِنْ الْمَعَاصِي فِيهِ، انْتَهَى.
وَانْظُرْ قَوْلَهُ هُوَ أَنْ لَا يَغُمَّ عَلَيْهِ الْهِلَالُ فِي أَوَّلِهِ مَعَ قَوْلِهِ إذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُهُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَتَرَاءَى النَّاسُ فِيهِ الْهِلَالَ قَبْلَ حُصُولِ الرُّؤْيَةِ
ص (وَلَوْ بِصَحْوٍ بِمِصْرٍ)
ش: أَشَارَ بِلَوْ لِقَوْلِ سَحْنُونٍ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الشَّاهِدَيْنِ إذَا لَمْ يَشْهَدْ غَيْرُهُمَا فِي الْمِصْرِ الْكَبِيرِ وَالصَّحْوِ قَالَ: وَأَيُّ رِيبَةٍ أَكْبَرُ مِنْ هَذَا نَقَلَهُ فِي النَّوَادِرِ وَغَيْرِهَا.
(قُلْت) وَلَمْ أَرَ مَنْ نَقَلَ عَنْهُ كَمْ يَكْفِي فِي ذَلِكَ، وَهَكَذَا قَالَ اللَّخْمِيُّ بَعْدَ أَنْ حَكَى كَلَامَهُ مَا نَصُّهُ: وَلَمْ يُرْوَ عَنْهُ فِي الْعَدَدِ الَّذِي يُكْتَفَى بِهِ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ، انْتَهَى.
ص (فَإِنْ لَمْ يَرَ بَعْدَ ثَلَاثِينَ صَحْوًا كَذِبَا) ش تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ: لَيْسَ بِمُفَرَّعِ عَلَى شَهَادَةِ الشَّاهِدَيْنِ فِي الصَّحْوِ وَالْمِصْرِ كَمَا قِيلَ: بَلْ هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، انْتَهَى.
((قُلْتُ)) وَمَا قَالَهُ ظَاهِرٌ قَالَ فِي النَّوَادِرِ وَمِنْ الْمَجْمُوعَةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ نَافِعٍ وَهُوَ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ فِي شَاهِدَيْنِ شَهِدَا عَلَى هِلَالِ شَعْبَانَ فَيُعَدُّ لِذَلِكَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا ثُمَّ لَمْ يَرَ النَّاسُ الْهِلَالَ لَيْلَةَ إحْدَى وَثَلَاثِينَ وَالسَّمَاءُ مُصْحِيَةٌ قَالَ: هَذَانِ شَاهِدَا سُوءٍ، انْتَهَى.
وَهُوَ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ عَلَيْهِمَا بِكَوْنِهِمَا شَاهِدَا سُوءٍ إنَّمَا يَظْهَرُ حِينَئِذٍ وَأَمَّا مَعَ وُجُودِ الْغَيْمِ أَوْ صِغَرِ الْمِصْرِ وَقِلَّةِ النَّاسِ فَيُحْمَلُ أَمْرُهُمَا عَلَى السَّدَادِ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الصِّيَامِ وَلَا مِنْ كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ وَلَا مِنْ كِتَابِ الشَّهَادَاتِ وَلَعَلَّهَا فِي سَمَاعِهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ وَيُشِيرُ ابْنُ غَازِيٍّ بِقَوْلِهِ كَمَا قِيلَ لِابْنِ الْحَاجِبِ وَشُرَّاحِهِ وَابْنِ نَاجِي وَالشَّارِحِ فَإِنَّهُمْ فَرَّعُوا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى الْمَشْهُورِ فِي الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ وَيُوجَدُ فِي بَعْضِ نُسَخِ ابْنِ الْحَاجِبِ نِسْبَتُهَا لِلْمُدَوَّنَةِ وَلَيْسَتْ فِيهَا وَلِهَذَا قَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَوْلُهُ فِيهَا عَائِدٌ لِلْمَسْأَلَةِ (حِكَايَةً) قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ: وَقَعَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بِالْقَيْرَوَانِ وَجَلَسَ شَيْخُنَا أَبُو مَهْدِيٍّ لِرُؤْيَةِ هِلَالِ شَوَّالٍ بِجَامِعِ الزَّيْتُونَةِ لَيْلَتَيْنِ وَلَمْ يَرَ وَانْحَرَفَ عَلَى قَاضِي الْقَيْرَوَانِ فِي تَسَرُّعِهِ لِقَبُولِ الشَّهَادَةِ، وَلَوْ كَانَ تَثَبَّتَ مَا وَقَعَ فِي مَسْأَلَةٍ. وَقَالَ مَالِكٌ فِي شُهُودِهَا مَا قَالَ وَلَمْ يَقَعْ فِي عَصْرِنَا قَطُّ وَلَا بَلَغَنَا أَنَّهَا وَقَعَتْ فِي غَيْرِهِ.
(فَرْعٌ) : قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بَعْدَ أَنْ تَكَلَّمَ عَلَى الْمَسْأَلَةِ: وَعَلَى هَذَا فَيَجِبُ أَنْ يَقْضِيَ النَّاسُ يَوْمًا إذَا كَانَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى رُؤْيَةِ هِلَالِ شَوَّالٍ وَعَدَّ النَّاسُ ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَلَمْ يَرَوْا هِلَالَ ذِي الْقَعْدَةِ وَكَذَلِكَ يَفْسُدُ الْحَجُّ إذَا شَهِدُوا بِرُؤْيَةِ هِلَالِ ذِي الْحِجَّةِ، انْتَهَى. وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَابْنِ فَرْحُونٍ
((قُلْتُ)) وَقَدْ أَخْبَرَنِي وَالِدِي رحمه الله أَنَّهُ وَقَعَ لَهُمْ فِي سَنَةٍ مِنْ السِّنِينَ أَنَّ جَمَاعَةً شَهِدُوا بِمَكَّةَ بِهِلَالِ ذِي الْحِجَّةِ لَيْلَةَ الْخَمِيسِ حِرْصًا عَلَى أَنْ تَكُونَ الْوَقْفَةُ بِالْجُمُعَةِ ثُمَّ عَدَّ النَّاسُ ثَلَاثِينَ يَوْمًا مِنْ رُؤْيَتِهِمْ وَلَمْ يَرَ أَحَدٌ الْهِلَالَ لَكِنْ لَطَفَ اللَّهُ بِالنَّاسِ وَلَمْ يَفْسُدْ حَجُّهُمْ بِسَبَبِ أَنَّهُمْ وَقَفُوا بِعَرَفَةَ يَوْمَيْنِ فَوَقَفُوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ دُفِعَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ حَتَّى خَرَجُوا مِنْ بَيْنِ الْعَامَيْنِ ثُمَّ رَجَعُوا وَبَاتُوا بِهَا وَوَقَفُوا بِهَا فِي يَوْمِ السَّبْتِ وَيَقَعُ بِمَكَّةَ فِي مِثْلِ هَذَا الْحَالِ أَعْنِي إذَا وَقَعَ الشَّكُّ فِي وَقْفَةِ الْجُمُعَةِ خُبَاطٌ كَثِيرٌ غَالِبًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (أَوْ مُسْتَفِيضَةٌ)
ش: هَذَا هُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي مِنْ وَجْهَيْ الرُّؤْيَةِ وَهِيَ الرُّؤْيَةُ الْمُسْتَفِيضَةُ وَفِي الْجَوَاهِرِ أَمَّا سَبَبُهُ أَيْ الصَّوْمِ فَاثْنَانِ الْأَوَّلُ: رُؤْيَةُ الْهِلَالِ وَتَحْصُلُ بِالْخَبَرِ الْمُنْتَشِرِ وَهَذَا الْكَلَامُ وَنَحْوُهُ لِابْنِ الْحَاجِبِ وَقَالَ فِي الْعُمْدَةِ: فَيَلْزَمُ بِرُؤْيَةٍ ظَاهِرَةٍ وَنَحْوِهِ فِي الْإِرْشَادِ، وَثُبُوتُ الْهِلَالِ بِالِاسْتِفَاضَةِ مِنْ بَابِ الثُّبُوتِ بِالْخَبَرِ الْمُسْتَفِيضِ لَا مِنْ بَابِ الثُّبُوتِ بِالشَّهَادَةِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: أَمَّا بِالْخَبَرِ الْمُنْتَشِرِ أَوْ بِالشَّهَادَةِ، الْخَبَرُ الْمُنْتَشِرُ هُوَ الْمُسْتَفِيضُ الْمُحَصِّلُ لِلْعِلْمِ أَوْ الظَّنِّ
الْقَرِيبِ مِنْهُ، انْتَهَى. وَقَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَقَالَ الْأَبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ قَالَ الْمَازِرِيُّ: يَثْبُتُ الْهِلَالُ بِالرُّؤْيَةِ الْمُسْتَفِيضَةِ ثُمَّ قَالَ الْأَبِيُّ: فَسَّرَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ الِاسْتِفَاضَةَ بِأَنَّهَا خَبَرُ جَمَاعَةٍ يَسْتَحِيلُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ عَادَةً وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ عَبِيدٌ وَنِسَاءٌ. وَهَذَا الَّذِي فَسَّرَهَا بِهِ إنَّمَا هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ التَّوَاتُرُ، وَفَسَّرَ الْأُصُولِيُّونَ الِاسْتِفَاضَةَ بِأَنَّهَا مَا زَادَ نَقَلَتُهُ عَلَى ثَلَاثَةٍ وَهِيَ بِهَذَا التَّفْسِيرِ أَعَمُّ مِمَّا فَسَّرَهَا بِهِ، انْتَهَى.
(قُلْت) لَفْظُ النَّوَادِرِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: وَقَدْ يَأْتِي مِنْ رُؤْيَتِهِ مَا يُشْتَهَرُ حَتَّى لَا يُحْتَاجَ فِيهِ إلَى الشَّهَادَةِ وَالتَّعْدِيلِ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ قَرْيَةً كَبِيرَةً فَيَرَاهُ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ وَالْعَبِيدُ مِمَّنْ لَا يُمْكِنُ فِيهِمْ التَّوَاطُؤُ عَلَى بَاطِلٍ فَيَلْزَمُ النَّاسَ الصَّوْمُ بِذَلِكَ مِنْ بَابِ اسْتِفَاضَةِ الْأَخْبَارِ لَا مِنْ بَابِ الشَّهَادَةِ، انْتَهَى.
((قُلْتُ)) وَمَا ذَكَرَهُ الْأَبِيُّ فِي تَفْسِيرِ الِاسْتِفَاضَةِ عَنْ الْأُصُولِيِّينَ قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَنَصُّهُ: وَالْمُسْتَفِيضُ مَا زَادَ نَقَلَتُهُ عَلَى ثَلَاثَةٍ. وَقَالَ ابْنُ السُّبْكِيّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ: وَأَقَلُّهُ اثْنَانِ وَقِيلَ: ثَلَاثَةٌ، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ بَلْ صَرِيحُهُ وَظَاهِرُ مَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنِّفِ أَنَّ مُرَادَهُمْ بِالِاسْتِفَاضَةِ هُنَا خِلَافُ مَا قَالَهُ الْأُصُولِيُّونَ وَأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ جَمَاعَةٍ يَحْصُلُ بِهِمْ الْعِلْمُ أَوْ الظَّنُّ الْقَرِيبُ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغُوا عَدَدَ التَّوَاتُرِ فَتَأَمَّلْهُ.
ص (وَعَمَّ إنْ نَقَلَ بِهِمَا عَنْهُمَا)
ش: يَعْنِي أَنَّ الْحُكْمَ بِثُبُوتِ رَمَضَانَ يَعُمُّ كُلُّ مَنْ نُقِلَ إلَيْهِ إذَا نُقِلَ بِهِمَا أَيْ بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ أَوْ نُقِلَ بِاسْتِفَاضَةٍ وَقَوْلُهُ عَنْهُمَا سَوَاءٌ كَانَ الْمَنْقُولُ عَنْهُ بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ أَوْ اسْتِفَاضَةٍ فَالْأَقْسَامُ أَرْبَعَةٌ وَسَوَاءٌ كَانَتْ الشَّهَادَةُ الْمَنْقُولُ عَنْهَا تَثْبُتُ عِنْدَ حَاكِمٍ عَامٍّ كَالْخَلِيفَةِ أَوْ خَاصٍّ عَلَى الْمَشْهُورِ وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: إذَا كَانَتْ الشَّهَادَةُ عِنْدَ حَاكِمٍ خَاصٍّ فَلَا تَعُمُّ إلَّا مَنْ فِي وِلَايَتِهِ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَهَذَا الْخِلَافُ فِيمَا نُقِلَ عَنْ الْحَاكِمِ الْمَخْصُوصِ وَأَمَّا مَا يُنْقَلُ عَنْ الشُّهُودِ أَوْ الْخَبَرِ الْمُنْتَشِرِ فَلَا تَخْتَصُّ بِهِ جِهَةٌ دُونَ جِهَةٍ وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ. (تَنْبِيهٌ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَأَجْمَعُوا عَلَى عَدَمِ لُحُوقِ حُكْمِ رُؤْيَةِ مَا بَعْدَ كَالْأَنْدَلُسِ مِنْ خُرَاسَانَ، انْتَهَى.
ص (لَا بِمُنْفَرِدٍ)
ش: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُخْرَجًا مِنْ قَوْلِهِ بِرُؤْيَةِ عَدْلَيْنِ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ الْهِلَالُ بِرُؤْيَةِ الْعَدْلِ الْوَاحِدِ وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَالْمَذْهَبُ لَغْوٌ رُؤْيَةُ الْعَدْلِ لِغَيْرِهِ ابْنُ حَارِثٍ اتِّفَاقًا، انْتَهَى. وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: مَنَعَ مَالِكٌ أَنْ يُصَامَ بِشَهَادَةِ الْوَاحِدِ لَا عَلَى وَجْهِ الْوُجُوبِ وَلَا عَلَى وَجْهِ النَّدْبِ وَلَا الْإِبَاحَةِ.
قَالَ سَحْنُونٌ: لَوْ كَانَ مِثْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ مَا صُمْت بِقَوْلِهِ وَلَا أَفْطَرْت ثُمَّ نُقِلَ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ إجَازَةُ الصَّوْمِ لِرُؤْيَةِ الْوَاحِدِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُخْرَجًا مِمَّا يَلِيهِ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ الْهِلَالُ بِنَقْلِ الْعَدْلِ عَنْ رُؤْيَةِ الْعَدْلَيْنِ أَوْ عَنْ الرُّؤْيَةِ الْمُسْتَفِيضَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ رَاجِعًا لَهُمَا مَعًا فَلَا يَثْبُتُ بِرُؤْيَةِ الْعَدْلِ وَلَا بِنَقْلِهِ أَمَّا رُؤْيَةُ الْعَدْلِ فَالْحُكْمُ فِيهَا كَذَلِكَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَأَمَّا نَقْلُ الْعَدْلِ فَاخْتُلِفَ فِي ثُبُوتِهِ بِهِ فَأَجَازَهُ ابْنُ مُيَسَّرٍ وَأَبَاهُ أَبُو عِمْرَانَ وَرَجَّحَ الشَّيْخُ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ وَابْنُ يُونُسَ وَابْنُ رُشْدٍ قَوْلَ ابْنِ مُيَسَّرٍ بَلْ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي نَقْلِ بَيِّنَةٍ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ قَوْلَا الشَّيْخِ مَعَ نَقْلِهِ عَنْ ابْنِ مُيَسَّرٍ وَأَبِي عِمْرَانَ قَائِلًا: إنَّ مَا قَالَهُ ابْنُ مُيَسَّرٍ فِيمَنْ بُعِثَ لِذَلِكَ وَلَيْسَ كَنَقْلِ الرَّجُلِ لِأَهْلِهِ؛ لِأَنَّهُ الْقَائِمُ عَلَيْهِمْ وَصَوَّبَ ابْنُ رُشْدٍ وَالصَّقَلِّيُّ قَوْلَ الشَّيْخِ وَقَالَ: لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَقْلِهِ لِأَهْلِهِ وَلَمْ يَحْكِ اللَّخْمِيُّ وَالْبَاجِيُّ غَيْرَهُ، انْتَهَى.
فَإِذَا حَمَلْنَا كَلَامَ الْمُصَنِّفِ عَلَى أَنَّهُ رَاجِعٌ لِنَقْلِ الْعَدْلِ أَوْ رَاجِعٌ لِلرُّؤْيَةِ وَالنَّقْلِ فَيَكُونُ مُخَالِفًا لِمَا رَجَّحَهُ هَؤُلَاءِ الشُّيُوخُ لَكِنَّهُ قَالَ فِي تَوْضِيحِهِ: قِيلَ: وَالْمَشْهُورُ خِلَافٌ لِمَا قَالَهُ ابْنُ مُيَسَّرٍ فَلَعَلَّهُ اعْتَمَدَ عَلَى ذَلِكَ وَقَدْ مَشَى عَلَى ذَلِكَ صَاحِبُ الشَّامِلِ فَقَالَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ النَّقْلَ عَنْ الشَّهَادَةِ: وَالِاسْتِفَاضَةُ بِأَحَدِهِمَا لَا بِمُنْفَرِدٍ عَنْهُمَا عَلَى الْمَشْهُورِ. وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَالْقَوْلُ الثَّانِي لَا بُدَّ مِنْ شَاهِدَيْنِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ. قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ)
عَلَى الْقَوْلِ بِقَبُولِ النَّقْلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ الَّذِي رَجَّحَهُ الشُّيُوخُ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُخْبِرَهُمْ بِذَلِكَ ابْتِدَاءً مِنْ نَفْسِهِ أَوْ يَبْعَثُوهُ لِيَكْشِفَ لَهُمْ عَنْ ذَلِكَ وَيُخْبِرَهُمْ قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: وَإِنَّمَا يَفْتَرِقُ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْإِمَامِ فَإِنَّهُ إنْ بَعَثَ رَجُلًا إلَى أَهْلِ بَلَدٍ لِيُخْبِرَهُ عَنْ رُؤْيَتِهِمْ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُمْ صَامُوا بِرُؤْيَةٍ مُسْتَفِيضَةٍ أَوْ بِثُبُوتِ الْهِلَالِ عِنْدَ قَاضِيهِمْ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْمُرَ النَّاسَ بِالصِّيَامِ لِذَلِكَ الْيَوْمِ وَإِنْ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُرْسِلَهُ وَجَبَ عَلَى الْإِمَامِ الصِّيَامُ فِي نَفْسِهِ خَاصَّةً وَلَمْ يَصِحَّ لَهُ أَنْ يَأْمُرَ النَّاسَ بِالصِّيَامِ حَتَّى يَشْهَدَ عِنْدَهُ بِذَلِكَ شَاهِدٌ آخَرُ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ فَلَا يَكُونُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ، انْتَهَى.
وَظَاهِرُهُ أَنَّ الَّذِي يَبْعَثُهُ الْإِمَامُ يَكْتَفِي بِقَوْلِهِ بِلَا خِلَافٍ بَلْ يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ أَبِي عِمْرَانَ أَنَّ غَيْرَ الْإِمَامِ إذَا بَعَثَ مَنْ يَكْشِفُ لَهُ عَنْ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ إنَّمَا يَلْزَمُهُ الْعَمَلُ بِمَا يُخْبِرُهُ بِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ الَّذِي نَقَلَهُ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ وَنَقَلَهُ عَنْهُ أَيْضًا الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ وَغَيْرِهِ وَعَلَى هَذَا فَيُسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ لَا بِمُنْفَرِدٍ مَنْ يُرْسِلُهُ الشَّخْصُ لِيَكْشِفَ لَهُ عَنْ الْهِلَالِ فَيَلْزَمُهُ الصَّوْمُ بِإِخْبَارِهِ.
(الثَّانِي) قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْوَاحِدِ عَنْ الشَّاهِدَيْنِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِي النَّقْلِ عَمَّا يَثْبُتُ عِنْدَ الْإِمَامِ أَوْ عَنْ الْخَبَرِ الْمُنْتَشِرِ لَا عَنْ الشَّاهِدَيْنِ، انْتَهَى. وَهُوَ ظَاهِرٌ فَإِنَّ النَّقْلَ عَنْ الشَّاهِدَيْنِ نَقْلٌ عَنْ شَهَادَةٍ وَلَا يَكْفِي فِي نَقْلِ الشَّهَادَةِ وَاحِدٌ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: صِيَامُ رَمَضَانَ يَجِبُ بِأَحَدِ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ إمَّا أَنْ يُرَى الْهِلَالُ أَوْ يُخْبِرَ الْإِمَامُ أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَتْ رُؤْيَتُهُ عِنْدَهُ وَإِمَّا أَنْ يُخْبِرَ الْعَدْلُ بِذَلِكَ أَوْ عَنْ النَّاسِ أَنَّهُمْ رَأَوْهُ رُؤْيَةً عَامَّةً وَكَذَلِكَ إذَا أَخْبَرَهُ عَنْ أَهْلِ بَلَدٍ إنَّهُمْ صَامُوا بِرُؤْيَةٍ عَامَّةٍ أَوْ بِثُبُوتِ رُؤْيَةٍ عِنْدَ قَاضِيهِمْ وَإِمَّا أَنْ يُخْبِرَهُ شَاهِدَانِ عَدْلَانِ أَنَّهُمَا قَدْ رَأَيَاهُ وَإِمَّا أَنْ يُخْبِرَ بِذَلِكَ شَاهِدٌ وَاحِدٌ عَدْلٌ فِي مَوْضِعٍ لَيْسَ فِيهِ إمَامٌ يَتَفَقَّدُ أَمْرَ الْهِلَالِ بِالِاهْتِبَالِ بِهِ، انْتَهَى. فَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى مَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ أَنَّهُ إذَا قَالَ لَهُ الْإِمَامُ: ثَبَتَتْ رُؤْيَةُ الْهِلَالِ عِنْدِي أَنَّهُ يَلْزَمُهُ فَذَلِكَ ظَاهِرٌ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ خَبَرِ الْعَدْلِ الْوَاحِدِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الْبِسَاطِيُّ فِي الْمُغْنِي: وَهَذَا ظَاهِرٌ إذَا كَانَ الْحَاكِمُ مُوَافِقًا لِلْمُخْبِرِ وَأَمَّا لَوْ أَخْبَرَ شَافِعِيٌّ مَالِكِيًّا فَفِيهِ نَظَرٌ، انْتَهَى.
((قُلْتُ)) يَنْبَغِي أَنْ يَسْأَلَهُ بِمَا إذَا ثَبَتَ عِنْدَهُ فَإِنْ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ ثَبَتَ بِشَاهِدَيْنِ فَلَا إشْكَالَ وَإِنْ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ ثَبَتَ بِعَدْلٍ جَرَى عَلَى الْخِلَافِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْآتِيَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
أَمَّا لَوْ رَآهُ الْقَاضِي أَوْ الْخَلِيفَةُ وَحْدَهُ لَمْ يَلْزَمْ النَّاسَ الصَّوْمُ بِرُؤْيَتِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ رُؤْيَةِ الْمُنْفَرِدِ كَمَا فِي التَّوْضِيحِ وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَغَيْرُهُ. .
(الرَّابِعُ) إذَا قَالَ شَخْصٌ: رَأَيْت النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَأَخْبَرَنِي أَنَّ اللَّيْلَةَ أَوَّلُ رَمَضَانَ. لَمْ يَصِحَّ بِذَلِكَ الصَّوْمُ لِصَاحِبِ الْمَنَامِ وَلَا لِغَيْرِهِ بِالْإِجْمَاعِ كَمَا قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَذَلِكَ لِاخْتِلَالِ ضَبْطِ النَّائِمِ لَا لِلشَّكِّ فِي رُؤْيَتِهِ صلى الله عليه وسلم نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ الْقَاضِي عِيَاضٍ وَنَقَلَهُ الدَّمِيرِيُّ وَغَيْرُهُ (الْخَامِسُ) إنْ قِيلَ: وَرَدَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ عليه الصلاة والسلام أَنَّهُ قَالَ: «شَهْرَا عِيدٍ لَا يَنْقُصَانِ رَمَضَانُ وَذُو الْحِجَّةِ» لَا خِلَافَ أَنَّهُ إذَا شَهِدَ عَدْلَانِ لَيْلَةَ ثَلَاثِينَ مِنْ رَمَضَانَ أَوْ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ قَبْلًا (فَالْجَوَابُ) أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ نَقْصُهُمَا فَقَدْ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ «صُمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تِسْعًا وَعِشْرِينَ أَكْثَرَ مِمَّا صُمْنَا ثَلَاثِينَ» . وَقَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ: «إنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صَامَ تِسْعَ رَمَضَانَاتٍ اثْنَانِ ثَلَاثُونَ ثَلَاثُونَ وَسَبْعَةٌ تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ» وَقِيلَ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ: إنَّهُمَا لَا يَنْقُصَانِ مِنْ عَامٍ وَاحِدٍ وَقِيلَ: لَا يَنْقُصُ أَجْرُهُمَا وَالثَّوَابُ الْمُلْتَزَمُ عَلَيْهِمَا وَإِنْ نَقَصَ عَدَدُهُمَا وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (إلَّا كَأَهْلِهِ وَمَنْ لَا اعْتِنَاءَ لَهُمْ بِأَمْرِهِ)
ش: إنْ جَعَلْنَا قَوْلَ الْمُصَنِّفِ لَا بِمُنْفَرِدٍ مُخْرَجًا مِنْ مَسْأَلَةِ النَّقْلِ صَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ وَيَكُونُ الْمَعْنَى أَنْ نَقَلَ الْمُنْفَرِدُ عَنْ ثُبُوتِ الْهِلَالِ عِنْدَ الْقَاضِي أَوْ عَنْ الرُّؤْيَةِ الْمُسْتَفِيضَةِ لَهُ يَثْبُتُ بِهِ الْهِلَالُ إلَّا إذَا نَقَلَ ذَلِكَ الرَّجُلُ إلَى
أَهْلِهِ وَمَنْ فِي عِيَالِهِ كَالْأَجِيرِ وَالْخَادِمِ أَوْ إلَى أَهْلِ بَلَدٍ لَيْسَ لَهُمْ قَاضٍ أَوْ جَمَاعَةٌ لَا يَعْتَنُونَ بِأَمْرِ الْهِلَالِ وَضَبَطَ رُؤْيَتَهُ وَنَقَلَ فِي التَّوْضِيحِ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ مِنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَسَحْنُونٍ وَكَأَنَّهُ تَرَجَّحَ عِنْدَهُ قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَهُوَ الظَّاهِرُ. وَأَمَّا مَسْأَلَةُ النَّقْلِ إلَى الْأَهْلِ فَمُقْتَضَى كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّ فِيهَا قَوْلًا بِأَنَّهُ لَا يَكْفِي وَنَصُّهُ: وَيُقْبَلُ النَّقْلُ بِالْخَبَرِ إلَى الْأَهْلِ وَنَحْوِهِمْ عَلَى الْأَصَحِّ، قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: لَا أَعْرِفُهُ. وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: مُقْتَضَى قَوْلِهِ عَلَى الْأَصَحِّ أَنَّ مُقَابِلَهُ لَا يَكْفِي. وَلَمْ يَذْكُرْ أَهْلُ الْمَذْهَبِ فِي قَبُولِهِ خِلَافًا وَيَبْقَى عَلَى الْمُصَنِّفِ الْكَلَامُ عَلَى ثُبُوتِ الْهِلَالِ بِرُؤْيَةِ الْعَدْلِ الْوَاحِدِ إذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَنْ يَعْتَنِي بِأَمْرِ الْهِلَالِ فَإِنَّ الْمَشْهُورَ حِينَئِذٍ ثُبُوتُ الْهِلَالِ بِرُؤْيَةِ الْعَدْلِ الْوَاحِدِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ أَنَّهُ يُكْتَفَى حِينَئِذٍ بِنَقْلِ الْعَدْلِ فَيُكْتَفَى أَيْضًا بِرُؤْيَةِ الْعَدْلِ الْوَاحِدِ إمَّا بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ أَوْ مِنْ بَابِ الْأَوْلَى.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَظَاهِرُ قَوْلِ سَحْنُونٍ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الشَّهَادَةِ بِشَرْطِهَا كَانَ ثَمَّ حَاكِمٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: لَمَّا قِيلَ لَهُ: إنْ أَخْبَرَكَ الرَّجُلُ الْفَاضِلُ بِأَنَّهُ رَآهُ قَالَ: لَوْ كَانَ مِثْلَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ مَا صُمْت وَلَا أَفْطَرْت، انْتَهَى. قَالَ الشَّارِحُ فِي الْكَبِيرِ وَفِي هَذَا الْأَخْذِ نَظَرٌ وَلَعَلَّ سَحْنُونًا إنَّمَا قَالَهُ حَيْثُ كَانَ هُنَاكَ مَنْ يَعْتَنِي بِأَمْرِ الْهِلَالِ وَأَمَّا إذَا جَعَلْنَا قَوْلَ الْمُصَنِّفِ لَا بِمُنْفَرِدٍ مُخْرَجًا مِنْ رُؤْيَةِ الْعَدْلَيْنِ أَوْ رَاجِعًا لِلرُّؤْيَةِ وَالنَّقْلِ جَمِيعًا فَيُشْكِلُ قَوْلُهُ إلَّا كَأَهْلِهِ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا رَأَى الشَّخْصُ الْهِلَالَ وَحْدَهُ فِي بَلَدٍ بِهَا قَاضٍ يَعْتَنِي بِالْهِلَالِ أَوْ جَمَاعَةٌ يَعْتَنُونَ بِهِ أَنَّهُ يَلْزَمُ أَهْلَهُ الصَّوْمُ بِرُؤْيَتِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إنَّمَا يَلْزَمُ أَهْلَهُ الصَّوْمُ بِرُؤْيَتِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَنْ يَعْتَنِي بِأَمْرِ الْهِلَالِ (تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ) الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ وَمَنْ لَا اعْتِنَاءَ لَهُمْ بِأَمْرِهِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ إمَّا بِأَنْ لَا يَكُونَ لَهُمْ إمَامٌ أَلْبَتَّةَ أَوْ لَهُمْ إمَامٌ وَهُوَ يُضَيِّعُ أَمْوَالَهُمْ وَلَا يَعْتَنِي، انْتَهَى.
وَقَالَ الْأَبِيُّ: إنَّمَا تُعْتَبَرُ الْبَيِّنَةُ فِي بَلَدٍ بِهَا قَاضٍ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَنْظُرُ فِي أَمْرِ الْبَيِّنَةِ وَعَدَالَتِهَا وَيَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْقَاضِي جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ يَنْظُرُونَ كَنَظَرِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْبَلَدِ مُعْتَنٍ بِالشَّرِيعَةِ مِنْ قَاضٍ أَوْ جَمَاعَةٍ فَذَلِكَ عُذْرٌ يُبِيحُ الِاكْتِفَاءَ بِالْخَبَرِ بِشَرْطِهِ مِنْ الضَّبْطِ وَالْعَدَالَةِ، انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعْتَنُونَ بِالشَّرِيعَةِ كَفَى الْخَبَرُ يَعْنِي عَلَى شَرْطِهِ مِنْ الضَّبْطِ وَالْعَدَالَةِ وَعَلَى هَذَا يُقْبَلُ فِيهِ قَوْلُ الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ وَتَكُونُ هَذِهِ ضَرُورَةً تُبِيحُ الِانْتِقَالَ مِنْ الشَّهَادَةِ إلَى الْخَبَرِ كَمَا يَنْقُلُهُ الرَّجُلُ إلَى أَهْلِ دَارِهِ بَلْ هُوَ أَوْلَى وَفِي الْمُنْتَقَى إذَا لَمْ يَكُنْ بِالْمَوْضِعِ إمَامٌ أَوْ كَانَ وَضَيَّعَ فَمَنْ ثَبَتَ عِنْدَهُ بِرُؤْيَةِ نَفْسِهِ أَوْ بِرُؤْيَةِ مَنْ يَثِقُ بِهِ فَيَصُومُ بِذَلِكَ وَيُفْطِرُ وَيَحْمِلُ عَلَيْهِ مَنْ يُقْتَدَى بِهِ. نَقَلَهُ الْبَاجِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، انْتَهَى.
(الثَّانِي) سَأَلَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَنْ قُرًى بِالْبَادِيَةِ مُتَقَارِبَةٍ يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: إذَا رَأَيْتُمْ الْهِلَالَ فَنِيرُوا فَرَآهُ بَعْضُ أَهْلِ الْقُرَى فَنِيرُوا فَأَصْبَحَ أَصْحَابُهُمْ صَوْمًا ثُمَّ ثَبَتَتْ الرُّؤْيَةُ بِالتَّحْقِيقِ، فَهَلْ يَصِحُّ صَوْمُهُمْ؟ قَالَ: نَعَمْ قِيَاسًا عَلَى قَوْلِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْمَاجِشُونِ فِي الرَّجُلِ يَأْتِي الْقَوْمَ فَيُخْبِرُهُمْ أَنَّ الْهِلَالَ قَدْ رُئِيَ، نَقَلَهُ عَنْهُ الْمَشَذَّالِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْمُدَوَّنَةِ ((قُلْتُ)) أَمَّا إذَا كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ الْمَحَلَّ الَّذِي فِيهِ النَّارُ يَعْلَمُ بِهِ أَهْلُ ذَلِكَ الْبَلَدِ وَيَعْلَمُ أَنَّهُمْ لَا يُمَكَّنُونَ مِنْ جَعْلِ النَّارِ فِيهِ إلَّا إذَا ثَبَتَ الْهِلَالُ عِنْدَ الْقَاضِي أَوْ بِرُؤْيَةٍ مُسْتَفِيضَةٍ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ بَابِ نَقْلِ الْوَاحِدِ وَهَذَا كَمَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَنَّهُ لَا يُوقَدُ الْقَنَادِيلُ فِي رُءُوسِ الْمَنَائِرِ إلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ الْهِلَالِ فَمَنْ كَانَ بَعِيدًا أَوْ جَاءَ بِلَيْلٍ وَرَأَى ذَلِكَ فَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا يَلْزَمُهُ الصَّوْمُ بِلَا خِلَافٍ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَعَلَى عَدْلٍ أَوْ مَرْجُوٍّ رَفْعُ رُؤْيَتِهِ) ش الْمُرَادُ بِالْمَرْجُوِّ مَنْ يُرْتَجَى قَبُولُ شَهَادَتِهِ بِأَنْ يَأْتِيَ بِمَنْ يُزَكِّيهِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الشَّيْخُ عَنْ أَشْهَبَ: يَجِبُ رَفْعُ الْمَرْجُوِّ وَلَوْ عَلِمَ جُرْحَةَ نَفْسِهِ، انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ وَنَقَلَهُ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ وَقَالَ: إنَّهُ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَنَصُّهُ: وَظَاهِرُ الْكِتَابِ يُرْفَعُ لِلْإِمَامِ وَلَوْ عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْقَبُولِ وَهُوَ كَذَلِكَ قَالَهُ أَشْهَبُ فِي
الْمَجْمُوعَةِ نَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ، انْتَهَى. وَلَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَ فِي هَذَا خِلَافًا بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ مَنْ شَهِدَ عَلَى عَدُوِّهِ فَإِنَّهُ اُخْتُلِفَ هَلْ يُخْبِرُ بِالْعَدَاوَةِ؟ وَعَلَيْهِ مَشَى الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ الشَّهَادَاتِ أَوْ لَا يُخْبِرُ بِهَا؟ وَصَحَّحَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَهِيَ فِي رَسْمِ الشَّجَرَةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الشَّهَادَاتِ وَقَالَ الْمَشَذَّالِيُّ: وَلَوْ عَلِمَ الشَّاهِدُ مِنْ نَفْسِهِ مَا لَوْ أَظْهَرَهُ بَطَلَتْ شَهَادَتُهُ هَلْ يَرْفَعُ؟ قَالَ بَعْضُ الْمَشَارِقَةِ: يَجْرِي عَلَى مَنْ شَهِدَ بِحَقٍّ وَهُوَ عَدُوٌّ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ هَلْ يُخْبِرُ بِالْعَدَاوَةِ فَتَبْطُلُ أَوْ لَا؛ لِئَلَّا يُضَيِّعَ الْحَقَّ، فِيهِ خِلَافٌ وَالْمَسْأَلَةُ فِي رَسْمِ الشَّجَرَةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الشَّهَادَاتِ وَتَكَرَّرَ فِي نَوَازِلِ سَحْنُونٍ، انْتَهَى.
((قُلْتُ)) وَكَأَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى النَّصِّ الْمُتَقَدِّمِ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَالْمُخْتَارُ وَغَيْرُهُمَا)
ش: يَعْنِي أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي وُجُوبِ رَفْعِ الشَّهَادَةِ عَلَى غَيْرِ الْعَدْلِ وَهُوَ الْفَاسِقُ الْمَعْلُومُ فِسْقُهُ وَالْمَرْجُوُّ وَهُوَ الْمَجْهُولُ الْحَالِ وَاخْتَارَ اللَّخْمِيُّ الْقَوْلَ بِوُجُوبِ الرَّفْعِ وَهَذَا الْقَوْلُ نَقَلَهُ ابْنُ بَشِيرٍ وَابْنُ الْجَلَّابِ وَعَزَاهُ فِي التَّوْضِيحِ لِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ إنْ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا وَلَا مَرْجُوًّا فَفِي اسْتِحْبَابِ رَفْعِهِ وَتَرْكِهِ نَقْلًا اللَّخْمِيُّ عَنْ أَشْهَبَ وَالْقَاضِي وَنَقَلَ ابْنُ بَشِيرٍ بَدَلَ اسْتِحْبَابِهِ وُجُوبَهُ لَا أَعْرِفُهُ، انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ اللَّخْمِيَّ اخْتَارَ الْقَوْلَ بِالْوُجُوبِ وَاَلَّذِي فِي كَلَامِهِ فِي التَّبْصِرَةِ إنَّمَا هُوَ اخْتِيَارُ الْقَوْلِ بِالِاسْتِحْبَابِ وَقَدْ نَبَّهَ الشَّارِحُ عَلَى هَذَا فِي الْوَسَطِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَإِنْ أَفْطَرُوا فَالْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ إلَّا بِتَأْوِيلٍ فَتَأْوِيلَانِ)
ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ رَأَى هِلَالَ رَمَضَانَ وَحْدَهُ وَسَوَاءٌ كَانَ عَدْلًا أَوْ مَرْجُوًّا أَوْ نَحْوَهُمَا فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الصَّوْمُ فَإِنْ أَفْطَرَ مُتَعَمِّدًا أَوْ مُنْتَهِكًا لِحُرْمَةِ الشَّهْرِ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ وَإِنْ أَفْطَرَ مُتَأَوِّلًا فَظَنَّ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الصَّوْمُ بِرُؤْيَتِهِ مُنْفَرِدًا فَفِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ تَأْوِيلَانِ وَالْقَوْلُ بِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ هُوَ الْمَشْهُورُ وَلِذَلِكَ جَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَّا ذَكَرَ التَّأْوِيلَ الْبَعِيدَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: فَإِنْ صَامَ هَذَا الرَّائِي وَحْدَهُ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، ثُمَّ لَمْ يَرَ أَحَدٌ الْهِلَالَ، وَالسَّمَاءَ مُصْحِيَةٌ، فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَابْنُ الْمَوَّازِ: هَذَا مُحَالٌ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ غَلِطَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَعْمَلَ فِي ذَلِكَ عَلَى اعْتِقَادِهِ الْأَوَّلِ وَيَكْتُمَ أَمْرَهُ، انْتَهَى.
(قُلْتُ) : وَالْقَوْلُ الثَّانِي بِعِيدٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ يَكْذِبَانِ، فَكَيْفَ بِالْمُنْفَرِدِ؟! وَالْعَجَبُ مِنِ اقْتِصَارِ صَاحِبِ الشَّامِلِ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي التَّوْضِيحِ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ غَيْمٌ يَعْمَلُ عَلَى رُؤْيَتِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ص: (لَا بِمُنَجِّمٍ) ش: يَعْنِي أَنَّ الْهِلَالَ لَا يُثْبِتُ بِقَوْلِ الْمُنَجِّمِ: إِنَّهُ يَرَى، بَلْ وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَصُومَ بِقَوْلِهِ، بَلْ وَلَا يَجُوزَ لَهُ هُوَ أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى ذَلِكَ، كَمَا سَيَأْتِي عَنِ الْمُقَدِّمَاتِ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْعَارِفُ بِهِ وَغَيْرُهُ، وَقَدْ أَنْكَرَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي الْعَارِضَةِ عَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ الشَّافِعِيِّ فِي تَفْرِيقِهِ بَيْنَ مَنْ يَعْرِفُ ذَلِكَ وَمَنْ لَا يَعْرِفُهُ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ، عَنْ مَالِكٍ فِي الْإِمَامِ الَّذِي يَعْتَمِدُ عَلَى الْحِسَابِ أَنَّهُ لَا يُقْتَدَى بِهِ وَلَا يُتَّبَعُ، انْتَهَى.
تَنْبِيهَاتٌ:
الْأَوَّلُ: ظَاهِرُ كَلَامِ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُنَجِّمِ بِالْحِسَابِ الَّذِي يَحْسُبُ قَوْسَ الْهِلَالِ وَنُورَهُ، وَرَأَيْتُ فِي كَلَامِ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْمُنَجِّمَ الَّذِي يَرَى أَنَّ أَوَّلَ الشَّهْرِ طُلُوعُ النَّجْمِ الْفُلَانِيِّ، وَالْحَاسِبَ الَّذِي يَحْسُبُ سَيْرَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، وَإِذَا لَمْ يُعْمَلْ بِقَوْلِ الْحَاسِبِ فَمِنْ بَابِ أَحْرَى أَنْ لَا يَعْمَلَ بِقَوْلِ الْمُنَجِّمِ.
الثَّانِي: قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى حِسَابِ الْمُنَجِّمِينَ اتِّفَاقًا، وَإِنْ رَكَنَ إِلَيْهِ بَعْضُ الْبَغْدَادِيِّينَ. قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَوْلُهُ: وَإِنْ رَكَنَ إِلَيْهِ بَعْضُ الْبَغْدَادِيِّينَ، يُشِيرُ بِهِ إِلَى مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ وَغَيْرِهِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ ابْنِ بَزِيزَةَ، وَهِيَ رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ فِي الْمَذْهَبِ، رَوَاهَا بَعْضُ الْبَغْدَادِيِّينَ عَنْ مَالِكٍ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَحِسَابُ الْمُنَجِّمِينَ؛ لِقَوْلِ ابْنِ بَشِيرٍ: رُكُونُ بَعْضِ الْبَغْدَادِيِّينَ لَهُ بَاطِلٌ. قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قُلْتُ: لَا أَعْرِفُهُ لِمَالِكِيٍّ، بَلْ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: كُنْتُ أُنْكِرُ عَلَى الْبَاجِيِّ نَقَلَهُ عَنْ بَعْضِ
الشَّافِعِيَّةِ لِتَصْرِيحِ أَئِمَّتِهِمْ بِلَغْوِهِ، حَتَّى رَأَيْتُهُ لِابْنِ سُرَيْجٍ، وَقَالَهُ بَعْضُ التَّابِعِينَ، انْتَهَى.
وَقَدْ رَدَّ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي عَارِضَتِهِ عَلَى ابْنِ سُرَيْجٍ، وَبَالَغَ فِي ذَلِكَ وَأَطَالَ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي التَّوْضِيحِ: أَنَّ ابْنَ الشِّخِّيرِ يَقُولُ: يُعْتَمَدُ عَلَى حِسَابِ الْمُنَجِّمِينَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. إِنَّمَا يَقُولُ لَهُ: إِنَّهُ يَعْمَلُ عَلَى ذَلِكَ هُوَ فِي خَاصَّتِهِ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي كَلَامِ الْمُقَدِّمَاتِ. وَقَالَ الْقَرَافِيُّ فِي الْفَرْقِ الثَّانِي وَالْمِائَةِ بَيْنِ قَاعِدَةِ أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ: يَجُوزُ إِثْبَاتُهَا بِالْحِسَابِ وَالْآلَاتِ وَكُلِّ مَا دَلَّ عَلَيْهَا، وَقَاعِدَةِ رُؤْيَةِ الْأَهِلَّةِ فِي الرَّمَضَانَاتِ لَا يَجُوزُ إِثْبَاتُهَا بِالْحِسَابِ، وَفِيهِ قَوْلَانِ عِنْدِنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ عَدَمُ اعْتِبَارِ الْحِسَابِ، قَالَ سَنَدٌ: إِنْ كَانَ الْإِمَامُ يَرَى الْحِسَابَ فَأَثْبَتَ الْهِلَالَ بِهِ لَمْ يُتَّبَعْ لِإِجْمَاعِ السَّلَفِ عَلَى خِلَافِهِ، مَعَ أَنَّ حِسَابَ الْأَهِلَّةِ وَالْخُسُوفَ وَالْكُسُوفَ قَطْعِيٌّ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَجْرَى عَادَتَهُ بِأَنَّ حَرَكَاتِ الْأَفْلَاكِ وَانْتِقَالَاتِ الْكَوَاكِبِ السَّبْعَةِ عَلَى نِظَامٍ وَاحِدٍ طُولَ الدَّهْرِ، وَكَذَلِكَ الْفُصُولُ الْأَرْبَعَةُ، وَالْعَوَائِدُ إِذَا اسْتَمَرَّتْ أَفَادَتِ الْقَطْعَ، كَمَا إِذَا رَأَيْنَا شَيْخًا نَجْزِمُ بِأَنَّهُ لَمْ يُولَدْ كَذَلِكَ، بَلْ طِفْلًا لِلْعَادَةِ. وَإِلَّا فَالْعَقْلُ يُجَوِّزُ وِلَادَتَهُ كَذَلِكَ. فَالْقَطْعُ الْحَاصِلُ فِيهِ إِنَّمَا هُوَ لِأَجْلِ الْعَادَةِ، وَإِذَا حَصَلَ الْقَطْعُ بِالْحِسَابِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْتَمَدَ عَلَيْهِ كَأَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ. وَالْفَرْقُ هَاهُنَا وَهُوَ عُمْدَةُ الْخَلْفِ وَالسَّلَفِ أَنَّ اللَّهَ تبارك وتعالى نَصَبَ زَوَالَ الشَّمْسِ سَبَبًا لِوُجُوبِ الظَّهْرِ، وَكَذَلِكَ بَقِيَّةُ الْأَوْقَاتِ، فَمَنْ عَلِمَ شَيْئًا بِأَيِّ طَرِيقٍ لَزِمَهُ حُكْمُهُ، فَلِذَلِكَ اعْتُبِرَ الْحِسَابُ الْمُفِيدُ الْقَطْعَ، وَأَمَّا الْأَهِلَّةُ فَلَمْ يَنْصِبْ خُرُوجَهَا مِنْ شُعَاعِ الشَّمْسِ سَبَبًا لِلصَّوْمِ، بَلْ نَصَبَ رُؤْيَةَ الْهِلَالِ خَارِجًا عَنْ شُعَاعِ الشَّمْسِ هُوَ السَّبَبُ، فَإِذَا لَمْ تَحْصُلِ الرُّؤْيَةُ لَمْ يَحْصُلِ السَّبَبُ الشَّرْعِيُّ وَلَا يَثْبُتِ الْحَكَمُ، وَيَدُلْ لِذَلِكَ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم:«صُومُوا لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» وَلَمْ يَقِلْ: لِخُرُوجِهِ عَنْ شُعَاعِ الشَّمْسِ، قَالَ فِي الصَّلَاةِ:{أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [الإسراء: 78] أَيْ مَيْلِهَا، انْتَهَى أَكْثَرُهُ بِلَفْظِهِ، وَفِيهِ إِثْبَاتُ الْقَوْلِ بِالِاعْتِمَادِ عَلَى حِسَابِ الْمُنَجِّمِينَ، كَمَا نَقَلَهُ صَاحِبُ التَّوْضِيحِ وَغَيْرُهُ، وَمَا فَرَّقَ بِهِ بَيْنَ أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ وَرُؤْيَةِ الْأَهِلَّةِ حَسَنٌ، وَقَدْ قَبِلَهُ ابْنُ الشَّاطِّ وَلَهُ فِي الذَّخِيرَةِ نَحْوُ ذَلِكَ.
الثَّالِثُ: لَوْ شَهِدَ عَدْلَانِ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، وَقَالَ أَهْلُ الْحِسَابِ: إِنَّهُ لَا يُمْكِنُ رُؤْيَتُهُ قَطْعًا - فَالَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ أَصْحَابِنَا: أَنَّهُ لَا يُلْتَفَتُ لِقَوْلِ أَهَّلِ الْحِسَابِ. وَقَالَ السُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: إِنَّهُ لَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ؛ لِأَنَّ الْحِسَابَ أَمْرٌ قَطْعِيٌّ وَالشَّهَادَةُ ظَنِّيَّةٌ، وَالظَّنُّ لَا يُعَارِضُ الْقَطْعَ. وَنَازَعَ فِي ذَلِكَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الرَّابِعُ: ذَكَرَ ابْنُ نَاجِيٍّ فِي شَرَحِ الْمُدَوَّنَةِ: أَنَّ ابْنَ هَارُونَ اعْتَرَضَ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ فِي حِكَايَةِ الِاتِّفَاقِ بِأَنَّ مُطَرِّفًا يُخَالِفُ فِي ذَلِكَ، وَرَدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ مُطَرِّفًا الْمَذْكُورَ لَيْسَ هُوَ مُطَرِّفًا الْمَالِكِيَّ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ، انْتَهَى.
الْخَامِسُ: يُكْرَهُ الِاشْتِغَالُ بِمَا يُؤَدِّي إِلَى مَعْرِفَةِ نَاقِصِ الشُّهُورِ وَكَامِلِهَا. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي كِتَابِ الْجَامِعِ مِنَ الْمُقَدِّمَاتِ - بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ أَنَّ الِاشْتِغَالَ بِالنُّجُومِ فِيمَا يُعْرَفُ بِهِ سَمْتُ الْقِبْلَةِ وَأَجْزَاءُ اللَّيْلِ جَائِزٌ بَلْ مُسْتَحَبٌّ -: وَأَمَّا النَّظَرُ فِي أَمْرِهَا فِيمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ مِمَّا يَتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى مَعْرِفَةِ نُقْصَانِ الشُّهُورِ مِنْ كَمَالِهَا دُونَ رُؤْيَةِ أَهِلَّتِهَا فَذَلِكَ مَكْرُوهٌ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الِاشْتِغَالِ بِمَا لَا يَعْنِي، إِذْ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُعَوِّلَ فِي صَوْمِهِ وَفِطْرِهِ عَلَى ذَلِكَ، فَيَسْتَغْنِي عَنِ النَّظَرِ إِلَى الْأَهِلَّةِ بِإِجْمَاعٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ هَذَا الشَّأْنِ إِذَا أُغْمِيَ الْهِلَالُ، هَلْ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ عَلَى مَعْرِفَتِهِ بِذَلِكَ أَمْ لَا؟ فَقَالَ مُطَرِّفُ بْنُ الشَّخِّيرِ: إِنَّهُ يَعْمَلُ فِي خَاصَّتِهِ عَلَى ذَلِكَ، وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا فِي رِوَايَةٍ، وَالْمَعْلُومُ مِنْ مَذْهَبِهِ مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنْ أَنَّهُ لَا يُعْمَلُ عَلَى ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ مَا يُعْلَمُ بِهِ الْكُسُوفَاتُ لِأَنَّهُ لَا يَعْنِي. وَقَالَ صلى الله عليه وسلم:«مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» ؛ وَلِأَنَّهُ يُوهِمُ الْعَوَامَّ أَنَّهُ يَعْلَمُ الْغَيْبَ وَيَزْجُرُ عَنْ ذَلِكَ وَيُؤَدِّبُ عَلَيْهِ، انْتَهَى بِاخْتِصَارٍ.
(قُلْتُ) : وَلَا يَحْرِمُ الِاشْتِغَالُ؛ بِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ
طَرِيقِ الْحِسَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
السَّادِسُ: قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ إِثْرَ كَلَامِهِ السَّابِقِ: اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «فَاقْدُرُوا لَهُ» فَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى أَنَّ قَوْلَهُ عليه الصلاة والسلام فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي: «فَأَكْمِلُوا الْعَدَدَ» مُفَسِّرٌ لَهُ، وَذَهَبَ الطَّحَاوِيُّ إِلَى أَنَّهُ نَاسِخٌ لَهُ، وَإِلَى أَنَّ مَعْنَى التَّقْدِيرِ كَانَ قَبْلَ النَّسْخِ: بِأَنْ يَنْظُرَ إِذَا غُمَّ الْهِلَالُ لَيْلَةَ الشَّكِّ إِلَى سُقُوطِ الْقَمَرِ فِي اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ، فَإِنْ سَقَطَ لِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ - وَهِيَ سِتَّةُ أَسْبَاعِ سَاعَةٍ - عَلِمَ أَنَّهُ مِنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَإِنْ غَابَ لِمَنْزِلَتَيْنِ عَلِمَ أَنَّهُ مِنَ اللَّيْلَةِ الْمَاضِيَةِ فَقَضَوُا الْيَوْمَ، وَهَذَا قَوْلٌ خَطَأٌ؛ إِذْ لَا يَسْقَطُ الْقَمَرُ فِي أَوَّلِ كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ جَمِيعِ الشَّهْرِ - كَانَ الشَّهْرُ كَامِلًا أَوْ نَاقِصًا - لِسِتَّةِ أَسْبَاعِ سَاعَةٍ، هَذَا يُعْلَمُ يَقِينًا بِمُشَاهَدَةِ بَعْضِ الْأَهِلَّةِ أَرْفَعَ وَأَبْطَأَ مَغِيبًا مِنْ بَعْضٍ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ خِلَافُ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ، وَمُقْتَضَاهُ فِي أَنَّ التَّقْدِيرَ إِنَّمَا أُمِرَ بِهِ ابْتِدَاءً قَبْلَ الْفَوَاتِ لِيَصُومَ أَوْ لِيُفْطِرَ، لَا فِي الِانْتِهَاءِ بَعْدَ الْفَوَاتِ لِيَقْضِيَ أَوْ لَا يَقْضِي، وَالَّذِي أَقُولُ بِهِ فِي مَعْنَى التَّقْدِيرِ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي الْحَدِيثِ «إِذَا غُمَّ الْهِلَالُ» : أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَا قَبْلَ هَذَا الَّذِي غُمَّ الْهِلَالُ عِنْدَ آخِرِهِ مِنَ الشُّهُورِ، فَإِنْ كَانَ تَوَالَى مِنْهَا شَهْرَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ كَامِلَةٌ عَمِلَ عَلَى أَنَّ هَذَا الشَّهْرَ نَاقِصٌ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ صِيَامًا، وَإِنْ كَانَتْ تَوَالَتْ نَاقِصَةً عَمِلَ عَلَى أَنَّ هَذَا الشَّهْرَ كَامِلٌ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ مُفْطِرِينَ؛ إِذْ لَا تَتَمَادَى أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ نَاقِصَةٌ وَلَا كَامِلَةٌ عَلَى مَا عُلِمَ بِمَا أَجْرَى اللَّهُ بِهِ الْعَادَةَ، وَلَا ثَلَاثَةَ أَيْضًا نَاقِصَةً وَلَا كَامِلَةً إِلَّا فِي النَّادِرِ.
وَإِنْ لَمْ يَتَوَالَ قَبْلَ هَذَا الشَّهْرِ الَّذِي غُمَّ الْهِلَالُ فِي آخِرِهِ شَهْرَانِ فَأَكْثَرَ كَامِلَةً وَلَا نَاقِصَةً احْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ هَذَا الشَّهْرُ نَاقِصًا أَوْ كَامِلًا احْتِمَالًا وَاحِدًا يُوجِبُ أَنْ يُكْمِلَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ، فَيَكُونُ - عَلَى هَذَا - الْحَدِيثَانِ جَمِيعًا مُسْتَعْمَلَيْنِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي مَوْضِعٍ غَيْرِ مَوْضِعِ صَاحِبِهِ، وَهَذَا فِي الصَّوْمِ.
وَأَمَّا فِي الْفِطْرِ إِذَا غُمَّ هِلَالُ شَوَّالٍ فَلَا يُفْطِرُ بِالتَّقْدِيرِ الَّذِي يَغْلِبُ فِيهِ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ رَمَضَانَ نَاقِصٌ، انْتَهَى.
وَتَفْسِيرُ مَالِكٍ هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا غُبَارَ عَلَيْهِ، وَمَا عَدَاهُ فِيهِ مَا فِيهِ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ: وَالصَّوَابُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ مِنْ تَفْسِيرِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ يَكُونُ بِمَعْنَى التَّمَامِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:{قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} [الطلاق: 3] أَيْ تَمَامًا، انْتَهَى وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
السَّابِعُ: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: ابْنُ حَبِيبٍ يَجُوزُ تَقْلِيدُ الْمُؤَذِّنِ الْعَدْلُ الْعَارِفُ، فَإِنْ أَكَلَ فِي أَذَانٍ سَأَلَهُ إِنْ كَانَ كَذَلِكَ، وَإِلَّا قَضَى.
الْبَاجِيُّ: مَنْ يَحْضُرُ يُؤْذِّنُ مُؤَذِّنُهُ عِنْدَ الْفَجْرِ فِي وُجُوبِ كَفِّهِ بِأَذَانِهِمْ، وَهُوَ يَرَى أَنَّ الْفَجْرَ مَا طَلَعَ، وَبَعْدَ أَذَانِهِمْ وَهُوَ يَرَى أَنَّ الشَّمْسَ غَرَبَتْ- رِوَايَةُ ابْنِ نَافِعٍ وَنَصَفَ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَيَجُوزُ لَهُ تَصْدِيقُ الْمُؤَذِّنِ الْعَدْلِ الْعَارِفِ، فَإِنْ سَمِعَ الْأَذَانَ وَهُوَ يَأْكُلُ وَلَا عِلْمَ لَهُ بِالْفَجْرِ فَلْيَكُفَّ وَلْيَسْأَلِ الْمُؤَذِّنَ عَنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَيَعْمَلَ عَلَى قَوْلِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ عَدْلًا وَلَا عَارِفًا فَلْيَقْضِ، وَإِنْ كَانَ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ فَلْيُقْضِ وَيُبَاحُ لَهُ فِطْرُ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَالتَّمَادِي، وَإِنْ كَانَ فِي تَطَوُّعٍ أَتَمَّهُ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، انْتَهَى.
وَقَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ: وَلَا عِلْمَ عِنْدِهِ بِالْفَجْرِ- يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ عَلْمٌ اعْتَمَدَ عَلَيْهِ، فَهُوَ مُوَافِقٌ لِرِوَايَةِ عِيسَى عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ إِذَا أُمِنَ مِنَ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ وَالِاقْتِدَاءِ بِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ص: (وَلَا يُفْطِرُ مُنْفَرِدٌ بِشَوَّالٍ وَلَوْ أَمِنَ الظُّهُورَ إِلَّا بِمُبِيحٍ) ش: يَعْنِي أَنَّ مَنِ انْفَرَدَ بِرُؤْيَةِ هِلَالِ شَوَّالٍ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ، سَوَاءٌ خَافَ أَنْ يَظْهَرَ عَلَيْهِ أَوْ أَمِنَ مِنَ الظُّهُورِ عَلَيْهِ، إِلَّا أَنْ يَحْصُلَ لَهُ عُذْرٌ يُبِيحُ الْإِفْطَارَ مِنْ مَرَضٍ أَوْ سِفْرٍ أَوْ حَيْضٍ فَيَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ، قَالَ ابْنُ نَاجِيٍّ فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ إِذَا كَانَ الْعُذْرُ مِمَّا يَخْفَى مَعَهُ الْفِطْرُ، وَنَصُّهُ - بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْخِلَافَ فِيمَا إِذَا أَمِنَ مِنَ الظُّهُورِ -: وَكُلُّ هَذَا مَا لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ يَخْفَى مَعَهُ الْفِطْرُ، فَإِنْ كَانَ فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ، انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَلَوْ كَانَ مَرَضٌ يُمْكِنُهُ مَعَهُ الصَّوْمُ بِلَا مَشَقَّةٍ فَلْيَرَ هُوَ مِنْ
نَفْسِهِ الْمَشَقَّةَ وَيُفْطِرُ، وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَحْصُلُ عُذْرٌ يُبِيحُ الْإِفْطَارَ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ إِذَا خَافَ أَنْ يَظْهَرَ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا، وَأَمَّا إِذَا أَمِنَ مِنَ الظُّهُورِ فَقَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَغَيْرِهَا: لَا يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ لِمَا قَدْ يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ مِنَ الْأَذَى مَعَ تَحْصِيلِ غَرَضِ الشَّرْعِ بِالْفِطْرِ بِالنِّيَّةِ. وَقِيلَ: إِنَّهُ جَائِزٌ. قَالَهُ ابْنُ الْجَلَّابِ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْحَاجِبِ، فَقَالَ: لَمْ يَجُزْ إِفْطَارُهُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَاعْتَرَضَهُ الْمُصَنِّفُ فِي تَوْضِيحِهِ بِقَوْلِهِ: لَمْ أَرَهُ مَنْصُوصًا، وَإِنَّمَا أَخْرَجَهُ اللَّخْمِيُّ مِنْ مَسْأَلَةِ الزَّوْجَيْنِ يَشْهَدُ عَلَيْهِمَا شَاهِدَانِ بِالطَّلَاقِ ثَلَاثًا وَالزَّوْجَانِ يَعْلَمَانِ أَنَّهُمَا شَهِدَا بِزُورٍ، فَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يُصِيبَهَا خِفْيَةً، فَالْأَكْلُ مِثْلُهُ مِنْ بَابِ أُولَى؛ لِأَنَّ التَّخَفِي فِي الْأَكْلِ أَكْثَرُ مِنِ الْجِمَاعِ، وَكَذَلِكَ ابْنُ عَرَفَةَ لَمْ يَنْقُلْهُ إِلَّا عَنِ اللَّخْمِيِّ، وَكَأَنَّهُمَا لَمْ يَقِفَا عَلَى كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ.
تَنْبِيهَاتٌ:
الْأَوَّلُ: هَذَا كُلُّهُ فِي الْإِفْطَارِ بِغَيْرِ النِّيَّةِ. وَأَمَّا الْإِفْطَارُ بِالنِّيَّةِ فَحَكَى ابْنُ عَرَفَةَ، عَنِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ الْمَذْهَبَ وُجُوبُهُ، وَعَنِ ابْنِ حَبِيبٍ اسْتِحْبَابُهُ وَضَعَّفَهُ، وَنَصُّهُ: وَالْمُنْفَرِدُ بِشَوَّالٍ فِي اسْتِحْبَابِ فِطْرِهِ حَضَرًا بِنِيَّةٍ، وَوُجُوبُهُ نَقْلًا ابْنُ رُشْدٍ عَنِ ابْنِ حَبِيبٍ مُضَعِّفًا قَوْلَهُ، وَالْمَذْهَبُ وَيَمْنَعُ بِالْأَكْلِ وَلَوْ أَمِنَ. اللَّخْمِيُّ: لَا يَمْنَعُ إِنْ أَمِنَ بِحَضَرٍ وَلَا بِسِفْرٍ مُطْلَقًا، انْتَهَى.
وَمَا ذَكَرَهُ عَنِ ابْنِ رُشْدٍ هُوَ فِي سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ، وَنَصُّهُ: وَأَمَّا إِذَا رَأَى هِلَالَ شَوَّالٍ وَحْدَهُ دُونَ النَّاسِ وَهُوَ فِي جَمَاعَةٍ، فَقَالَ: إِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ إِلَّا بِاجْتِمَاعٍ مِنَ النَّاسِ، وَالْفِطْرُ لَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ جَائِزٌ، بَلْ هُوَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ؛ لِنَهْيِهِ عليه السلام عَنْ صِيَامِ يَوْمِ الْفِطْرِ، لَكِنَّهُ حَظَرَهُ عَلَيْهِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْرِيضِ نَفْسِهِ لِلتُّهْمَةِ وَالْعُقُوبَةِ، وَمِثْلُ هَذَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْمُوَطَّأِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الدَّوَاوِينِ، وَأَبَيْنُهُ سَمَاعُ أَصْبُغَ مِنْ طَلَاقِ السُّنَّةِ، وَاسْتَحَبَّ ابْنُ حَبِيبٍ أَنْ يَنْوِيَ الْفِطْرَ وَلَا يُظْهِرَهُ. وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ هُوَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُخَالِفًا لِلرِّوَايَاتِ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ مِنْ أَفْعَالِ الْقُلُوبِ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعْتَقِدَهُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ حَرَامٌ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ نَاجِيٍّ فِي شَرْحِهِ الْكَبِيرِ: وَنَقَلَ ابْنُ يُونُسَ عَنْ أَشْهَبَ: وَلْيَنْوِ الْفِطْرَ. وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِلْقَوْلَيْنِ، انْتَهَى.
وَقَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ: وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُخَالِفًا لِلرِّوَايَاتِ، يَعْنِي لِظَاهِرِ الرِّوَايَاتِ فِي قَوْلِهِمْ: لَا يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ، وَإِلَّا فَلَيْسَ فِي الرِّوَايَاتِ مَا يَقْتَضِي وُجُوبَ الْإِمْسَاكِ بِالنِّيَّةِ، بَلْ قَالُوا: إِذَا حَصَلَ عُذْرٌ يُبِيحُ لَهُ الْفِطْرَ أَفْطَرَ بِلَا خِلَافٍ، وَسَيَأْتِي فِي كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ: أَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ، فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالْإِمْسَاكِ إِنَّمَا هُوَ فِي الظَّاهِرِ فَقَطْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّانِي: قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ: وَإِنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَأْكُلَ عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ أَوْ عِنْدَ الْغُرُوبِ فَحَسَنٌ؛ لِأَنَّهُ إِنْ ظَهَرَ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ لَمْ يُنْسَبْ إِلَى الْغَلَطِ.
الثَّالِثُ: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قَالَ الْبَاجِيُّ: يُفْطِرُ الْمُسَافِرُ وَحْدَهُ؛ لِاحْتِمَالِ رُؤْيَةِ غَيْرِهِ، وَلَوْ عَلِمَ عَدَمَ رُؤْيَةِ غَيْرِهِ وَجَبَ صَوْمُهُ. ابْنُ زُرْقُونَ: هَذَا وَهْمٌ؛ لِأَنَّ لِلْمُسَافِرِ الْفِطْرَ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ الْقَصْرَ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: لَعَلَّهُ تَبِعَ سَمَاعَ أَبِي زَيْدٍ: لَا يُفْطِرُ مُسَافِرٌ فِي جَمَاعَةٍ، وَإِنْ كَانَ بِمَغَارَةٍ وَحْدَهُ أَفْطَرَ.
(قُلْتُ) : مَا ذَكَرَهُ ابْنُ زُرْقُونَ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا مَا فِي سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّهُ يُرِيدُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ عَلَى أَنَّ فِطْرَهُ لِلْعِيدِ، وَأَمَّا إِذَا أَصْبَحَ مُفْطِرًا عَلَى أَنَّ فِطْرَهُ لِلسَّفَرِ فَهَذَا هُوَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ، قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: فَإِنْ كَانَ عُذْرٌ يُخْفِيهِ كَالسَّفَرِ وَنَحْوِهِ أَفْطَرَ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي شَرْحِهِ: وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ الْفِطَرِ عَلَيْهِ، وَالْمَانِعُ مِنْهُ خَشْيَةُ نِسْبَتِهِ إِلَى الْفِسْقِ، فَإِذَا زَالَ الْمَانِعُ بَقِيَ الْوُجُوبُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ. وَلَمْ يَتَكَلَّمِ ابْنُ رُشْدٍ عَلَى مَا فِي سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ مِنْ جِهَةِ فِطْرِهِ لِلسَّفَرِ، بَلْ تَكَلَّمَ عَلَى حُكْمِ مَنِ انْفَرَدَ بِهِلَالِ رَمَضَانَ أَوْ شَوَّالٍ وَذَكَرَ كَلَامَهُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الرَّابِعُ: فُهِمَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّهُ إِذَا حَصَلَ الْعُذْرُ وَجَبَ الْإِفْطَارُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ.
الْخَامِسُ: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: فَإِنْ ظَهَرَ عَلَى مَنْ يَأْكُلُ، وَقَالَ: رَأَيْتُ الْهِلَالَ، فَقَالَ أَشْهَبُ: يُعَاقَبُ إِنْ كَانَ غَيْرَ مَأْمُونٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ ذَكَرَ ذَلِكَ قَبْلَ وَأَوْدَعَهُ، وَإِنْ كَانَ مَأْمُونًا لَمْ يُعَاقَبْ،
وَتُقِدِّمَ إِلَيْهِ أَنْ لَا يَعُودَ، فَإِنْ فَعَلَ عُوقِبَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ وَالرِّضَا، نَقْلَهُ اللَّخْمِيُّ، انْتَهَى.
وَفِي تَبْصِرَةِ اللَّخْمِيِّ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ وَالرِّضَا، فَلَا يُعَاقَبُ وَيُغْلَظُ عَلَيْهِ فِي الْمَوْعِظَةِ، انْتَهَى.
ص: (وَفِي تَلْفِيقِ شَاهِدٍ أَوَّلَهُ لِآخَرَ آخِرَهُ، وَلُزُومِهِ بِحُكْمِ الْمُخَالِفِ بِشَاهِدٍ- تَرَدُّدٌ) ش: ذَكَرَ مَسْأَلَتَيْنِ تَرَدَّدَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا:
الْأُولَى: إِذَا شَهِدَ شَاهِدٌ وَاحِدٌ فِي أَوَّلِ شَهْرٍ مِنَ الشُّهُورِ فَلَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ الشَّهْرُ بِشَهَادَتِهِ لِانْفِرَادِهِ، وَشَهِدَ آخَرُ فِي آخِرِهِ بِرُؤْيَةِ الشَّهْرِ الَّذِي بَعْدَهُ عَلَى وَجْهٍ يَتَضَمَّنُ تَصْدِيقَ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ، فَهَلْ تُضَمُّ شَهَادَةُ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ أَوْ لَا تُضَمُّ؟ وَذَلِكَ لَهُ صُورَتَانِ؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَ الثَّانِيَ إِمَّا أَنْ يَشْهَدَ بَعْدَ تِسْعَةٍ وَعِشْرِينَ مِنْ رُؤْيَةِ الْأَوَّلِ أَوْ بَعْدَ ثَلَاثِينَ، فَإِنْ شَهِدَ بَعْدَ تِسْعَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا مِنْ رُؤْيَةِ الْأَوَّلِ فَشَهَادَتُهُ مُصَدِّقَةٌ لِشَهَادَةِ الْأَوَّلِ إِذْ لَا يُمْكِنُ رُؤْيَةُ الْهِلَالِ بَعْدَ ثَمَانِيَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي رَمَضَانَ فَقَدِ اتَّفَقَتْ شَهَادَتُهُمَا عَلَى أَنَّ الْيَوْمَ الْأَوَّلَ مِنْ رَمَضَانَ فَيَلْزَمُ قَضَاؤُهُ وَلَا يُفْطِرُونَ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ الْأَوَّلِ لَا تُوجِبُ كَوْنَ هَذَا الْيَوْمِ مِنْ شَوَّالٍ؛ لِجَوَازِ كَوْنِ الشَّهْرِ كَامِلًا، وَإِنَّ شَهِدَ الثَّانِي بَعْدَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا مِنْ رُؤْيَةِ الْأَوَّلِ فَقَدِ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ هَذَا الْيَوْمَ مِنَ الشَّهْرِ الثَّانِي فَيَجِبُ الْفِطْرُ إِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي شَوَّالٍ وَلَا يَلْزَمُ قَضَاءُ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَتَّفِقَا عَلَى أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ إِذَا عَلِمَ ذَلِكَ، فَقَالَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ: لَا تُلَفَّقُ الشَّهَادَتَانِ بِحَالٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: تُلَفَّقُ الشَّهَادَةُ فِي الصُّورَتَيْنِ عَلَى قَوْلِ مَنْ يُلَفِّقُ الشَّهَادَةَ فِي الْأَفْعَالِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: تُلَفَّقُ فِي الصُّورَةِ الْأَوْلَى دُونَ الثَّانِيَةِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ بِعَكْسِهِ إِنَّ كَانَتْ رُؤْيَةُ الثَّانِي فِي غَيْمٍ، وَإِلَّا بَطَلَتَا. قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِي ضَمٍّ مُنْفَرِدٍ لِآخَرَ فِيمَا يَلِيهِ.
ثَالِثُهَا: إِنْ رَآهُ لَيْلَةَ ثَلَاثِينَ لِرُؤْيَةِ الْأَوَّلِ لِأَحَدٍ وَثَلَاثِينَ.
وَرَابِعُهَا: عَكْسُهُ، إِنْ كَانَتْ رُؤْيَةُ الثَّانِي فِي غَيْمٍ وَإِلَّا بَطَلَتَا، وَعَزَا الْقَوْلَ الْأَوَّلَ فِي كَلَامِهِ - وَهُوَ الضَّمُّ مُطْلَقًا - لِتَخْرِيجِ ابْنِ رُشْدٍ عَلَى ضَمِّ الشَّهَادَتَيْنِ الْمُلَفَّقَتَيْنِ فِيمَا يُوجِبُهُ الْحَكَمُ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي - وَهُوَ عَدَمُ الضَّمِّ مُطْلَقًا - لِيَحْيَى بْنِ عُمَرَ، وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ لِنَقْلِ ابْنِ رُشْدٍ عَنْ بَعْضِهِمْ، وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ لِلَّخْمِيِّ.
وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ عَنِ ابْنِ زُرْقُونَ أَنَّهُ قَالَ: وَالصَّوَابُ قَوْلُ يَحْيَى بْنِ عُمَرَ: لَا تُلَفَّقُ الشَّهَادَتَانِ بِحَالٍ، وَقَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: الصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ، وَأَنَّهُمَا يَتَخَرَّجَانِ عَلَى الْقَوْلِ فِي الشَّاهِدَيْنِ إِذَا اتَّفَقَا عَلَى مَا يُوجِبُهُ الْحَكَمُ وَاخْتَلَفَا فِيمَا شَهِدَا بِهِ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّ شَهَادَتَهُمَا لَا تَجُوزُ، انْتَهَى مُخْتَصَرًا، وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ.
(قُلْتُ) : إِذَا عُلِمَ هَذَا، فَكَانَ يَنْبَغِي لِلْمُصَنَّفِ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى قَوْلِ يَحْيَى بْنِ عُمَرَ لِتَرْجِيحِ ابْنِ رُشْدٍ وَابْنِ زُرْقُونَ لَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: إِذَا حَكَمَ الْمُخَالِفُ فِي الصَّوْمِ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ كَالشَّافِعِيِّ، فَهَلْ يَلْزَمُ ذَلِكَ جَمِيعَ النَّاسِ وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مُخَالَفَتُهُ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ وَافَقَ مَحَلَّ الِاجْتِهَادِ، وَقَالَهُ ابْنُ رَاشِدٍ الْقَفَصِيُّ؟ أَوْ لَا يَلْزَمُ الْمَالِكِيَّ الصَّوْمُ فِي هَذَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فَتْوَى وَلَيْسَ بِحُكْمٍ، وَقَالَهُ الْقَرَافِيُّ فِي الْفَرْقِ الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ وَالْمِائَتَيْنِ؟
وَقَالَ سَنَدٌ: لَوْ حَكَمَ الْإِمَامُ بِالصَّوْمِ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ لَمْ يَسَعِ الْعَامَّةَ مُخَالَفَتُهُ؛ لَأَنَّ حُكْمَهُ صَادَفَ مَحَلَّ الِاجْتِهَادِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يُخَالَفَ. وَفِيهِ نَظَرٌ يَرْجِعُ إِلَى تَحْقِيقِ الْحُكْمِ، فَإِنَّ الْحَاكِمَ إِنَّمَا حَصَلَ مِنْهُ إِثْبَاتُ الشَّهَادَةِ فَقَطْ مِنْ غَيْرِ زَائِدٍ، وَإِذَا قَالَ الْحَاكِمُ: شَهِدَ عِنْدِي فُلَانٌ وَحْدَهُ، وَقَدْ أَجْزْتُ شَهَادَتَهُ وَحَكَمْتُ بِالصَّوْمِ- تُنَزَّلُ ذَلِكَ مَنْزِلَةَ فَتْوَى لَا حُكْمٍ، انْتَهَى بِاخْتِصَارٍ. قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَلَمْ يَقُلِ ابْنُ عَطَاءِ اللَّهِ فِي هَذَا الْفَرْعِ شَيْئًا بَلْ تَرَدَّدَ فِيهِ، انْتَهَى.
(قُلْتُ) : وَكَلَامُ سَنَدٍ يَقْتَضِي أَنَّهُ مُتَرَدِّدٌ فِي ذَلِكَ أَيْضًا، انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) : وَانْظُرْ إِذَا قُلْنَا: يَلْزَمُ الْمَالِكِيَّ الصَّوْمُ كَمَا قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ، فَصَامَ وَأَكْمَلُوا
ثَلَاثِينَ، وَلَمْ يَرَ الْهِلَالَ، فَحَكَمَ الْحَاكِمُ الشَّافِعِيُّ بِالْفِطْرِ عَلَى الرَّاجِحِ عِنْدَهُمْ، فَهَلْ يَجُوزُ لِلْمَالِكِيِّ أَنْ يُفْطِرَ مَعَهُمْ وَلَوْ لَمْ يَرَ أَحَدٌ الْهِلَالَ؟ أَوْ يُخَالِفُهُمْ فِي الْفِطْرِ وَيُصْبِحُ صَائِمًا؟
وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَيُقَالُ - لِمَنْ قَالَ: يُصَامُ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ -: أَرَأَيْتَ إِنْ أُغْمِيَ آخِرَ الشَّهْرِ كَيْفَ يَصْنَعُونَ أَيُفْطِرُونَ أَمْ يَصُومُونَ وَاحِدًا وَثَلَاثِينَ؟ فَإِنْ أَفْطَرُوا خَافُوا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْيَوْمُ مِنْ رَمَضَانَ، انْتَهَى.
وَقَدْ وَقَعَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ، وَصُمْنَا بِحُكْمِ الْمُخَالِفِ، فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ أَحَدَ وَثَلَاثِينَ لَمْ يَرَ النَّاسُ الْهِلَالَ بَعْدَ الْغُرُوبِ، فَلَمْ يَلْتَفِتِ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى ذَلِكَ وَكَبَّرُوا وَصَارَ الْعَامَّةُ يَسْأَلُونَ عَنِ الْفِطْرِ مَعَ عَدَمِ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ، فَأَقُولُ لَهُمْ: قَالَ الشَّافِعِيَّةُ: يَجُوزُ الْفِطْرُ. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ لَا يَجُوزُ الْإِفْطَارُ. فَيَقُولُونَ: نَحْنُ لَا نَعْمَلُ إِلَّا عَلَى مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ، ثُمَّ لَطَفَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فَرُؤِيَ الْهِلَالُ حِينَ حَصَلَ ابْتِدَاءُ الظَّلَامِ.
ص: (وَرُؤْيَتُهُ نَهَارًا لِلْقَابِلَةِ) ش: يَعْنِي أَنَّهُ إِذَا رُؤِيَ الْهِلَالُ نَهَارًا فَإِنَّهُ إِنَّمَا يُحْكَمُ بِهِ لِلَّيْلَةِ الْقَابِلَةِ، فَيَسْتَمِرُّ النَّاسُ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ فِطْرٍ إِنَّ وَقَعَ ذَلِكَ فِي آخِرِ شَعْبَانَ، أَوْ صَوْمٍ إِنَّ وَقَعَ فِي آخِرِ رَمَضَانَ، وَسَوَاءٌ رُؤِيَ بَعْدَ الزَّوَالِ أَوْ قَبْلَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقِيلَ: إِنْ رُؤِيَ قَبْلَ الزَّوَالِ فَهُوَ لِلَّيْلَةِ الْمَاضِيَةِ، فَيُمْسِكُونَ إِنْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي شَعْبَانَ، وَيُفْطِرُونَ إِنْ وَقَعَ فِي رَمَضَانَ، وَيُصَلُّونَ الْعِيدَ. رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ، وَقَالَ بِهِ هُوَ وَغَيْرُهُ. قَالَ: وَإِذَا رُؤِيَ بَعْدَ الزَّوَالِ فَهُوَ لِلْآتِيَةِ، سَوَاءٌ صُلِّيْتِ الظُّهْرُ أَمْ لَمْ تُصَلَّ.
(تَنْبِيهٌ) : فَإِذَا رُؤِيَ الْهِلَالُ نَهَارًا ثُمَّ لَمْ يُرَ بَعْدَ الْغُرُوبِ لِغَيْمٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ يَوْمِ ثَلَاثِينَ كَمَا هُوَ الْغَالِبُ، فَلَا يُلْتَفَتُ حِينَئِذٍ إِلَى رُؤْيَتِهِ لَيْلًا لِإِكْمَالِ الْعِدَّةِ، وَإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي يَوْمِ تِسْعَةٍ وَعِشْرِينَ، فَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْهِلَالَ يَثْبُتُ بِرُؤْيَتِهِ نَهَارًا، وَكَلَامُ الْقَرَافِيِّ فِي شَرَحِ الْجَلَّابِ كَالصَّرِيحِ فِي ذَلِكَ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: كَلَامُهُمْ إِنَّمَا هُوَ إِذَا وَقَعَ ذَلِكَ فِي يَوْمِ ثَلَاثِينَ بِدَلِيلِ اخْتِلَافِهِمْ فِي كَوْنِهِ لِلْقَابِلَةِ أَوْ لِلْمَاضِيَةِ، وَإِذَا وَقَعَ فِي يَوْمِ تِسْعَةٍ وَعِشْرِينَ فَلَا قَائِلَ بِأَنَّهُ لِلْمَاضِيَةِ؛ إِذْ لَا يَكُونُ الشَّهْرُ ثَمَانِيَةً وَعِشْرِينَ، وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَكْفِي عَنْ رُؤْيَتِهِ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ، وَأَنَّهُ لَا أَثَرَ لِرُؤْيَتِهِ نَهَارًا. فَتَأَمَّلْهُ.
ثُمَّ رَأَيْتُ فِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ لِابْنِ حَبِيبٍ: أَنَّهُ لَا يُرَى فِي يَوْمِ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ إِلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ، وَنَصُّهُ: وَهُوَ يُرَى بَعْدَ الزَّوَالِ يَوْمَ ثَلَاثِينَ وَيَوْمَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ، وَلَا يُرَى قَبْلَ الزَّوَالِ فِي يَوْمِ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ لِأَنَّهُ لِلْمَاضِيَةِ، وَلَا يَكُونُ هِلَالًا قَبْلَ تَمَامِ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ، وَإِذَا رُؤِيَ بِالْعَشِيِّ يَوْمَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ فَإِنَّمَا أَهَلَّ سَاعَتَهُ، انْتَهَى.
وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّهُ ثَبَتَتْ رُؤْيَتُهُ بِذَلِكَ وَلَوْ لَمْ يُرَ بَعْدَ الْغُرُوبِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ص: (وَإِنْ ثَبَتَ نَهَارًا أَمْسَكَ، وَإِلَّا كَفَرَ إِنِ انْتَهَكَ) ش: يَعْنِي إِذَا لَمْ يَثْبُتِ الْهِلَالُ لَيْلًا وَإِنَّمَا ثَبَتَ نَهَارًا فَإِنَّهُ يَجِبُ الْإِمْسَاكُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ عَلَى مَنْ أَكَلَ وَعَلَى مَنْ لَمْ يَأْكُلْ، وَإِنْ كَانَ صَوْمُهُ غَيْرَ صَحِيحٍ لِعَدَمِ النِّيَّةِ الْمُبَيَّتَةِ لِحُرْمَةِ رَمَضَانَ، وَيَجِبُ قَضَاءُ ذَلِكَ الْيَوْمِ. وَإِنْ بَيَّتَ الصَّوْمَ فِيهِ عَلَى أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ لِعَدَمِ الْجَزْمِ فَإِنْ أَكَلَ وَشَرِبَ أَوْ جَامَعَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِحُرْمَةِ ذَلِكَ وَانْتَهَكَ حُرْمَةَ الشَّهْرِ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ. وَحَكَى ابْنُ بَشِيرٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ قَوْلًا بِعَدَمِ الْكَفَّارَةِ، وَأَنْكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ، وَقَالَ: لَا أَعْرِفُهُ. وَإِنَ فَعَلَ ذَلِكَ غَيْرَ مُنْتَهِكٍ، بَلْ تَأَوَّلَ أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَصِحَّ صَوْمُ ذَلِكَ الْيَوْمِ لِعَدَمِ النِّيَّةِ جَازِ لَهُ الْفِطْرُ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى خِلَافٍ فِيهِ. وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِمَفْهُومِ الشَّرْطِ. فَهَذَا مِنَ التَّأْوِيلِ الْقَرِيبِ فَيُضَمُّ إِلَى الْمَسَائِلِ الَّتِي يَذْكُرُهَا الْمُصَنِّفُ مِنَ التَّأْوِيلِ الْقَرِيبِ بَعْدَ هَذَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ص: (وَإِنْ غَيَّمَتْ وَلَمْ يُرَ فَصَبِيحَةُ يَوْمِ الشَّكِّ) ش: غَيَّمَتْ بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ، يَعْنِي أَنَّهُ إِذَا كَانَتْ السَّمَاءُ مُغَيِّمَةً لَيْلَةَ ثَلَاثِينَ وَلَمْ تَثْبُتْ رُؤْيَةُ الْهِلَالِ فَصَبِيحَةُ ذَلِكَ الْيَوْمِ هُوَ يَوْمُ الشَّكِّ الَّذِي وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ صِيَامِهِ، وَأَمَّا إِذَا لَمْ تَكُنِ السَّمَاءُ مُغَيِّمَةً فَلَيْسَ ذَلِكَ بِيَوْمِ شَكٍّ، وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا أَطْبَقَ الْغَيْمُ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِيَوْمِ شَكٍّ،
وَإِنَّمَا يَوْمُ الشَّكِّ إِذَا لَمْ يُطْبِقِ الْغَيْمُ وَتَحَدَّثَ النَّاسَ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، وَمَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ إِلَى هَذَا.
ص: (وَصِيمَ عَادَةً) ش: يَعْنِي أَنَّهُ يَجُوزُ صَوْمُ يَوْمِ الشَّكِّ لِمَنْ كَانَتْ عَادَتُهُ سَرْدَ الصَّوْمِ، أَوْ صَوْمَ يَوْمٍ بِعَيْنِهِ كَالْخَمِيسِ وَالْاثْنَيْنِ فَوَافَقَ ذَلِكَ، وَقَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ.
ص: (وَتَطَوُّعًا) ش: يَعْنِي أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَصُومَهُ وَحْدَهُ بِنِيَّةِ التَّطَوُّعِ كَمَا قَالَ فِي الرِّسَالَةِ، وَلِمَنْ شَاءَ صَوْمَهُ تَطَوُّعًا أَنْ يَفْعَلَ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَعَنِ ابْنِ مَسْلَمَةَ كَرَاهَةُ ذَلِكَ، وَنَقَلَ عَنْهُ اللَّخْمِيُّ الْجَوَازَ، فَلَعَلَّ لَهُ قَوْلَيْنِ، وَقَالَ الشَّارِحُ: إِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الْكَافِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَقَالَ ابْنُ نَاجِيٍّ إِثْرَ كَلَامِ صَاحِبِ الرِّسَالَةِ الْمُتَقَدِّمِ: ظَاهِرُ كَلَامِهِ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَسْرُدَ الصَّوْمَ أَمْ لَا، انْتَهَى.
ص: (وَقَضَاءً) ش: أَيْ كَمَنْ عَلَيْهِ صَوْمٌ مِنْ رَمَضَانَ فَقَضَاهُ فِيهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ، ثُمَّ إِنْ لَمْ يَثْبُتْ كَوْنُهُ مِنْ رَمَضَانَ فَقَدْ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ ثَبَتَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ لَمْ يُجْزِهِ عَنِ الْقَضَاءِ وَلَا عَنْ رَمَضَانَ الْحَاضِرِ، وَعَلَيْهِ قَضَاءُ يَوْمِ رَمَضَانَ الْحَاضِرِ وَقَضَاءُ مَا فِي ذِمَّتِهِ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِي إِجْزَائِهِ قَضَاءً - وَإِنْ ثَبَتَ كَوْنُهُ مِنْ رَمَضَانَ - خِلَافٌ يَأْتِي، انْتَهَى.
وَكَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى مَسْأَلَةِ صَوْمِ رَمَضَانَ قَضَاءً عَنْ رَمَضَانَ آخَرَ، وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ، وَالْمَشْهُورُ: أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَحُكْمُ كُلِّ صَوْمٍ وَاجِبٍ كَحُكْمِ الْقَضَاءِ، فَلَوْ نَوَاهُ لِلْكَفَّارَةِ أَوْ نَذْرٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ أَجْزَأَهُ، إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ فَلَا يُجْزِئُهُ عَنْ رَمَضَانَ الْحَاضِرِ وَلَا عَمَّا نَوَاهُ، وَعَلَيْهِ قَضَاءُ يَوْمٍ عَنْ رَمَضَانَ الْحَاضِرِ، وَيَقْضِي مَا فِي ذِمَّتِهِ مِنْ كَفَّارَةٍ أَوْ نُذُرٍ أَوْ فِدْيَةٍ أَوْ هَدْيٍ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ التَّلْقِينِ وَغَيْرُهُ، وَإِنْ كَانَ النَّذْرُ مُعَيَّنًا فَهِيَ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا الْمُؤَلِّفُ بِقَوْلِهِ:
ص: (وَلِنُذُرٍ صَادَفَ) ش: وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَجُوزُ صَوْمُهُ أَيْضًا لِنَذْرٍ صَادَفَهُ، كَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ يَوْمًا أَوْ أَيَّامًا فَوَافَقَ بَعْضَهَا، كَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ يَوْمَ الْاثْنَيْنِ أَوِ الْخَمِيسِ فَيُوَافِقُ ذَلِكَ، أَوْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ يَوْمَ قُدُومِ زَيْدٍ فَقَدِمَ ذَلِكَ الْيَوْمَ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ صَوْمُهُ وَيَجْزِيهِ إِنْ لَمْ يَثْبُتْ كَوْنُهُ مِنْ رَمَضَانَ، فَإِنْ ثَبَتَ كَوْنُهُ مِنْ رَمَضَانَ فَإِنَّهُ لَا يُحْزِئُ عَنِ النَّذْرِ وَلَا عَنِ الْفَرْضِ، وَعَلَيْهِ قَضَاءُ يَوْمٍ لِرَمَضَانَ الْحَاضِرِ، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ لِلنَّذْرِ لِكَوْنِهِ مُعَيَّنًا، وَقَدْ فَاتَ. قَالَهُ فِي التَّلْقِينِ.
وَاحْتَرَزْ بِقَوْلِهِ: صَادَفَ- مِمَّا لَوْ نَذَرَهُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يَوْمُ الشَّكِّ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ لِكَوْنِهِ نَذْرَ مَعْصِيَةٍ، هَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ.
(قُلْتُ) : وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ صَوْمُهُ كَذَلِكَ؛ لِقَوْلِهِ: إِنَّهُ مَعْصِيَةٌ، وَلَعَلَّ هَذَا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ صَوْمَ يَوْمِ الشَّكِّ احْتِيَاطًا حَرَامٌ، وَإِلَّا فَسَيَأْتِي أَنَّهُ إِذَا صَامَهُ لِلِاحْتِيَاطِ اخْتُلِفَ فِيهِ، هَلْ هُوَ مَكْرُوهٌ أَوْ حَرَامٌ؟ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ صَوْمُهُ لِنَذْرِهِ إِيَّاهُ كَذَلِكَ مُخْتَلَفًا فِيهِ، وَأَمَّا عَدَمُ لُزُومِهِ فَلَا إِشْكَالَ فِيهِ لِكَوْنِهِ مَكْرُوهًا، وَنَذْرُ الْمَكْرُوهَ غَيْرُ لَازِمٍ، لَكِنَّهُ لَا يَصِيرُ فِعْلُ ذَلِكَ الْمَكْرُوهِ حَرَامًا عَلَى أَنَّهُ يُشْكِلُ بِرَابِعِ النَّحْرِ، فَإِنَّهُ يَكْرَهُ صِيَامُهُ تَطَوُّعًا وَيَلْزَمُ نَاذِرَهُ بِالتَّعْيِينِ، وَكَأَنَّهُمْ رَاعَوْا فِيهِ الْخِلَافَ، فَتَأَمَّلْهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَهَذَا أَيْضًا إِذَا قَصَدَ النُّذُرُ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ يَوْمَ الشَّكِّ لِيَحْتَاطَ بِهِ، فَلَوْ قَصَدَ نَذَرَهُ بِخُصُوصِهِ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ يَجُوزُ صَوْمُهُ تَطَوُّعًا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ لَمَّا نَقَلَ قَوْلَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ: لَوْ نَذَرَ يَوْمَ الشَّكِّ مِنْ حَيْثُ هُوَ يَوْمُ شَكٍّ سَقَطَ؛ لِأَنَّهُ مَعْصِيَةٌ، (قُلْتُ) : كَوْنُهُ مَعْصِيَةً يُرَدُّ بِأَنَّ الْمَشْهُورَ عَدَمُ كَرَاهَةِ صَوْمِهِ، انْتَهَى. يَعْنِي تَطَوُّعًا، وَكَذَا نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ نَاجِيٍّ، لَكِنْ يُقَالُ: مُرَادُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ إِذَا قَصَدَ نَذَرَهُ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ يَوْمَ الشَّكِّ لِيَحْتَاطَ بِهِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُرْجَعُ فِي ذَلِكَ إِلَى نِيَّةِ النَّاذِرِ، فَإِنْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ الشَّكِّ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ يَوْمَ الشَّكِّ احْتِيَاطًا فَلَا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ إِمَّا حَرَامٌ أَوْ مَكْرُوهٌ وَكُلَاهُمَا لَا يَلْزَمُهُ نَذْرُهُ وَإِنْ نَذْرَهُ لَا مِنْ تِلْكَ الْحَيْثِيَّةِ - أَعْنِي نَذَرَهَ لَا لِلِاحْتِيَاطِ - فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ وَيَصِحُّ صَوْمُهُ، فَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ فَالْحُكْمُ مَا تَقَدَّمَ عَنِ التَّلْقِينِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ص: (لَا احْتِيَاطًا) ش: رَاجِعٌ إِلَى أَصْلِ صِيَامِ يَوْمِ الشَّكِّ لَا لِمَسْأَلَةِ النَّذْرِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ صَحِيحًا فِي نَفْسِهِ كَمَا بَيَّنَاهُ، لَكِنَّهُ
لَيْسَ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ، وَإِنَّمَا مُرَادُهُ أَنَّ يَوْمَ الشَّكِّ لَا يُصَامُ لِأَجْلِ الِاحْتِيَاطِ؛ لِلنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ، وَهُوَ مَا صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ:«مَنْ صَامَ يَوْمَ الشَّكِّ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ» وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَلَمْ يُبَيِّنِ الْمُصَنِّفُ كَابْنِ الْحَاجِبِ، حَيْثُ قَالَ: وَالْمَنْصُوصُ النَّهْيُ عَنْ صِيَامِهِ احْتِيَاطًا لِلْعَمَلِ، هَلِ النَّهْيُ عَلَى الْكَرَاهَةِ أَوِ التَّحْرِيمِ؟ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ التَّحْرِيمُ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا نَسَبَهُ اللَّخْمِيُّ لِمَالِكٍ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: وَمَنَعَهُ مَالِكٌ. وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا يَنْبَغِي صِيَامُ يَوْمِ الشَّكِّ. وَحَمَلَهَا أَبُو الْحَسَنِ عَلَى الْمَنْعِ. وَفِي الْجَلَّابِ: يُكْرَهُ صَوْمُ يَوْمِ الشَّكِّ، وَقَالَ ابْنُ عَطَاءِ اللَّهِ: الْكَافَّةُ مُجْمِعُونَ عَلَى كَرَاهَةِ صَوْمِهِ احْتِيَاطًا، انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ فِي ابْنِ فَرْحُونَ، وَزَادَ: وَأَجَازَتْ صَوْمَهُ احْتِيَاطًا عَائِشَةُ وَأَسْمَاءُ، وَأَجَازَهُ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ حَنْبَلٍ فِي الْغَيْمِ دُونَ الصَّحْوِ، وَقَالَ ابْنُ مَسْلَمَةَ: يُكْرَهُ أَنْ يُؤْمَرَ النَّاسُ بِفِطْرِهِ؛ لِئَلَّا يَظُنَّ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ فِطْرٌ قَبْلَ الصَّوْمِ كَمَا وَجَبَ بَعْدَهُ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: الظَّاهِرُ أَنَّ النَّهْيَ عَلَى التَّحْرِيمِ؛ لِقَوْلِهِ: «عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ» ، انْتَهَى.
وَزَادَ أَبُو الْحَسَنِ عَنِ ابْنِ يُونُسَ مِنَ الْوَاضِحَةِ: وَمَنْ صَامَهُ حَوْطَةً ثُمَّ عَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ، فَلْيُفْطِرْ مَتَى مَا عَلِمَ، انْتَهَى.
وَنَقْلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنِ الشَّيْخِ بِلَفْظِ: آخِرَ النَّهَارِ. وَقَالَ ابْنُ نَاجِيٍّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: وَحَمَلَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمُدَوَّنَةَ عَلَى الْمَنْعِ، انْتَهَى.
وَقَالَ الْفَاكِهَانِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: صَوْمُ يَوْمِ الشَّكِّ فِي الْحِيَاطَةِ مِنْ رَمَضَانَ مَكْرُوهٌ، وَلَا يُكْرَهُ صَوْمُهُ تَطَوُّعًا. وَقَالَ بَعْدَهُ: فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَلَا يُصَامُ يَوْمُ الشَّكِّ- يُرِيدُ عَلَى الْكَرَاهَةِ لَا عَلَى التَّحْرِيمِ، انْتَهَى.
ثُمَّ قَالَ: وَقِيلَ: يُصَامُ احْتِيَاطًا. وَلَا أَعْلَمُهُ فِي الْمَذْهَبِ، انْتَهَى.
وَخَرَّجَ اللَّخْمِيُّ وُجُوبَ صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ مِنْ مَسْأَلَةِ الشَّاكِّ فِي الْفَجْرِ وَمِنَ الْحَائِضِ إِذَا جَاوَزَتْ عَادَتَهَا، وَرَدَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ ابْنُ بَشِيرٍ وَغَيْرُهُ، وَبَحَثَ فِي ذَلِكَ ابْنُ عَرَفَةَ فَلْيَنْظُرْهُ مَنْ أَرَادَهُ.
(فَرْعٌ) : قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: اتَّفَقُوا إِذَا كَانَتِ السَّمَاءُ مُصْحِيَةً عَلَى كَرَاهَةِ صَوْمِهِ احْتِيَاطًا؛ إِذْ لَا وَجْهَ لِلِاحْتِيَاطِ فِي الصَّحْوِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ إِذَا كَانَ الْغَيْمُ، انْتَهَى.
ص: (وَنُدِبَ إِمْسَاكُهُ لِيَتَحَقَّقَ) ش: يَعْنِي أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْإِمْسَاكُ عَنِ الْإِفْطَارِ فِي يَوْمِ الشَّكِّ إِلَى أَنْ يَتَحَقَّقَ الْأَمْرُ، بِأَنْ يَأْتِيَ الْمُسَافِرُونَ مِنْ نَوَاحِي الْبَلَدِ، وَيَنْتَشِرَ النَّاسُ، وَتُسْمَعَ الْأَخْبَارُ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: فَإِنِ ارْتَفَعَ النَّهَارُ، وَلَمْ يَظْهَرْ مُوجِبُ الصِّيَامِ، أَفْطَرَ النَّاسُ. وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ مَا ظَاهَرُهُ الْكَفُّ جَمِيعَ النَّهَارِ، وَهُوَ بَعِيدٌ؛ إِذْ ذَاكَ فِي صُورَةِ صِيَامِ يَوْمِ الشَّكِّ احْتِيَاطًا بِأَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ، وَهُوَ خِلَافُ الْمَذْهَبِ، انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ: الرِّوَايَةُ ظَاهِرُهَا الْكَفُّ جَمِيعَ النَّهَارِ- لَا أَعْرِفُهُ، انْتَهَى.
قُلْتُ: قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: يُسْتَحَبُّ إِمْسَاكُ جَمِيعِ النَّهَارِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ..
ص: (لَا لِتَزْكِيَةِ شَاهِدَيْنِ) ش: يَعْنِي أَنَّهُ إِذَا شَهِدَ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ شَاهِدَانِ، وَاحْتَاجَ الْحَالُ إِلَى تَزْكِيَتِهِمَا، فَلَا يُسْتَحَبُّ الْإِمْسَاكُ لِذَلِكَ، وَهَذَا الْفَرْعُ نَقَلَهُ فِي النَّوَادِرِ عَنِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَلَفْظُهُ: قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ فِي رُؤْيَةِ الْهِلَالِ فَاحْتَاجَ الْقَاضِي إِلَى الْكَشْفِ عَنْهُمَا وَذَلِكَ يَتَأَخَّرُ، فَلَيْسَ عَلَى النَّاسِ صِيَامُ ذَلِكَ الْيَوْمِ، فَإِنْ زَكَّوْا بَعْدَ ذَلِكَ أَمَرَ النَّاسَ بِالْقَضَاءِ. وَإِنْ كَانَ فِي الْفِطْرِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ فِيمَا صَامُوا، انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) : تَأْمَّلْ هَذَا الْكَلَامَ، فَإِنَّ الَّذِي يَتَبَادَرُ مِنْهُ عِنْدِي أَنَّهُ إِذَا شَهِدَ عِنْدَ الْقَاضِي عَدْلَانِ فِي اللَّيْلِ وَاحْتَاجَ الْحَالُ إِلَى تَزْكِيَتِهِمَا وَكَانَ ذَلِكَ يَتَأَخَّرُ إِلَى النَّهَارِ، فَلَيْسَ عَلَى النَّاسِ أَنْ يُبَيِّتُوا الصِّيَامَ، وَعَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِ ذَلِكَ فِيمَا إِذَا شَهِدَ الشُّهُودُ نَهَارًا، فَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْمَنْفِيَّ وُجُوبُ الصِّيَامِ لَا اسْتِحْبَابُ الْإِمْسَاكِ، وَعَلَى تَسْلِيمِ أَنَّ الْمُرَادَ نَفْيُ الْوُجُوبِ وَالِاسْتِحْبَابِ، فَقُيِّدَ ذَلِكَ فِي الرِّوَايَةِ بِأَنْ يَتَأَخَّرَ ذَلِكَ، وَالَّذِي يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ ذَلِكَ يَحْتَاجُ إِلَى طُولٍ، وَأَمَّا لَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ عِنْدَ الْقَاضِي بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ نَهَارًا فَطَلَبَ الْقَاضِي تَزْكِيَتَهُمَا وَكَانَ ذَلِكَ أَمْرًا قَرِيبًا، فَاسْتِحْبَابُ الْإِمْسَاكِ مُتَعَيِّنٌ، بَلْ هُوَ أَوْكَدُ مِنَ الْإِمْسَاكِ فِي الْفَرْعِ السَّابِقِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا أَمَرَ بِالْإِمْسَاكِ لِاحْتِمَالِ أَنْ
يَأْتِيَ مَنْ يَشْهَدُ بِالْهِلَالِ، فَمِنْ بَابِ أَحْرَى إِذَا شَهِدَ بِهِ وَتَوَقَّفَ الْحَالُ عَلَى تَزْكِيَةِ الشَّاهِدَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ أَمْرًا قَرِيبًا قَدْرَ مَا يُسْتَحَبُّ الْإِمْسَاكُ إِلَى أَنْ يَرْتَفِعَ النَّهَارُ وَيَأْتِيَ النَّاسُ، وَعَلَى هَذَا فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى مَا إِذَا كَانَ فِي تَزْكِيَتِهِمَا طُولٌ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ. وَقَدْ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الشَّارِحُ فِي الْكَبِيرِ، فَقَالَ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الْإِطْلَاقُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيِّدَ بِمَا إِذَا كَانَ أَمْرُ الشَّاهِدَيْنِ فِي التَّزْكِيَةِ يَتَأَخَّرُ لِيُوَافِقَ الْمَنْقُولَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ص: (أَوْ زَوَالِ عُذْرٍ مُبِيحٍ لَهُ الْفِطْرَ مَعَ الْعِلْمِ بِرَمَضَانَ) ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ يُبِيحُ لَهُ الْإِفْطَارَ مَعَ الْعِلْمِ بِرَمَضَانَ فَأَصْبَحَ مُفْطِرًا لِذَلِكَ، ثُمَّ زَالَ عُذْرُهُ فَإِنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ الْإِمْسَاكُ فِي بَقِيَّةِ يَوْمِهِ، كَالْحَائِضِ تَطْهُرُ، وَالْمُسَافِرِ إِذَا قَدِمَ مُفْطِرًا، وَالْمَجْنُونِ إِذَا أَفَاقَ، وَالصَّبِيِّ إِذَا احْتَلَمَ وَكَانَ مُفْطِرًا فَإِنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ لَهُمُ الْإِمْسَاكُ فِي بَقِيَّةِ يَوْمِهِمْ، وَاخْتُلِفَ فِي الْمُغْمَى عَلَيْهِ يُفِيقُ بَعْدَ الْفَجْرِ، فَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لَا يُمْسِكُ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ ذَلِكَ، وَالَّذِي يَقْتَضِيهِ الْمَذْهَبُ أَنَّهُ يُمْسِكُهُ؛ لِأَنَّهُ صَوْمٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، هَلْ يُجْزِئُهُ أَمْ لَا؟ انْتَهَى.
(تَنْبِيهَانِ) :
الْأَوَّلُ: إِذَا أَصْبَحَ الصَّبِيُّ صَائِمًا ثُمَّ احْتَلَمَ، فَإِنَّهُ يَتَمَادَى عَلَى صَوْمِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدِ انْعَقَدَ نَافِلَةً، قَالَهُ فِي الطِّرَازِ.
الثَّانِي: يَدْخُلُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْإِفْطَارِ، وَقَدْ صَرَّحَ صَاحِبُ الطِّرَازِ وَابْنُ يُونُسَ وَصَاحِبُ النَّوَادِرِ بِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفُّ بَعْدَ زَوَالِ الْإِكْرَاهِ.
ص: (كَمُضْطَرٍّ) ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا، ثُمَّ حَصَلَتْ لَهُ ضَرُورَةٌ اقْتَضَتْ فِطْرَهُ مِنْ جُوعٍ أَوْ عَطَشٍ، فَهَلْ لَهُ أَنْ يَسْتَدِيمَ الْفِطْرَ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ وَلَوْ بِالْجِمَاعِ؟ أَجَازَ ذَلِكَ سَحْنُونٌ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يُزِيلُ ضَرُورَتَهُ فَقَطْ. قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَالْأَوَّلُ أَقْيَسُ؛ لِأَنَّهُ أَفْطَرَ لِوَجْهٍ مُبَاحٍ، قِيَاسًا عَلَى الْمُسْتَعْطِشِ إِذَا كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُوَفِّي بِصِيَامِهِ إِلَّا أَنْ يَشْرَبَ فِي نَهَارِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً، فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُبَيِّتَ الْفِطْرَ وَيَأْكُلَ وَيُصِيبَ أَهْلَهُ. وَلَوْ كَانَ بِرَجُلٍ مَرَضٌ يَحْتَاجُ مِنَ الدَّوَاءِ فِي نَهَارِهِ إِلَى الشَّيْءِ الْيَسِيرِ يَشْرَبُهُ لَمْ يُؤْمَرْ بِالصِّيَامِ وَلَا بِالْكَفِّ عَمَّا سِوَى مَا يُضْطَرُّ إِلَيْهِ، انْتَهَى.
وَالْخِلَافُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَالْخِلَافِ فِي مَسْأَلَةِ الْمُضْطَرِّ لِأَكْلِ الْمَيْتَةِ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: أَيْ إِنْ قُلْنَا لَهُ: أَنْ يَشْبَعَ وَيَتَزَوَّدَ - وَهُوَ الْمَشْهُورُ - جَازَ لَهُ التَّمَادِي - يَعْنِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ -، وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ: إِنَّهُ إِنَّمَا يَأْكُلُ قَدْرَ سَدِّ رَمَقِهِ- يُرِيدُ هُنَا ضَرُورَتَهُ، انْتَهَى.
وَقَالَ الْبَرْزَلِيُّ: وَالْمَشْهُورُ فِي مَسْأَلَةِ الْمَيْتَةِ أَنَّهُ يَأْكُلُ وَيَشْبَعُ وَيَتَزَوَّدُ، وَكَذَا هُنَا يَشْرَبُ حَتَّى يَشْبَعَ وَيَأْكُلَ وَيُجَامِعَ إِنْ شَاءَ، انْتَهَى.
ذَكَرَ ذَلِكَ إِثْرَ سُؤَالٍ سُئِلَ عَنْهُ ابْنُ رُشْدٍ، وَنَصُّهُ: سُئِلَ ابْنُ رُشْدٍ عَمَّنْ يُصِيبُهُ الْعَطَشُ الشَّدِيدُ فَيَشْرَبُ، هَلْ يَأْكُلُ بَعْدَهُ وَيُجَامِعُ فِي بَقِيَّةِ يَوْمِهِ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ: اخْتُلِفَ فِيهِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ وَالْكَفَّارَةَ إِلَّا أَنْ يَتَأَوَّلَ وَيَرَى جَوَازَهُ. قَالَ الْبَرْزَلِيُّ: قُلْتُ: مَا اخْتَارَهُ هُوَ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ فِيهِ، وَفِي مَسْأَلَةِ الْمَيْتَةِ أَنَّهُ يَأْكُلُ مَا يَسُدُّ رَمَقَهُ خَاصَّةً، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يَأْكُلُ وَيَشْبَعُ وَيَتَزَوَّدُ، وَكَذَا هُنَا يَشْرَبُ حَتَّى يَشْبَعَ وَيَأْكُلَ وَيُجَامِعَ إِنْ شَاءَ. وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: إِذَا احْتَاجَ لِرُكُوبِ الْهَدِيَّةِ رَكِبَهَا وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْزِلَ إِذَا اسْتَرَاحَ، وَكَذَا إِذَا أُبِيحَ لَهُ تَزْوِيجُ الْأَمَةِ بِالشَّرْطَيْنِ، فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ صَارَ أَهْلًا لِتَزْوِيجِهَا، وَكَذَا مَنْ حَلَفَ بِطَلَاقِ مَنْ يَتَزَوَّجُ إِلَى سِنِينَ يُدْرِكُهَا
ثُمَّ خَافَ الْعَنَتَ، فَإِنَّهُ إِذَا أُبِيحَ لَهُ مَرَّةً فَقَدْ سَقَطَتْ يَمِينُهُ، انْتَهَى.
(قُلْتُ) : وَعَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ أَنَّ لَهُ أَنْ يُجَامِعَ، فَلْيُشْتَرَطْ أَنْ يَكُونَ الَّتِي يُجَامِعُهَا كِتَابِيَّةً، أَوْ طَهُرَتْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، أَوْ صَغِيرَةً وَلَمْ تَكُنْ صَائِمَةً، وَهَذَا ظَاهِرٌ كَمَا سَيَأْتِي، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ص: (فَلِقَادِمٍ وَطْءُ زَوْجَةٍ طَهُرَتْ) ش: يَعْنِي أَنَّ الْقَادِمَ مِنْ سَفَرِ قَصْرٍ نَهَارًا إِذَا بَيَّتَ الْإِفْطَارَ وَوَجَدَ زَوْجَتَهُ قَدْ طَهُرَتْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ حَيْضِهَا، فَلَهُ وَطْؤُهَا فِي نَهَارِ رَمَضَانَ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا زَالَ عُذْرُهُ الْمُبِيحُ لَهُ الْفِطْرَ مَعَ الْعِلْمِ بِرَمَضَانَ، وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا إِذَا كَانَتْ زَوْجَتُهُ صَغِيرَةً وَلَمْ تَصُمْ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ اللَّخْمِيُّ، وَانْظُرْ إِذَا كَانَتْ صَغِيرَةً وَبَيَّتَتِ الصَّوْمَ هَلْ يَجُوزُ لَهُ إِبْطَالُ صَوْمَتِهَا؟ وَإِذَا كَانَتْ زَوْجَتُهُ كَبِيرَةً جَازَ لَهُ وَطْؤُهَا عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، سَوَاءٌ كَانَتْ طَاهِرَةً قَبْلَ ذَلِكَ أَوْ طَهُرَتْ يَوْمَ قُدُومِهِ. قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَاخْتُلِفَ إِذَا كَانَتْ زَوْجَتُهُ نَصْرَانِيَّةً، وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ الْجَوَازُ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِصَائِمَةٍ. وَقَالَ ابْنُ شَعْبَانَ: لَا يَجُوزُ وَإِنْ وَجَدَهَا بِإِثْرِ الطُّهْرِ؛ لِأَنَّهَا مُتَعَدِّيَةٌ بِتَرْكِ الْإِسْلَامِ. وَقَالَ بَعْضُ فُقَهَائِنَا: يَجُوزُ أَنْ يَطَأَهَا إِذَا كَانَتْ كَمَا طَهُرَتْ كَمَا لَوْ كَانَتْ مَسْلِمَةً، وَلَا يَطَؤُهَا إِذَا كَانَتْ طَاهِرًا قَبْلَ قُدُومِهِ.
قَالَ فِي الْكَبِيرِ: وَفِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مُنَاقَشَةٌ؛ لِأَنَّهُ إِنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: زَوْجَتُهُ- الْمُسْلِمَةُ، فَلَا وَجْهَ لِتَخْصِيصِهَا بِالْحُكْمِ؛ لِمَا عَلِمْتَ أَنَّ ظَاهِرَ الْمَذْهَبِ التَّسَاوِي بَيْنَ الْمُسْلِمَةِ وَالْكِتَابِيَّةِ، وَإِنْ أَرَادَ الْإِطْلَاقَ فَلَا يَسْتَقِيمُ التَّقْيِيدُ بِالطُّهْرِ حِينَ قُدُومِهِ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ الْمَذْهَبِ جَوَازُ وَطْئِهَا، وَإِنْ أَرَادَ التَّخْصِيصَ فِي قَوْلِهِ: طَهُرَتْ- دُونَ مَا قَبْلَهُ فَبَعِيدٌ وَفِيهِ تَكَلُّفٌ، انْتَهَى.
ص: (وَكَفُّ لِسَانٍ) ش: يَعْنِي أَنَّهُ يَسْتَحِبُّ لِلصَّائِمِ أَنْ يَكُفَّ لِسَانَهُ عَنِ الْإِكْثَارِ مِنَ الْكَلَامِ الْمُبَاحِ، وَالْكَلَامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَأَمَّا كَفُّ اللِّسَانِ عَنِ الْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَالْكَلَامِ الْفَاحِشِ فَوَاجِبٌ فِي غَيْرِ الصَّوْمِ، وَيَتَأَكَّدُ وُجُوبُهُ فِي الصَّوْمِ وَلَكِنَّهُ لَا يَبْطُلُ بِهِ الصَّوْمُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهَاتٌ) :
الْأَوَّلُ: لَا يُقَالُ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الصَّوْمِ؛ إِذْ يَصِحُّ الصَّوْمُ بِدُونِهِ، وَلَكِنَّهُ غَيْرُ كَامِلٍ، أَوْ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ثَوَابٌ كَمَا سَيَأْتِي، وَبِالْكَفِّ يَحْصُلُ كَمَالُ الصَّوْمِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: صِحَّةُ الصَّوْمِ مَعَ عَدَمِ الْكَفِّ لَا تَصِيرُهُ مُسْتَحَبًّا، بَلْ هُوَ بَاقٍ عَلَى وُجُوبِهِ، لَكِنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي صِحَّةِ الصَّوْمِ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ نَاجِيٍّ وَغَيْرُهُ فِي شَرَحِ الرِّسَالَةِ: يَنْبَغِي هُنَا لِلْوُجُوبِ قَالَ: وَإِنَّمَا خَصَّ رَمَضَانَ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَعْصِيَةَ تَغْلُظُ بِحَسْبِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ، انْتَهَى.
وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ عَنْ بَعْضِ الشُّيُوخِ فَغَيْرُ ظَاهِرٍ فَتَأَمَّلْهُ. وَنَصُّ مَا ذَكَرَهُ عَنْ بَعْضِ الشُّيُوخِ أَنَّهُ قَالَ فِي شَرْحِ قَوْلِ الرِّسَالَةِ: وَيَنْبَغِي لِلصَّائِمِ أَنْ يَحْفَظَ لِسَانَهُ وَجَوَارِحَهُ يَنْبَغِي عَلَى بَابِهِ؛ لِأَنَّ كَفَّ اللِّسَانِ عَنِ الْمَعْصِيَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي فَسَادِ الصَّوْمِ حُمِلَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ.
الثَّانِي: رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «خَمْسٌ يُفَطِّرْنَ الصَّائِمَ: الْكَذِبُ، وَالْغِيبَةُ، وَالنَّمِيمَةُ، وَالْيَمِينُ الْكَاذِبَةُ، وَالنَّظَرُ بِشَهْوَةٍ» . ذَكَرُهُ فِي الْإِحْيَاءِ، قَالَ الْعِرَاقِيُّ فِي تَخْرِيجِهِ: رَوَاهُ الْأَزْدِيُّ فِي الضُّعَفَاءِ. وَقَالَ فِي الْإِحْيَاءِ: قَالَ سُفْيَانُ: الْغِيبَةُ تُفْسِدُ الصَّوْمَ. وعن مجاهد خصلتان يفسدان الصوم الغيبة والكذب انْتَهَى.
قَالَ الْقَسْطَلَانِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْكَذِبَ وَالْغِيبَةَ وَالنَّمِيمَةَ لَا تُفْسِدُ الصَّوْمَ، ثُمَّ ذَكَرَ مَا ذَكَرَهُ فِي الْإِحْيَاءِ عَنْ سُفْيَانَ وَمُجَاهِدٍ، ثُمَّ قَالَ: وَالْمَعْرُوفُ عَنْ مُجَاهِدٍ: خَصْلَتَانِ مَنْ حَفِظَهُمَا سَلِمَ لَهُ صَوْمُهُ: الْغِيبَةُ، وَالْكَذِبُ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ. ثُمَّ نَقَلَ عَنِ السُّبْكِيِّ أَنَّ مُلَابَسَةَ الْمَعَاصِي تَمْنَعُ ثَوَابَ الصَّوْمِ إِجْمَاعًا، قَالَ: وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَشَقَّةِ الِاحْتِرَازِ. نَعَمْ إِنْ كَثُرَ تَوَجَّهَتِ الْمُقَالَةُ، انْتَهَى.
(قُلْتُ) : يَشْهَدُ لِمَا حَكَاهُ السُّبْكِيُّ حَدِيثُ الْبُخَارِيِّ: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» وَرَوَى أَصْحَابُ السُّنَنِ وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِلَفْظِ: «مَنْ لَمْ يَدَعِ الْخَنَا وَالْكَذِبَ فَلَا حَاجَةَ لِلَّهِ أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» ذَكَرَهُ فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ،
وَحَدِيثُ ابْنِ مَاجَهْ وَالنَّسَائِيِّ: «رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ وَالْعَطَشُ» رَوَاهُ الْحَاكِمُ، وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ ذَكَرَهُ فِي التَّرْغِيبِ أَيْضًا.
الثَّالِثُ: وَرَدَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ عليه الصلاة والسلام، قَالَ:«إِذَا كَانَ صَوْمُ يَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ، فَإِنَّ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ، إِنِّي صَائِمٌ» هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ، وَالرَّفَثُ يُرَادُ بِهِ الْجِمَاعُ، وَالْفُحْشُ مِنَ الْقَوْلِ، وَخِطَابُ الرَّجُلِ الْمَرْأَةَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْجِمَاعِ، قَالَ صَاحِبُ التَّرْغِيبِ: وَقَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ: الْمُرَادُ بِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْفُحْشُ وَرَدِيءُ الْكَلَامِ، انْتَهَى.
وَالصَّخَبُ: الصِّيَاحُ، وَاخْتُلِفَ فِي قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:«فليقل إني صائم» فَقِيلَ: إِنَّهُ يَقُولُهُ بِلِسَانِهِ وَيُسْمِعُ ذَلِكَ لِلَّذِي شَاتَمَهُ لَعَلَّهُ يَنْزَجِرُ. وَقِيلَ: يَقُولُهُ بِقَلْبِهِ لِيَنْكَفَّ بِهِ عَنِ الْمُشَاتَمَةِ. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْأَذْكَارِ: وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، انْتَهَى.
(قُلْتُ) : وَهُوَ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ حَبِيبٍ فِي الْوَاضِحَةِ، فَإِنَّهُ قَالَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْحَدِيثَ بِلَفْظِ:«فَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ» قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: يَعْنِي أَنَّ الصِّيَامَ يَحْجِزُنِي عَنِ الرَّدِّ عَلَيْكَ، انْتَهَى.
قَالَ النَّوَوِيُّ: وَمَعْنَى شَاتَمَهُ أَظْهَرَ شَتْمَهُ مُتَعَرِّضًا لِمُشَاتَمَتِهِ. وَقَالَ فِي الْعَارِضَةِ فِي قَوْلِهِ عليه السلام: «إِنْ جَهِلَ عَلَى أَحَدِكُمْ جَاهِلٌ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ» لَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّهُ يُصَرِّحُ بِذَلِكَ فِي الْفَرِيضَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي التَّطَوُّعِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُصَرِّحُ بِهِ وَلْيَقُلْ لِنَفْسِهِ: إِنِّي صَائِمٌ فَكَيْفَ أَقُولُ الرَّفَثُ؟ انْتَهَى.
وَانْظُرْ حَاشِيَةَ الْمُوَطَّأِ لِلْجَلَالِ السَّيُوطِيِّ، وَقَالَ فِي جَامِعِ الْأُمَّهَاتِ لِلسَّنُوسِيِّ: رَوَى أَبُو دَاوُدَ، عَنْ أَبِي بَكَرَةَ رضي الله عنه قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:«لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: إِنِّي قُمْتُ رَمَضَانَ كُلَّهُ وَصَمْتُهُ كُلَّهُ» فَلَا أَدْرِي أَكْرَهَ التَّزْكِيَةِ، أَوْ قَالَ لَا بُدَّ مِنْ نَوْمَةٍ أَوْ رَقْدَةٍ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: إِنِّي صَائِمٌ مُعْتَذِرًا، وَلَا يَقُولُهُ مُتَحَدِّثًا وَلَا مُتَزَيِّنًا، انْتَهَى.
ص: (وَتَعْجِيلُ فِطْرٍ وَتَأْخِيرُ سُحُورٍ) ش: قَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ: السَّحُورُ وَالْفَطُورُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِمَا: اسْمٌ لِمَا يُتَسَحَّرُ بِهِ وَيُفْطَرُ عَلَيْهِ كَالسَّعُوطِ وَالْوَقُودِ، وَبِالضَّمِّ لِلْفِعْلِ، قَالَ ابْنُ الدَّفْعِ: وَأَجَازَ بَعْضُهُمُ الْفَتْحَ فِي الْوَجْهَيْنِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَعْرُوفُ الَّذِي عَلَيْهِ أَهْلُ اللُّغَةِ، انْتَهَى.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: السَّحُورُ فِي سِينِهِ الْفَتْحُ وَالضَّمُّ. وَقَالَ الْأَبِيُّ: بِالْفَتْحِ اسْمٌ لِمَا يُتَسَحَّرُ بِهِ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَبِالضَّمِّ الْمَصْدَرُ وَالْفِعْلُ، وَالصَّوَابُ: الْفَتْحُ؛ لِأَنَّ الْبَرَكَةَ فِي الْفِعْلِ لَا فِي الطَّعَامِ، يُشِيرُ إِلَى قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:«تَسْحَّرُوا فَإِنَّ فِي السُّحُورِ بَرَكَةً» وَمَعْنَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلصَّائِمِ أَنْ يُعَجِّلَ الْفِطْرَ وَأَنْ يُؤَخِّرَ السُّحُورَ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنَ الِاسْتِحْبَابِ صَرَّحَ بِهِ اللَّخْمِيُّ وَغَيْرُهُ، وَجَعَلَ ذَلِكَ فِي الرِّسَالَةِ سَنَةً، فَقَالَ: وَمِنَ السُّنَّةِ تَعْجِيلُ الْفِطْرِ وَتَأْخِيرُ السُّحُورِ. قَالَ أَبُو الْحَسَنِ فِي الْكَبِيرِ: قَالَ الْحَفِيدُ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مِنْ سُنَنِ الصَّوْمِ تَأْخِيرَ السُّحُورِ وَتَعْجِيلَ الْفِطْرِ، انْتَهَى.
وَقَالَ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ: تَعْجِيلُ الْفِطْرِ سَنَةٌ وَتَأْخِيرُ السُّحُورِ مُسْتَحَبٌّ. وَالْأَمْرُ فِي ذَلِكَ قَرِيبٌ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ: مَا وَرَدَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ» وَفِي سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَحَبُّ عِبَادِي إِلَيَّ أَعْجَلُهُمْ فِطْرًا» وَرَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ: «مِنْ عَمَلِ النُّبُوَّةِ تَعْجِيلُ الْفِطْرِ وَالِاسْتِينَاءُ بِالسُّحُورِ» . وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ: «أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ فَرَاغِهِ مِنْ سُحُورِهِ وَدُخُولِهِ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ قَدْرُ قِرَاءَةِ خَمْسِينَ آيَةً» ، وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِسَنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«لَا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ وَأَخَّرُوا السُّحُورَ» وَالْمُرَادُ بِتَعْجِيلِ الْفِطْرِ: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَعْدَ تَحَقُّقِ الْغُرُوبِ وَعَدَمِ الشَّكِّ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا شَكَّ فِي الْغُرُوبِ حَرُمَ عَلَيْهِ الْفِطْرُ اتِّفَاقًا، وَفِي النَّوَادِرِ قَالَ ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ: وَإِذَا غَشِيَتْهُمُ الظُّلْمَةُ فَلَا يُفْطِرُوا حَتَّى يُوقِنُوا بِالْغُرُوبِ، انْتَهَى.
وَكَذَلِكَ يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ السُّحُورِ مَا لَمْ يَدْخُلْ إِلَى الشَّكِّ فِي الْفَجْرِ، قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعَةِ.
(تَنْبِيهَاتٌ)
الْأَوَّلُ: هَلِ الْمَطْلُوبُ تَعْجِيلُ
الْفِطْرِ قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ أَوْ بَعْدَهَا؟ قَالَ الْبَاجِّيُّ فِي الْمُنْتَقَى لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى وَقْتِ الْمَغْرِبِ فِي شَرْحِ قَوْلِ عُمَرَ رضي الله عنه: الْمَغْرِبُ إِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ - لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ تَعْجِيلَهَا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ مُسْتَحَبٌّ؛ لِأَنَّهَا تَصَادُفُ النَّاسِ مُتَهَيِّئِينَ لَهَا وَرِفْقًا بِالصَّائِمِ الَّذِي شُرِعَ لَهُ تَعْجِيلُ الْفِطْرِ بَعْدَ أَدَاءِ صِلَاتِهِ، انْتَهَى.
وَفِي كِتَابِ الصِّيَامِ مِنَ الْمُوَطَّأِ، مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه، وَعُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ كَانَا يُصَلِّيَانِ الْمَغْرِبَ حِينَ يَنْظُرَانِ إِلَى اللَّيْلِ الْأَسْوَدِ قَبْلَ أَنْ يُفْطِرَا ثُمَّ يُفْطِرَانِ بَعْدَ الصَّلَاةِ وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ، انْتَهَى.
وَفِي النَّوَادِرِ عَنِ ابْنِ حَبِيبٍ: وَلَا يَنْبَغِي تَأْخِيرُ الْفِطْرِ حَتَّى يَرَى النُّجُومَ، وَلَا بَأْسَ لِمَنْ رَأَى سَوَادَ اللَّيْلِ أَنْ يُفْطِرَ قَبْلَ أَنْ يُؤْذَنَ وَيُصَلَّى إِذَا رَأَى سَوَادَ اللَّيْلِ قَدْ طَلَعَ مِنْ مَوْضِعٍ يَطْلُعُ مِنْهُ الْفَجْرُ، تَنْبَعِثُ مِنْهُ الظُّلْمَةُ، انْتَهَى.
وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ: عَنْ أَنَسٍ، قَالَ:«كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُفْطِرُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى رُطَبَاتٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ رُطَبَاتٍ فَتَمَرَاتٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ تَمَرَاتٍ حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ» فَهَذَا الْحَدِيثُ يُخَالِفُ كَلَامَ الْبَاجِّيِّ وَمَا تَقَدَّمَ عَنِ الْمُوَطَّأِ، إِلَّا أَنَّ يُحْمَلَ هَذَا عَلَى الْفِطْرِ بِالشَّيْءِ الْيَسِيرِ، وَكَلَامُ الْبَاجِّيِّ وَمَا فِي الْمُوَطَّأِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْعِشَاءُ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَقَدْ قَالَ فِي الْعَارِضَةِ:«كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُفْطِرُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى شَيْءٍ يَسِيرٍ لَا يَشْغَلُهُ عَنِ الصَّلَاةِ» وَقَالَ الْجَزُولِيُّ: إِنَّهُ يُفْطِرُ بِالشَّيْءِ الْيَسِيرِ وَيُصَلِّي وَحِينَئِذٍ يَأْكُلُ؛ لِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ تَعْجِيلُ الْفِطْرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَلَوْ بِالْمَاءِ، انْتَهَى.
وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ، «عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي حَتَّى يُفْطِرَ، وَلَوْ عَلَى شَرْبَةِ مَاءٍ» ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ الْخَامِسِ لعبد الرحمن بن حرملة هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ الَّذِي عَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّانِي: تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ مَا يُفْطِرُ عَلَيْهِ، وَهَكَذَا قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: إِنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْفِطْرُ عَلَى رُطَبَاتٍ أَوْ تَمَرَاتٍ أَوْ حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَعَدَّ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَالشَّبِيبِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ مُسْتَحَبَّاتِ الصَّوْمِ: ابْتِدَاءُ الْفِطْرِ عَلَى التَّمْرِ أَوِ الْمَاءِ، وَقَالَ فِي الْقُرْطُبِيَّةِ:
مِنْ سُنَنِ الصَّوْمِ وَقْتُ الْفِطْرِ
…
تَعْجِيلُهُ بِالْمَاءِ أَوْ بِالتَّمْرِ
قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوقٌ فِي شَرْحِهَا: مِنْ سُنَنِ الصَّوْمِ تَعْجِيلُ الْفِطْرِ رِفْقًا بِالضُّعَفَاءِ وَاسْتِحْبَابًا لِلنَّفْسِ وَمُخَالَفَةً لِلْيَهُودِ، وَكَوْنُهُ بِالتَّمْرِ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ مِنَ الْحَلَاوَاتِ؛ لِأَنَّهُ يَرُدُّ لِلْبَصَرِ مَا زَاغَ مِنْهُ بِالصَّوْمِ كَمَا حَدَّثَ بِهِ وَهْبٌّ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَالْمَاءُ لِأَنَّهُ طَهُورٌ، انْتَهَى.
فَتَقْدِيمُ الْمَاءِ عَلَى التَّمْرِ فِي قَوْلِ النَّاظِمِ: تَعْجِيلُهُ بِالْمَاءِ أَوْ بِالتَّمْرِ إِنَّمَا هُوَ لِأَجْلِ الْوَزْنِ، وَقَالَ الدَّمِيرِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ: ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ثَلَاثِ تَمَرَاتٍ، وَبِذَلِكَ صَرَّحَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ، وَنَقَلَهُ عِزُّ الدِّينِ، وَنَقَلَهُ عَنِ الشَّيْخِ مُحِبِّ الدِّينِ الطَّبَرَيِّ، الْقَصْدُ أَنْ لَا يُدْخِلَ جَوْفَهُ شَيْئًا قَبْلَهُ، قَالَ: وَمَنْ بِمَكَّةَ اسْتَحَبَّ لَهُ الْفِطْرُ عَلَى مَاءِ زَمْزَمَ لِبَرَكَتِهِ، فَإِنْ جَمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّمْرِ فَحَسَنٌ، قَالَ: والحكمة في التمر أَنَّ الصَّوْمَ يُفَرِّقُ الْبَصَرَ وَالتَّمْرَ يَجْمَعُهُ، وَلِهَذَا قَالَ الرُّوْيَانِيُّ: فَإِنْ لَمْ يَجِدِ التَّمْرَ فَعَلَى حَلَاوَةٍ أُخْرَى، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَعَلَى الْمَاءِ، قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: وَالْأَوْلَى فِي زَمَانِنَا أَنْ يُفْطِرَ عَلَى مَاءٍ يَأْخُذُهُ بِكَفِّهِ مِنَ النَّهْرِ؛ لِأَنَّ الشُّبُهَاتِ قَدْ كَثُرَتْ فِي أَيْدِي النَّاسِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَمَا قَالَهُ الرُّوْيَانِيُّ وَالْقَاضِي شَاذٌّ، وَالصَّوَابُ: التَّمْرُ ثُمَّ الْمَاءُ، قَالَ الْحَلِيمِيُّ: الْأَوْلَى أَنْ لَا يُفْطِرَ عَلَى شَيْءٍ مَسَّتْهُ النَّارُ وَذَكَرَ فِيهِ حَدِيثًا، انْتَهَى.
كَلَامُ الدَّمِيرِيِّ: وَقَالَ الْجَزُولِيُّ: إِنْ كَانَ عِنْدَهُ حَلَالٌ وَمُتَشَابَهٌ أَفْطَرَ بِالْحَلَالِ وَلَا يُفْطِرُ بِالْمُتَشَابَهِ؛ لِأَنَّهُ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «إِنَّ لِلَّهِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ سَبْعَمِائَةِ عَتِيقٍ مِنَ النَّارِ، إِلَّا مَنِ اغْتَابَ مُسَلِّمًا، أَوْ آذَاهُ، أَوْ شَرِبَ خَمْرًا، أَوْ أَفْطَرَ عَلَى حَرَامٍ» ، انْتَهَى.
الثَّالِثُ: فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ لَكَ صَمْتُ وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ» ، وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ:«ذَهَبَ الظَّمَأُ وَابْتَلَّتِ الْعُرُوقُ وَثَبَتَ الْأَجْرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ» . وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوقٌ فِي شَرْحِ الْقُرْطُبِيَّةِ: وَيَقُولُ عِنْدَ الْفِطْرِ: اللَّهُمَّ لَكَ صَمْتُ وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ
فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، فَإِنَّ لِلصَّائِمِ دَعْوَةً مُسْتَجَابَةً، قِيلَ: بَيْنَ رَفْعِ اللُّقْمَةِ وَوَضْعِهَا فِي فِيهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(قُلْتُ) : وَلَمْ أَقِفْ عَلَى الزِّيَادَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا الشَّيْخُ زَرُّوقٌ، أَعْنِي قَوْلَهُ: فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، قَالَ فِي الْأَذْكَارِ: وَالظَّمَأُ مَقْصُورٌ مَهْمُوزٌ وَهُوَ الْعَطَشُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:{لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ} [التوبة: 120] قَالَ: وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ هَذَا - وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا - لِأَنِّي رَأَيْتُ مَنِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ فَتَوَهَّمَهُ مَمْدُودًا، قَالَ: وَرُوِّينَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدٍ وَابْنِ السُّنِّيِّ عَنْ مُعَاذِ بْنِ زُهْرَةَ، قَالَ:«كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَفْطَرَ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَعَانَنِي فَصَمْتُ وَرَزَقَنِي فَأَفْطَرْتُ» . قَالَ: وَرُوِّينَا فِي كِتَابِ ابْنِ السُّنِّيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَفْطَرَ قَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ صُمْنَا، وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْنَا فَتَقْبَلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» . وَأَمَّا حَدِيثُ: «لِلصَّائِمِ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ» ، فَقَالَ النَّوَوِيُّ: رُوِّينَا فِي كِتَابَيِ ابْنِ مَاجَهْ وَابْنِ السُّنِّيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَفْطَرَ يَقُولُ: «إِنَّ لِلصَّائِمِ عِنْدَ فِطْرِهِ لِدَعْوَةً مَا تُرَدُّ» ، قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ إِذَا أَفْطَرَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِرَحْمَتِكَ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ أَنْ تَغْفِرَ لِي» ، انْتَهَى.
زَادَ فِي التَّرْغِيبِ فِي رِوَايَةٍ: «أَنْ تَغْفِرَ لِي ذُنُوبِي» . وَقَالَ: رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ. قَالَ فِي الْأَذْكَارِ: وَرُوِّينَا فِي كِتَابَيِ التِّرْمِذِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتَهُمْ: الصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ، وَالْإِمَامُ الْعَادِلُ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، قَالَ النَّوَوِيُّ: الرِّوَايَةُ حَتَّى بِالْمُثَنَّاةِ فَوْقُ.
(قُلْتُ) : ذَكَرَهُ فِي التَّرْغِيبِ، وَذَكَرَ فِيهِ رِوَايَةَ حِينَ بِالْمُثَنَّاةِ وَالنُّونِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الرَّابِعُ: قَالَ فِي الْعَارِضَةِ فِي قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام: «لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ إِفْطَارِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ» الْفَرْحَةُ عِنْدَ إِفْطَارِهِ بِلَذَّةِ الْغِذَاءِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، وَبِخُلُوصِ الصَّوْمِ مِنَ الرَّفَثِ وَاللَّغْوِ عِنْدَ الْفُقَرَاءِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ بِمَا يَرَى مِنَ الثَّوَابِ، وَلَيْسَ هَذَا لِمَنْ أَدَّى الْفَرْضَ، وَإِنَّمَا هُوَ لِمَنْ أَكْثَرَ مِنَ التَّطَوُّعِ، انْتَهَى.
وَمَا قَالَهُ مِنَ التَّخْصِيصِ غَيْرُ ظَاهِرٍ، وَلَا يُوَافَقُ عَلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْخَامِسُ: قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: قَالَ الْبَاجِّيُّ: تَعْجِيلُ الْفِطْرِ هُوَ أَنْ لَا يُؤَخَّرَ بَعْدَ الْغُرُوبِ عَلَى وَجْهِ التَّشْدِيدِ وَالْمُبَالَغَةِ، وَاعْتِقَادٌ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْفِطْرُ عِنْدَ الْغُرُوبِ عَلَى حَسَبِ مَا يَفْعَلُهُ الْيَهُودُ، وَأَمَّا مَنْ أَخَّرَهُ لِأَمْرٍ عَارِضٍ، أَوِ اخْتِيَارًا مَعَ اعْتِقَادِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْفِطْرُ عِنْدَ الْغُرُوبِ عَلَى حَسَبِ مَا يَفْعَلُهُ الْيَهُودُ، وَأَمَّا مَنْ أَخَّرَهُ لِأَمْرٍ آخَرَ اخْتِيَارًا مَعَ اعْتِقَادِ أَنَّ صَوْمَهُ قَدْ كَمُلَ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ، فَلَا يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ، رَوَاهُ ابْنُ نَافِعٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ: قَالَ أَشْهَبُ: وَوَاسِعُ تَعْجِيلِ الْفِطْرِ، وَتَأْخِيرِهِ لِلْحَاجَةِ تَنُوبُ، وَيُكْرَهُ أَنْ يُؤَخِّرَهُ تَنَطُّعًا يَتَّقِي أَنْ لَا يُجْزِئَهُ، وَهُوَ مَعْنَى الْحَدِيثِ فِي أَنْ لَا يُؤَخَّرَ، ثُمَّ قَالَ: وَإِنَّمَا يُكْرَهُ تَأْخِيرُ الْفِطْرِ اسْتِنَانًا وَتَدَيُّنًا، فَأَمَّا لِغَيْرِ ذَلِكَ فَلَا، كَذَلِكَ قَالَهُ أَصْحَابُ مَالِكٍ، انْتَهَى.
السَّادِسُ: قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ: اخْتُلِفَ فِي التَّأْخِيرِ إِذَا أَرَادَ الْوِصَالَ، فَقِيلَ: جَائِزٌ، وَقِيل: لَا، وَكِلَاهُمَا حَكَاهُ اللَّخْمِيُّ، وَاخْتَارَ جَوَازُهُ إِلَى التَّسْحِيرِ، وَكَرَاهِيَّتُهُ إِلَى اللَّيْلَةِ الْقَابِلَةِ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَكَرِهَ مَالِكٌ الْوِصَالَ وَلَوْ إِلَى السَّحَرِ، اللَّخْمِيُّ: هُوَ إِلَيْهِ مُبَاحٌ، لِلْحَدِيثِ:«مَنْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ إِلَى السُّحُورِ» ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْإِكْمَالِ: قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: الْإِمْسَاكُ بَعْدَ الْغُرُوبِ لَا يَجُوزُ، وَهُوَ كَالْإِمْسَاكِ يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ النَّحْرِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ جَائِزٌ وَلَهُ أَجْرُ الصَّائِمِ، وَاحْتَجَّ هَؤُلَاءِ بِأَنَّ فِي أَحَادِيثِ الْوِصَالِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ، ثُمَّ ذُكِرَ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ إِجَازَتُهُ، وَعَنْ مَالِكٍ كَرَاهَتُهُ، وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: اخْتُلِفَ فِي الْإِمْسَاكِ بَعْدَ الْغُرُوبِ بِنِيَّةِ الصَّوْمِ، فَقِيلَ: غَيْرُ جَائِزٍ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْإِمْسَاكِ يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ النَّحْرِ، وَقِيلَ: ذَلِكَ جَائِزٌ، وَلَهُ أَجْرُ الصَّائِمِ، انْتَهَى.
وَظَاهِرُ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ أَنَّ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ يَقُولُ: إِنِ الْإِمْسَاكَ حَرَامٌ فَيَكُونُ مُخَالِفًا لِقَوْلِ مَالِكٍ
بِأَنَّ الْوِصَالَ مَكْرُوهٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
السَّابِعُ: قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ: قَالَ عِيَاضٌ: اخْتُلِفَ إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ وَالطَّعَامُ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى تَقْدِيمِ الطَّعَامِ، وَذَكَرَ نَحْوَهُ ابْنُ حَبِيبٍ، وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَبْدَأُ بِالصَّلَاةِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الطَّعَامُ خَفِيفًا.
(قُلْتُ) : الْأَقْرَبُ رَدُّهُمَا إِلَى وِفَاقٍ، وَهُوَ الْبُدَاءَةُ بِالصَّلَاةِ إِنْ لَمْ يَكُنْ يَتَشَوَّقُ لِلطَّعَامِ، فَيَكُونُ الْخِلَافُ خِلَافًا فِي حَالٍ، وَبِهَذَا التَّفْصِيلِ كَانَ شَيْخُنَا الشَّبِيبِيُّ يُفْتِي، انْتَهَى.
(قُلْتُ) : مَا ذَكَرَهُ عَنْ عِيَاضٍ ذَكَرَهُ فِي الْإِكْمَالِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ، وَلَا وَهُوَ يُدَافِعُ الْأَخْبَثَيْنِ» ، وَقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام:«إِذَا قَرُبَ الْعَشَاءُ وَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَابْدَؤُوا بِهِ قَبْلَ أَنْ تُصَلُّوا صَلَاةَ الْمَغْرِبِ» . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَوَقَعَ فِي غَيْرِ مُسْلِمٍ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ زِيَادَةٌ حَسَنَةٌ تُفَسِّرُ الْمَعْنَى، وَهُوَ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم:«إِذَا وُضِعَ الْعَشَاءُ وَأَحَدُكُمْ صَائِمٌ فَابْدَؤُوا بِهِ قَبْلَ أَنْ تُصَلُّوا» ، وَأَلْزَمَ الدَّارَقُطْنِيُّ مُسْلِمًا إِخْرَاجَهُ، قَالَ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَمْ يَبْلُغْ مُسْلِمًا، وَمَا ذَكَرَهُ الْأَبِيُّ عَنْ شَيْخِهِ ذَكَرَ الْمَازِرِيُّ نَحْوَهُ، فَقَالَ - لَمَّا ذَكَرَ الْحَدِيثَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ -: مَعْنَاهُ أَنَّ بِهِ مِنَ الشَّهْوَةِ إِلَى الطَّعَامِ مَا يَشْغَلُهُ عَنْ صَلَاتِهِ فَصَارَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْحَقْنِ الَّذِي أُمِرَ بِإِزَالَتِهِ قَبْلَ الصَّلَاةِ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الطِّرَازِ فِي بَابِ الصَّلَاةِ بِالْحَقْنِ: وَمَنْ بَلَغَ بِهِ الْجُوعُ ثُمَّ حَضَرَ الطَّعَامُ وَالصَّلَاةُ، فَلْيَبْدَأْ بِقَضَاءِ حَاجَتِهِ مِنَ الطَّعَامِ؛ لِأَنَّهُ يَتَفَرَّغُ بِذَلِكَ لِلصَّلَاةِ، فَإِنْ بَدَأَ بِالصَّلَاةِ، فَإِنْ كَانَ بَالُهُ مَشْغُولًا، بِحَيْثُ لَا يَدْرِي مَا صَلَّى يُعِيدُ ذَلِكَ أَبَدًا، وَإِنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنْ يُقْلِقُهُ وَيُعَجِّلُهُ فَحسْنُ أَنْ يُعِيدَ فِي الْوَقْتِ، وَإِنْ كَانَ إِنَّمَا تُتَوَّقُ نَفْسُهُ إِلَى الطَّعَامِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْغَلَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، انْتَهَى بِاخْتِصَارٍ.
وَقَالَ الْجَزُولِيُّ: إِذَا حَضَرَ الطَّعَامُ وَالصَّلَاةُ فَإِنْ كَانَ يَخَافُ أَنْ يَشْغَلَهُ قَدَّمَ الطَّعَامَ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَشْغَلُهُ أَفْطَرَ مِنْهُ بِشَيْءٍ يَسِيرٍ وَصَلَّى؛ لِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْفِطْرُ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَلَوْ بِالْمَاءِ، انْتَهَى.
الثَّامِنُ: ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ تَعْجِيلِ السُّحُورِ، وَلَمْ يُذْكُرْ حُكْمَ السُّحُورِ، وَقَدْ عَدَّهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي قَوَاعِدِهِ فِي سُنَنِ الصَّوْمِ، وَقَالَ فِي الْإِكْمَالِ: أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ السُّحُورَ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، انْتَهَى.
وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: السُّحُورُ الْأَكْلُ عِنْدَ السَّحَرِ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ السُّحُورَ وَاجِبٌ، انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ فِي الْكَبِيرِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَثِّ عَلَيْهِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:«تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السُّحُورِ بَرَكَةً» ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ:«فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ أُكْلَةُ السَّحَرِ» .
التَّاسِعُ: قَالَ فِي الْإِكْمَالِ: قَوْلُهُ «فَإِنَّ فِي السُّحُورِ بَرَكَةً» أَصْلُ الْبَرَكَةِ الزِّيَادَةُ، وَقَدْ تَكُونُ هَذِهِ الْبَرَكَةُ الْقُوَّةَ عَلَى الصِّيَامِ، وَقَدْ جَاءَ كَذَلِكَ مُفَسَّرًا فِي بَعْضِ الْآثَارِ، وَقَدْ تَكُونُ الزِّيَادَةُ فِي الْأَكْلِ عَلَى الْإِفْطَارِ، وَهُوَ مِمَّا اخْتَصَّتْ بِهِ هَذِهِ الْأُمَّةُ فِي صَوْمِهَا، وَقَدْ تَكُونُ الْبَرَكَةُ فِي زِيَادَةِ الْأَوْقَاتِ الْمُخْتَصَّةِ بِالْفَضْلِ وَهَذَا مِنْهَا لِأَنَّهُ فِي السَّحَرِ، وَقَدْ جَاءَ فِي فَضْلٍ ذَلِكَ الْوَقْتِ وَقَبُولِ الدُّعَاءِ وَالْعَمَلِ فِيهِ وَتَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ مَا جَاءَ، وَقَدْ تَكُونُ الْبَرَكَةُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالسَّحَرِ مِنْ ذِكْرٍ وَصَلَاةٍ وَاسْتِغْفَارٍ وَغَيْرِهِ مِنْ زِيَادَاتِ الْأَعْمَالِ الَّتِي لَوْلَا الْقِيَامُ لِلسُّحُورِ لَكَانَ الْإِنْسَانُ نَائِمًا عَنْهَا وَتَارِكًا لَهَا. وَتَجْدِيدُ النِّيَّةِ لِلصَّوْمِ لِيَخْرُجَ مِنِ الْخِلَافِ، وَالسُّحُورُ نَفْسُهُ بِنِيَّةِ الصَّوْمِ، وَامْتِثَالُ النَّدْبِ طَاعَةٌ وَزِيَادَةٌ فِي الْعَمَلِ، انْتَهَى.
الْعَاشِرُ: قَالَ فِي الْإِكْمَالِ أَيْضًا: وَقَوْلُهُ «فَصْلٌ مَا بَيْنَ صَوْمِنَا وَصَوْمِ أَهْلِ الْكِتَابِ أُكْلَةُ السَّحَرِ» صَوَابُهُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَالرِّوَايَةُ فِيهِ بِضَمِّهَا، وَبِالضَّمِّ إِنَّمَا هُوَ بِمَعْنَى: اللُّقْمَةِ الْوَاحِدَةِ، وَبِالْفَتْحِ: الْأَكْلِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَهُوَ الْأَشْبَهُ هُنَا، وَالْفَصْلُ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ الْفَرْقُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ وَالرِّسَالَةِ: قَالَ التَّاذِلِيُّ: فِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ وَالْأَشْبَهُ مَا فِي الرِّوَايَةِ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلَى قِلَّةِ الْأَكْلِ بِاللُّقْمَةِ الْوَاحِدَةِ بِخِلَافِ الْأَكْلِ مَرَّةً وَاحِدَةً، فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِيهَا الطَّعَامُ الْكَثِيرُ
وَالشَّبَعُ الْمَذْمُومُ، انْتَهَى.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: ضَبَطَهُ الْجُمْهُورُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَهِيَ الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ فِي رِوَايَةِ بِلَادِنَا، وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: إِنَّ الرِّوَايَةَ فِيهِ بِالضَّمِّ، وَلَعَلَّهُ يُرِيدُ فِي رِوَايَةِ بِلَادِهِمْ، انْتَهَى.
الْحَادِي عَشَرَ: قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ السُّحُورَ الْأَكْلُ وَقْتَ السَّحَرِ، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذِّبِ: وَوَقْتُهُ مِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ: وَيُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ السُّحُورِ مَا لَمْ يُؤَخِّرْ إِلَى الشَّكِّ فِي الْفَجْرِ، وَمِنْ عَجَّلَهُ فَوَاسِعٌ يُرْجَى لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مَا يُرْجَى لِمَنْ أَخَّرَهُ إِلَى آخِرِ أَوْقَاتِهِ، انْتَهَى.
وَيَحْصُلُ السُّحُورُ بِقَلِيلِ الْأَكْلِ وَكَثِيرِهِ وَلَوْ بِالْمَاءِ، لِمَا رَوَى ابْنُ حِبَّانَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«تَسَحَّرُوا وَلَوْ بِجُرْعَةٍ مِنْ مَاءِ» ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَائِدَةٌ) قَالَ ابْنُ نَاجِي: وَقَعَتْ نَازِلَةٌ بِبَغْدَادَ فِي رَجُلٍ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ وَهُوَ صَائِمٌ أَنْ لَا يُفْطِرَ عَلَى حَارٍّ وَلَا بَارِدٍ، فَأَفْتَى ابْنُ الصَّبَّاغِ إِمَامُ الشَّافِعِيَّةِ بِحِنْثِهِ، إِذْ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَحَدِهِمَا، وَأَفْتَى الشِّيرَازِيُّ بِعَدَمِ حِنْثِهِ قَائِلًا: إِنَّهُ يُفْطِرُ عَلَى غَيْرِهِمَا، وَهُوَ حُصُولُ اللَّيْلِ، لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام:«إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هاَهُنَا وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَاهُنَا فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ» وَفَتْوَى ابْنُ الصَّبَّاغِ أَشْبَهُ بِمَذْهَبِ مَالِكٍ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَبِرُ الْمَقَاصِدَ، وَفَتْوَى الشِّيرَازِيُّ صَرِيحُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، انْتَهَى.
ص: (وَصَوْمٌ بِسَفَرٍ وَإِنْ عَلِمَ دُخُولَهُ بَعْدَ الْفَجْرِ) ش: يَعْنِي أَنْ الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ الَّذِي يَجُوزُ فِيهِ الْإِفْطَارُ أَفْضَلُ مِنِ الْإِفْطَارِ، يُرِيدُ لِمَنْ قَوِيَ عَلَى ذَلِكَ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة: 184] وَلِأَنَّ الصَّوْمَ فِي رَمَضَانَ أَكْثَرُ أَجْرًا لِأَنَّهُ أَشَدُّ حُرْمَةً، بِدَلِيلِ أَنَّ مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَى مَنْ أَفْطَرَ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي رَسْمِ الشَّرِيكَيْنِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ بِأَنَّ مَالِكًا يَسْتَحِبُّ الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ وَيَكْرَهُ الْإِفْطَارَ، وَقَوْلُهُ: وَإِنْ عَلِمَ دُخُولَهُ بَعْدَ الْفَجْرِ، يَعْنِي بِهِ أَنَّ الْمُسَافِرَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الصَّوْمُ وَإِنَّ عَلِمَ أَنَّهُ يَدْخُلُ إِلَى بَلَدِهِ بَعْدَ الْفَجْرِ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ بَلْ هُوَ بَاقٍ عَلَى اسْتِحْبَابِ الصَّوْمِ.
(تَنْبِيهٌ) : لَا فَرْقَ عَلَى الْمَشْهُورِ بَيْنَ أَنْ يَدْخُلَ بَلَدَهُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ أَوْ فِي آخِرِهِ، وَقَالَ فِي الطِّرَازِ: إِنْ عَلِمَ أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي آخِرِ النَّهَارِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّتَ الصَّوْمَ، وَلَا يُنْدَبُ إِلَى ذَلِكَ، كَمَا يُنْدَبُ إِلَيْهِ الْأَوَّلُ، قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمُخْتَصَرِ، وَقَالَهُ فِي الْمَجْمُوعَةِ ابْنُ الْمَاجِشُونِ، وَأَشْهَبُ، وَابْنُ وَهْبٍ، وَابْنُ نَافِعٍ، انْتَهَى.
(قُلْتُ) : وَهَذَا يَأْتِي عَلَى مُقَابِلِ الْمَشْهُورِ الَّذِي يُسْتَحَبُّ الْإِفْطَارُ فِي السَّفَرِ، وَلَعَلَّ هَذَا مُرَادُ صَاحِبِ الطِّرَازِ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ، كَمَا يُنْدَبُ إِلَيْهِ الْأَوَّلُ، فَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ الَّذِي يَدْخُلُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ يُنْدَبُ لَهُ الصَّوْمُ حَتَّى عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ فَتَأَمَّلْهُ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ السَّفَرِ الَّذِي يَجُوزُ فِيهِ الْإِفْطَارُ، وَاسْتَحَبَّ ابْنُ الْمَاجِشُونِ الْفِطْرَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185] وَلِحَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ: «وَلَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ» ، وَلِحَدِيثِ:«إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ» ، وَلِمَالِكٍ فِي الْمُخْتَصَرِ: ذَلِكَ وَاسِعٌ صَامَ أَوْ أَفْطَرَ، وَعَنِ ابْنِ حَبِيبٍ: يُسْتَحَبُّ الْإِفْطَارُ إِلَّا فِي سَفَرِ الْجِهَادِ، وَذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ. فَتَحْصُلُ فِي ذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ، وَالْفَرْقُ عَلَى الْمَشْهُورِ بَيْنَ الْإِفْطَارِ وَالْقَصْرِ أَنَّ الْقَصْرَ تَبْرَأُ مَعَهُ ذِمَّةُ الْمُكَلَّفِ، بِخِلَافِ الْفِطْرِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ صَوْمَهُ مَعَ النَّاسِ أَسْهَلُ مِنَ الِانْفِرَادِ فِي صَوْمِهِ غَالِبًا، وَأَمَّا الْآيَةُ وَالْحَدِيثُ فَمَحْمُولَانِ عَلَى مَنْ كَانَ يَحْصُلُ لَهُ مِنَ الصَّوْمِ مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ، بِدَلِيلِ أَنَّ فِي صَدْرِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يُظَلَّلُ عَلَيْهِ فَقَالَ عليه الصلاة والسلام ذَلِكَ.
(فَائِدَةٌ) : رُوِيَ الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ بِإِبْدَالِ لَامِ التَّعْرِيفِ فِي قَوْلِ الْبِرِّ وَالصِّيَامِ وَالسَّفَرِ مِيمًا وَهِيَ لُغَةُ حِمْيَرَ.
ص: (وَصَوْمُ عَرَفَةَ إِنْ لَمْ يَحُجَّ) ش: يَعْنِي أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ صَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ لِغَيْرِ الْحَاجِّ، لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:«يَوْمُ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبِلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ» ، رَوَاهُ مُسْلِمُ، وَأَبُو دَاوُدَ. وَأَمَّا إِنْ حَجَّ فَيُكْرَهُ لَهُ صَوْمُهُ لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ:«نَهَى عليه الصلاة والسلام عَنْ صِيَامِ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ» ؛ وَلِأَنَّهُ صَحَّ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام كَانَ فِيهِ
مُفْطِرًا، قَالَ فِي الْمُتَيْطِيَةِ: وَيُكْرَهُ لِلْحَاجِّ أَنْ يَصُومَ بِمِنًى وَعَرَفَةَ مُتَطَوِّعًا، وَهُوَ حَسَنٌ لِغَيْرِ الْحَاجِّ؛ لِأَنَّ بِالْحَاجِّ حَاجَةً شَدِيدَةً إِلَى تَقْوِيَةِ جِسْمِهِ لِصُعُوبَةِ الْعَمَلِ وَكَثْرَتِهِ فِي ذَلِكَ الْمَوْقِفِ، وَرُبَّمَا ضَعُفَ بِالصَّوْمِ فَقَصَّرَ عَنْ بَعْضِهِ، فَلِذَلِكَ كَرِهَ، انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ فِي الْمُتَيْطِيَةِ بِمِنًى يَعْنِي فِي يَوْمِ التَّرْوِيَةِ، يُسَمَّى عِنْدَ الْمَغَارِبَةِ يَوْمَ مِنًى، وَصَوْمُهُ مُسْتَحَبٌّ كَمَا قَالَهُ فِي الرِّسَالَةِ وَغَيْرِهَا، فَإِنَّهُ قَالَ ابْنُ يُونُسَ وَصَاحِبُ الذَّخِيرَةِ: وَرَدَ أَنَّهُ كَصِيَامِ سَنَةٍ، وَنَحْوَهُ فِي الْمُقْدِمَاتِ قَالَ: وَصِيَامُ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ وَمِنًى وَعَرَفَةَ مُرَغَّبٌ فِيهِ، وَرُوِيَ أَنَّ صِيَامَ يَوْمِ عَرَفَةَ كَصِيَامِ سَنَتَيْنِ، وَأَنَّ صَوْمَ يَوْمِ مِنًى كَصَوْمِ سَنَةٍ، وَأَنَّ صَوْمَ يَوْمٍ مِنْ سَائِرِ أَيَّامِ الْعَشْرِ كَصِيَامِ شَهْرٍ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: رَوَىَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي وَاضِحَتِهِ، عَنْهُ عليه الصلاة والسلام أَنَّهُ قَالَ:«صَوْمُ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ كَصَوْمِ سَنَةٍ» وَهُوَ حَدِيثٌ مُرْسَلٌ، وَأَمَّا غَيْرُ التَّرْوِيَةِ مِنْ أَيَّامِ مِنًى فَالْمَطْلُوعُ فِيهِ الْإِفْطَارُ كَمَا سَيَأْتِي.
ص: (وَعَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ) ش: يَعْنِي أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ صِيَامُ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّ صِيَامَ يَوْمٍ مِنْهَا كَصِيَامٍ شَهْرٍ، هَكَذَا قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ، وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: رُوِيَ أَنَّ صِيَامَ كُلِّ يَوْمٍ مِنْهَا يَعْدِلُ سَنَةً، قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: وَقِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَلَيَالٍ عَشْرٍ} [الفجر: 2] أَنَّهَا عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ، وَأَنَّ الشَّفْعَ يَوْمُ النَّحْرِ، وَأَنَّ الْوِتْرَ يَوْمُ عَرَفَةَ. وَفِي قَوْلِهِ:{وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ} [البروج: 3] أَنَّ الشَّاهِدَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَالْمَشْهُودَ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَالْمُرَادُ بِعَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ التِّسْعَةُ الْأَيَّامِ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ، قَالَهُ فِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، إِذْ لَا يُصَامُ يَوْمُ النَّحْرِ، وَعَطْفُهُ عَلَى يَوْمِ عَرَفَةَ مِنْ عَطْفِ الْكُلِّ عَلَى الْجُزْءِ، عَكْسُ مَا فَعَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي قَوَاعِدِهِ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي الصِّيَامِ الْمُسْتَحَبِّ وَالْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ وَصَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ: قَالَ الْقَبَّابُ: هُوَ مِنْ بَابِ عَطْفِ الْجُزْءِ عَلَى الْكُلِّ؛ لِأَنَّهُ آخِرُهَا وَهُوَ آخَرُ مَا يُصَامُ مِنْهَا، وَمُرَادُهُ بِقَوْلِهِ: صَوْمُ يَوْمِ الْعَشْرِ: التِّسْعُ خَاصَّةً، وَهُوَ مُعْظَمُ الْعَشْرِ، وَيَجُوزُ إِطْلَاقُ الْكُلِّ، وَالْمُرَادُ الْبَعْضُ، انْتَهَى.
وَهَذَا لِغَيْرِ الْحَاجِّ، وَأَمَّا الْحَاجُّ فَيَصُومُ سَبْعَةً فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الْمُتَيْطِيِّ أَنَّهُ يُكْرَهُ الصَّوْمُ بِعَرَفَةَ وَمِنًى لِلْحَاجِّ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِمِنًى يَوْمُ التَّرْوِيَةِ.
(تَنْبِيهٌ) : قَالَ فِي الْمَوَاهِبِ اللَّدُنِّيَّةِ: عَنْ هِبَةَ بْنِ خَالِدٍ، عَنِ امْرَأَتِهِ، عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَتْ:«كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَصُومُ تِسْعَ ذِي الْحِجَّةِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، «عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَائِمًا فِي الْعَشْرِ قَطُّ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَهَذَا يُوهِمُ كَرَاهَةَ صَوْمِ الْعَشْرِ وَلَيْسَ فِيهَا كَرَاهَةٌ، بَلْ هِيَ مُسْتَحَبَّةٌ اسْتِحْبَابًا شَدِيدًا لَا سِيَّمَا التَّاسِعُ مِنْهَا وَهُوَ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَقَدْ ثَبُتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَفْضَلُ مِنْهُ فِي هَذِهِ» يَعْنِي الْعَشْرَ الْأُوَلَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ ثَبُتَتِ الْفَضِيلَةُ لِأَيَّامِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ عَلَى غَيْرِهَا مِنْ أَيَّامِ السَّنَةِ، وَتَظْهَرُ فَضِيلَةُ ذَلِكَ فِيمَنْ نَذَرَ الصِّيَامَ أَوْ عَمَلًا مِنَ الْأَعْمَالِ بِأَفْضَلِ الْأَيَّامِ، فَلَوْ أَفْرَدَ يَوْمًا مِنْهَا تَعَيَّنَ يَوْمُ عَرَفَةَ لِأَنَّهُ عَلَى الصَّحِيحِ أَفْضَلُ أَيَّامِ الْعَشْرِ الْمَذْكُورِ، ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ السَّبَبَ فِي امْتِيَازِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ إِمْكَانُ اجْتِمَاعِ أُمَّهَاتِ الْعِبَادَةِ فِيهِ، وَهِيَ: الصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ وَالصَّدَقَةُ وَالْحَجُّ، وَلَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ فِي غَيْرِهَا، وَقَالَ أَبُو أُمَامَةَ بْنُ النَّقَّاشِ، فَإِنْ قُلْتَ: أَيُّمَا أَفْضَلُ، عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ أَوِ الْعَشْرُ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ أَيَّامَ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ أَفْضَلُ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الْيَوْمِ الَّذِي مَا رُؤِيَ الشَّيْطَانُ فِي يَوْمٍ غَيْرَ يَوْمِ بَدْرٍ أَدْحَرُ وَلَا أَغْيَظُ مِنْهُ فِيهِ وَهُوَ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَلِكَوْنِهِ يُكَفَّرُ بِصِيَامِهِ سَنَتَيْنِ، وَلِاشْتِمَالِهِ عَلَى أَعْظَمِ الْأَيَّامِ حُرْمَةً عِنْدَ اللَّهِ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ الَّذِي سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ، وَلَيَالِي عَشْرِ رَمَضَانَ الْأَخِيرِ أَفْضَلُ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى لَيْلَةِ الْقَدْرِ الَّتِي هِيَ خَيْرٌ مَنْ أَلْفِ شَهْرٍ، وَمَنْ تَأَمَّلَ هَذَا الْجَوَابَ وَجَدَهُ شَافِيًا كَافِيًا، أَشَارَ إِلَيْهِ الْفَاضِلُ الْمُفَضَّلُ بِقَوْلِهِ: مَا مِنْ أَيَّامٍ، دُونَ أَنْ يَقُولَ مَا مِنْ عَشْرٍ، وَنَحْوَهُ، وَمَنْ أَجَابَ بِغَيْرِ هَذَا لَمْ يَدُلَّ بِحُجَّةٍ صَحِيحَةٍ صَرِيحَةٍ، انْتَهَى.
(قُلْتُ) : وَلَا يُفْهَمُ مِنْ هَذَا الْجَوَابِ أَنَّ لَيَالِيَ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ لَا فَضِيلَةَ فِيهَا، فَإِنَّ أَكْثَرَ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَلَيَالٍ عَشْرٍ} [الفجر: 2] الْعَشْرُ الْأُوَلُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْإِقْسَامَ بِهَا يَقْتَضِي اخْتِصَاصَهَا بِمَزِيدِ فَضْلٍ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ص: (وَعَاشُورَاءُ) ش: يَعْنِي أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ صِيَامُ عَاشُورَاءَ، لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام:«صِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ» ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَيُقَالُ: فِيهِ تِيبَ عَلَى آدَمَ عليه الصلاة والسلام، وَاسْتَوَتِ السَّفِينَةُ عَلَى الْجُودِيِّ، وَفُلِقَ الْبَحْرُ لِمُوسَى عليه الصلاة والسلام وَأُغْرِقَ فِرْعَوْنُ، وَوَلَدُ عِيسَى عليه الصلاة والسلام، وَخَرَجَ يُونُسُ عليه الصلاة والسلام مِنْ جَوْفِ الْحُوتِ، وَخَرَجَ يُوسُفُ عليه الصلاة والسلام مِنَ الْجُبِّ، وَتَابَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِيهِ عَلَى قَوْمِ يُونُسَ، وَفِيهِ تُكْسَى الْكَعْبَةُ كُلَّ عَامٍ.
(تَنْبِيهَاتٌ) : الْأَوَّلُ: قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: وَهُوَ عَاشِرُ الْمُحَرَّمِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: التَّاسِعُ لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ إِظْمَاءِ الْإِبِلِ، وَعَادَتُهُمْ يُسَمُّونَ الثَّالِثَ رُبْعًا وَالرَّابِعَ خَمْسًا.
(قُلْتُ) : ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُقَدِّمَاتِ أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ، وَنَصُّهُ: وَاخْتُلِفَ فِيهِ، فَقِيلَ: الْعَاشِرُ، وَقِيلَ: التَّاسِعُ، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَحَرَّى صَامَهُمَا، انْتَهَى.
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا رَأَيْتَ هِلَالَ الْمُحَرَّمِ فَاعْدُدْ وَاصْبَحْ يَوْمَ التَّاسِعِ صَائِمًا، فَقِيلَ لَهُ: أَهَكَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَصُومُ؟ قَالَ: نَعَمْ. لَكِنْ يُعَارِضُهُ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا أَنَّهُ عليه السلام قَالَ: «لَئِنْ بَقِيتَ إِلَى قَابِلٍ لِأَصُومَنَّ التَّاسِعَ فَلَمْ يَأْتِ الْعَامُ الْمُقْبِلُ حَتَّى تُوُفِّيَ» قَالَ فِي الْإِكْمَالِ: قِيلَ فِي عَاشُورَاءَ: إِنَّهُ التَّاسِعُ، وَقَالَ مَالِكٌ وَالْأَكْثَرُ: هُوَ الْعَاشِرُ، وَهُوَ الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ كُلُّهَا، وَقَوْلُهُ:«لَئِنْ بَقِيتَ لِأَصُومَنَّ التَّاسِعَ» يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَصُومُ الْعَاشِرَ، وَهَذَا لَمْ يَصُمْهُ، انْتَهَى.
وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوقٌ فِي شَرْحِ الْقُرْطُبِيَّةِ: اخْتُلِفَ فِيهِ، فَقِيلَ: التَّاسِعُ، وَقِيل: الْعَاشِرُ، وَاسْتَحَبَّ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ يَوْمًا قَبْلَهُ وَيَوْمًا بَعْدَهُ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ غَرِيبٌ لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ: وَيُسْتَحَبُّ صِيَامُ التَّاسِعِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَكَذَلِكَ الْحَادِي عَشَرَ احْتِيَاطًا لَعَلَّهُ نَقَصَ الشَّهْرُ، وَقَالَ فِيهِ أَيْضًا: قِيلَ: سُمِّيَ عَاشُورَاءُ؛ لِأَنَّ عَشْرَةً مِنَ الْأَنْبِيَاءِ أَكْرَمَهُمُ اللَّهُ فِيهِ بِعَشْرِ كَرَامَاتٍ.
الثَّانِي: قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: أَفْضَلُ الْأَيَّامِ لِلصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ، وَقَدْ كَانَ هُوَ الْفَرْضَ قَبْلَ رَمَضَانَ. قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: انْظُرْ تَفْضِيلَهُ عَاشُورَاءَ عَلَى يَوْمِ عَرَفَةَ، وَقَدْ جَاءَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ عَرَفَةَ تُكَفِّرُ السَّنَةَ الَّتِي قَبِلَهُ وَالَّتِي بَعْدَهُ، وَأَنَّ عَاشُورَاءَ تَكْفُرُ الَّتِي قَبِلَهُ، وَالتَّكْفِيرُ مَنُوطٌ بِالْأَفْضَلِيَّةِ، فَمَنِ ادَّعَى خِلَافَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ، انْتَهَى.
(قُلْتُ) : فَفِي كَلَامِهِ مَيْلٌ إِلَى تَفْضِيلِ يَوْمِ عَرَفَةَ وَهُوَ الظَّاهِرُ.
الثَّالِثُ: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَإِنَّمَا كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ يُكَفِّرُ سُنَّتَيْنِ وَيَوْمُ عَاشُورَاءَ يُكَفِّرُ سَنَةً؛ لِأَنَّ يَوْمَ عَرَفَةَ يَوْمٌ مُحَمَّدِيٌّ وَيَوْمَ عَاشُورَاءَ يَوْمٌ مُوسَوِيٌّ.
الرَّابِعُ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يُسْتَحَبُّ فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ التَّوْسِعَةُ عَلَى الْعِيَالِ، وَقَالَ فِي الْمَدْخَلِ: الْمَوْسِمُ الثَّالِثُ مِنَ الْمَوَاسِمِ الشَّرْعِيَّةِ يَوْمُ عَاشُورَاءَ، وَالتَّوْسِعَةُ فِيهِ عَلَى الْأَهْلِ وَالْأَقَارِبِ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ، وَزِيَادَةُ النَّفَقَةِ وَالصَّدَقَةِ مَنْدُوبٌ إِلَيْهَا، بِحَيْثُ لَا يَجْهَلُ ذَلِكَ. لَكِنْ بِشَرْطِ عَدَمِ التَّكَلُّفِ، وَأَنْ لَا يَصِيرَ ذَلِكَ سُنَّةً يُسْتَنُّ بِهَا لَا بُدَّ مِنْ فِعْلِهَا، فَإِنْ وَصْلَ إِلَى هَذَا الْحَدِّ لَا بُدَّ أَنْ يَفْعَلَهَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَمِمَّنْ
يُقْتَدَى بِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لِمَنْ مَضَى فِيهِ طَعَامٌ مَعْلُومٌ لَا بُدَّ مِنْ فِعْلِهِ، وَكَانَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ يَتْرُكُونَ النَّفَقَةَ فِيهِ قَصْدًا لِيُنَبِّهُوا عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ، وَأَمَّا مَا يَفْعَلُونَهُ الْيَوْمَ مِنْ أَنَّ عَاشُورَاءَ يَخْتَصُّ بِذَبْحِ الدَّجَاجِ وَغَيْرِهَا وَطَبْخِ الْحُبُوبِ وَغَيْرِهِ، فَلَمْ يَكُنِ السَّلَفُ يَتَعَرَّضُونَ فِي هَذِهِ الْمَوَاسِمِ وَلَا يَعْرِفُونَ تَعْظِيمَهَا إِلَّا بِكَثْرَةِ الْعِبَادَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْخَيْرِ لَا فِي الْمَأْكُولِ، ثُمَّ قَالَ: وَمِمَّا أَحْدَثُوهُ فِيهِ مِنِ الْبِدَعِ زِيَارَةُ الْقُبُورِ، وَزِيَارَةُ الْقُبُورِ فِي هَذَا الْيَوْمِ الْمَعْلُومِ بِدْعَةٌ مُطْلَقًا لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَمِنِ الْبِدَعِ الَّتِي أَحْدَثَهَا النِّسَاءُ فِيهِ دُخُولُ الْجَامِعِ الْعَتِيقِ بِمِصْرَ، وَاسْتِعْمَالُهُنَّ الْحِنَّاءَ فِي هَذَا الْيَوْمِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، فَمَنْ لَمْ تَفْعَلْهَا فَكَأَنَّهَا مَا قَامَتْ بِحَقِّ عَاشُورَاءَ، وَمِنْ ذَلِكَ مَحْرُهُنَّ الْكَتَّانَ فِيهِ وَتَسْرِيحُهُ وَغَزْلُهُ وَتَبْيِيضُهُ وَيَشُلَّنَّهُ لِيَخِطْنَ بِهِ الْكَفَنَ وَيَزْعُمْنَ أَنَّ مُنْكَرًا وَنَكِيرًا لَا يَأْتِيَانِ مَنْ كَفَنُهُ مَخِيطٌ بِذَلِكَ الْغَزَلِ، وَهَذَا فِيهِ مِنَ الِافْتِرَاءِ وَالتَّحَكُّمِ فِي دِينِ اللَّهِ مَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَمِمَّا أَحْدَثُوا فِيهِ مِنِ الْبِدَعِ الْبَخُورُ فَمَنْ لَمْ يَشْتَرِهِ مِنْهُنَّ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَيَتَبَخَّرُ بِهِ فَكَأَنَّهُ ارْتَكَبَ أَمْرًا عَظِيمًا، وَكَوْنُهُ سُنَّةً عِنْدَهُمْ لَا بُدَّ مِنْ فِعْلِهَا، وَادِّخَارُهُنَّ لَهُ طُولَ السَّنَةِ يَتَبَخَّرْنَ بِهِ إِلَى أَنْ يَأْتِيَ عَاشُورَاءُ الثَّانِي، وَيَزْعُمْنَ أَنَّهُ إِذَا تَبَخَّرَ بِهِ الْمَسْجُونُ خَرَجَ مَنْ سِجْنِهِ، وَأَنَّهُ يُبْرِئُ مِنَ الْعَيْنِ وَالنَّظْرَةِ، وَالْمُصَابِ وَالْمَوْعُوكِ، وَهَذَا أَمْرٌ خَطِرٌ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى تَوْقِيفٍ مِنْ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنَّهُ أَمْرٌ بَاطِلٌ فَعَلْنَهُ مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِنَّ.
(قُلْتُ) : وَقَدْ سُئِلَ الْحَافِظُ عَبْدُ الرَّحِيمِ الْعِرَاقِيُّ الشَّافِعِيُّ عَنْ أَكْلِ الدَّجَاجِ وَالْحُبُوبِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، أَهُوَ مُبَاحٌ أَوْ مُحَرَّمٌ؟ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْمُبَاحَاتِ، فَإِنِ اقْتَرَنَتْ بِهِ نِيَّةٌ صَالِحَةٌ فَهُوَ مِنَ الطَّاعَاتِ، قَالَ: وَذَكَرَ أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْعَصْرِ أَفْتَى بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ فِي هَذَا الْيَوْمِ، وَأَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ فِيهِ شَيْءٌ غَيْرَ الصَّوْمِ، قَالَ: فَسَأَلَتْ عَنْهُ فَإِذَا هُوَ مِمَّنْ يَنْتَحِلُ فَتَاوَى الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ بْنِ تَيْمِيَّةَ فَنَظَرْتُ بَعْضَ فَتَاوَى الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ الْمُتَعَلِّقَةَ بِذَلِكَ فَوَجَدْتُهُ سُئِلَ عَنْ أَشْيَاءَ تَتَعَلَّقُ بِيَوْمِ عَاشُورَاءَ، وَمِنَ الْمَسْؤُولِ عَنْهُ ذَبْحُ الدَّجَاجِ وَطَبْخُ الْحُبُوبِ فِي هَذَا الْيَوْمِ فَأَجَابَ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ سُنَّةً فِي هَذَا الْيَوْمِ بَلْ هُوَ بِدْعَةٌ لَمْ يُشَرِّعْهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَلَا فَعَلَهَا هُوَ وَلَا أَصْحَابُهُ، ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَتَضَمَّنُ الْأَمْرَ بِصِيَامِهِ وَالتَّوْسِعَةِ فِيهِ عَلَى الْعِيَالِ وَإِحْيَاءِ لَيْلَتِهِ وَالصَّلَاةِ فِيهِ، وَأَنَّ مَنِ اغْتَسَلَ فِيهِ لَمْ يَمْرَضْ إِلَّا مَرَضَ الْمَوْتِ، وَمَنِ اكْتَحَلَ فِيهِ لَمْ تَرْمُدْ عَيْنُهُ فِي تِلْكَ السَّنَةِ، ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَحِبَّ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ، وَلَا رَوَى أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ مَا فِيهِ اسْتِحْبَابُ الِاغْتِسَالِ فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ، وَلَا الْكُحْلَ وَالْخِضَابَ، وَتَوْسِيعَ النَّفَقَةِ، وَلَا الصَّلَاةَ الْمَذْكُورَةَ، وَلَا إِحْيَاءَ لَيْلَةِ عَاشُورَاءَ، وَلَا أَمْثَالَ ذَلِكَ مِمَّا تَضَمَّنَهُ هَذَا الْحَدِيثُ، وَلَا ذَكَرُوا فِي ذَلِكَ سُنَّةً عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَأَعْلَى مَا بَلَغَنِي فِي ذَلِكَ مَا رَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ أَنَّهُ مَنْ وَسَّعَ عَلَى أَهْلِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ سَائِرَ سُنَّتِهِ، قَالَ ابْنُ الْمُنْتَشِرِ، جَرَّبْنَاهُ سِتِّينَ سَنَةً فَوَجَدْنَاهُ حَقًّا، ثُمَّ اعْتُرِضَ عَلَى ابْنِ الْمُنْتَشِرِ فِيمَا ذَكَرَهُ، ثُمَّ قَالَ الْعِرَاقِيُّ: وَلَقَدْ تَعَجَّبْتُ مِنْ وُقُوعِ هَذَا الْكَلَامِ مِنْ هَذَا الْإِمَامِ الَّذِي تَقُولُ أَصْحَابُهُ: إِنَّهُ أَحَاطَ بِالسُّنَّةِ عِلْمًا، وَخِبْرَةَ، وَقَوْلُهُ: لَمْ يَسْتَحِبَّ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ تَوْسِيعَ النَّفَقَةِ عَلَى الْأَهْلِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَقَدْ قَالَ بِذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْتَشِرِ، وَابْنُهُ، وَأَبُو الزُّبَيْرِ، وَشُعْبَةُ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَلَا رَوَى أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ مَا فِيهِ اسْتِحْبَابُ ذَلِكَ فَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَقَدْ رَوَاهُ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ فِي كُتُبِهِمُ الْمَشْهُورَةِ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِذْكَارِ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَلَا ذَكَرُوا فِي ذَلِكَ سُنَّةً مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِذْكَارِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ، ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ قَالَ
سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَنْ وَسَّعَ عَلَى نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ سَائِرَ سُنَّتِهِ» ، قَالَ: جَابِرُ: جَرَّبْنَاهُ فَوَجَدْنَاهُ كَذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ، وَقَالَ شُعْبَةُ مَثَّلَهُ، رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِذْكَارِ، وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ، ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ حَدِيثٍ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ، وَقَالَ: رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ، ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ بِزِيَادَةٍ فِيهِ، وَهِيَ:«أَنَا الضَّامِنُ لَهُ كُلُّ دِرْهَمٍ يُنْفِقُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ يُرِيدُ بِهِ مَا عِنْدَ اللَّهِ حُسِبَ بِسَبْعِمِائَةِ أَلْفٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ أَكْثَرَ ثَوَابًا مِمَّنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَمِنْ تَصَدَّقَ فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ فَكَأَنَّمَا تَصَدَّقَ عَلَى ذُرِّيَّةِ آدَمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه وَسَلَامُهُ» قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا.
قَالَ الْعِرَاقِيُّ: هُوَ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، ثُمَّ قَالَ الْعِرَاقِيُّ: وَاعْلَمْ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي التَّوْسِعَةِ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْكُتُبِ السِّتَّةِ، فَلَا يُغْتَرُّ بِذِكْرِ ابْنِ الْأَثِيرِ لَهُ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ، فَإِنَّ ذَلِكَ وَهْمٌ عَجِيبٌ، قَالَ: وَهَذَا الْكِتَابُ كَأَنَّهُ لَيْسَ بِمُحَرَّرٍ، فَإِنَّ فِيهِ عِدَّةَ أَوْهَامٍ، وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ أَخَاهُ ذَكَرَ فِي اخْتِصَارِهِ لِجَامِعِ الْأُصُولِ هَذَا الْحَدِيثَ، وَعَلَّمَ عَلَيْهِ عَلَامَةَ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ، وَهَذَا غَلَطٌ فَاحِشٌ مِنْهُمَا، وَالْحَدِيثُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْكُتُبِ السِّتَّةِ الْبَتَّةَ، ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَ حَدِيثِ جَابِرٍ الْمُتَقَدِّمِ، وَقَالَ: رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ، ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ وَقَالَ: إِنَّ ابْنَ الْجَوْزِيِّ ذَكَرَهُ فِي الْمَوْضُوعَاتِ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ لَا يَشُكُّ عَاقِلٌ فِي وَضْعِهِ، وَأَنْ ابْنَ تَيْمِيَّةَ قَالَ: لَا يَجُوزُ أَنَّ يُقَالَ هَذَا مُؤْمِنٌ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَقُولَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.
ثُمَّ قَالَ الْعِرَاقِيُّ: وَالْحَقُّ مَا قَالَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَابْنُ تَيْمِيَّةَ مِنْ أَنَّهُ حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ، ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَابْنِ عُمَرَ نَحْوَ حَدِيثِ جَابِرٍ الْمُتَقَدِّمِ، ثُمَّ قَالَ: هَذَا مَا وَقَعَ لَنَا مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ وَأَصَحُّهَا حَدِيثُ جَابِرٍ مِنَ الطَّرِيقِ الْأُولَى.
ثُمَّ رُوِيَ بِسَنَدِهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مَوْقُوفًا: «مِنْ وَسَّعَ عَلَى أَهْلِهِ لَيْلَةَ عَاشُورَاءَ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ سَائِرَ السَّنَةِ» ، قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: جَرَّبْنَا ذَلِكَ فَوَجَدْنَاهُ حَقًّا، قَالَ: وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، انْتَهَى مُلَخَّصًا مِنْ جُزْءٍ لِلْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ نَحْوَ الْكُرَّاسِ. وَذَكَرَ السَّخَاوِيُّ عَنِ العراقي في أماليه أَنَّهُ قَالَ فِي طَرِيقِ جَابِرٍ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي الِاسْتِذْكَارِ: إِنَّهَا عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ. قُلْتُ: وَقَدْ عُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى شَيْءٍ فِي الْخِصَالِ الَّتِي يَذْكُرُ أَنَّهَا تُفْعَلُ فِي يَوْمِ الصَّوْمِ وَالتَّوْسِعَةِ عَلَى الْعِيَالِ.
وَقَدْ رَوَى الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «مَنِ اكْتَحَلَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ بِالْإِثْمَدِ لَمْ تَرْمَدْ عَيْنُهُ أَبَدًا» ، قَالَ الْحَاكِمُ: إِنَّهُ مُنْكِرٌ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: هُوَ مَوْضُوعٌ، أَوْرَدَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمَوْضُوعَاتِ. قَالَ الْحَاكِمُ: وَالِاكْتِحَالُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ لَمْ يَرِدْ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِيهِ أَثَرٌ، وَهُوَ بِدْعَةٌ ابْتَدَعَهَا قَتَلَةُ الْحُسَيْنِ، ذَكَرَ ذَلِكَ السَّخَاوِيُّ فِي الْمَقَاصِدِ الْحَسَنَةِ، وَفِي الْأَثَرِ الَّذِي ذَكَرَهُ عُمَرُ التَّوْسِعَةُ عَلَى الْأَهْلِ فِي لَيْلَةِ عَاشُورَاءَ، وَفِي الْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ التَّوْسِعَةُ عَلَى الْأَهْلِ فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ فَيَنْبَغِي أَنْ يُوَسِّعَ عَلَى الْأَهْلِ فِيهِمَا، وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوقٌ فِي شَرْحِ الْقُرْطُبِيَّةِ: فَيُوَسِّعُ يَوْمَهُ وَلَيْلَتَهُ مِنْ غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا مُرَآةٍ وَلَا مُمَارَاةٍ، وَقَدْ جَرَّبَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ فَصَحَّ، انْتَهَى.
وَقَالَ الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ فِي بَابِ جُمَلٍ مِنَ الْفَرَائِضِ: وَيُسْتَحَبُّ التَّوْسِعَةُ فِي النَّفَقَةِ عَلَى الْعِيَالِ لَيْلَةَ عَاشُورَاءَ، وَاخْتُلِفَ هَلْ هِيَ لَيْلَةُ الْعَاشِرِ أَوْ لَيْلَةُ الْحَادِي عَشَرَ؟ انْتَهَى.
(قُلْتُ) : وَقَدْ ذَكَرُوا فِيمَا يُفْعَلُ يَوْمُ عَاشُورَاءَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ خِصْلَةً: وَهِيَ الصَّلَاةُ، وَالصَّوْمُ، وَالصَّدَقَةُ، وَالِاغْتِسَالُ، وَالِاكْتِحَالُ، وَزِيَارَةُ عَالَمٍ، وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ، وَمَسْحُ رَأْسِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوْسِعَةُ عَلَى الْعِيَالِ، وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ، وَقِرَاءَةُ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ أَلْفَ مَرَّةٍ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ. وَقَدْ نَظَّمَهَا بَعْضُهُمْ فَقَالَ:
فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ عَشْرٌ يَتَّصِلْ
…
بِهَا اثْنَانِ لَهَا فَضْلٌ نُقِلْ
صُمْ صِلْ زُرْ عَالَمًا عَدْ وَاكْتَحَلْ
…
رَأْسَ الْيَتِيمِ امْسَحْ تَصَدَّقْ وَاغْتَسِلْ
وَسِّعْ عَلَى الْعِيَالِ قَلِّمْ ظُفْرَا
…
وَسُورَةُ الْإِخْلَاصِ أَلْفًا تُقْرَا
الْخَامِسُ: قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: وَقَدْ خَصَّ عَاشُورَاءَ - لِفَضْلِهِ - بِمَا لَمْ يَخُصْ بِهِ غَيْرُهُ مِنْ أَنْ يَصُومَهُ مَنْ لَمْ يُبَيِّتْ صِيَامَهُ وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ حَتَّى أَكَلَ وَشَرِبَ، وَقَدْ قِيلَ: إِنْ ذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ حِينَ كَانَ صَوْمُهُ فَرْضًا، انْتَهَى.
(قُلْتُ) : ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ مَا قَالَهُ هُوَ الْمَذْهَبُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ، قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَالْمَشْهُورُ أَنَّ عَاشُورَاءَ كَغَيْرِهِ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: أَيْ فِي أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ إِلَّا بِنِيَّةٍ مِنَ اللَّيْلِ، وَالشَّاذُّ لِابْنِ حَبِيبٍ: صِحَّةُ صَوْمِهِ بِنِيَّةٍ مِنَ النَّهَارِ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَالْمَشْهُورُ أَنَّ عَاشُورَاءَ كَغَيْرِهِ. الْبَاجِّيُّ عَنِ ابْنِ حَبِيبٍ: خَصَّ بِصِحَّتِهِ مَنْ لَمْ يُبَيِّتْهُ أَوْ أَتَمَّهُ بَعْدَ أَكْلٍ، انْتَهَى.
وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى صَوْمِهِ قَضَاءً أَوْ تَطَوُّعًا لِمَنْ عَلَيْهِ قَضَاءُ رَمَضَانَ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنَّفِ: وَتَطَوُّعٌ قَبْلَ نَذْرٍ أَوْ قَضَاءٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَائِدَةٌ) : قَالَ الْقَبَّابُ: قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَضْلِ فِي الْمَشَارِقِ: عَاشُورَاءُ اسْمٌ إِسْلَامِيٌّ لَا يُعْرَفُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، قَالَهُ ابْنُ دُرَيْدٍ، انْتَهَى.
وَلَفْظُ الْمَشَارِقِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ مَمْدُودٌ، قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: سُمِّيَ فِي الْإِسْلَامِ لَمْ يُعْرَفْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَلَيْسَ فِي كَلَامِهِمْ فَاعُولَاءُ. وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ: أَنَّهُ سَمَّى خَابُورَاءَ، وَلَمْ يُثْبِتْهُ ابْنُ دُرَيْدٍ وَلَا عَرِفَهُ، وَحَكَى أَبُو عُمَرَ وَالشَّيْبَانِيُّ فِي عَاشُورَاءَ الْقَصْرَ، انْتَهَى.
ص (وَتَاسُوعَاءُ) ش: يَعْنِي أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ صَوْمُ تَاسُوعَاءَ لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام قَالَ: «لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ لِأَصُومَنَّ التَّاسِعَ» ، وَلِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ، هَلْ هُوَ التَّاسِعُ أَوِ الْعَاشِرُ، وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَحَرَّى صَامَهُمَا.
(تَنْبِيهَاتٌ) :
الْأَوَّلُ: قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: وَلَمْ يَصُمِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم التَّاسِعَ قَطُّ بِبَيِّنَةِ قَوْلِهِ: «لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ» الْحَدِيثُ، قُلْتُ: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ السَّابِقُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَصُومُهُ فَتَأَمَّلْهُ.
الثَّانِي: بَقِيَ مِنَ الْأَيَّامِ الَّتِي وَرَدَ التَّرْغِيبُ فِي صِيَامِهَا أَيَّامٌ أُخَرُ لَمْ يَذْكُرْهَا الْمُصَنَّفُ، مِنْهَا: ثَالِثُ الْمُحَرَّمِ، وَالسَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ مِنْ رَجَبٍ، وَنِصْفُ شَعْبَانَ، وَالْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ مِنْ ذِي الْقِعْدَةِ. قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَاسْتَحَبَّ ابْنُ حَبِيبٍ وَغَيْرُهُ صَوْمَ السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَجَبٍ لِأَنَّ فِيهِ بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم، وَالْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ ذِي الْقِعْدَةِ لِأَنَّ فِيهِ أُنْزِلَتِ الْكَعْبَةُ عَلَى آدَمَ عليه الصلاة والسلام وَمَعَهَا الرَّحْمَةُ، وَثَالِثِ الْمُحَرَّمِ فِيهِ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ فَاسْتُجِيبَ لَهُ، انْتَهَى مِنْ آخِرِ كِتَابِ الصِّيَامِ مِنَ التَّوْضِيحِ وَذَكَرَهَا فِي الشَّامِلِ وَعَزَاهَا لِابْنِ حَبِيبٍ فَقَطْ.
وَفِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ لِلشَّيْخِ زَرُّوقٌ: وَلِابْنِ حَبِيبٍ: اسْتِحْبَابُ السَّبْعَةِ الْأَيَّامِ الَّتِي مِنْهَا ثَالِثُ الْمُحَرَّمِ، وَالسَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ مِنْ رَجَبٍ، وَالْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ مِنْ ذِي الْقِعْدَةِ، انْتَهَى.
وَبَقِيَّةُ السَّبْعَةِ تَاسُوعَاءُ وَعَاشُورَاءُ وَيَوْمُ التَّرْوِيَةِ وَيَوْمُ عَرَفَةَ، وَأَمَّا نِصْفُ شَعْبَانَ فَذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ لِمَا ذُكِرَ: أَنَّ مَا وُرِدَ التَّرْغِيبُ فِي صَوْمِهِ شَعْبَانُ، فَقَالَ خُصُوصًا يَوْمَ نِصْفِهِ فَتَصِيرُ الْأَيَّامُ الْمُرَغَّبُ فِي صِيَامِهَا فِي السَّنَةِ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ: الثَّالِثُ مِنَ الْأَيَّامِ الْمُرَغَّبِ فِي صِيَامِهَا فِي الْجُمُعَةِ يَوْمُ الْخَمِيسِ، وَيَوْمُ الِاثْنَيْنِ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ اللَّخْمِيُّ وَابْنُ رُشْدٍ، قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَصُومُ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسَ وَقَالَ: «إِنِ الْأَعْمَالَ تُعْرَضُ عَلَى اللَّهِ سبحانه وتعالى فِيهِمَا وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَأَنَا صَائِمٌ» ، فَصِيَامُهُمَا مُسْتَحَبٌّ، انْتَهَى. الرَّابِعُ: عَدَّ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي قَوَاعِدِهِ مِنَ الصَّوْمِ الْمُسْتَحَبِّ صَوْمَ الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنَ الْمُحَرَّمِ، قَالَ الْقَبَّابُ فِي شَرْحِهَا: تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ فِي فَضْلِ صِيَامِ الْمُحَرَّمِ وَعَاشُورَاءَ، وَأَمَّا الْعَشْرُ الْأُوَلُ مِنْهُ فَلَمْ أَقِفْ فِيهِ عَلَى شَيْءٍ، فَلَعَلَّ الْمُؤَلِّفَ عَلِمَ فِي ذَلِكَ شَيْئًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْخَامِسُ: قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوقٌ فِي شَرْحِ الْقُرْطُبِيَّةِ: صِيَامُ الْمَوْلِدِ كَرِهَهُ بَعْضُ مَنْ قَرُبَ عَصْرِهِ مِمَّنْ صَحَّ عِلْمُهُ وَوَرَعُهُ، قَالَ: إِنَّهُ مِنْ أَعْيَادِ الْمُسْلِمِينَ فَيَنْبَغِي أَنْ
لَا يُصَامَ فِيهِ وَكَانَ شَيْخُنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقَوْرِيُّ يَذْكُرُ ذَلِكَ كَثِيرًا وَيَسْتَحْسِنُهُ، انْتَهَى.
(قُلْتُ) : لَعَلَّهُ يَعْنِي ابْنَ عَبَّادٍ، فَقَدْ قَالَ فِي رَسَائِلِهِ الْكُبْرَى مَا نَصُّهُ: وَأَمَّا الْمَوْلِدُ فَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّهُ عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِ الْمُسْلِمِينَ وَمَوْسِمٌ مِنْ مَوَاسِمِهِمْ، وَكُلُّ مَا يُفْعَلُ فِيهِ مَا يَقْتَضِيهِ وُجُودُ الْفَرْحِ وَالسُّرُورِ بِذَلِكَ الْمَوْلِدِ الْمُبَارَكِ مِنْ إِيقَادِ الشَّمْعِ، وَإِمْتَاعِ الْبَصَرِ وَالسَّمْعِ، وَالتَّزَيُّنِ بِلُبْسٍ فَاخِرِ الثِّيَابِ، وَرُكُوبٍ فَارِهِ الدَّوَابِّ، أَمْرٌ مُبَاحٌ لَا يُنْكَرُ عَلَى أَحَدٍ قِيَاسًا عَلَى غَيْرِهِ مِنْ أَوْقَاتِ الْفَرَحِ، وَالْحُكْمُ بِكَوْنِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ بِدْعَةً فِي هَذَا الْوَقْتِ الَّذِي ظَهَرَ فِيهِ سِرُّ الْوُجُودِ، وَارْتَفَعَ فِيهِ عَلَمُ الشُّهُودِ، وَانْقَشَعَ فِيهِ ظَلَامُ الْكُفْرِ وَالْجُحُودِ، وَادِّعَاءُ أَنَّ هَذَا الزَّمَانَ لَيْسَ مِنَ الْمَوَاسِمِ الْمَشْرُوعَةِ لِأَهْلِ الْإِيمَانِ، وَمُقَارَنَةُ ذَلِكَ بِالنَّيْرُوزِ وَالْمَهْرَجَانِ أَمْرٌ مُسْتَثْقَلٌ تَشْمَئِزُّ مِنْهُ الْقُلُوبُ السَّلِيمَةُ، وَتَدْفَعُهُ الْآرَاءُ الْمُسْتَقِيمَةُ، وَلَقَدْ كُنْتُ فِيمَا خَلَا مِنَ الزَّمَانِ خَرَجْتُ فِي يَوْمِ مَوْلِدٍ إِلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ فَاتَّفَقَ أَنْ وَجَدْتُ هُنَاكَ سَيِّدِي الْحَاجَّ ابْنَ عَاشِرٍ رحمه الله وَجَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِهِ وَقَدْ أَخْرُجُ بَعْضُهُمْ طَعَامًا مُخْتَلِفًا لِيَأْكُلُوهُ هُنَالِكَ، فَلَمَّا قَدَّمُوهُ لِذَلِكَ، أَرَادُوا مِنِّي مُشَارَكَتَهُمْ فِي الْأَكْلِ، وَكُنْتُ إِذْ ذَاكَ صَائِمًا، فَقُلْتُ لَهُمْ إِنَّنِي صَائِمٌ، فَنَظَرَ إِلَيَّ سَيِّدِي الْحَاجُّ نَظْرَةً مُنْكَرَةً، وَقَالَ لِي مَا مَعْنَاهُ: إِنَّ هَذَا الْيَوْمَ يَوْمُ فَرَحٍ وَسُرُورٍ، يُسْتَقْبَحُ فِي مِثْلِهِ الصِّيَامُ بِمَنْزِلَةِ يَوْمِ الْعِيدِ، فَتَأَمَّلْتُ كَلَامَهُ فَوَجَدْتُهُ حَقًّا، وَكَأَنَّنِي كُنْتُ نَائِمًا فَأَيْقَظَنِي، انْتَهَى.
ص: (وَالْمُحَرَّمُ وَرَجَبُ وَشَعْبَانُ) ش: هَكَذَا قَالَ اللَّخْمِيُّ: الْأَشْهُرُ الْمُرَغَّبُ فِي صَوْمِهَا ثَلَاثَةٌ: الْمُحَرَّمُ، وَرَجَبٌ، وَشَعْبَانُ. ثُمَّ قَالَ: وَالْأَصْلُ فِي هَذَا قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ» . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وَقَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها: «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَكْثَرَ مِنْهُ صِيَامًا فِي شَعْبَانَ» اجْتَمَعَ عَلَيْهِ الصَّحِيحَانِ. انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمُقْدِّمَاتِ: وَصِيَامُ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهَا، وَهِيَ أَرْبَعَةٌ: الْمُحَرَّمُ، وَرَجَبٌ، وَذُو الْقِعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَالَ ابْنُ يُونُسَ: رُوِيَ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام صَامَ الْأَشْهُرَ الْحُرُمَ، انْتَهَى. وَلَمْ أَرَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ، بَلْ يُعَارِضُهُ مَا رَوَاهُ مَالِكٌ وَالْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ:«كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لَا يَصُومُ، وَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ قَطُّ إِلَّا رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ مِنْهُ صِيَامًا فِي شَعْبَانَ» ، وَهَذَا لَفْظُ الْمُوَطَّأِ. وَالَّذِي جَاءَ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«صُمْ مِنَ الْمُحَرَّمِ وَاتْرُكْ، صُمْ مِنَ الْمُحَرَّمِ وَاتْرُكْ، صُمْ مِنَ الْمُحَرَّمِ وَاتْرُكْ، وَقَالَ بِأَصَابِعِهِ الثَّلَاثَةِ فَضَمّهَا وَأَرْسَلَهَا» ، وَفِي مُسْلِمٍ عَنْهُ عليه الصلاة والسلام:«أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ» ، وَأَمَّا شَعْبَانُ فَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا قَالَتْ:«كَانَ أَحَبَّ الشُّهُورِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَصُومُهُ شَعْبَانُ ثُمَّ يَصِلُهُ بِرَمَضَانَ» ، وَعَنْهَا أَيْضًا أَنَّهَا قَالَتْ:«مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ كَانَ يَصُومُهُ إِلَّا قَلِيلًا» ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ بَعْدَ «إِلَّا قَلِيلًا: بَلْ كَانَ يَصُومُهُ كُلَّهُ» ، وَعَنْ أَمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها قَالَتْ:«مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَصُومُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ إِلَّا شَعْبَانَ وَرَمَضَانَ» ، انْتَهَى كَلَامُ التَّوْضِيحِ، وَمَا ذَكَرَهُ عَنِ ابْنِ يُونُسَ ذِكْرَهُ صَاحِبُ النَّوَادِرِ. وَقَوْلُهُ: إِنَّهُ يُعَارِضُهَا مَا ذَكَرَهُ الْجَمَاعَةُ الْمَذْكُورُونَ ظَاهِرٌ، لَكِنْ يُعَارِضُ مَا رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ أَيْضًا حَدِيثُ مُسْلِمٍ وَحَدِيثُ أَمِّ سَلَمَةَ السَّابِقَانِ، انْتَهَى.
(تَنْبِيهَاتٌ) :
الْأَوَّلُ: لَمْ يَذْكُرُوا شَيْئًا يَدُلُّ عَلَى فَضْلِ صَوْمِ رَجَبٍ بِخُصُوصِهِ إِلَّا قَوْلَهُ: «صُمْ مِنَ الْمُحَرَّمِ وَاتْرُكْ» ، وَقَدْ ذَكَرَ جَمَاعَةٌ أَحَادِيثَ فِي فَضْلِ صَوْمِهِ وَفِي النَّهْيِ عَنْ صَوْمِهِ، وَقَدْ تَكَلَّمَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ وَأَطَالُوا، وَقَدْ جَمَعَ فِي ذَلِكَ شَيْخُ شُيُوخِنَا الْحَافِظُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ حَجَرٍ جُزْءًا سَمَّاهُ " تَبْيِينُ الْعَجَبِ بِمَا وَرَدَ فِي فَضْلِ رَجَبٍ " فَرَأَيْتُ أَنْ
أَذْكُرَ مُلَخَّصَهُ هُنَا:
وَقَدِ افْتَتَحَهُ رحمه الله بِذِكْرِ أَسْمَائِهِ، فَذَكَرَ لَهُ سِتَّةَ عَشَرَ اسْمًا: وَهُوَ رَجَبٌ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يُرْجَّبُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَيْ يُعَظَّمُ أَوْ لِتَرْكِ الْقِتَالِ فِيهِ، يُقَالُ: أَقْطَعُ الرَّوَاجِبِ. وَالْأَصَمُّ؛ لِأَنَّهُ لَا تُسْمَعُ فِيهِ قَعْقَعَةُ السِّلَاحِ، والأَصَبُّ بِمُوَحَّدَةٍ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ الرَّحْمَةَ تُصَبُّ فِيهِ، وَرَجْمٌ بِالْجِيمِ؛ لِأَنَّ الشَّيَاطِينَ تُرْجَمُ فِيهِ، وَالشَّهْرُ الْحَرَامُ؛ لِأَنَّ حُرْمَتَهُ قَدِيمَةٌ، وَالْمُقِيمُ؛ لِأَنَّ حُرْمَتَهُ ثَابِتَةٌ، وَالْمُعَلَّى؛ لِأَنَّهُ رَفِيعٌ عِنْدَهُمْ، وَالْفَرْدُ وَهُوَ اسْمٌ شَرْعِيٌّ، وَمُنْصِلُ الْأَسِنَّةِ، وَمُنْصِلُ الْآلِ أَيْ الْحِرَابِ، وَمُنْزِعُ الْأَسِنَّةِ، وَشَهْرُ الْعَتِيرَةِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَذْبَحُونَهَا فِيهِ، وَالْمُبْدِي، والمُعَشْعِشُ، وَشَهْرُ اللَّهِ.
قَالَ ابْنُ دِحْيَةَ: ذَكَرَ بَعْضُ الْقُصَّاصِ أَنَّ الْإِسْرَاءَ كَانَ فِي رَجَبٍ، قَالَ: وَذَلِكَ كَذِبٌ، قَالَ الْحَرْبِيُّ: كَانَ الْإِسْرَاءُ لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ.
ثُمَّ قَالَ: فَصْلٌ لَمْ يَرِدْ فِي فَضْلِهِ، وَلَا فِي صِيَامِهِ، وَلَا فِي صِيَامِ شَيْءٍ مِنْهُ مُعَيَّنٌ، وَلَا فِي قِيَامِ لَيْلَةٍ مَخْصُوصَةٍ فِيهِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ يَصْلُحُ لِلْحُجَّةِ: وَقَدْ سَبَقَنِي إِلَى الْجَزْمِ بِذَلِكَ الْإِمَامُ الْهَرَوِيُّ الْحَافِظُ: رَوَيْنَاهُ عَنْهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَكَذَا رَوَيْنَاهُ عَنْ غَيْرِهِ، وَلَكِنِ اشْتُهِرَ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ يَتَسَامَحُونَ فِي إِيرَادِ الْأَحَادِيثِ فِي الْفَضَائِلِ - وَإِنْ كَانَ فِيهَا ضَعِيفٌ - مَا لَمْ تَكُنْ مَوْضُوعَةً، انْتَهَى.
وَيَنْبَغِي مَعَ ذَلِكَ اشْتِرَاطُ أَنْ يَعْتَقِدَ الْعَامِلُ كَوْنَ ذَلِكَ الْحَدِيثِ ضَعِيفًا، وَأَنْ لَا يَشْتَهِرَ ذَلِكَ؛ لِئَلَّا يَعْمَلَ الْمَرْءُ بِحَدِيثٍ ضَعِيفٍ، فَيُشَرِّعُ مَا لَيْسَ بِشَرْعٍ، أَوْ يَرَاهُ بَعْضُ الْجُهَّالِ فَيَظُنُّ أَنَّهُ سُنَّةٌ صَحِيحَةٌ، وَقَدْ صَرَّحَ بِمَعْنَى ذَلِكَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَغَيْرُهُ، وَلْيَحْذَرِ الْمَرْءُ مِنْ دُخُولِهِ تَحْتَ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:«مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يَرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ» فَكَيْفَ بِمَنْ عَمِلَ بِهِ؟! وَلَا فَرْقَ فِي الْعَمَلِ بِالْحَدِيثِ فِي الْأَحْكَامِ أَوْ فِي الْفَضَائِلِ، إِذْ لِكُلٍّ شَرْعٌ.
ثُمَّ نَرْجِعُ فَنَقُولُ: إِنَّ أَمْثَلَ مَا وَرَدَ فِيهِ مَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أُسَامَةَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ أَرَكَ تَصُومُ مِنْ شَهْرٍ مِنَ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ؟ قَالَ: ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ» ، فَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ فِي رَجَبٍ مُشَابَهَةً بِرَمَضَانَ، وَأَنَّ النَّاسَ يَشْتَغِلُونَ فِيهِ عَنِ الْعِبَادَةِ بِمَا يَشْتَغِلُونَ بِهِ فِي رَمَضَانَ، وَيَغْفُلُونَ عَنْ نَظِيرِ ذَلِكَ فِي شَعْبَانَ، وَلِذَلِكَ كَانَ يَصُومُهُ، وَفِي تَخْصِيصِهِ ذَلِكَ بِالصَّوْمِ إِشْعَارٌ بِفَضْلِ صِيَامِ رَجَبٍ، وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنَ الْمَعْلُومِ الْمُقَرَّرِ لَدَيْهِمْ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام قَالَ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ:«صُمْ مِنَ الْمُحَرَّمِ وَاتْرُكْ، صُمْ مِنَ الْمُحَرَّمِ وَاتْرُكْ، صُمْ مِنَ الْمُحَرَّمِ وَاتْرُكْ، فَقَالَ بِأَصَابِعِهِ الثَّلَاثَةِ فَضَمّهَا ثُمَّ أَرْسَلَهَا» ، فَفِي هَذَا الْخَبَرِ - وَإِنْ كَانَ فِي إِسْنَادِهِ مَنْ لَا يُعْرَفُ - مَا يَدُلُّ عَلَى اسْتِحْبَابِ صِيَامِ بَعْضِ رَجَبٍ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ صَامَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ حَرَامٍ الْخَمِيسَ وَالْجُمُعَةَ وَالسَّبْتَ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ عِبَادَةَ سَبْعمِائَةِ سَنَةٍ» ، فَرَوَيْنَاهُ فِي فَوَائِدِ تَمَّامٍ الرَّازِيِّ، وَفِي سَنَدِهِ ضُعَفَاءُ وَمَجَاهِيلُ.
وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي فَضْلِ رَجَبٍِ أَوْ فِي فَضْلِ صِيَامِهِ أَوْ صِيَامِ شَيْءٍ مِنْهُ صَرِيحَةٌ، فَهِيَ عَلَى قِسْمَيْنِ: ضَعِيفَةٌ، وَمَوْضُوعَةٌ.
فَمِنَ الضَّعِيفِ:
مَا رَوَاهُ النَّقَّاشُ فِي كِتَابِ فَضْلِ الصِّيَامِ لَهُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي فَضَائِلِ الْأَوْقَاتِ لَهُ وَغَيْرُهُمَا، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه مَوْقُوفًا، قَالَ:«إِنَّ فِي الْجَنَّةِ نَهْرًا يُقَالُ لَهُ رَجَبٌ، مَاؤُهُ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، مَنْ صَامَ يَوْمًا مِنْ رَجَبٍ سَقَاهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ النَّهْرِ» .
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: وَجَدْتُ لَهُ شَاهِدًا إِلَّا أَنَّهُ بَاطِلٌ، وَقَرَأَتُ بِخَطِّ الْحَافِظِ السِّلَفِيِّ بِسَنَدِهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا:«إِنَّ فِي الْجَنَّةِ نَهْرًا يُقَالُ لَهُ رَجَبٌ مَاؤُهُ الرَّحِيقُ، مَنْ شَرِبَ مِنْهُ شَرْبَةً لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهَا أَبَدًا، أَعَدَّهُ اللَّهُ لِصُوَّامِ رَجَبٍ» ، وَهُوَ مِنْ وَضْعِ السَّقَطِيِّ.
(قُلْتُ) : وَظَاهِرُ كَلَامِ الْبَيْهَقِيِّ فِي الشُّعَبِ أَنَّ الْحَدِيثَ مَرْفُوعٌ، فَيُحَرَّرُ ذَلِكَ.
وَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، وَالْبَيْهَقِيّ ُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا دَخَلَ رَجَبٌ قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي رَجَبٍ، وَشَعْبَانَ، وَبَلِّغْنَا رَمَضَانَ» .
قَالَ: وَقَدْ وَجَدْتُ لِهَذَا الْخَبَرِ إِسْنَادًا ظَاهِرُهُ الصِّحَّةُ، فَكَأَنَّهُ مَوْضُوعٌ، فَأَرَدْتُ التَّنْبِيهَ عَلَيْهِ لِئَلَّا يَغْتَرَّ بِهِ.
وَمِنْ ذَلِكَ
مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَصُمْ بَعْدَ رَمَضَانَ إِلَّا رَجَبًا وَشَعْبَانَ» ، وَهُوَ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ.
ثُمَّ قَالَ: وَوَرَدَ فِي فَضْلِ رَجَبٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْبَاطِلَةِ أَحَادِيثُ لَا بَأْسَ بِالتَّنْبِيهِ عَلَيْهَا، مِنْهَا حَدِيثُ:«رَجَبٌ شَهْرُ اللَّهِ، وَشَعْبَانُ شَهْرِي، وَرَمَضَانُ شَهَرُ أُمَّتِي» رَوَاهُ النَّقَّاشُ الْمُفَسِّر، وَرَوَاهُ ابْنُ نَاصِرٍ فِي أَمَالِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:«إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ: رَجَبٌ لَا يُقَارِنُهُ مِنَ الْأَشْهُرِ أَحَدٌ، وَلِذَلِكَ يُقَالُ لَهُ شَهْرُ اللَّهِ الْأَصَمُّ، وَثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ مُتَوَالِيَاتٌ، يَعْنِي ذَا الْقِعْدَةِ، وَذَا الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمَ، أَلَا وَإِنَّ رَجَبًا شَهْرُ اللَّهِ، وَشَعْبَانَ شَهْرِي، وَرَمَضَانَ شَهَرُ أُمَّتِي، فَمَنْ صَامَ مِنْ رَجَبٍ يَوْمًا إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا اسْتَوْجَبَ رِضْوَانَ اللَّهِ الْأَكْبَرَ، وَأَسْكَنَهُ الْفِرْدَوْسَ الْأَعْلَى، وَمَنْ صَامَ مِنْ رَجَبٍ يَوْمَيْنِ فَلَهُ مِنَ الْأَجْرِ ضِعْفَانِ، وَإِنْ كَانَ كُلُّ ضَعْفٍ مِثْلَ جِنَانِ الدُّنْيَا، وَمَنْ صَامَ مِنْ رَجَبٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ جَعَلَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ خَنْدَقًا، طُولُ مَسِيرَةِ ذَلِكَ سَنَةٌ، وَمَنْ صَامَ مِنْ رَجَبٍ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ عُوفِيَ مِنَ البَلَاءَاتِ؛ مِنَ الْجُنُونِ وَالْجُذَامِ وَالْبَرَصِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ» .
وَهُوَ حَدِيثٌ طَوِيلٌ ذَكَرَهُ مِنْ طُرُقٍ، وَفِي بَعْضِهَا زِيَادَةٌ عَلَى بَعْض، فَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ:«خِيرَةُ اللَّهِ مِنَ الشُّهُورِ شَهْرُ رَجَبٍ» .
وَمِنَ الْأَحَادِيثِ الْبَاطِلَةِ مَا ذَكَرَهُ أَبُو الْبَرَكَاتِ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ السَّقَطِيُّ، عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا:«فَضْلُ رَجَبٍ عَلَى الشُّهُورِ كَفَضْلِ الْقُرْآنِ عَلَى سَائِرِ الْأَذْكَارِ، وَفَضْلُ شَعْبَانَ عَلَى سَائِرِ الشُّهُورِ كَفَضْلِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم عَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ، وَفَضْلُ رَمَضَانَ عَلَى سَائِرِ الشُّهُورِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ» .
وَمِنْهَا حَدِيثُ: «رَجَبٌ شَهْرُ اللَّهِ وَيُدْعَى الْأَصَمُّ، وَكَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا دَخَلَ رَجَبٌ يُعَطِّلُونَ أَسْلِحَتَهُمُ» الْحَدِيثُ. قَالَ: وَهُوَ - إِنْ كَانَ مَعْنَاهُ صَحِيحًا - فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.
وَمِنْهَا حَدِيثُ: «رَجَبٌ شَهْرُ اللَّهِ الْأَصَمُّ، مَنْ صَامَ مِنْ رَجَبٍ يَوْمًا إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا اسْتَوْجَبَ رِضْوَانَ اللهِ الْأَكْبَرَ» وَهُوَ مَتْنٌ لَا أَصْلَ لَهُ، بَلِ اخْتَلَقَهُ أَبُو الْبَرَكَاتِ السَّقَطِيُّ.
وَمِنْهَا حَدِيثُ: «مَنْ فَرَّجَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً فِي رَجَبٍ أَعْطَاهُ اللَّهُ فِي الْفِرْدَوْسِ قَصْرًا مَدّ بَصَرِهِ، أَكْرِمُوا رَجَبًا يُكْرِمْكُمُ اللَّهُ بِأَلْفِ كَرَامَةٍ» وَهُوَ مَتْنٌ لَا أَصْلَ لَهُ، بَلِ اخْتَلَقَهُ السَّقَطِيُّ.
وَمِنْهَا حَدِيثُ: «رَجَبٌ مِنْ أَشْهُرِ الْحُرُمِ، وَأَيَّامُهُ مَكْتُوبَةٌ عَلَى أَبْوَابِ السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، فَإِذَا صَامَ الرَّجُلُ مِنْهُ يَوْمًا وَجَوَّدَ صِيَامِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ، نَطَقَ الْبَابُ وَنَطَقَ الْيَوْمُ، فَقَالَا: يَا رَبُّ اغْفِرْ لَهُ، وَإِذَا لَمْ يَتِمَّ صَوْمَهُ بِتَقْوَى اللَّهِ لَمْ يَسْتَغْفِرْ لَهُ» رَوَاهُ النَّقَّاشُ فِي فَضَائِلِ الصِّيَامِ لَهُ.
وَمِنْهَا حَدِيثُ: «مَنْ صَامَ يَوْمًا مِنْ رَجَبٍ كَانَ كَصِيَامِ سَنَةٍ، وَمَنْ صَامَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ غُلِّقَتْ عَنْهُ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَمَنْ صَامَ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ فُتِّحَتْ لَهُ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ صَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ لَمْ يَسْأَلِ اللَّهَ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ، وَمَنْ صَامَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا نَادَى مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: قَدْ غُفِرَ لَكَ مَا سَلَفَ، فَاسْتَأْنِفِ الْعَمَلَ، وَمَنْ زَادَ زَادَهُ اللَّهُ، وَفِي شَهْرِ رَجَبٍ حُمِلَ نُوحٌ فِي السَّفِينَةِ فَصَامَ وَأَمَرَ مِنْ مَعَهُ أَنْ يَصُومُوا» . رَوَيْنَاهُ فِي فَضَائِلِ الْأَوْقَاتِ لِلْبَيْهَقِيِّ، ثُمَّ ذَكَرَهُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى، وَزَادَ فِيهِ بَعْدَ قَوْلِهِ:«فَصَامَ وَأَمَرَ مَنْ مَعَهُ أَنْ يَصُومُوا شُكْرَ اللَّهِ بِهِمْ، فَاسْتَقَرَّتْ عَلَى الْجُودِيِّ فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ، وَفِي رَجَبٍ تَابَ اللَّهُ عَلَى آدَمَ، وَعَلَى أَهْلِ مَدِينَةِ يُونُسَ، وَفِيهِ فُلِقَ الْبَحْرُ لِمُوسَى، وَفِيهِ وُلِدَ إِبْرَاهِيمُ وَعِيسَى» .
وَمِنْهَا حَدِيثٌ فِي فَضْلِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ رَجَبٍ، عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا قَالَ: «مَنْ صَلَّى الْمَغْرِبَ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ رَجَبٍ ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا عِشْرِينَ رَكْعَةً يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1]
مَرَّةً وَيُسَلِّمُ فِيهِنَّ عَشْرَ تَسْلِيمَاتٍ، أَتَدْرُونَ مَا ثَوَابُهُ؟ فَإِنَّ الرُّوحَ الْأَمِينَ جِبْرِيلَ عَلَّمَنِي ذَلِكَ، قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: حَفِظَهُ اللَّهُ فِي نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ، وَأُجِيرَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَجَازَ عَلَى الصِّرَاطِ كَالْبَرْقِ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عِقَابٍ» وَهَذَا حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ.
وَمِنْهَا أَيْضًا حَدِيثٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «مَنْ صَامَ يَوْمًا مِنْ رَجَبٍ وَصَلَّى فِيهِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ يَقْرَأُ فِي أَوَّلِ رَكْعَةٍ مِائَةَ مَرَّةٍ آيَةَ الْكُرْسِيِّ، وَفِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] مِائَةَ مَرَّةٍ، لَمْ يَمُتْ حَتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ فِي الْجَنَّةِ أَوْ يُرَى لَهُ» وَهَذَا حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ.
ثُمَّ ذَكَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا أَنَّهُ قَالَ: مَنْ صَلَّى لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ مِنْ رَجَبٍ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً، يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَةٍ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ صِلَاتِهِ قَرَأَ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَهُوَ جَالِسٌ، ثُمَّ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ- أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَصْبَحَ صَائِمًا، حَطَّ اللَّهُ عَنْهُ ذُنُوبَ سِتِّينَ سَنَةً، وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي بُعِثَ فِيهَا مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم.
وَمِنْهَا حَدِيثُ صَلَاةِ الرَّغَائِبِ، وَفِيهِ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا:«رَجَبٌ شَهْرُ اللَّهِ، وَشَعْبَانُ شَهْرِيْ، وَرَمَضَانُ شَهَرُ أُمَّتِي، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا مَعْنَى قَوْلِكَ رَجَبٌ شَهْرُ اللَّهِ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالْمَغْفِرَةِ، وَفِيهِ تُحْقَنُ الدِّمَاءُ، وَفِيهِ تَابَ اللَّهُ عَلَى أَنْبِيَائِهِ، وَفِيهِ أَنْقَذَ أَوْلِيَاءَهُ مِنْ يَدِ أَعْدَائِهِ، مَنْ صَامَهُ اسْتَوْجَبَ عَلَى اللَّهِ مَغْفِرَةً بِجَمِيعِ مَا سَلَفَ مِنْ ذُنُوبِهِ، وَعُمْرِهِ فِيمَا بَقِيَ مِنْ عُمْرِهِ، وَأَمَانًا مِنَ الْعَطَشِ يَوْمَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ. فَقَامَ شَيْخٌ ضَعِيفٌ فَقَالَ: إِنِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ لِأَعْجِزُ عَنْ صِيَامِهِ كُلِّهِ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: صُمْ أَوَّلَ يَوْمٍ مِنْهُ فَإِنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَأَوْسَطَ يَوْمٍ مِنْهُ، وَآخِرَ يَوْمٍ مِنْهُ فَإِنَّكَ تُعْطَى ثَوَابَ مَنْ صَامَهُ كُلَّهُ» ثُمَّ ذَكَرَ صَلَاةَ الرَّغَائِبِ. الْحَدِيثُ بِطُولِهِ.
ثُمَّ قَالَ الْحَافِظُ: وَهَذَا حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.
وَمِنْهَا حَدِيثُ عَلِيٍّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ شَهْرَ رَجَبٍ شَهْرٌ عَظِيمٌ، مَنْ صَامَ يَوْمًا مِنْهُ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ صَوْمَ أَلْفِ سَنَةٍ، وَمَنْ صَامَ مِنْهُ يَوْمَيْنِ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ صَوْمَ أَلْفَيْ سَنَةٍ، وَمَنْ صَامَ مِنْهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ صَوْمَ ثَلَاثَةِ آلَافِ سَنَةٍ، وَمَنْ صَامَ مِنْهُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ أُغْلِقَتْ عَنْهُ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَمَنْ صَامَ مِنْهُ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ فَيَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ، وَمَنْ صَامَ مِنْهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا بُدِّلَتْ سَيِّئَاتُهُ حَسَنَاتٍ وَنَادَى مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ قَدْ غُفِرَ لَكَ فَاسْتَأْنِفِ الْعَمَلَ، وَمَنْ زَادَ زَادَهُ اللَّهُ» .
قَالَ الْحَافِظُ: وَهُوَ حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ لَا شَكَّ فِيهِ، ثُمَّ ذَكَرَ أَحَادِيثَ أُخَرَ كُلَّهَا بَاطِلَةٌ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ بَعْضَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ، وَكَذَلِكَ الجَزُوِليُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ، وَذَكَرَ الدَّمِيرِيُّ فِي شَرْحِ سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ عَنِ الْحُلَيْمِيِّ أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ لِصَوْمِ رَجَبٍ ذِكْرٌ فِي الْأُصُولِ الْمَعْرُوفَةِ سِوَى مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عَنْ صَوْمِ رَجَبٍ فَقَالَ: أَيْنَ أَنْتُمْ مِنْ شَعْبَانَ» ، وَهَذَا يُحْتَمَلُ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ رَجَبًا قَدْ ظَهَرَ فَضْلُهُ، فَإِنَّهُ مِنَ الْحُرُمِ، وَكَانَ مُعَظَّمًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَا تَسْأَلُوا عَنْهُ وَاسْأَلُوا عَنْ شَعْبَانَ، وَحِينَئِذٍ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صَوْمُهُ مُسْتَحَبًّا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ مُنْفَصِلٌ عَنْ رَمَضَانَ، فَهُوَ كَالْأَشْهُرِ الَّتِي قَبْلَهُ، وَإِنَّمَا الْمُتَّصِلُ بِرَمَضَانَ وَالتَّنْبِيهُ بِهِ عَنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ شَعْبَانُ، فَإِنَّ فِيهِ لَيْلَةَ النِّصْفِ كَمَا فِي رَمَضَانَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ، فَاسْأَلُونِي عَنْهُ لَا عَنْ رَجَبٍ.
قَالَ الْحُلَيمِيُّ: وَهَذَا أَشْبَهُ؛ لِأَنَّ ذَا الْقِعْدَةِ مِنَ الْحُرُمِ، وَلَمْ يَرِدْ فِي صِيَامِهِ شَيْءٌ.
الثَّانِي: أَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ صِيَامِ رَجَبٍ» .
قَالَ الدَّمِيرِيُّ فِي شَرْحِهَا: انْفَرَدَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَذَكَرَهُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ عَنْ سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ بِلَفْظِ:«نَهَى عَنْ صَوْمِ رَجَبٍ كُلِّهِ» وَقَالَ: رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي فَضَائِلِ الْأَوْقَاتِ، وَقَالَ: إِنَّ فِيهِ دَاوُدَ بْنَ عَطَاءٍ. لَيَّنَهُ ابْنُ مَعِينٍ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي فَضَائِلِ الْأَوْقَاتِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَقَالَ: دَاوُدُ بْنُ عَطَاءٍ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ، وَإِنَّمَا الرِّوَايَةُ فِيهِ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَحَرَّفَ
الرَّاوِي الْفِعْلَ إِلَى النَّهْيِ، ثُمَّ إِنْ صَحَّ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى التَّنْزِيهِ، وَالْمَعْنَى فِيهِ مَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ، قَالَ: أَكْرَهُ أَنْ يَتَّخِذَ الرَّجُلُ صَوْمَ شَهْرٍ يُكْمِلُهُ مِنْ بَيْنِ الشُّهُورِ كَمَا يُكْمِلُ رَمَضَانَ، قَالَ: وَكَذَلِكَ أَكْرَهُ أَنْ يَتَّخِذَ الرَّجُلُ يَوْمًا مِنْ بَيْنِ الْأَيَّامِ، وَإِنَّمَا كَرِهْتُ ذَلِكَ؛ لِئَلَّا يَتَأَسَّى جَاهِلٌ فَيَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ وَاجِب.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: وَالْحَدِيثُ أَشَارَ إِلَيْهِ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ عَنَانِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لَا يَصُومُ» .
رَوَيْنَاهُ فِي كِتَابِ أَخْبَارِ مَكَّةَ لِلْفَاكِهِيِّ بِإِسْنَادٍ لَا بَأْسَ بِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا تَتَّخِذُوا رَجَبًا عِيدًا تَرَوْنَهُ حَتْمًا مِثْلَ رَمَضَانَ إِذَا أَفْطَرْتُمْ مِنْهُ صُمْتُمْ وَقَضَيْتُمُوهُ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَنْهَى عَنْ صِيَامِ رَجَبٍ كُلِّهِ لِئَلَّا يُتَّخِذَ عِيدًا، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ. وَمِثْلُ هَذَا مَا رَوَيْنَاهُ فِي مُسْنَدِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَضْرِبُ أَيْدِيَ الرِّجَالِ فِي رَجَبٍ إِذَا رَفَعُوهَا عَنِ الطَّعَامِ حَتَّى يَضَعُوهَا فِيهِ، وَيَقُولُ: إِنَّمَا هُوَ مَوْسِمٌ، كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يُعَظِّمُونَهُ. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: فَهَذَا النَّهْيُ مُنْصَرِفٌ لِمَنْ يَصُومُهُ مُعَظِّمًا لِأَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، أَمَّا مَنْ صَامَهُ لِقَصْدِ الصَّوْمِ فِي الْجُمْلَةِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَجْعَلَهُ حَتْمًا، أَوْ يَخُصَّ مِنْهُ أَيَّامًا مُعِينَةً يُوَاظِبُ عَلَى صَوْمِهَا، أَوْ لَيَالِيَ مُعِينَةً يُوَاظِبُ عَلَى قِيَامِهَا، بِحَيْثُ يَظُنُّ أَنَّهَا سُنِّةٌ، فَهَذَا مِنْ فِعْلِهِ مَعَ السَّلَامَةِ مِمَّا اسْتُثْنِيَ فَلَا بَأْسَ بِهِ، فَإِنْ خَصَّ ذَلِكَ أَوْ جَعَلَهُ حَتْمًا فَهَذَا مَحْظُورٌ.
وَهُوَ فِي الْمَنْعِ بِمَعْنَى قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا تَخُصُّوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِصِيَامٍ وَلَا لَيْلَتَهَا بِقِيَامٍ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَإِنْ صَامَهُ مُعْتَقِدًا أَنَّ صِيَامَهُ أَوْ صِيَامَ شَيْءٍ مِنْهُ أَفْضَلُ مِنْ صِيَامِ غَيْرِهِ فَفِي هَذَا نَظَرٌ.
وَيُقَوِّي جَانِبَ الْمَنْعِ مَا فِي الصَّحِيحِ «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَتَحَرَّى صَوْمَ يَوْمٍ يُفَضِّلُهُ عَلَى غَيْرِهِ إِلَّا يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَهَذَا الشَّهْرَ - يَعْنِي شَهْرَ رَمَضَانَ -» . وَعَنْ أَزْهَرَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أُمِّهِ، أَنَّهَا كَانَتْ دَخَلَتْ عَلَى عَائِشَةَ فَذَكَرَتْ لَهَا أَنَّهَا تَصُومُ رَجَبًا، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: صُوْمِي شَعْبَانَ فَإِنَّ فِيهِ الْفَضْلَ، فَقَدَ «ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أُنَاسٌ يَصُومُونَ رَجَبًا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: وَأَيْنَ هُمْ مِنْ صِيَامِ شَعْبَانَ» ! رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَقَالَ بَعْدَهُ:«قَالَ زَيْدٌ: وَكَانَ أَكْثَرَ صِيَامِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ رَمَضَانَ شَعْبَانُ» وَيُحْتَمَلُ أَنَّ تَحَرِّيَهُ صلى الله عليه وسلم صِيَامَ يَوْمِ عَاشُورَاءَ بِعَيْنِهِ كَانَ لِغَيْرِ هَذَا الْمَعْنَى، لِأَنَّهُ صَدَرَ أَنَّ صَوْمَهُ كَانَ مُفْتَرَضًا قَبْلَ رَمَضَانَ، وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا فَعَلَ شَيْئًا مِنَ الطَّاعَاتِ وَاظَبَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا حَدِيثُ «عَائِشَةَ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَكْمَلَ شَهْرًا قَطُّ إِلَّا رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُ أَكْثَرَ مِنْهُ صِيَامًا فِي شَعْبَانَ» ، فَظَاهِرُهُ فَضِيلَةُ الصَّوْمِ فِي شَعْبَانَ عَلَى غَيْرِهِ.
لَكِنْ ذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ السَّبَبَ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ صلى الله عليه وسلم رُبَّمَا حَصَلَ لَهُ الشُّغْلُ عَنْ صِيَامِ الثَّلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ لِسِفَرٍ أَوْ غَيْرِهِ فَيَقْضِيهَا فِي شَعْبَانَ، فَلِذَلِكَ كَانَ يَصُومُ فِي شَعْبَانَ أَكْثَرَ مِمَّا يَصُومُ فِي غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ لِصِيَامِ شَعْبَانَ فَضِيلَةً عَلَى صِيَامِ غَيْرِهِ.
وَمِمَّا يُقَوِّي هَذَا التَّأْوِيلَ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«إِذَا دَخَلَ النِّصْفُ مِنْ شَعْبَانَ فَلَا تَصُومُوا وَفِي رِوَايَةٍ: فَلَا يَصُومَنَّ أَحَدٌ» وَفِي رِوَايَةٍ: «إِذَا دَخَلَ النِّصْفُ مِنْ شَعْبَانَ فَأَمْسِكُوا عَنِ الصِّيَامِ» وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ مَعْنى هَذَا النَّهْي لِلْمُبَالَغَةِ فِي الِاحْتِيَاطِ لِئَلَّا يَحْتَاطَ لِرَمَضَانَ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهِ، وَيَكُونَ هَذَا بِمَعْنَى نَهْيِهِ عَنْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَحَدٌ رَمَضَانَ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ الطُّرْطُوشِيُّ فِي كِتَابِ الْحَوَادِثُ وَالْبِدَعُ: يُكْرَهُ صَوْمُ رَجَبٍ، وَهِيَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ إِذَا خَصَّهُ الْمُسْلِمُونَ بِالصَّوْمِ فِي كُلِّ عَامٍ حَسِبَ الْعَوَامُّ أَنَّهُ فَرْضٌ كَشَهْرِ رَمَضَانَ، وَإِمَّا سُنَّةٌ ثَابِتَةٌ كَالسُّنَنِ الثَّابِتَةِ، وَإِمَّا لِأَنَّ الصَّوْمَ فِيهِ مَخْصُوصٌ بِفَضْلِ ثَوَابٍ عَلَى ثَوَابِ بَاقِي الشُّهُورِ، وَلَوْ كَانَ مِنْ هَذَا شَيْءٌ لَبَيَّنَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ. قَالَ ابْنُ دِحْيَةَ: الصِّيَامُ عَمَلُ بَرٍّ لَا لِفَضْلِ صَوْمِ رَجَبٍ، فَقَدْ كَانَ عُمَرُ يَنْهَى عَنْ صِيَامِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ.
وَقَالَ الدَّمِيرِيُّ: سُئِلَ الْحَافِظُ أَبُو عُمَرَ بْنُ الصَّلَاحِ عَنْ صَوْمِ رَجَبٍ كُلِّهِ، هَلْ عَلَى صَائِمِهِ إِثْمٌ أَمْ لَهُ أَجْرٌ؟ وَفِي حَدِيثٍ يَرْوِيهِ ابْنُ دِحْيَةَ أَنَّهُ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:«إِنَّ جَهَنَّمَ تُسَعَّرُ مِنَ الْحَوْلِ إِلَى الْحَوْلِ لِصُوَّامِ رَجَبٍ» هَلْ يَصِحُّ ذَلِكَ؟ فَأَجَابَ: لَا إِثْمَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ، وَلَمْ يُؤْثِمْهُ بِذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ فِيمَا نَعْلَمُهُ، بَلْ قَالَ حُفَّاظُ الْحَدِيثِ: لَمْ يَثْبُتْ فِي صَوْمِ رَجَبٍ حَدِيثُ أَيِّ فَضْلٍ خَاصٍّ، وَهَذَا لَا يُوجِبُ زُهْدًا فِي صَوْمِهِ بِمَا وَرَدَ مِنَ النُّصُوصِ فِي فَضْلِ الصَّوْمِ مُطْلَقًا، وَالْحَدِيثُ الْوَارِدُ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ فِي صَوْمِ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ كَافٍ فِي التَّرْغِيبِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ: تُسَعَّرُ جَهَنَّمُ لِصُوَّامِهِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ، وَلَا تَحِلُّ رِوَايَتُهُ، وَسُئِلَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِيمَا نَقَلَ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ عَنْ مَنْعِ صَوْمِ رَجَبٍ وَتَعْظِيمِ حُرْمَتِهِ، وَهَلْ يَصِحُّ نَذْرُ صَوْمِ يَوْمِ جُمْعَةٍ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ: نَذْرُ صَوْمِ رَجَبٍ لَازِمٌ؛ لِأَنَّهُ يُتَقَرَّبُ إِلَى اللَّهِ بِمِثْلِهِ، وَالَّذِي نَهَى عَنْ صَوْمِهِ جَاهِلٌ بِمَأْخَذِ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ.
وَكَيْفَ يَكُونُ مَنْهِيًّا عَنْهُ مَعَ أَنَّ الْعُلَمَاءَ الَّذِينَ دَوَّنُوا الشَّرِيعَةَ لَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْهُمُ انْدِرَاجَهُ فِيمَا يُكْرَهُ صَوْمُهُ؟ بَلْ يَكُونُ صَوْمُهُ قُرْبَةً إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لِمَا جَاءَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ مِنَ التَّرْغِيبِ فِي الصَّوْمِ مِثْلَ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصَّوْمُ» ، وَقَوْلِهِ:«لَخُلُوفُ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ» ، وَقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:«إِنَّ أَفْضَلَ الصِّيَامِ صِيَامُ أَخِي دَاوُدَ» وَقَدْ كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا، مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِمَا عَدَا رَجَبًا مِنَ الشُّهُورِ.
وَمَنْ عَظَّمَ رَجَبًا بِغَيْرِ الْجِهَةِ الَّتِي كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يُعَظِّمُونَهُ لَهَا فَلَيْسَ بِمُقْتَدٍ بِالْجَاهِلِيَّةِ، وَلَيْسَ كُلُّ مَا فَعَلَتْهُ الْجَاهِلِيَّةُ مَنْهِيًّا عَنْ مُلَابَسَتِهِ، إِلَّا إِذَا نَهَتِ الشَّرِيعَةُ عَنْهُ، وَدَلَّتِ الْقَوَاعِدُ عَلَى تَرْكِهِ، وَلَا يُتْرَكُ الْحَقُّ لِكَوْنِ أَهْلِ الْبَاطِلِ فَعَلُوهُ، وَالَّذِي نَهَى عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ جَاهِلٌ مَعْرُوفٌ بِالْجَهْلِ، لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُقَلِّدَهُ فِي دِينِهِ؛ إِذْ لَا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ إِلَّا لِمَنِ اشْتُهِرَ بِالْمَعْرِفَةِ بِأَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَبِمَأْخَذِهَا، وَالَّذِي يُضَافُ إِلَيْهِ ذَلِكَ بَعِيدٌ عَنْ مَعْرِفَةِ دِينِ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَا يُقَلَّدُ، وَمَنْ قَلَّدَهُ فَقَدْ غُرِّرَّ بِدِينِهِ، انْتَهَى.
وَقَالَ الدَّمِيرِيُّ فِي مَنْظُومَتِهِ:
تَتْمِيمُ الأَصَبِّ صَوْمُهُ نُدِبْ
…
لِكُلِّ قَادِرٍ وَبِالنَّذْرِ يَجِبْ
وَأَحْمَدُ كَرِهَهُ إِذَا انْفَرَدْ
…
وَالْمَانِعُ الْمُطْلَقُ قَوْلُهُ يُرَدْ
وَالنَّهْيَ عَنْهُ قَدْ رَوَى ابْنُ مَاجَهْ
…
وَضَعْفَهُ النَّسَائِي فِي الدِّيبَاجَهْ
وَالشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ قَالَ مَنْ نَهَى
…
عَنْ صَوْمِهِ فِي كُلِّ حَالَةٍ سَهَا
وَشَدَّدَ النَّكِيرَ فِي الرَّدِّ عَلَيْهْ
…
وَقَالَ لَا يُرْجَعُ فِي الْفَتْوَى إِلَيْهْ
إِذِ الَّذِينَ نَقَلُوا الشَّرِيعَهْ
…
مَا كَرِهُوا صِيَامَهُ جَمِيعَهْ
وَفِي عُمُومِ طَلَبِ الصَّوْمِ انْدَرَجْ
…
وَزَالَ عَنْ صَائِمِهِ بِهِ الْحَرَجْ
وَابْنُ الصَّلَاحِ قَالَ مَنْ رَوَى رَجَبْ
…
فِيهِ عَذَابُ صَائِمِيهِ قَدْ وَجَبْ
غَيْرُ صَحِيحٍ لَا تَحِلُّ نِسْبَتُهْ
…
إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ضَلَّ مُثْبِتُهْ
فَفِي عُمُومِ الْفَضْلِ لِلصَّوْمِ نُصُوصٌ
…
تَدُلُّ لِاسْتِحْبَابِهِ عَلَى الْخُصُوصِ
الثَّالِثُ: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: لَمَّا ذَكَرَ مَا وَرَدَ التَّرْغِيبُ فِي صِيَامِهِ مِنَ الْأَيَّامِ وَالشُّهُورِ، وَفِي صَوْمِ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ: الْمُحَرَّمِ، وَرَجَبٍ، وَذِي الْقِعْدَةِ، وَذِي الْحِجَّةِ، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ عَدِّهَا مِنْ عَامَيْنِ، انْتَهَى.
(قُلْتُ) : قَالَ السُّهَيْلِيُّ فِي أَوَائِلِ الرَّوْضِ الْأُنُفِ: لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى النُّسَاةِ الَّذِينَ نَسَؤُوا الْأَشْهُرَ الْحُرُمَ. قَوْلُ ابْنِ هِشَامٍ: أَوَّلُ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ الْمُحَرَّمُ، هَذَا قَوْلٌ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ أَوَّلَهَا ذُو الْقِعْدَةِ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَدَأَ بِهِ
حِينَ ذَكَرَ الْأَشْهُرَ الْحُرُمَ، وَمَنْ قَالَ: الْمُحَرَّمُ أَوَّلُهَا احْتَجَّ بِأَنَّهُ أَوَّلُ السَّنَةِ، وَفِقْهُ هَذَا الْخِلَافِ: أَنَّ مَنْ نَذَرَ صِيَامَ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، فَيُقَالُ لَهُ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ: ابْدَأْ بِالْمُحَرَّمِ، ثُمَّ بِرَجَبٍ، ثُمَّ بِذِي الْقِعْدَةِ وَذِي الْحِجَّةِ، وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ يُقَالُ لَهُ: ابْدَأْ بِذِي الْقِعْدَةِ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ صِيَامِكَ فِي رَجَبٍ مِنَ الْعَامِ الثَّانِي، انْتَهَى.
(قُلْتُ) : هَذَا لَازِمٌ إِنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَهَا مُرَتَّبَةً، وَإِلَّا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ عَلَى جِهَةِ الْأَوْلَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الرَّابِعُ: ذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي الْأَشْهُرِ الْمُرَغَّبِ فِي صِيَامِهَا شَوَّالًا، وَلَمْ أَرَهُ فِي كَلَامِ غَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، لَكِنْ وَقَفْتُ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ لِلْجَلَالِ السُّيُوطِيِّ عَلَى حَدِيثٍ ذَكَرَهُ فِيهِ، وَنَصُّهُ:«مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَشَوَّالًا وَالْأَرْبِعَاءَ وَالْخَمِيسَ دَخَلَ الْجَنَّةَ» . وَقَالَ عُقْبَةُ: أَخْرَجَهُ الْبَغَوِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ خَالِدٍ عَنْ عَرِيفٍ مِنْ عُرَفَاءِ قُرَيْشٍ عَنْ أَبِيهِ، انْتَهَى.
وَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ أَيْضًا ابْنُ الْعِمَادِ فِي كشف الأسرار وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ص: (وَإِمْسَاكُ بَقِيَّةِ الْيَوْمِ لِمَنْ أَسْلَمَ وَقَضَاؤُهُ) ش: يَعْنِي أَنَّ الْكَافِرَ إِذَا أَسْلَمَ فِي أَثْنَاءِ نَهَارِ رَمَضَان، فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ الْإِمْسَاكُ فِي بَقِيَّةِ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِمْسَاكُ فِي بَقِيَّتِهِ وَيُسْتَحَبُّ لَهُ قَضَاؤُهُ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: اخْتُلِفَ فِي الْكَافِرِ إِذَا أَسْلَمَ فِي أَثْنَاءِ نَهَارِ رَمَضَانَ، هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِمْسَاكُ أَوْ يُسْتَحَبُّ؟
عِيَاضٌ: وَالِاسْتِحْبَابُ لِمَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَأَشْهَبَ، وَعَبْدِ الْمَلِكِ، وَابْنِ حَبِيبٍ، وَابْنِ خُوَيْزِ مَنْدَادَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ سَاوَى الْمَجْنُونَ يُفِيقُ.
قَالَ الْبَاجِيُّ: وَمَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِنَا بِخِطَابِ الْكُفَّارِ، وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ مَالِكٍ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ أَوْجَبَ عَلَيْهِ الْإِمْسَاكَ، وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وُجُوبُ الْإِمْسَاكِ، لَكِنْ قَالَ عِيَاضٌ: وَهُوَ تَخْرِيجٌ بَعِيدٌ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا اخْتُصَّ بِالْيَوْمِ الَّذِي أَسْلَمَ فِيهِ مِمَّا قَبْلَهُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا سَبَقَهُ؛ لِفَوَاتِ صَوْمِهِ شَرْعًا كَالْيَوْمِ السَّابِقِ، وَلَوْ كَانَ عَلَى مَا قَالَهُ لَكَانَ الْقَضَاءُ وَالْإِمْسَاكُ وَاجِبَيْنِ عَلَى الْقَوْلِ بِخِطَابِهِمْ، وَلَمْ يَقُلْ بِوُجُوبِ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ شُيُوخِنَا، وَإِنَّمَا اسْتُحِبَّ لِيَظْهَرَ عَلَيْهِمْ صِفَاتُ الْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، انْتَهَى.
وَنَقَلَ اللَّخْمِيُّ عَنْ أَشْهَبَ فِي الْمَجْمُوعَةِ أَنَّهُ قَالَ: لَا يُمْسِكُ بَقِيَّةَ الْيَوْمِ. قَالَ: وَعَلَى قَوْلِهِ: لَا يَقْضِيه، وَهُوَ أَحْسَنُ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا قَبْلُهُ.
عِيَاضٌ: وَتَخْرِيجُ اللَّخْمِيُّ تَرْكُ الْقَضَاءِ عَلَى الْقَوْلِ بِتَرْكِ الْإِمْسَاكِ وَاسْتِحْبَابُهُ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْإِمْسَاكِ فِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّهُ لَا يَطَّرِدُ؛ إِذِ الْحَائِضُ مَمْنُوعَةٌ مِنَ الْإِمْسَاكِ، وَالْقَضَاءُ عَلَيْهَا وَاجِبٌ، وَالنَّاسِي فِي الْفَرْضِ مَأْمُورٌ بِالْإِمْسَاكِ وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَالْمُغْمَى وَالْمُحْتَلِمُ لَا يُمْسِكَانِ وَلَا قَضَاءَ، وَالنَّاسِي لِصَوْمِهِ يُفْطِرُ فِي التَّطَوُّعِ مَأْمُورٌ بِالْإِمْسَاكِ وَلَا قَضَاءَ فَلَا مُلَازَمَةَ بَيْنَهُمَا، انْتَهَى كَلَامُ التَّوْضِيحِ.
(فَرْعٌ) : قَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْوَقَارِ: وَكَذَلِكَ الصَّبِيَّةُ تَحِيضُ أَوَّلَ حَيْضَتِهَا فِي يَوْمٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهَا قَضَاءُ ذَلِكَ الْيَوْمِ، انْتَهَى.
وَإِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ أَوِ الصَّبِيَّةُ وَهُوَ صَائِمٌ فَإِنَّهُ يَتَمَادَى؛ لِأَنَّ صَوْمَهُ انْعَقَدَ نَافِلَةً ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، فَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَهُوَ كَالْحَائِضِ، قَالَهُ سَنَدٌ، أَيْ فَلَا يُسْتَحَبُّ لَهُ الْإِمْسَاكُ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ مَا مَضَى مِنْ رَمَضَانَ وَلَا قَضَاءُ الْيَوْمِ الَّذِي بَلَغَ فِيهِ، وَانْظُرْ اللَّخْمِيَّ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ.
ص: (وَتَعْجِيلُ الْقَضَاءِ) ش: تَصَوُّرُهُ ظَاهِرٌ.
(مَسْأَلَةٌ) : قَالَ فِي النَّوَادِرِ: وَإِذَا لَمْ يَزَلْ مَرِيضًا مِنَ الْأَوَّلِ إِلَى انْقِضَاءِ الثَّانِي، فَلْيَبْدَأْ إِذَا أَفَاقَ بِالْأَوَّلِ، فَإِنْ بَدَأَ بِالثَّانِي أَجَزَأَهُ، انْتَهَى.
ص: (وَبَدْءٌ بِكصُومِ تَمَتُّعٍ إِنْ لَمْ يَضِقِ الْوَقْتُ) ش: قَالَ فِي النَّوَادِرِ: وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ صِيَامُ ظِهَارٍ وَقَضَاءُ رَمَضَانَ بَدَأَ بِأَيِّهِمَا
شَاءَ، إِلَّا أَنْ لَا يُدْرِكَهُمَا قَبْلَ رَمَضَانَ، فَلْيَبْدَأْ بِقَضَاءِ رَمَضَانَ قَبْلَ نَذْرِهِ، انْتَهَى.
ص: (وَفِدْيَةٌ لِهَرِمٍ وَعَطِشٍ) ش: الْمُرَادُ بِالْهَرِمِ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى الصَّوْمِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، وَأَمَّا الَّذِي يَقْدِرُ عَلَيْهِ فِي زَمَنٍ دُونَ زَمَنٍ، فَيُؤَخَّرُ لِلزَّمَنِ الَّذِي يَقْدِرُ فِيهِ عَلَى الصَّوْمِ، وَلَا قَائِلَ فِي الْمَذْهَبِ بِأَنَّهُ يُطْعِمُ، انْظُرْ الجَزُولِيَّ.
(فَرْعٌ) : قَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْوَقَارِ فِي المُسْتَعْطِشِ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْرَبَ إِذَا بَلَغَ الْجُهْدُ مِنْهُ، وَلَا يُعِدِ الشُّرْبَ إِلَى غَيْرِهِ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ.
ص: (وَصِيَامُ ثَلَاثَةٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَكَرِهَ كَوْنَهَا الْبِيضَ كَسِتَّةٍ مِنْ شَوَّالٍ) ش: قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ كُلَّهُ» فَكَرِهَ مَالِكٌ رحمه الله ذَلِكَ مَخَافَةَ أَنْ يُلْحِقَ بِرَمَضَانَ مَا لَيْسَ مِنْهُ أَهْلُ الْجَهَالَةِ وَالْجَفَاءِ، وَأَمَّا الرَّجُلُ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ فَلَا يُكْرَهُ لَهُ صِيَامُهَا، وَكَذَلِكَ كَرِهَ مَالِكٌ رحمه الله أَنْ يَتَعَمَّدَ صِيَامَ الْأَيَّامِ الْبِيضِ وَهُوَ يَوْمُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ وَخَمْسَةَ عَشَرَ، عَلَى مَا رُوِيَ فِيهَا مَخَافَةَ أَنْ يَجْعَلَ صِيَامَهَا وَاجِبًا، وَرُوِيَ أَنَّ صِيَامَ الْأَيَّامِ الْغُرِّ وَهِيَ أَوَّلُ يَوْمٍ، وَيَوْمِ عَشْرٍ، وَيَوْمِ عِشْرِينَ صِيَامُ الدَّهْرِ، وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ صَوْمَ مَالِكٍ رحمه الله، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي فَرْضِ الْعَيْنِ: الْمُرَغَّبُ فِيهِ مِنَ الشُّهُورِ الْمُحَرَّمُ وَرَجَبٌ وَشَعْبَانُ، وَمِنَ الْأَيَّامِ سِتٌّ مِنْ شَوَّالٍ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا تُوصَلَ بِيَوْمِ الْفِطْرِ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: وَفِي مُسْلِمٍ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ» ، الْحَدِيثُ. وَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ صِيَامَهَا فِي غَيْرِهِ خَوْفًا مِنْ إِلْحَاقِهَا رَمَضَانَ عِنْدَ الْجُهَّالِ، وَإِنَّمَا عَيَّنَهُ الشَّرْعُ مِنْ شَوَّالٍ لِلْخِفَّةِ عَلَى الْمُكَلَّفِ بِقُرْبِهِ مِنَ الصَّوْمِ، وَإِلَّا فَالْمَقْصُودُ حَاصِلٌ مِنْ غَيْرِهِ فَيَشْرَعُ التَّأْخِيرُ جَمْعًا بَيْنَ الْمَصْلَحَتَيْنِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ لِأَنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا فَالشَّهْرُ بِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ وَالسِّتَّةُ بِسِتِّينَ كَمُلَتْ السَّنَةُ، فَإِذَا تَكَرَّرَ ذَلِكَ فِي السِّنِينَ فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ، وَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ صِيَامَ ثَلَاثَةٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَكَانَ يَصُومُهَا؛ أَوَّلَهُ وَعَاشَرَهُ، وَالْعِشْرِينَ، وَهِيَ الْأَيَّامُ الْغُرُّ، وَاخْتَارَ أَبُو الْحَسَنِ تَعْجِيلَهَا أَوَّلَهُ وَهِيَ صِيَامُ الدَّهْرِ، انْتَهَى.
وَفِي الْعُمْدَةِ لِابْنِ عَسْكَرٍ: وَيُسْتَحَبُّ صِيَامُ الْبِيضِ وَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَيَوْمِ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ، انْتَهَى.
وَقَالَ الشَّبِيْبِيُّ: إِنَّمَا كَرِهَهَا مَالِكٌ مَخَافَةَ أَنْ تَلْحَقَ بِرَمَضَانَ، وَأَمَّا الرَّجُلُ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ فَلَا يُكْرَهُ لَهُ صِيَامُهَا، وَاسْتُحِبَّ صِيَامُهَا فِي غَيْرِ شَوَّالٍ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْ تَضَاعُفِ أَيَّامِهَا وَأَيَّامِ رَمَضَانَ حَتَّى تَبْلُغَ عِدَّةَ الْأَيَّامِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:«مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ كُلَّهُ» وَصِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ بِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ، وَصِيَامُ سِتَّةِ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالٍ بِشَهْرَيْنِ، فَذَلِكَ صِيَامُ سَنَةٍ، وَمَحَلُّ تَعْيِينهَا فِي شَوَّالٍ عَلَى التَّخْفِيفِ فِي حَقِّ الْمُكَلَّفِ لِاعْتِيَادِهِ الصِّيَامَ لَا لِتَخْصِيصِ حُكْمِهَا بِذَلِكَ؛ إِذْ لَوْ صَامَهَا فِي عَشَرِ ذِي الْحِجَّةِ لَكَانَ ذَلِكَ أَحْسَنَ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ مَعَ حِيَازَةِ فَضَلِ الْأَيَّامِ الْمَذْكُورَةِ وَالسَّلَامَةِ مِمَّا اتَّقَاهُ مَالِكٌ، انْتَهَى.
وَنُقِلَ فِي التَّوْضِيحِ قَوْلُهُ: لَوْ صَامَهَا فِي عَشَرِ ذِي الْحِجَّةِ إِلَخ، عَنِ الْجَوَاهِرِ. وَقَالَ فِي الْعَارِضَةِ: وَصْلُ الصَّوْمِ بِأَوَائِلِ شَوَّالٍ مَكْرُوهٌ جِدًّا؛ لِأَنَّ النَّاسَ صَارُوا يَقُولُونَ تَشْيِيعُ رَمَضَانَ، وَكَمَا لَا يُتَقَدَّمُ لَا يُشَيَّعُ، وَمَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَسِتَّةَ أَيَّامٍ كَمَنْ صَامَ الدَّهْرَ قَطْعًا لِقَوْلِهِ:{مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [الأنعام: 160] كَانَ مِنْ شَوَّالٍ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا كَانَ مِنْ غَيْرِهِ أَفْضَلُ وَمِنْ أَوْسَطِهِ أَفْضَلُ مِنْ أَوَّلِهِ وَهَذَا بَيِّنٌ، وَهُوَ أَحْوَطُ لِلشَّرِيعَةِ وَأَذْهَبُ لِلْبِدْعَةِ.
وَرَوَى ابْنُ الْمُبَارَكِ وَالشَّافِعِيُّ أَنَّهَا مِنْ أَوَّلِ شَوَّالٍ، وَلَسْتُ أَرَاهُ، وَلَوْ عَلِمْتُ مَنْ يَصُومُهَا مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ وَمَلَكْتُ الْأَمْرَ أَدَّبْتُهُ وَشَرَدْتُ بِهِ، وَأَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ بِمِثْلِ هَذِهِ الْفِعْلَةِ غَيَّرُوا دِينَهُمْ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ إِثْرَ كَلَامِهِ السَّابِقِ: سُؤَالٌ فِي قَوْلِهِ: فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ يُشْتَرَطُ فِي التَّشْبِيهِ الْمُسَاوَاةُ أَوِ الْمُقَارَبَةُ، وَهَهُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ، وَالْأَجْرُ عَلَى قَدْرِ الْعَمَلِ وَلَا مُدَانَاةَ بَيْنَ عُشْرِ الشَّيْءِ وَكُلِّهِ، جَوَابُهُ: مَعْنَاهُ فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ لَوْ كَانَ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ.
(تَنْبِيهٌ) : هَذَا الْأَجْرُ مُخْتَلِفٌ: فَخَمْسَةُ أَسْدَاسِهِ النَّاشِئَةُ عَنْ رَمَضَانَ أَعْظَمُ أَجْرًا؛ لِكَوْنِهَا ثَوَابَ الْوَاجِبِ، وَسُدْسُهُ ثَوَابُ النَّفْلِ.
وَإِنَّمَا قَالَ: (بِسِتٍّ)، وَلَمْ يَقُلْ: بِسِتَّةٍ، وَهُوَ الْأَصْلُ لِوُجُوبِ تَأْنِيثِ الْمُذَكَّرِ فِي الْعَدَدِ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ تُغَلِّبُ اللَّيَالِيَ عَلَى الْأَيَّامِ لِسَبْقِهَا. انْتَهَى كَلَامُ الذَّخِيرَةِ.
(فَرْعٌ) : مِنَ الْمَكْرُوهِ: الْوِصَالُ، وَالدُّخُولُ عَلَى الْأَهْلِ، وَالنَّظَرُ إِلَيْهِنَّ، وَفُضُولُ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ، وَإِدْخَالُ الْفَمِ كُلَّ رَطْبٍ لَهُ طَعْمٌ، وَالْإِكْثَارُ مِنَ النَّوْمِ بِالنَّهَارِ. نَقَلَهَا الْقَاضِي عِيَاضٌ وَابْنُ جُزَيٍّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ص: (وَذَوْقُ مِلْحٍ وَعِلْكٍ ثُمَّ يَمُجُّهُ) ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَيُكْرَهُ لَهُ ذَوْقُ الْمِلْحِ وَالطَّعَامِ، وَمَضْغُهُ وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ إِلَى جَوْفِهِ، وَمَضْغُ الْعِلْكِ. أَبُو الْحَسَنِ: يَعْنِي لِيُدَاوِيَ بِهِ شَيْئًا، يَدُلُّ عَلَيْهِ مُقَارَنَتُهُ مَعَ مَا قَبْلَهُ، وَيَعْنِي أَيْضًا إِذَا مَضَغَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَأَمَّا لَوْ مَضَغَهُ مِرَارًا وَابْتَلَعَ رِيقَهُ، فَلَا شَكَّ أَنَّهُ يُفْطِرُ؛ لِأَنَّهُ يَبْتَلِعُ بَعْضَ أَجْزَائِهِ مَعَ رِيقِهِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا مُقَارَنَتُهُ مَعَ الْمِلْحِ وَالطَّعَامِ، انْتَهَى مِنْ أَبِي الْحَسَنِ الْكَبِيرِ.
وَفِي الصَّغِيرِ يَعْنِي إِذَا مَضَغَهُ لِيَجْعَلَهُ فِي مَوْضِعٍ، وَأَمَّا لِيَبْتَلِعَ الرِّيقَ فَإِنَّهُ يُفْطِرُ؛ لِأَنَّ الْكَرَاهَةَ إِنَّمَا هِيَ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْكَبِيرِ قَبْلَ مَا تَقَدَّمَ: الْكَرَاهَةُ عَلَى التَّنْزِيهِ، وَإِنَّمَا كُرِهَ مَخَافَةَ أَنْ يَصِلَ إِلَى حَلْقِهِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَحَاصِلُهُ: إِذَا ابْتَلَعَ رِيقَهُ فَإِنَّهُ يُفْطِرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وفِي النَّوَادِرِ عَنِ الْمَجْمُوعَةِ: قَالَ ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ: وَأَكْرَهُ لِلصَّائِمِ مَضْغَ الطَّعَامِ لِلصَّبِيِّ، وَلَحْسَ الْمِدَادِ، فَإِنْ دَخَلَ جَوْفَهُ مِنْهُ شَيْءٌ فَلْيَقْضِ، وَمَنْ صَامَ مِنَ الصِّبْيَانِ فَلْيَجْتَنِبْ ذَلِكَ كُلَّهُ. وَيَذُوقُ الصَّائِمُ الْمِلْحَ وَالْعَسَلَ، وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ جَوْفَهُ. قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: وَإِنْ وَصَلَ مِنْهُ إِلَى جَوْفِهِ مِنْ غَيْرِ تَعَمُّدٍ فَلْيَقْضِ، وَإِنَّ تَعَمَّدَ فَلْيُكَفِّرْ، قَالَ أَشْهَبُ: وَأَكْرَهُ لَهُ لَحْسَ الْمِدَادِ، وَمَضْغَ الْعِلْكِ، وَذَوْقَ الْقِدْرِ وَالْعَسَلِ فِي الْفَرْضِ وَالنَّافِلَةِ. وَمِنْ كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ: وَيُكْرَهُ لَهُ ذَوْقُ الْخَلِّ وَالْعَسَلِ، وَمَضْغُ اللِّبَانِ وَالْعِلْكِ، وَلَمْسُ الْعَقِبِ، وَلَحْسُ الْمِدَاد، وَالْمَضْغُ لِلصَّبِيِّ، فَإِنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ مَجَّهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، فَإِنَّ جَازَ مِنْهُ شَيْءٌ إِلَى حَلْقِهِ سَاهِيًا فَلْيَقْضِ، وَإِنْ تَعَمَّدَ فَلْيُكَفِّرْ وَيَقْضِ.
وَكُلُّ مَا يَلْزَمُ فِيهِ الْكَفَّارَةُ فِي رَمَضَانَ مِنْ هَذَا أَوْ غَيْرِهِ فَفِيهِ فِي التَّطَوُّعِ الْقَضَاءُ، وَكُلُّ مَا لَيْسَ فِيهِ إِلَّا الْقَضَاءُ فِي رَمَضَانَ فَلَيْسَ فِيهِ فِي التَّطَوُّعِ قَضَاءٌ، وَأَمَّا قَضَاءُ رَمَضَانَ وَكُلِّ صَوْمٍ وَاجِبٍ فَفِيهِ الْقَضَاءُ فِي هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ، انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: وَلَمْسُ الْعَقِبِ مِثْلُ قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ بَعْدَمَا تَقَدَّمَ: أَوْ يَلْمِسُ الْأَوْتَارَ بِفِيهِ، أَوْ يَمْضُغُهَا، قَالَ فِي الصِّحَاحِ: وَالْعَقَبُ - بِالتَّحْرِيكِ - الْعَصَبُ الَّذِي يُعْمَلُ مِنْهُ الْأَوْتَارُ، الْوَاحِدَةُ عَقْبَةٌ، تَقُولُ مِنْهُ: عَقَّبْتُ السَّهْمَ وَالْقَدَحَ وَالْقَوْسَ، إِذَا لَوَيْتَ شَيْئًا مِنْهُ عَلَيْهِ، انْتَهَى.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْعَقَبِ وَالْعَصَبِ: أَنَّ الْعَصَبَ يَضْرِبُ إِلَى الصُّفْرَةِ، وَالْعَقَبَ يَضْرِبُ إِلَى الْبَيَاضِ.
ص: (وَمُدَاوَاةُ حَفَرٍِ زَمَنَهُ) ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ إِثْرَ الْكَلَامِ الْمُتَقَدِّمِ: أَوْ يُدَاوِي الْحَفْرَ فِي فِيهِ وَيَمُجُّ الدَّوَاءَ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِيهَا كَرَاهَةُ مُدَاوَاةِ الْحَفْرِ فِي فِيهِ. الشَّيْخُ عَنْ أَشْهَبَ: إِنْ كَانَ فِي صَبْرِهِ لِلَّيْلِ ضَرَرٌ فَلَا بَأْسَ بِهِ نَهَارًا. ابْنُ حَبِيبٍ: عَلَيْهِ الْقَضَاءُ؛ لِأَنَّ الدَّوَاءَ يَصِلُ لِحَلْقِهِ. الْبَاجِيُّ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ عِنْدِي كَالْمَضْمَضَةِ، وَلَوْ بَلَغَ جَوْفَهُ غَلَبَةً قَضَى، وَعَمَدًا كَفَّرَ. وَكَذَا مَا ذكَرَهُ ابْنُ زَرْقُونَ، فَيَصِيرُ الْمُبَاحُ وَالْمَكْرُوهُ سَوَاءَ إِنْ سَلِمَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَفِي الْغَلَبَةِ الْقَضَاءُ، وَفِي الْعَمْدِ الْكَفَّارَةُ. ابْنُ حَبِيبٍ: إِنْ وَصَلَ حَلَقَهُ قَضَى، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: كَرِهَ مَالِكٌ ذَوْقَ الْأَطْعِمَةِ، وَوَضْعَ الدَّوَاءِ فِي الْفَمِ لِلْحَفَرِ
أَوْ عَقْبًا أَوْ غَيْرَهُ. قَالَ سَنَدٌ: فَإِنْ وَجَدَ طَعْمَهُ فِي حَلْقِهِ وَلَمْ يَتَيَقَّنْ الِازْدِرَادَ فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ إِفْطَارُهُ، خِلَافًا لِلشَّافِعِيَّةِ، وَقَاسُوا الطَّعْمَ عَلَى الرَّائِحَةِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الرَّائِحَةَ لَا تَسْتَصْحِبُ مِنَ الْجِسْمِ شَيْئًا بِخِلَافِ الطَّعْمِ، انْتَهَى.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: الْحَفَرُ - بِسُكُونِ الْفَاءِ وَفَتْحِهَا - وَحَكَاهُمَا فِي الصِّحَاحِ، وَهُوَ تَزْلِيعٌ فِي أُصُولِ الْأَسْنَانِ، قَالَ فِي الصِّحَاحِ: يُقَالُ: حَفَرَتْ أَسْنَانُهُ، إِذَا فَسَدَتْ أُصُولُهَا.
ص: (وَمُقَدِّمَةُ جِمَاعٍ كَقُبْلَةٍ وَفِكْرٍ إِنْ عُلِمَتِ السَّلَامَةُ، وَإِلَّا حَرُمَتْ) ش: ذَكَرَ أَدْنَاهَا وَهُوَ الْفِكْرُ، وَوَاحِدًا مِنْ أَعْلَاهَا وَهُوَ الْقُبْلَةُ؛ لِيُعْلَمَ الْحَكَمُ فِي بَقِيَّتِهَا، فَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى الْأَعْلَى لَتُوُهِّمَ أَنَّ الْأَدْنَى جَائِزٌ، وَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ تُوُهِّمَ أَنَّ الْأَعْلَى مُحَرَّمٌ مُطْلَقًا.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ: إِنْ عُلِمَتِ السَّلَامَةُ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: مِنَ الْمَذْيِ وَالْمَنِيِّ. وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُوقٌ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ فِي قَوْلِهِ: وَالْقُبْلَةُ وَالْمُلَاعَبَةُ: وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ كَرَاهَةِ الْقُبْلَةِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا هُوَ الْمَشْهُورُ، إِنْ عُلِمَتِ السَّلَامَةُ مِنَ الْمَنِيِّ وَالْمَذْيِ والإِنْعَاظِ، وَإِنْ عُلِمَ نَفْيُهَا أَوِ اخْتَلَفَ حَالُهُ حَرُمَتْ، وَكَذَا إِنَّ شَكَّ، عَلَى الْأَرْجَحِ مِنْ قَوْلَيْنِ حَكَاهُمَا ابْنُ بَشِيرٍ بِالْكَرَاهَةِ وَالتَّحْرِيمِ، وَلَا قَضَاءَ فِي مَجْرَّدِهَا. فَإِنْ أَنْعَظَ أَوْ أَمْذَى قَضَى عَلَى الْمَشْهُورِ، وَإِنْ أَمْنَى قَضَى وَكَفَّرَ عَلَى الْمَشْهُورِ، انْتَهَى.
وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْفِكْرِ هُوَ الَّذِي ارْتَضَاهُ فِي تَوْضِيحِهِ آخِرًا، فَإِنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: والمَبَادِئُ كَالْفِكْرِ وَالنَّظَرِ وَالْقُبْلَةِ وَالْمُبَاشَرَةِ وَالْمُلَاعَبَةِ إِنْ عُلِمَتِ السَّلَامَةُ لَمْ تَحْرُمْ، وَإِنْ عُلِمَ نَفْيُهَا حَرُمَتْ، وَإِنْ شَكَّ فَالظَّاهِرُ التَّحْرِيمُ.
قَالَ: لَمْ يَذْكُرِ اللَّخْمِيُّ وَابْنُ بَشِيرٍ التَّفْصِيلَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ إِلَّا فِي الْمُلَاعَبَةِ وَالْمُبَاشَرَةِ وَالْقُبْلَةِ، وَأَمَّا النَّظَرُ وَالْفِكْرُ فَنَصَّ ابْنُ بَشِيرٍ عَلَى أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُسْتَدَامَا لَمْ يَحْرُمَا اتِّفَاقًا. وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ كَلَامَ ابْنِ بَشِيرٍ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا عُلِمَتِ السَّلَامَةُ، وَإِلَّا فَبَعِيدٌ أَنْ يُقَالَ بِالْجَوَازِ مَعَ كَوْنِهِ يَعْلَمُ أَنَّهُ يُمَنِي أَوْ يُمْذِي، انْتَهَى.
وَقَالَ قَبْلَهُ: قَوْلُهُ لَمْ تَحْرُمْ، نَفْيُهُ التَّحْرِيمَ لَا يَقْتَضِي الْكَرَاهَةَ وَلَا الْإِبَاحَةَ، وَقَدْ كَرِهُوا ذَلِكَ فِي الْمَشْهُورِ، وَقَدْ جَعَلُوا مَرَاتِبَ الْكَرَاهَةِ تَتَفَاوَتُ بِالْأَشَدِّيَّةِ عَلَى نَحْوِ مَا رَتَّبَ الْمُؤَلِّفُ المَبَادِئَ، فَالْفِكْرُ أَخَفُّهَا، وَأَشَدُّهَا الْمُلَاعَبَةُ، انْتَهَى.
ص: (وَحِجَامَةُ مَرِيضٍ فَقَطْ) ش: وَمِثْلُهَا الْفِصَادَةُ. قَالَ فِي الْإِرْشَادِ: وَتُكْرَهُ الْفِصَادَةُ وَالْحِجَامَةُ، قَالَ الشَّيْخُ زَرُوقٌ: الْعِلَّةُ فِي كَرَاهَتِهَا وَاحِدَةٌ، وَهِيَ التَّغْرِيرُ، انْتَهَى.
وَهَذَا فِيمَنْ يُجْهَلُ حَالُهُ. وَأَمَّا مَنْ يَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ السَّلَامَةَ فَهِيَ جَائِزَةٌ بِاتِّفَاقٍ، وَعَكْسُهُ عَكْسُهُ، قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِ هَذَا - أَعْنِي إِذَا لَمْ يَعْلَمْ مِنْ نَفْسِهِ السَّلَامَةَ - بِأَنْ لَا يَكُونَ التَّأْخِيرُ يَضُرُّ بِهِ، وَإِلَّا وَجَبَ عَلَيْهِ فِعْلُ ذَلِكَ وَإِنْ أَدَّى إِلَى الْفِطْرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) : قَالَ فِي التَّوْضِيحِ الْبَاجِيُّ: فَإِنِ احْتَجَّ أَحَدٌ عَلَى تَغْرِيرٍ ثُمَّ احْتَاجَ إِلَى الْفِطْرِ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَمَّدِ
الْفِطْرَ، انْتَهَى.
ص: (وَتَطَوُّعٌ قَبْلَ نَذْرٍ أَوْ قَضَاءٍ) ش: يَعْنِي أَنَّهُ يُكْرَهُ التَّطَوُّعُ بِالصَّوْمِ لِمَنْ عَلَيْهِ نَذْرٌ مِنَ الصِّيَامِ، أَوْ عَلَيْهِ قَضَاءُ رَمَضَانَ، وَهَذَا فِي النَّذْرِ الْمَضْمُونِ، وَأَمَّا النَّذْرُ الْمُعَيَّنُ فَإِذَا جَاءَ زَمَنُهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ التَّطَوُّعُ فِيهِ، فَإِنْ فَعَلَ أَثِمَ وَلَزِمَهُ الْقَضَاءُ، قَالَهُ فِي جَامِعِ الْأُمَّهَاتِ لِلثَّعَالِبِيِّ، نَاقِلًا لَهُ عَنِ الْمُنْتَقَى، وَيُفْهَمُ مِنْهُ: أَنَّ التَّطَوُّعَ بِالصَّوْمِ قَبْلَ النَّذْرِ الْمُعَيَّنِ إِذَا لَمْ يَجِئْ زَمَنُهُ لَا يُكْرَهُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ.
(تَنْبِيهَاتٌ) :
الْأَوَّلُ: الظَّاهِرُ أَنَّ كُلَّ صَوْمٍ وَاجِبٍ فِي مَعْنَى النَّذْرِ، كَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ، وَمِنْ كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ الْآتِي.
الثَّانِي: قَالَ فِي الطِّرَازِ فَإِنْ تَطَوَّعَ صَحَّ صَوْمُهُ، قَالَ ابْنٌ نَافِعٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ: يَتِمُّ تَطَوُّعَهُ ثُمَّ يَقْضِي مَا عَلَيْهِ، وَقَدْ أَخْطَأَ فِي تَطَوُّعِهِ قَبْلَهُ، وَهَذَا بَيِّنٌ؛ فَإِنَّ الزَّمَانَ صَالِحٌ لِلتَّطَوُّعِ وَغَيْرِهِ، فَأَيُّهُمَا وَقَعَ صَحَّ. وَإِنَّمَا كَانَ الْقَضَاءُ أَوْجَبَ؛ لِأَنَّ الذِّمَّةَ مُرْتَهِنَةٌ بِهِ، فَيَسْعَى فِي بَرَاءَتِهَا ثُمَّ يَتَطَوَّعُ بِمَا أَحَبَّ، انْتَهَى. وَهَذَا كَلَامُ صَاحِبِ الطِّرَازِ الَّذِي أَشَرْنَا إِلَيْهِ.
الثَّالِثُ: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَاخْتُلِفَ فِي الْمُتَأَكِّدِ مِنْ نَافِلَةِ الصَّوْمِ كَعَاشُورَاءَ: هَلِ الْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْضِيَ فِيهِ رَمَضَانَ؟ وَيُكْرَهُ أَنْ يَصُومَهُ تَطَوُّعًا، وَهُوَ قَوْلُهُ فِي سَمَاعٍ ابْنِ وَهْبٍ؟ أَوْ هُوَ مُخَيَّرٌ؟ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ حَكَاهَا فِي الْبَيَانِ. أَمَّا مَا دُونُ ذَلِكَ مِنْ تَطَوُّعِ الصِّيَامِ، فَالْمَنْصُوصُ كَرَاهَةُ فِعْلِهِ قَبْلَ الْقَضَاءِ، انْتَهَى.
(قُلْتُ) : وَالْمَسْأَلَةُ فِي رَسْمِ الْمُحَرَّمِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الصِّيَامِ، وَأَطَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِيهَا الْكَلَامَ، وَقَالَ: إِنَّ هَذَا كُلَّهُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ قَضَاءَ رَمَضَانَ عَلَى التَّرَاخِي، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ - وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ - فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَصُومَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ إِذَا كَانَ عَلَيْهِ قَضَاءُ رَمَضَانَ. قَالَ: فَيَأْتِي فِي الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَجَائِزٌ أَنْ يَقْضِيَ رَمَضَانَ فِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، انْتَهَى.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: اسْتَحَبَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنْ يَقْضِيَ رَمَضَانَ فِي عَشَرِ ذِي الْحِجَّةِ، وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَسَالِمُ. قَالَ: وَيَقْضِي فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ. قَالَ ابْنُ يُونُسَ: إِنَّمَا اسْتَحَبُّوا ذَلِكَ لِفَضْلِهَا، فَإِذَا لَمْ يَكُنِ التَّطَوُّعُ قَضَى فِيهَا الْوَاجِبَ، انْتَهَى.
ص: (وَإِلَّا تَخَيَّرَ) ش: هَذَا الْقَوْلُ الَّذِي صَدَرَ بِهِ فِي الشَّامِل، وَفَرَّعَ
عَلَيْهِ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَمُقَابِلُهُ: يَصُومُ السَّنَةَ كُلَّهَا. قَالَ أَبُو الْحَسَنِ فِي شَرْحِهِ الْكَبِيرِ: ثُمَّ إِذَا فَرَّعْنَا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ إِنَّمَا يَصُومُ شَهْرًا وَاحِدًا، فَلَوْ شَكَّ فِي الشَّهْرِ الَّذِي هُوَ فِيهِ: هَلْ هُوَ شَعْبَانُ أَوْ رَمَضَانُ؟ فَإِنَّهُ يَصُومُ شَهْرَيْنِ: الَّذِي هُوَ فِيهِ؛ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ رَمَضَانَ، وَالَّذِي يَلِيهِ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ شَعْبَانَ، وَإِنْ شَكَّ فِي الشَّهْرِ الَّذِي هُوَ فِيهِ: هَلْ هُوَ رَمَضَانُ أَوْ شَوَّالُ؟ صَامَ الَّذِي هُوَ فِيهِ لَا أَكْثَرَ، فَإِنْ كَانَ رَمَضَانَ فَقْدْ صَامَهُ، وَإِنْ كَانَ شَوَّالًا كَانَ قَضَاءً، وَإِنَّ شَكَّ هَلْ هُوَ شَعْبَانُ أَوْ رَمَضَانُ أَوْ شَوَّالُ؟ صَامَ شَهْرَيْنِ: الَّذِي هُوَ فِيهِ، وَالَّذِي يَلِيهِ، انْتَهَى، وَأَصْلُهُ لِلَّخْمِيِّ، وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَقَالَ فِيمَا إِذَا شَكَّ هَلْ هُوَ رَمَضَانُ أَوْ شَوَّالُ؟: وَقُلْنَا يَصُومُ الَّذِي هُوَ فِيهِ فَقَطْ. يُرِيدُ فَإِنْ سَاوَى عَدَدُهُ عَدَدَ مَا قَبْلَهُ قَضَى يَوْمًا، وَإِنْ كَانَ شَهْرُهُ أَقَلَّ قَضَى يَوْمَيْنِ وَإِلَّا فَلَا قَضَاءَ، انْتَهَى.
ص: (أَوْ بَقِيَ عَلَى شَكِّهِ) ش: الَّذِي جَزَمَ بِهِ اللَّخْمِيُّ: أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ شَيْءٌ، وَلَا حَدَثَ أَمْرٌ يُشَكِّكُهُ سِوَى مَا كَانَ عَلَيْهِ أَجَزَأَهُ، وَإِنْ شَكَّ هَلْ كَانَ رَمَضَانَ أَوْ بَعْدَهُ؟ أَوْ شَكَّ هَلْ كَانَ رَمَضَانَ أَوْ قَبْلَهُ؟ قَضَاهُ، انْتَهَى.
(فَرْعٌ) : قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَإِنْ صَامَ الْأَسِيرُ شَهْرًا تَطَوُّعًا ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ رَمَضَانَ لَمْ يُجْزِئْهُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَيَجْرِي فِيهِ قَوْلٌ آخَرٌ، أَنَّهُ يُجْزِئُهُ، قِيَاسًا عَلَى قَوْلِهِ فِيمَنْ صَامَ رَمَضَانَ عَنْ عَامٍ فَرَّطَ فِيهِ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ عَنِ الْعَامِ الَّذِي هُوَ فِيهِ، وَلَا يَضُرُّ مَا نَوَى؛ لِأَنَّهُ مُسْتَحِقُّ الْعَيْنِ، انْتَهَى.
وَرَدَّهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِأَنَّ نِيَّةَ قَضَاءِ الْوَاجِبِ أَقْرَبُ لِأَدَائِهِ مِنْ نِيَّةِ تَطَوُّعِهِ، انْتَهَى.
وَالْأَوَّلُ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، وَسَمِعَ عِيسَى بْنُ الْقَاسِمِ مَنْ كَانَ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ فَعُمِّيَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ، وَكَانَ عَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرِ نَذْرٍ، فَصَامَ رَمَضَانَ لِنَذْرِهِ وَهُوَ لَا يَرَاهُ رَمَضَانَ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ، قَالَ: لَا يُجْزِيهِ لِرَمَضَانَ وَلَا لِنَذْرِهِ. ابْنُ رُشْدٍ: أَمَّا رَمَضَانُ فَلِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِهْ، وَأَمَّا نَذْرُهُ فَيَدْخُلُ فِيهِ الْخِلَافُ مِنْ مَسْأَلَةِ مَنْ صَامَ رَمَضَانَ قَضَى عَنْ غَيْرِهِ، انْتَهَى.
ص: (وَفِي مُصَادَفَتِهِ تَرَدُّدٌ) ش: الَّذِي قَطَعَ بِهِ اللَّخْمِيُّ الْإِجْزَاءُ، وَحَكَاهُ كَأَنَّهُ الْمَذْهَبُ، وَهُوَ الَّذِي جَزَمَ بِهِ فِي الطِّرَازِ، وَعَزَا مُقَابِلَهُ لِلْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ، وَرَدَّهُ، وَقَالَ: إِنَّهُ فَاسِدٌ، وَلَيْسَ شَكُّهُ فِي رَمَضَانَ كَشَكِّهِ فِي يَوْمِ الشَّكِّ. وَقَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّهُ إِذَا شَكَّ فِي هِلَالِ شَوَّالٍ: أَنَّهُ يَصُومُهُ وَيُجْزِيهِ.
ص: (وَصِحَّتُهُ مُطْلَقًا بِنِيَّةٍ مُبَيَّتَةٍ، أَوْ مَعَ الْفَجْرِ) ش: يَعْنِي أَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ الصَّوْمِ مُطْلَقًا - أَيْ فَرْضًا كَانَ أَوْ نَفْلًا مُعَيَّنًا أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ - أَنْ يَكُونَ بِنِيَّةٍ، لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:«إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ. وَقَوْلُهُ: «لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ» رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ، وَلَا يُقَالُ: الصَّوْمُ لَيْسَ بِعَمَلٍ فَلَا يَتَنَاوَلُهُ الْحَدِيثُ وَإِنَّمَا هُوَ كَفٌّ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: الْكَفُّ عَمَلٌ، وَلِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم حِكَايَةً عَنْ رَبِّهِ:«كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصَّوْمُ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ» ، وَقَوْلُ الطَّحَاوِيِّ: إِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُنْقَطِعٌ - بَعِيدٌ، قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ. وَيُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الصَّوْمِ أَيْضًا أَنْ تَكُونَ النِّيَّةُ مُبَيَّتَةً مِنَ اللَّيْلِ لِلْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ، وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ اقْتِرَانُهَا مَعَ الْفَجْرِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي النِّيَّةِ أَنْ تَكُونَ مُقَارِنَةً لِأَوَّلِ الْعِبَادَةِ، وَإِنَّمَا جَوَّزَ الشَّرْعُ تَقْدِيمَهَا لِمَشَقَّةِ تَحْرِيرِ الِاقْتِرَانِ.
وَحَكَى فِي الْبَيَانِ قَوْلًا بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ إِيقَاعُهَا مَعَ الْفَجْرِ، وَقَالَ فِي فَرْضِ الْعَيْنِ، وَصِفَتُهَا: أَنْ تَكُونَ مُبَيَّتَةً مِنَ اللَّيْلِ لِلْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ، وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ اقْتِرَانُهَا مَعَ الْفَجْرِ لِلصَّوْمِ، سَوَاءً كَانَ صَوْمًا وَاجِبًا أَوْ تَطَوُّعًا أَوْ نَذْرًا أَوْ كَفَّارَةً، وَأَنْ تَكُونَ مُبَيَّتَةً مِنَ اللَّيْلِ، أَوْ مُقَارِنَةً لِلْفَجْرِ، وَأَنْ تَكُونَ جَازِمَةً مِنْ غَيْرِ تَرَدُّدٍ، وَيَنْوِيَ أَدَاءَ فَرْضِ رَمَضَانَ، انْتَهَى. قَالَ ابْنُ جُزَيٍّ: أَمَّا الْجَزْمُ فَيَتَحَرَّزُ بِهِ مِنْ
التَّرَدُّد، فَمَنْ نَوَى لَيْلَةَ الشَّكِّ صِيَامَ غَدٍ إِنْ كَانَ مِنْ رَمَضَانَ لَمْ يُجْزِهِ؛ لِعَدَمِ الْجَزْمِ. وَلَا يَضُرُّ التَّرَدُّدُ بَعْدَ حُصُولِ الظَّنِّ بِشَهَادَةٍ أَوْ بِاسْتِصْحَابٍ كَآخِرِ رَمَضَانَ أَوْ بِاجْتِهَادٍ كَالْأَسِيرِ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ، فِي تَرْجَمَةِ التَّبْيِيتِ فِي الصِّيَامِ، وَمِنَ الْمُخْتَصَرِ: قَالَ مَالِكٌ: وَالتَّبْيِيتُ أَنْ يَطْلَعَ الْفَجْرُ وَهُوَ عَازِمٌ عَلَى الصِّيَامِ، وَلَهُ قَبْلَ الْفَجْرِ أَنْ يَتْرُكَ وَيَعْزِمَ، فَإِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ فَهُوَ عَلَى آخَرِ مَا عَزَمَ عَلَيْهِ مِنْ فِطْرٍ أَوْ صِيَامٍ. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرٍ: وَإِذَا بَيَّتَ أَوَّلَ اللَّيْلِ الصَّوْمَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ ذَاكِرًا لِذَلِكَ إِلَى الْفَجْرِ. قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَمَنْ نَوَى أَنْ يُصْبِحَ صَائِمًا فَهُوَ بِالْخِيَارِ، إِنْ شَاءَ تَمَادَى، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ مَا لَمْ يَطْلَعِ الْفَجْرُ، انْتَهَى.
وَلَا تَكْفِي النِّيَّةُ نَهَارًا، خِلَافًا لِمَنْ أَجَازَ ذَلِكَ إِذَا لَمْ يَأْكُلْ. قَالَ فِي الْعَارِضَةِ: أَخْبَرَنَا الْخَطِيبُ أَبُو الْمُطَهِّرِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الحَجُنْدِيِّ فِي تَعْلِيلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ النِّيَّةَ هِيَ الْقَصْدُ، وَالْقَصْدُ إِلَى الْمَاضِي مُحَالٌ عَقَلًا، وَانْعِطَافُ النِّيَّةِ مَعْدُومٌ شَرْعًا، ثُمَّ ذَكَرَ عَنِ الحَجُنْدِيُّ أَنَّهُ أَجَازَ لِمَنْ أَكَلَ فِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ أَنْ يَنْوِيَ بَعْدَ ذَلِكَ النَّفْلَ صَوْمًا، قَالَ: وَهَذَا خَرْقٌ لِلْإِجْمَاعِ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: (فَرْعٌ) : وَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ النِّيَّةِ قَبْلَ اللَّيْلَةِ، وَهُوَ قَوْلُ الْكَافَّةِ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْبَيَانِ فِي سَمَاعِ عِيسَى: وَالَّذِي يُوجِبُهُ النَّظَرُ أَنَّ إِيقَاعَ النِّيَّةِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ لَيْلَةِ الصَّوْمِ لَا يَصِحُّ، لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:«لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ» .
(تَنْبِيهٌ) : قَالَ فِي الْمُقْدِّمَاتِ: الَّذِي يَلْزَمُ مِنَ النِّيَّةِ فِي صِيَامِ رَمَضَانَ اعْتِبَارُ الْقُرْبَةِ إِلَى اللَّهِ، بِأَدَاءِ مَا افْتُرِضَ عَلَيْهِ مِنَ اسْتِغْرَاقِ طَرَفَيِ النَّهَارِ بِالْإِمْسَاكِ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالْجِمَاعِ، انْتَهَى. وَلَهُ نَحْوُ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ، وَقَالَ فِيهِ: وَاسْتِشْعَارُ الْإِيمَانِ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ ذَلِكَ كُلِّهِ.
ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ سَهَا عَنِ اسْتِشْعَارِ الْإِيمَانِ لَمْ يَفْسُدْ عَلَيْهِ إِحْرَامُهُ؛ لِتَقَدُّمِ عِلْمِهِ بِهِ، قَالَ: وَكَذَلِكَ إِنْ سَهَا عَنْ أَنْ يَنْوِيَ الْوُجُوبَ، وَوُجُوبُ الصَّلَاةِ وَالْقَصْدُ إِلَى أَدَائِهَا وَالتَّقَرُّبُ بِهَا إِلَى اللَّهِ لَمْ يَفْسُدْ إِحْرَامُهُ إِذَا عَيَّنَ الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّ التَّعْيِينَ لَهَا يَقْتَضِي الْوُجُوبَ وَالْقُرْبَةَ وَالْأَدَاءَ لِتَقَدُّمِ عِلْمِهِ بِوُجُوبِ تِلْكَ الصَّلَاةِ، فَكَذَلِكَ هُنَا إِذَا نَوَى صَوْمَ رَمَضَانَ أَجَزَأَهُ؛ لِأَنَّ تَعْيِينَهُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ لِتَقَدُّمِ الْعِلْمِ بِهِ، إِلَى آخَرِ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) : قَالَ البَرْزَلِيُّ: مَنْ بَيَّتَ عَلَى صَوْمِ التَّطَوُّعِ، فَاسْتَيْقَظَ، فَظَنَّ طُلُوعَ الْفَجْرِ فَوَاقَعَ أَهْلَهُ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَطْلُعْ، فَالْأَوْلَى إِمْسَاكُ ذَلِكَ الْيَوْمِ. (قُلْتُ) : إِنْ كَانَ قَطْعُ النِّيَّةِ قَبْلَ الْفَجْرِ فَالِاسْتِحْبَابُ وَاضِحٌ إِذَا أَعَادَ النِّيَّةَ قَبْلَهُ؛ لِأَنَّهُ نَوَى عِبَادَةً فَالْأَوْلَى تَمَامُهَا، وَإِنْ لَمْ يُعِدِ النِّيَّةَ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ فَلَا فَائِدَةَ فِي تَمَامِ النَّهَارِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَنْوِيٍّ. وَأَمَّا لَوْ تَمَّ عَلَى نِيَّةِ أَوَّلِ النَّهَارِ، وَفَعَلَ الْوَطْءَ نِسْيَانًا أَوْ عَمْدًا وَاعْتَقَدَ أَنَّهُ غَيْرُ ضَارٍّ، فَالصَّوَابُ فِي هَذَا إِنْ تَمَادَتْ هَذِهِ النِّيَّةُ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ أَنَّهُ يَجِبُ تَمَامُهُ.
ص: (وَكَفَتْ نِيَّةٌ لِمَا يَجِبُ تَتَابُعُهُ) ش: يَعْنِي أَنَّ الصَّوْمَ الَّذِي يَجِبُ تَتَابُعُهُ يَكْفِي فِيهِ نِيَّةٌ وَاحِدَةٌ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ بَعْدِ الْغُرُوبِ، وَالصَّوْمُ الَّذِي يَجِبُ تَتَابُعُهُ هُوَ: رَمَضَانُ فِي حَقِّ الصَّحِيحِ، وَكَفَّارَةُ الْقَتْلِ وَالظِّهَارِ وَالْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ، وَالصَّوْمُ الْمَنْذُورُ، فَتَكْفِي فِي ذَلِكَ كُلِّهِ نِيَّةٌ وَاحِدَةٌ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْهُ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَعَنْ مَالِكٍ وُجُوبُ التَّبْيِيتِ كُلَّ لَيْلَةٍ. قَالَ فِي الْبَيَانِ: وَهُوَ شُذُوذٌ فِي الْمَذْهَبِ، انْتَهَى.
(تَنْبِيهَانِ) :
الْأَوَّلُ: فُهِمَ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ لِمَا يَجِبُ تَتَابُعُهُ أَنَّ الْمُسَافِرَ وَالْمَرِيضَ لَا بُدَّ لَهُمَا مِنَ التَّبْيِيتِ كُلَّ لَيْلَةٍ؛ لِأَنَّ التَّتَابُعَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِمَا، وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: لَا إِنِ انْقَطَعَ تَتَابُعُهُ.
الثَّانِي: قَوْلُهُ (وَكَفَتْ) يُشْعِرُ بِأَنَّ الْمَطْلُوبَ التَّبْيِيتُ كُلَّ لَيْلَةٍ، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَقَدْ صَرَّحَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي قَوَاعِدِهِ وَالشَّبِيْبِيُّ وَغَيْرُهُمَا: بِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَجْدِيدُ النِّيَّةِ لِكُلِّ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ص: (لَا مَسْرُودَ وَيَوْمٌ مُعِيَّنٌ، وَرُويْتُ عَلَى الِاكْتِفَاءِ فِيهِمَا) ش:
سَرْدُ الصَّوْمِ: تَتَابُعُهُ، قَالَهُ فِي الصِّحَاحِ. وَالْمَعْنَى: أَنَّ مَنْ عَزَمَ عَلَى سَرْدِ صَوْمِ أَيَّامٍ، أَوْ نَوَى صَوْمَ يَوْمٍ مُعَيَّنٍ كَيَوْمِ الِاثْنَيْنِ أَوِ الْخَمِيسِ دَائِمًا، أَوْ نَذَرَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ صَوْمُهُ إِلَّا بِنِيَّةٍ مُجَدِّدَةٍ كُلَّ لَيْلَةٍ، وَلَا يَكْتَفِي بِنِيَّةٍ وَاحِدَةٍ. وَدَخَلَ فِي ذَلِكَ: مَنْ أَرَادَ قَضَاءَ رَمَضَانَ مُتَتَابِعًا، وَمَنْ عَزَمَ عَلَى صَوْمِ رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ أَوْ فِي الْمَرَضِ، فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ تَجْدِيدِ النِّيَّةِ كُلَّ لَيْلَةٍ. وَعَنْ مَالِكٍ: أَنَّهُ يُجْزِئُهُ نِيَّةٌ وَاحِدَةٌ فِي الصَّوْمِ الَّذِي عَزَمَ عَلَى تَتَابُعِهِ، وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ الَّذِي نَوَى صَوْمَهُ أَوْ نَذْرَهُ.
(تَنْبِيهٌ) : تَأَمَّلْ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ: (رُويْتُ عَلَيْهَا) ، فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِي التَّوْضِيحَ مَنْ رَوَاهَا عَلَى الْقَوْلَيْنِ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ.
ص: (لَا إِنِ انْقَطَعَ تَتَابُعُهُ بِمَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ) ش: هَذَا مُخَرَّجٌ مِنْ قَوْلِهِ: (وَكَفَتْ نِيَّةٌ) لِمَا يَجِبُ تَتَابُعُهُ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، وَالتَّقْدِيرُ: لَا إِنِ انْقَطَعَ وُجُوبُ تَتَابُعِهِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ النِّيَّةَ إِنَّمَا تَكْفِي فِيمَا يَجِبُ تَتَابُعُهُ مَا لَمْ يَحْصُلْ فِيهِ مَا يَقْطَعُ وُجُوبَ التَّتَابُعِ كَالْمَرَضِ وَالسَّفْرِ، فَإِنْ حَصَلَ ذَلِكَ فِيهِ فَلَا تَكْفِي النِّيَّةُ السَّابِقَةُ، وَلَوْ أَرَادَ الْمُكَلَّفُ اسْتِمْرَارَهُ عَلَى الصَّوْمِ وَمُتَابَعَتَهُ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنَ التَّجْدِيدِ كُلَّ لَيْلَةٍ. قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَمَا ذَكَرَهُ - يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ - مِنَ الِاكْتِفَاءِ بِنِيَّةٍ وَاحِدَةٍ إِنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ الْحَاضِرِ، وَأَمَّا الْمُسَافِرُ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنَ التَّبْيِيتِ كُلَّ لَيْلَةٍ، قَالَهُ فِي العُتْبِيَّةِ. وَالْمَرِيضُ مُلْحَقٌ بِالْمُسَافِرِ. وَحَكَى سَنَدٌ قَوْلًا ثَانِيًا فِي الْمُسَافِرِ بِالِاكْتِفَاءِ بِنِيَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَأَشَارَ اللَّخْمِيُّ إِلَى أَنَّهُ يَتَخَرَّجُ عَلَى الْقَوْلِ بِالِاكْتِفَاءِ بِالنِّيَّةِ الْوَاحِدَةِ فِي السَّرْدِ، انْتَهَى.
(قُلْتُ) : وَتَخْرِيجُ اللَّخْمِيِّ ظَاهِرٌ، وَصَرَّحَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْبَيَانِ بِأَنَّ الِاكْتِفَاءَ بِالنِّيَّةِ الْأُولَى هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمَبْسُوطِ.
وَقَالَ الْفَاكِهَانِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: مَنْ نَوَى جَمِيعَ رَمَضَانَ مِنْ أَوَّلِهِ ثُمَّ سَافَرَ فِي أَثْنَائِهِ اخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ مَالِكٍ، فَقَالَ فِي الْمَبْسُوطِ: لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَجْدِيدِ نِيَّةٍ. وَقَالَ فِي العُتْبِيَّةِ: يَحْتَاجُ إِلَى تَجْدِيدِ النِّيَّةِ. وَاسْتَظْهَرَ فِي الْبَيَانِ الِاكْتِفَاءَ بِنِيَّةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ أَوَّلِهِ، وَنَصُّهُ فِي رَسْمٍ سَلَفَ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى: وَأَمَّا مَا كَانَ مِنَ الصِّيَامِ يَجُوزُ تَفْرِيقُهُ، كَقَضَاءِ رَمَضَانَ وَصِيَامِهِ فِي السَّفَرِ، وَصِيَامِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَفِدْيَةِ الْأَذَى، فَاخْتُلِفَ إِذَا نَوَى مُتَابَعَةَ ذَلِكَ هَلْ تُجْزِيهِ وَاحِدَةٌ فِي أَوَّلِهِ؟ أَوْ يَلْزَمُهُ تَجْدِيدُ النِّيَّةِ لِكُلِّ يَوْمٍ لِجَوَازِ الْفِطْرِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: الْأَظْهَرُ مِنْهُمَا أَنَّهُ تُجْزِئُهُ نِيَّةٌ وَاحِدَةٌ فِي أَوَّلِهِ، يَكُونُ حُكْمُهَا بَاقِيًا وَلَوْ زَالَ عَيْنُهَا مَا لَمْ يَقْطَعْهَا بِنِيَّةِ الْفِطْرِ عَامِدًا، وَأَمَّا لَوْ لَمْ يَنْوِ مُتَابَعَتَهُ مِنْ ذَلِكَ، فَلَا اخْتِلَافَ فِي أَنَّ عَلَيْهِ تَجْدِيدَ النِّيَّةِ لِكُلِّ يَوْمٍ، انْتَهَى.
وَالَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ صَاحِبُ التَّوْضِيحِ فِي العُتْبِيَّةِ هُوَ فِي سَمَاعِ مُوسَى، وَنَصُّهُ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يُجْزِيهِ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ إِلَّا أَنْ يُبَيِّتَهُ فِي صِيَامِ رَمَضَانَ. ابْنُ رُشْدٍ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ فِي رَمَضَانَ إِلَّا أَنْ يُبَيِّتَهُ كُلَّ لَيْلَةٍ وَإِنْ نَوَى أَنْ يُتَابِعَ الصِّيَامَ فِي سَفَرِهِ، وَأَمَّا إِنْ لَمْ يَنْوِ مُتَابَعَةَ الصِّيَامِ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنَ التَّبْيِيتِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ. وَفِي الْمَبْسُوطِ لِمَالِكٍ: أَنَّهُ لَا تَبْيِيتَ عَلَى مَنْ شَأْنُهُ سَرْدُ الصِّيَامِ، وَمِثْلُهُ فِي الْوَاضِحَةِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَبْهَرِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ: وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ، وَالْقِيَاسُ: أَنَّ عَلَيْهِ التَّبْيِيتَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ لِجَوَازٍ الْفِطْرِ. فَمَا لَهُ فِي الْمَبْسُوطِ لِمَالِكٍ خِلَافُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى فِي أَوَّلِ رَسْمٍ سَلَفَ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ، انْتَهَى.
وَعُلِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّ الْمُسَافِرَ إِذَا فَرَغَ مِنْ سَفَرِهِ وَأَقَامَ، فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ تَجْدِيدِ النِّيَّةِ لِمَا بَقِيَ مِنْ صَوْمِهِ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ التَّتَابُعُ مِنْ بَابٍ أَحْرَى،
وَكَذَلِكَ الْمَرِيضُ إِذَا صَحَّ؛ لِأَنَّ مَا بَعْدَ السَّفْرِ وَالْمَرَضِ كَصَوْمٍ مُبْتَدَإٍ، وَكَذَلِكَ الْحَائِضُ. وَكُلُّ مَنْ أَفْطَرَ لِعُذْرٍ أَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ فَلَا تَكْفِيهِ النِّيَّةُ الْأُوْلَى؛ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَتِ النِّيَّةُ الْأَوْلَى يَنْقَطِعُ حُكْمُهَا بِارْتِفَاعِ وُجُوبِ التَّتَابُعِ، وَلَوْ كَانَ التَّتَابُعُ حَاصِلًا فَأَحْرَى أَنْ يَرْتَفِعَ حُكْمُهَا بِانْقِطَاعِ التَّتَابُعِ حِسًّا.
قَالَ فِي التَّلْقِينِ: وَأَمَّا قَطْعُ النِّيَّةِ فَهُوَ بِإِفْسَادِ الصَّوْمِ أَوْ تَرْكِهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ لِعُذْرٍ أَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ، أَوْ لِحُصُولِ الْوَجْهِ الَّذِي يَسْقُطُ مَعَهُ الِانْحِتَامُ، وَإِنْ أَثَّرَ الصَّوْمُ مَعَهُ كَالسَّفَرِ وَالْمَرَضِ، أَوْ لَا يَنْقَطِعُ اسْتَدَامَتُهَا، وَإِنَّمَا يَنْقَطِعُ اسْتِصْحَابُ ابْتِدَائِهَا، انْتَهَى.
فَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ بِإِفْسَادِ الصَّوْمِ: أَنَّهُ لَوْ فَسَدَ صَوْمُ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ أَوْ مِنَ الصِّيَامِ الَّذِي يَجِبُ تَتَابُعُهُ، فَإِنَّ حُكْمَ النِّيَّةِ يَنْقَطِعُ وَلَوْ كَانَ بِالْفِطْرِ فِيهِ نَاسِيًا، وَلَا بُدّ مِنْ تَجْدِيدِهَا لِمَا بَقِيَ مِنْهُ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي التَّوْضِيحِ وَقَالَ: إِنَّهُ إِذَا انْقَطَعَ التَّتَابُعُ بِفِطْرٍ لِمَرَضٍ أَوْ حَيْضٍ أَوْ سَفَرٍ أَوْ نِسْيَانٍ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ تَجْدِيدُ النِّيَّةِ عَلَى الْمَشْهُورِ. قَالَ: وَعَبَّرَ عَنْهُ فِي التَّنْبِيهَاتِ بِالْمَعْرُوفِ، انْتَهَى.
مَعَ أَنَّ الْفِطْرَ نَاسِيًا لَا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ بِلَا خِلَافٍ، كَمَا سَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ فِي كِتَابِ الظِّهَارِ، وَأَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ يَقْتَضِي أَنَّ فِيهِ خِلَافًا. وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِ التَّلْقِينِ: أَوْ بِحُصُولِ الْوَجْهِ الَّذِي يَسْقُطُ مَعَهُ الِانْحِتَامُ - مَا تَقَدَّمَ فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ وَالْمَرِيضِ.
وَقَوْلُهُ: وَلَا يُقْطَعُ اسْتِدَامَتُهَا إِلَى آخِرِهِ يَعْنِي بِهِ: أَنَّ حُصُولَ الْمَرَضِ وَالسَّفَرِ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ لَا يَقْطَعُ اسْتِدَامَةُ النِّيَّةِ حُكْمًا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَإِنَّمَا يَقْطَعُ اسْتِصْحَابهَا فِي ابْتِدَاءِ الصَّوْمِ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَانْظُرْ إِذَا أَفْطَرَ مُتَعَمِّدًا لِغَيْرِ عُذْرٍ هَلْ يَلْزَمُهُ التَّجْدِيدُ اتِّفَاقًا وَيَجْرِي فِيهِ الْخِلَافُ؟ وَعِبَارَةُ ابْنِ بَشِيرٍ: لَوْ طَرَأَ فِي رَمَضَانَ مَا أَبَاحَ الْفِطْرَ هَلْ يَفْتَقِرُ إِلَى إِعَادَةِ التَّبْيِيتِ؟ فِي الْمَذْهَبِ قَوْلَانِ، انْتَهَى.
(قُلْتُ) : قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: الْحُكْمُ السَّابِعُ مِنْ أَحْكَامِ الْإِفْطَارِ قَطْعُ النِّيَّةِ الْحُكْمِيَّةِ، وَفِي الْجَوَاهِرِ: تَنْقَطِعُ بِإِفْسَادِ الصَّوْمِ أَوْ تَرْكِهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ لِعُذْرٍ أَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ، أَوْ بِزَوَالِ التَّحَتُّمِ كَالسَّفَرِ وَالْمَرَضِ، انْتَهَى. وَأَصْلُهُ فِي التَّلْقِينِ كَمَا تَقَدَّمَ فَتَأَمَّلْهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: (لَا إِنِ انْقَطَعَ تَتَابُعُهُ) أَنَّ الصَّوْمَ الَّذِي يَجِبُ تَتَابُعُهُ وَتَكْفِي فِيهِ النِّيَّةُ الْوَاحِدَةُ إِذَا انْقَطَعَ التَّتَابُعُ فِيهِ بِحُصُولِ الْفِطْرِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ الْمُتَقَدِّمَةِ، فَلَا بُدّ مِنْ تَجْدِيدِ النِّيَّةِ لِمَا بَقِيَ مِنْهُ. وَأَمَّا إِذَا حَصَلَ مَا يَقْطَعُ وُجُوبَ التَّتَابُعِ - وَلَمْ يَنْقَطِعِ التَّتَابُعُ بِالْفِعْلِ - فَيُسْتَفَادُ حُكْمُهُ مِنْ مَفْهُومِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ أَوَّلًا:(وَكَفَتْ نِيَّةٌ لِمَا يَجِبُ تَتَابُعُهُ) كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ص: (وَبِنَقَاءٍ) ش: يَعْنِي أَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ الصَّوْمِ النَّقَاءُ مِنْ دَمِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ، يُرِيدُ فِي جَمِيعِ النَّهَارِ. وَإِنَّمَا ذَكَرَ هَذَا الشَّرْطَ هُنَا مَعَ أَنَّهُ قَدْ قَدَّمَ فِي بَابِ الْحَيْضِ أَنَّ الْحَيْضَ وَالنِّفَاسَ يَمْنَعَانِ صِحَّةَ الصَّوْمِ وَوُجُوبَهُ بِهِ؛ لِيُفَرِّعَ عَلَيْهِ مَا سَيَذْكُرُهُ، وَلَا يُقَالُ: قَوْلُهُ هُنَا إِنَّ النَّقَاءَ مِنْ دَمِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّوْمِ - يَقْتَضِي أَنَّهُ مَشَى عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ شَرْطٌ فِي الصِّحَّةِ لَا فِي الْوُجُوبِ وَهُوَ خِلَافُ مَا قَدَّمَهُ فِي فَصْلِ الْحَيْضِ، وَخِلَافُ مَذْهَبِ الْأَكْثَرِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: قَوْلُهُ إِنَّهُ شَرْطٌ فِي الصِّحَّةِ لَا يَنْفِي أَنَّهُ شَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ، وَقَوْلُ الشَّارِحِ فِي الْكَبِيرِ: إِنَّ الْأَكْثَرَ عَلَى أَنَّهُ شَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ لَا فِي الصِّحَّةِ لَيْسَ بِظَاهِرٍ؛ إِذْ لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ شَرْطٌ فِي الصِّحَّةِ، وَنَقَلَهُ عَنِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، وَلَيْسَ فِي كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَلَا الْمُصَنِّفِ فِي التَّوْضِيحِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ.
ص: (وَوَجَبَ إِنْ طَهُرَتْ قَبْلَ الْفَجْرِ وَإِنْ لَحْظَةً) ش: هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ. وَقَالَ ابْنُ المَاجُشُونِ: إِنْ طَهُرَتْ قَبْلَ الْفَجْرِ بِزَمَنٍ يَسَعُ الْغُسْلَ فَلَمْ تَغْتَسِلْ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ أَجَزَأَهَا صَوْمُهَا، وَإِنْ كَانَ الْوَقْتُ ضَيِّقًا لَا يَسَعُ الْغُسْلَ لَمْ يُجْزِهَا صَوْمُهَا، انْتَهَى مِنَ التَّوْضِيح،
وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ يَجُوزُ لَهَا الْأَكْلُ عِنْدَهُ، فَإِنَّهُ قَالَ بَعْدُ: وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: تَصُومُ وَتَقْضِي، وَفِي كَلَامِهِ فِي الطِّرَازِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ص: (وَإِنْ جُنَّ وَلَوْ سِنِينَ كَثِيرَةً) ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ جُنَّ فِي رَمَضَانَ فَعَلَيْهِ قَضَاؤُهُ، سَوَاءً طَرَأَ عَلَيْهِ الْجُنُونُ بَعْدَ الْبُلُوغِ، أَوْ بَلَغَ مَجْنُونًا. وَسَوَاءً كَانَتِ السُّنُونَ كَثِيرَةً، أَوْ قَلِيلَةً. وَهَذَا مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ. وَقِيلَ: إِنْ قَلَّتِ: السُّنُونَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَذَلِكَ كَالْخَمْسَةِ الْأَعْوَامِ، وَإِنْ كَثُرَتْ فَلَا قَضَاءَ. ذَكَرَهُ اللَّخْمِيُّ عَنِ ابْنِ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: وَلَوْ سِنِينَ كَثِيرَةً. وَقِيلَ: إِنْ بَلَغَ مَجْنُونًا فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ طَرَأَ عَلَيْهِ الْجُنُونُ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ.
ص: (أَوْ جُلَّهُ أَوْ أَقَلَّهُ وَلَمْ يَسْلَمْ أَوَّلَهُ) ش: هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ، قَالَهُ فِي الطِّرَازِ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَلَا يُؤْمَرُ بِالْكَفِّ بَقِيَّةَ نَهَارِهِ، انْتَهَى. وَلَمْ يُنْقَلْ خِلَافُهُ، ذَكَرَهُ فِي بَابِ الْمُغْمَى، وَفِي مَسْأَلَةِ مَنْ قَدِمَ مِنَ السَّفَرِ.
ص: (لَا إِنْ سَلِمَ، وَلَوْ نِصْفَهُ) ش: انْظُرْ إِذَا طَرَأَ الْجُنُونُ بَعْدَ الْفَجْرِ وَلَمْ يَطُلْ: هَلْ هُوَ كَالْإِغْمَاءِ أَمْ لَا؟ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ: أَنَّهُ لَيْسَ كَالْإِغْمَاءِ؛ فَإِنَّهُ قَالَ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَإِنْ كَانَ فِي أَقَلِّهِ وَأَوَّلِهِ سَالِمًا فَكَالنَّوْمِ. يُرِيدُ إِنْ كَانَ الْإِغْمَاءُ فِي أَقَلِّ النَّهَارِ مَعَ سَلَامَةِ أَوَّلِهِ فَلَا أَثَرَ لَهُ كَالنَّوْمِ، وَذَلِكَ لِكَثْرَتِهِ فِي النَّاسِ وَلَا يَلْزَمُ عَلَى هَذَا إِلْحَاقُ الْجُنُونِ بِهِ فِي هَذَا لِقَتْلِهِ، انْتَهَى.
وَظَاهِرُ كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ أَنَّ حُكْمَ الْجُنُونِ وَالْإِغْمَاءِ سَوَاءٌ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي بَابِ الِاعْتِكَافِ: إِذَا أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَوْ جُنَّ وَكَانَ فِي عَقْلِهِ حِينَ الْفَجْرِ أَوْ أَكْثَرَ النَّهَارِ وَلَمْ يَخْرُجْ مِنَ الْمَسْجِدِ حَتَّى دَخَلَ اللَّيْلُ يُجْزِئُهُ عُكُوفُهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ عَلَى مَا مَرَّ فِي صِحَّةِ صَوْمِهِ، انْتَهَى.
ص: (وَبِتَرْكِ جِمَاعٍ وَإِخْرَاجِ مَنِيٍّ وَمَذْيٍ وَقَيْءٍ) ش: ظَاهِرُ كَلَامِهِ: أَنَّ هَذَا شَرْطٌ رَابِعٌ، وَقَالَ الشَّارِحُ: الْأَحْسَنُ أَنْ يُعَدَّ هَذَا مِنَ الْأَرْكَانِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالشَّرْطِ مَا لَا تَصِحُّ الْمَاهِيَّةُ بِدُونِهِ كَانَ دَاخِلًا أَوْ خَارِجًا، وَهَذَا جَارٍ فِي أَكْثَرِ الشُّرُوطِ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي هَذَا الْبَابِ. وَفِي الشَّامِلِ: وَرُكْنُهُ إِمْسَاكٌ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ الصَّادِقِ لِلْغُرُوبِ عَنْ إِيلَاجِ حَشَفَةٍ أَوْ مِثْلِهَا مِنْ مَقْطُوعِهَا وَلَوْ بِدُبُرٍ
أَوْ فَرْجِ مَيْتَةٍ أَوْ بَهِيمَةٍ، وَإِخْرَاجِ مَنِيٍّ وَلَا أَثَرَ لِلْمُسْتَنْكِحِ مِنْهُ وَمِنَ الْمَذْيِ، انْتَهَى.
وَلِأَجْلِ إِخْرَاجِ الْمُسْتَنْكِحِ مِنَ الْمَنِيِّ وَالْمَذْيِ وَالْقَيْءِ الْغَالِبِ وَالِاحْتِلَامِ، قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَإِخْرَاجُ مِنِّي الخ.
وَخَرَجَ بِهِ أَيْضًا مَنْ أَمْذَى بِمُجَرَّدِ الْفِكْرِ أَوِ النَّظَرِ مِنْ غَيْرِ اسْتِدَامَةٍ، فَإِنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَا أَخْرَجَ الْمَذْيَ كَمَا سَيَأْتِي فِي كَلَامِ ابْنِ بَشِيرٍ فَتَأَمَّلْهُ.
(تَنْبِيهٌ) : لَمْ يَذْكُرِ الْمُصَنِّفُ الْإِنْعَاظَ، وَذَكَرَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِيهِ قَوْلَيْنِ، قَالَ فِيهِ: رَوَى ابْنُ وَهْبٍ وَأَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ قَبَّلَ امْرَأَتَهُ أَوْ غَمَزَهَا أَوْ بَاشَرَهَا فِي رَمَضَانَ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. إِلَّا أَنْ يُمْذِيَ، فَيَقْضِيَ، انْتَهَى. فَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا قَضَاءَ فِي الْإِنْعَاظِ.
ثُمَّ قَالَ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ جَامَعَهَا دُونَ الْفَرْجِ أَوْ بَاشَرَهَا فَأَنْزَلَ، فَالْقَضَاءُ عَلَيْهِ وَالْكَفَّارَةُ، وَإِنْ بَاشَرَهَا فَأَمْذَى أَوْ أَنْعَظَ وَحُرِّكَ مِنْهُ لَذَّةٌ وَإِنْ لَمْ يُمْذِ فَلْيَقْضِ، وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ ذَلِكَ مِنْهُ شَيْئًا، وَلَا أَنْعَظَ وَلَا حَرَّكَ ذَلِكَ مِنْهُ لَذَّةً، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، انْتَهَى.
فَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ يَقْتَضِي أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ فِي الْإِنْعَاظِ عَلَى الْمُبَاشَرَةِ.
وَقَالَ فِي الْبَيَانِ فِي رَسْمِ طَلْقٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ: إِنْ نَظَرَ قَاصِدًا إِلَى التَّلَذُّذِ بِالنَّظَرِ، أَوْ تَذَكَّرَ قَاصِدًا إِلَى التَّلَذُّذِ بِذَلِكَ، أَوْ لَمَسَ أَوْ قَبَّلَ أَوْ بَاشَرَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَإِنْ أَنْعَظَ وَلَمْ يُمْذِ، فَفِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ، وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ هَذِهِ.
وَالثَّانِي: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَهِيَ رِوَايَةُ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
وَالثَّالِثُ: الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُبَاشَرَةِ وَمَا دُوَنَهَا مِنْ قُبْلَةٍ أَوْ لَمْسٍ، فَإِنْ أَنْعَظَ عَنْ مُبَاشَرَةٍ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَإِنْ أَنْعَظَ مِمَّا دُونَهَا فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ الَّذِي أَنْكَرَهُ سَحْنُونٌ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَفِي الْمَذْيِ وَالْإِنْعَاظِ قَوْلَانِ:
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَالْقَوْلُ بِالْقَضَاءِ فِي الْإِنْعَاظِ رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْحَمْدِيسِيَّةِ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ - وَهُوَ الْأَشْهَرُ ـ: وَبِعَدَمِهِ رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ.
قَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ: وَإِنَّمَا الْخِلَافُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ إِذَا حَصَلَ عَنْ مُلَاعَبَةٍ أَوْ مُبَاشَرَةٍ، وَأَمَّا إِنْ كَانَ عَنْ نَظَرٍ أَوْ لَمْسٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَأَطْلَقَ فِي الْبَيَانِ الْخِلَافَ، انْتَهَى. ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَهُ الْمُتَقَدِّمَ، وَلَفَظُ عِيَاضٍ عَلَى كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ الْمُتَقَدِّمِ.
قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ ذَلِكَ مِنْهُ شَيْئًا، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَتَّابٍ: لَمْ يُنْزِلْ ذَلِكَ مِنْهُ شَيْئًا. وَعَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ إِذَا أَنْعَظَ وَلَمْ يُمْذِ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَمِثْلُهُ لِمَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْحَمْدِيسِيَّةِ فِي الْمُبَاشَرَةِ وَالْقُبْلَةِ. وَعَبْدُ الْمَلِكِ وَمُطَرِّفٌ لَا يَرَيَانِ فِي الْإِنْعَاظِ شَيْئًا مِنْ مُبَاشَرَةٍ أَوْ قُبْلَةٍ، وَوَافَقَهُمَا ابْنُ الْقَاسِمِ مِنْ رَأْيِهِ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِي الْقُبْلَةِ. وَظَاهِرُ رِوَايَةِ أَشْهَبَ وَابْنِ وَهْبٍ فِي الْكِتَابِ: لَا قَضَاءَ فِيهِمَا؛ لِقَوْلِهِ: وَإِنْ لَمْ يُمْذِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَكَذَا نَقَلَهَا الْبَاجِيُّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ نَصًّا. وَقِيلَ: إِنَّمَا الْخِلَافُ إِذَا أَنْعَظَ عَنْ مُبَاشَرَةٍ أَوْ قُبْلَةٍ، وَأَمَّا عَنْ نَظَرٍ وَلَمْسٍ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يُمْذِيَ، انْتَهَى.
ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: فَإِنْ نَظَرَ أَوْ فَكَّرَ فَلَمْ يَسْتَدِمْ فَلَا قَضَاءَ، أَنْعَظَ أَوْ أَمْذَى لِلْمَشَقَّةِ. قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: تَقْيِيدُهُ هُنَا بِعَدَمِ الِاسْتِدَامَةِ يَقْتَضِي أَنَّ الْخِلَافَ الَّذِي قَدَّمَهُ فِي الْمَذْيِ وَالْإِنْعَاظِ مَعَ اسْتِدَامَتِهِ، (فَإِنْ قُلْتَ) : هَلْ يُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِهِ الْأَوَّلِ عَلَى مَا إِذَا حَصَلَ مِنْ مُلَاعَبَةٍ أَوْ مُبَاشَرَةٍ، وَالثَّانِي مَا إِذَا كَانَ عَنْ نَظَرٍ، وَيَكُونُ كَلَامُهُ مَبْنِيًّا عَلَى الطَّرِيقَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا عِيَاضٌ؟ قِيلَ: لَا؛ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمَّا قَيَّدَ كَلَامَهُ بِنَفْيِ الِاسْتِدَامَةِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَوِ اسْتَدَامَ لَكَانَ الْحُكْمُ خِلَافَ ذَلِكَ، وَتِلْكَ الطَّرِيقَةُ لَيْسَ فِيهَا تَفْضِيلٌ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّهُ إِذَا أَمْذَى مِنْ غَيْرِ اسْتِدَامَةٍ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ يُخَالِفُ الْمُدَوَّنَةِ، نَعَمْ يُوَافِقُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ، انْتَهَى.
وَفِي التَّنْبِيهِ لِابْنِ بَشِيرٍ: نَبْدَأُ بِأَوَائِلِ الْجِمَاعِ وَمُقْتَضَيَاتِ الشَّهْوَةِ عَلَى التَّرْتِيبِ، وَنَذْكُرُ مَا يَكُونُ عَلَيْهَا الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ. فَنَقُولُ: إِنَّ مَنْ فَكَّرَ فَالْتَذَّ بِقَلْبِهِ فَلَا حُكْمَ لِلَّذَّةِ، وَهَذَا مِمَّا تُسْقِطُهُ الشَّرِيعَةُ؛ لِأَنَّ تَكْلِيفَهُ حَرَجٌ، فَإِنْ أَنْعَظَ بِذَلِكَ أَيْضًا، فَإِنْ أَمْذَى نَظَرْتَ هَلِ اسْتَدَامَ أَمْ لَا؟ فَإِنِ اسْتَدَامَ كَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَمْذَى قَصْدًا فَيُؤْمَرُ بِالْقَضَاءِ، وَهَلْ يَجِبُ أَوْ لَا؟ قَوْلَانِ. وَإِنْ لَمْ يَسْتَدِمْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كُلِّفَ الْقَضَاءَ لَأَدَّى إِلَى الْحَرَجِ الَّذِي تُسْقِطُهُ الشَّرِيعَةُ السَّمْحَةُ، وَإِنْ أَمْنَى فَإِنِ اسْتَدَامَ قَضَى وَكَفَّرَ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَدِمْ فَالْقَضَاءُ بِلَا كَفَّارَةٍ، وَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عِلَّةً فَيَسْقُطُ الْقَضَاءُ
لِلْمَشَقَّةِ، وَإِنْ نَظَرَ فَالْتَذَّ بِقُبْلَةٍ فَلَا حُكْمَ لِمَا قَدَّمْنَاهُ، وَإِنْ أَنْعَظَ فَكَذَلِكَ، وَإِنْ أَمْنَى فَإِنِ اسْتَدَامَ فَالْقَضَاءُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَدِمِ النَّظَرُ اسْتُحِبَّ الْقَضَاءُ وَلَمْ يَجِبْ، وَإِنْ أَمْذَى فَإِنِ اسْتَدَامَ قَضَى وَكَفَّرَ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَدِمْ فَالْقَضَاءُ. وَهَلْ يُكَفِّرُ؟ جُمْهُورُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا يُكَفِّرُ، وَأَلْزَمَهُ الْكَفَّارَةَ أَبُو الْحَسَنِ الْقَابِسِيُّ. فَإِنْ قِيلَ: فَالْتَذَّ بِقَلْبِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَنْعَظَ فَقَوْلَانِ. ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ بَاشَرَ أَوْ لَاعَبَ وَلَمْ يُمْذِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَنْعَظَ، فَقَوْلَانِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، انْتَهَى.
وَكَلَامُ ابْنِ بَشِيرٍ هَذَا مُوَافِقٌ لِلطَّرِيقَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا عِيَاضٌ فِي عَدَمِ التَّقْيِيدِ بِالِاسْتِدَامَةِ فِي النَّظَرِ وَالْفِكْرِ، وَهِيَ الظَّاهِرَةُ، وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ الشَّامِلِ؛ فَإِنَّهُ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْقُبْلَةَ وَالْمُبَاشَرَةَ وَالْمُلَاعَبَةَ قَالَ: فَإِنْ أَمْذَى وَأَنْعَظَ قَضَى عَلَى الْمَشْهُورِ. لَكِنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِحُكْمِ مَا إِذَا كَانَ ذَلِكَ عَنْ نَظَرٍ وَفِكْرٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ إِثْرَ قَوْلِهِ: وَالْأَشْهَرُ وُجُوبُ الْقَضَاءِ، وَالْأَقْرَبُ سُقُوطُهُ لِعَدَمِ الدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى وُجُوبِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ص: (وَإِيصَالِ مُتَحَلِّلٍ أَوْ غَيْرِهِ، عَلَى الْمُخْتَارِ لِمَعِدَتِهِ) ش: وَعَلَى مَا اخْتَارَهُ اللَّخْمِيُّ اقْتَصَرَ فِي الْجَلَّابِ وَالتَّلْقِينِ فَانْظُرْهُ، وَرَجَّحَهُ ابْنُ يُونُسَ أَيْضًا.
(فَرْعٌ) : إِذَا ابْتَلَعَ الصَّائِمُ فِي النَّهَارِ مَا يَبْقَى بَيْنَ أَسْنَانِهِ مِنَ الطَّعَامِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ قَضَاءٌ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ غَالِبٌ. وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: وَإِنْ كَانَ مُتَعَمِّدًا لِأَنَّهُ ابْتَدَأَ أَخْذَهُ فِي وَقْتٍ يَجُوزُ لَهُ، وَهُوَ بَعِيدٌ، قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي الرَّسْمِ الْأَوَّلِ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ فِي مَسْأَلَةِ: مَنْ خَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ وَفِي يَدِهِ حَصْبَاءُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ص: (بِحُقْنَةٍ بِمَائِعٍ) ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَتُكْرَهُ الْحُقْنَةُ وَالسَّعُوطُ لِلصَّائِمِ، فَإِنِ احْتَقَنَ فِي فَرْضٍ أَوْ وَاجِبٍ بِشَيْءٍ يَصِلُ إِلَى جَوْفِهِ فَلْيَقْضِ وَلَا يُكَفِّرْ. وَقَالَ بَعْدَهُ: وَإِنْ قَطَرَ فِي إِحْلِيلِهِ دُهْنًا، أَوِ اسْتَدْخَلَ فَتَائِلَ، أَوْ دَاوَى جَائِفَةً بِدَوَاءٍ مَائِعٍ أَوْ غَيْرِ مَائِعٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، انْتَهَى.
عِيَاضٌ: الْحُقْنَةُ: مَا يَسْتَعْمِلُهُ الْإِنْسَانُ مِنْ دَوَائِهِ مِنْ أَسْفَلِهِ، انْتَهَى.
أَبُو الْحَسَنِ فِي الْكَبِيرِ: وَالْكَرَاهَةُ عَلَى بَابِهَا؛ لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ. وَنَقْطَعُ أَنَّهُ يَصِلُ لِجَوْفِهِ، وَلَوْ قَطَعْنَا أَنَّهُ يَصِلُ كَانَ حَرَامًا، أَوْ أَنَّهُ لَا يَصِلُ كَانَ مُبَاحًا، فَلَمَّا تَسَاوَى الِاحْتِمَالَانِ كَانَ مَكْرُوهًا، ثُمَّ إِنْ فَعَلَ فَإِنْ وَصَلَ إِلَى جَوْفِهِ لَزِمَهُ الْقَضَاءُ، وَإِنْ لَمْ يَصِلْ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، وَإِنَّ شَكَّ جَرَى عَلَى الْخِلَافِ فِيمَنْ أَكَلَ وَهُوَ شَاكٌّ فِي الْفَجْرِ.
اللَّخْمِيُّ: وَاخْتُلِفَ فِي الِاحْتِقَانِ بِالْمَائِعَاتِ هَلْ يَقَعُ بِهِ فِطْرٌ أَوْ لَا يَقَعُ بِهِ؟ وَأَلَّا يَقَعَ بِهِ أُحْسِنُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَصِلُ إِلَى الْمَعِدَةِ وَلَا إِلَى مَوْضِعٍ يَتَصَرَّفُ مِنْهُ مَا يُغَذِّي الْجِسْمَ بِحَالٍ.
عِيَاضٌ: وَقَوْلُهُ بَعْدُ فِي الْحُقْنَةِ بِالْفَتَائِلِ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، دَلَّ عَلَى أَنَّ كَلَامَهُ فِي الْفِطْرِ إِنَّمَا هُوَ فِي الْحُقْنَةِ الْمَائِعَةِ، وَهِيَ الَّتِي فِيهَا الْخِلَافُ كَمَا قَالَ اللَّخْمِيُّ، وَإِنْ كَانَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ ذَكَرَ الْخِلَافَ فِي الْحُقْنَةِ مُجْمَلًا.
وَأَمَّا غَيْرُ الْمَائِعَاتِ فَلَا خِلَافَ فِيهَا. وَاعْتَرَضَ أَبُو إِسْحَاقَ بِأَصْلِهِ فِي الرِّضَاعِ أَنَّهُ لَا يُحَرِّمُ إِلَّا مَا كَانَ غِذَاءً، وَهَذَا لَا يَلْزَمُ؛ لِأَنَّ الْمُرَاعَى فِي الرِّضَاعِ مَا يُنْبِتُ اللَّحْمَ وَيُنْشِئُ الْعَظْمَ، وَلَا يُشْتَرَطُ هَذَا فِي الصَّوْمِ، بَلْ مَا يَصِلُ إِلَى مَوْضِعِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ مِمَّا يُشَغِّلُ الْمَعِدَةِ وَيُسَكِّنُ كَلْبَ الْجُوعِ، انْتَهَى مِنْ أَبِي الْحَسَنِ. وَقَالَ فِي قَوْلِهِ أَوِ اسْتَدْخَلَ فَتَائِلَ: يَعْنِي فِي دُبُرِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ عَلَيْهَا دُهْنٌ أَمْ لَا، انْتَهَى.
وَقَوْلُ أَبِي الْحَسَنِ: وَإِذَا تَحَقَّقَ وُصُولُ الْحُقْنَةِ، يُرِيدُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - إِذَا لَمْ يُضْطَرَّ لَهَا، وَأَمَّا مَنِ اضْطُرَّ لَهَا فَلَا يُحَرَّمُ عَلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا يُكَفِّرُ ظَاهِرُهُ وَإِنْ تَعَمَّدَ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ. نَعَمْ قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ: قَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ: وَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ فِيمَا وَصَلَ مِنْ غَيْرِ الْفَمِ مِنْ عَيْنٍ أَوْ أُذُنٍ أَوْ غَيْرِهِمَا، وَإِنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى حَلْقِهِ، انْتَهَى.
(فَائِدَةٌ) : قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَالَ ابن حبيب فِي كِتَابٍ لَهُ فِي الطِّبِّ: كَانَ عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَالشَّعْبِيُّ وَالزُّهْرِيُّ وَعَطَاءٌ وَالنَّخْعِيُّ وَالْحَكَمُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَرَبِيعَةُ
ابْنُ هُرْمُزَ يَكْرَهُونَ الْحُقْنَةَ إِلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ غَالِبَةٍ، وَيَقُولُونَ: لَا تَعْرِفُهَا الْعَرَبُ، وَهِيَ مِنْ فِعْلِ الْعَجَمِ، وَهِيَ ضَرْبٌ مِنْ عَمَلِ قَوْمِ لُوطٍ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَأَخْبَرَنِي مُطَرِّفٌ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَرِهَهَا، وَذَكَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَرِهَهَا، وَقَالَ: وَهِيَ شُعْبَةٌ مِنْ قَوْمِ لُوطٍ.
قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: سَمِعْتُ ابْنَ الْمَاجِشُونِ يَكْرَهُهَا، وَيَقُولُ: كَانَ عُلَمَاؤُنَا يَكْرَهُونَهَا.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَكَانَ مِمَّنْ مَضَى مِنَ السَّلَفِ وَأَهْلِ الْعِلْمِ يَكْرَهُونَ التَّعَالُجِ بِالْحَقْنِ إِلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ غَالِبَةٍ لَا تُوجَدُ عَنِ التَّعَالُجِ بِهَا مَنْدُوحَةٌ، انْتَهَى.
وَسُئِلَ مَالِكٌ فِي مُخْتَصَرِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنِ الْحُقْنَةِ، فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهَا.
الْأَبْهَرِيُّ: إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّهَا ضَرْبٌ مِنَ الدَّوَاءِ وَفِيهَا مَنْفَعَةٌ لِلنَّاسِ، وَقَدْ أَبَاحَ النَّبِيُّ عليه السلام التَّدَاوِيَ وَأَذِنَ فِيهِ، فَقَالَ:«مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ دَاءٍ إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ دَوَاءً، عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ، فَتَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ» انْتَهَى.
خَلِيلٌ: فَظَاهِرُهُ مُعَارَضَةُ النَّقْلِ الْأَوَّلِ، وَيُمْكِنُ تَأْوِيلُهُ عَلَى حَالَةِ الِاضْطِرَارِ إِلَيْهَا فَيَتَّفِقُ النَّقْلَانِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ص: (أَوْ حَلْقٍ) ش: مَسْأَلَةٌ:
قَالَ الْبُرْزُلِيُّ: مَنْ رَعَفَ فَأَمْسَكَ أَنْفَهُ فَخَرَجَ الدَّمُ مِنْ فِيهِ وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَى حَلْقِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَنْفَذَ الْأَنْفِ إِلَى الْفَمِ دُونَ الْجَوْفِ، فَهُوَ مَا لَمْ يَصِلْ إِلَى الْجَوْفِ لَا شَيْءَ فِيهِ، انْتَهَى.
ص: (وَإِنْ مِنْ أَنْفٍ وَأُذُنٍ وَعَيْنٍ) ش: قَالَ اللَّخْمِيُّ: يُمْنَعُ الِاسْتِعَاطُ؛ لِأَنَّهُ مَنْفَذٌ مُتَّسِعٌ، وَلَا يَنْفَكُّ الْمُسْتَعِطُ مِنْ وُصُولِ ذَلِكَ إِلَى حَلْقِهِ، وَلَمْ يَخْتَلَفْ فِي وَقْعِ الْفِطْرِ، انْتَهَى مِنْ أَبِي الْحَسَنِ الْكَبِيرِ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا يَكْتَحِلُ وَلَا يَصُبُّ فِي أُذُنِهِ دُهْنًا، إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ لَا يَصِلُ إِلَى حَلْقِهِ. فَإِنِ اكْتَحَلَ بِإِثْمِدٍ وَصَبْرٍ أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ صَبَّ فِي أُذُنِهِ دُهْنًا لِوَجَعٍ بِهِ أَوْ غَيْرِهِ فَوَصَلَ ذَلِكَ إِلَى حَلْقِهِ، فَلْيَتَمَادَ فِي صَوْمِهِ وَلَا يُفْطِرْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَلَا يُكَفِّرْ إِنْ كَانَ فِي رَمَضَانَ. فَإِنْ لَمْ يَصِلْ إِلَى حَلْقِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَقَالَهُ أَشْهَبُ.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
إِنْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ يَصِلُ إِلَى حَلْقِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ.
وَإِنْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ لَا يَصِلُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَيْضًا غَلَطٌ، وَلَعَلَّهُ مِنَ النَّاسِخِ. وَصَوَابُهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ كَمَا يَظْهَرُ بِأَدْنَى تَأَمُّلٍ، وَهَذَا الْحُكْمُ ابْتِدَاءً.
فَإِنْ فَعَلَ فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ فِي الصَّغِيرِ: إِنْ عَلِمَ أَنَّهُ يَصِلُ إِلَى جَوْفِهِ فَلْيَتَمَادَ وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَكَذَا إِنْ شَكَّ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَصِلْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَهَذَا أَصْلٌ فِي كُلِّ مَا يُعْمَلُ مِنَ الْحِنَّاءِ وَالدُّهْنِ وَغَيْرِهِ، انْتَهَى مِنَ الصَّغِيرِ.
وَفِي الْكَبِيرِ، قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ: وَهَذَا أَصْلٌ لِكُلِّ مَا يُعْمَلُ فِي الرَّأْسِ حِنَّاءٌ أَوْ دُهْنٌ، أَنَّهُ إِنْ كَانَ يَصِلُ إِلَى حَلْقِهِ فَلْيَقْضِ. الشَّيْخُ: وَيَخْتَبِرُ نَفْسَهُ فِي غَيْرِ الصَّوْمِ، انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) : قَالَ سَنَدٌ بَعْدَ ذِكْرِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مِنَ الْكُحْلِ وَالصَّبِّ فِي الْأُذُنِ وَالِاسْتِعَاطِ وَالْحُقْنَةِ:
(فَرْعٌ) : إِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَالْمَنْعُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ لِمَنْ فَعَلَهُ نَهَارًا، وَأَمَّا مَنْ فَعَلَهُ لَيْلًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَلَا يَضُرُّهُ هُبُوطُهُ نَهَارًا؛ لِأَنَّهُ إِذَا غَاضَ فِي أَعْمَاقِ الْبَاطِنِ لَيْلًا لَمْ تَضُرَّ حَرَكَتُهُ، وَيَكُونُ بِمَثَابَةِ مَا يَتَحَدَّرُ مِنَ الرَّأْسِ إِلَى الْبَدَنِ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ الْفَمِ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَالْجَائِفَةُ كَالْحُقْنَةِ بِخِلَافِ دُهْنِ الرَّأْسِ، وَقِيلَ: إِلَّا أَنْ يَسْتَطْعِمَهُ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ هُوَ خِلَافٌ فِي حَالٍ. وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: كَلَامُهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَشْهُورَ سُقُوطُ الْقَضَاءِ فِي دُهْنِ الرَّأْسِ وَلَوِ اسْتُطْعِمَ، وَلَمْ أَرَ الْأَوَّلَ، وَاقْتَصَرَ ابْنُ شَاسٍ عَلَى الثَّانِي، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: إِنَّهُ لَا يَعْرِفُ الْأَوَّلَ، وَانْظُرْ ابْنَ غَازِيٍّ.
وَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ عَنْ مَسَائِلِ ابْنِ قَدَّاحٍ:
(مَسْأَلَةٌ) : مَنْ عَمِلَ فِي رَأْسِهِ الْحِنَّاءَ وَهُوَ صَائِمٌ فَإِنِ اسْتَطْعَمَهَا فِي حَلْقِهِ قَضَى، وَإِلَّا فَلَا. وَكَذَا مَنِ اكْتَحَلَ.
(قُلْتُ) : وَنَقَلَ ابْنُ الْحَاجِبِ عَدَمَ الْقَضَاءِ فِيمَا وَصَلَ لِحَلْقِهِ مِنْ رَأْسِهِ. وَالْأَوَّلُ فِي السُّلَيْمَانِيَّةِ، وَكَذَا الْخِلَافُ فِي الثَّانِيَةِ. وَثَالِثُهَا وَالْفَرْقُ بَيْنَ النَّفْلِ وَالْفَرْضِ، وَسَبَبُ الْخِلَافِ: أَنَّ هَذِهِ مَنَافِذُ ضَيِّقَةٌ، وَوُصُولُهَا إِلَى الْحَلْقِ نَادِرٌ فَتَجْرِي عَلَى الْخِلَافِ فِي الطَّوَارِئِ الْبَعِيدَةِ النَّادِرَةِ، هَلْ يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ فِيهَا أَمْ لَا؟ وَلَا كَفَّارَةَ فِي الْعَمْدِ مُطْلَقًا، انْتَهَى.
ص: (وَبَخُورٍ) ش: أَيْ بَخُورٍ يَصِلُ إِلَى حَلْقِهِ كَمَا قَالَ فِي تَهْذِيبِ الطَّالِبِ عَنِ
السُّلَيْمَانِيَّةِ فِيمَنْ تَبَخَّرَ بِالدَّوَاءِ فَوَجَدَ طَعْمَ الدُّخَانِ فِي حَلْقِهِ، قَالَ: يَقْضِي يَوْمًا بِمَنْزِلَةِ مَنِ اكْتَحَلَ أَوْ دَهَنَ رَأْسَهُ، فَيَجِدُ طَعْمَ ذَلِكَ فِي حَلْقِهِ فَيَقْضِي. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَخْبَرَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنِ ابْنِ لُبَابَةَ أَنَّهُ قَالَ: مَنِ اسْتَنْشَقَ بَخُورًا لَمْ يُفْطِرْ، وَأَكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ، انْتَهَى مِنَ التَّوْضِيحِ.
فَيُحْمَلُ قَوْلُ ابْنِ لُبَابَةَ عَلَى مَنْ شَمَّ الرَّائِحَةَ وَلَمْ يَجِدْ طَعْمَ الْبَخُورِ فِي حَلْقِهِ فَيَتَّفِقُ النَّقْلَانِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ فِي الصَّغِيرِ: قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: وَإِنَّمَا يُفْطِرُ بِمَا يَصِلُ إِلَى حَلْقِهِ مِنْ طَعْمِ دَوَاءٍ لَا مِنْ طَعْمِ رِيحٍ، وَنَحْوُهُ فِي النَّوَادِرِ. ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ صَاحِبِ التَّهْذِيبِ عَنِ السُّلَيْمَانِيَّةِ، وَابْنِ لُبَابَةَ.
ثُمَّ قَالَ الشَّيْخُ: وَأَمَّا الْمِسْكُ وَغَيْرُهُ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يُفْطِرُ. قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: وَالْفِطْرُ يَقَعُ بِجُزْءٍ مِنَ الْمُتَنَاوَلِ، لَا بِدُخُولِ رَائِحَتِهِ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْكَبِيرِ: هَذَا بِخِلَافِ اسْتِنْشَاقِ رَوَائِحِ الْمِسْكِ وَالْغَالِيَةِ، هَذَا لَمْ يُخْتَلَفْ فِي أَنَّهُ لَا يَجِبُ مِنْهُ قَضَاءٌ.
الشَّيْخُ: وَاسْتِنْشَاقُ قِدْرِ الطَّعَامِ بِمَثَابَةِ الْبَخُورِ؛ لِأَنَّ رِيحَ الطَّعَامِ لَهُ جِسْمٌ وَيَتَقَوَّى بِهِ الدِّمَاغُ، فَيَحْصُلُ بِهِ مَا يَحْصُلُ بِالْأَكْلِ، انْتَهَى. فَكَأَنَّهُ يَقُولُ إِذَا وَجَدَ طَعْمَ دُخَانِ الْقِدْرِ يُفْطِرُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) : قَالَ الشَّارِحُ فِي الْكَبِيرِ: قَالَ فِي التَّلْقِينِ: يَجِبُ الْإِمْسَاكُ عَنِ الشُّمُومِ وَلَمْ يُفَصِّلْ، انْتَهَى، وَكَأَنَّهُ فَهِمَ هَذَا مِنْ قَوْلِهِ: وَالَّذِي يَجِبُ الْإِمْسَاكُ عَنْهُ فِي الصَّوْمِ نَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا: إِيصَالُ شَيْءٍ إِلَى دَاخِلِ الْبَدَنِ.
وَالثَّانِي: إِخْرَاجُ شَيْءٍ عَنْهُ.
فَالَّذِي يُوصِلُ إِلَى دَاخِلِ الْبَدَنِ: مَا يَصِلُ إِلَى الْحَلْقِ ثُمَّ يَنْمَاعُ وَيَقَعُ الِاغْتِذَاءُ بِهِ، أَوْ لَا يَنْمَاعُ وَيُتَطَعَّمُ أَوْ لَا يُتَطَعَّمُ، وَذَلِكَ كَالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ الْمُغَذِّيَيْنِ، وَكَالدِّرْهَمِ، وَالْحَصَا، وَسَائِرِ الْجَمَادَاتِ الَّتِي لَا تُتَطَعَّمُ وَلَا تَنْمَاعُ وَلَا يَقَعُ بِهَا غِذَاءٌ، وَمَثَلُهَا الْكُحْلُ، وَالدُّهْنُ، وَالشَّمُومُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْمَائِعَاتِ وَالْجَامِدَاتِ الْوَاصِلَةِ إِلَى الْحَلْقِ، وَصَلَتْ مِنْ مَدْخَلِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، أَوْ مِنْ غَيْرِ مَدْخَلِهِمَا كَالْعَيْنِ، وَالْأَنْفِ، وَالْأُذُنِ، وَمَا تَحَدَّرَ مِنَ الدِّمَاغِ بَعْدَ وُصُولِهِ مِنْ بَعْضِ هَذِهِ الْمَنَافِذِ، انْتَهَى.
وَكَأَنَّهُ اعْتَمَدَ هَذَا فِي الشَّامِلِ فَقَالَ فِيهِ: وَلَا يَشُمُّ شَيْئًا مِنَ الرَّيَاحِينِ، انْتَهَى، وَتَبِعَهُ الشَّيْخُ أَحْمَدُ زَرُّوقٍ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ فَقَالَ: وَلَا يَشُمُّ شَيْئًا مِنَ الرَّيَاحِينِ، انْتَهَى.
وَانْظُرْ هَذَا مَعَ مَا يَأْتِي فِي فَصْلِ الِاعْتِكَافِ، أَنَّ الْمُعْتَكِفَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَطَيَّبَ، وَالْمُعْتَكِفَ لَا يَكُونُ إِلَّا صَائِمًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ص: (وَغَالِبٍ مِنْ مَضْمَضَةٍ أَوْ سِوَاكٍ) ش: قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوقٌ فِي شَرْحِ
الْإِرْشَادِ: وَابْتِلَاعُ مَاءِ الْمَضْمَضَةِ يُوجِبُ الْقَضَاءَ، لَا بَقَايَاهُ مَعَ الرِّيقِ بَعْدَ طَرْحِهِ بِالْكُلِّيَّةِ، فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ. وَفِيمَنِ ابْتَلَعَ دَمًا خَرَجَ مِنْ بَيْنِ أَسْنَانِهِ غَلَبَةً قَوْلَانِ حَكَاهُمَا فِي الْجَوَاهِرِ، انْتَهَى مِنْ جَامِعِ الْأُمَّهَاتِ لِلسَّنُوسِيِّ.
(مَسْأَلَةٌ) : قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَغَيْرُهُ ابْنُ شَاسٍ: وَابْتِلَاعُ دَمٍ خَرَجَ مِنْ بَيْنِ أَسْنَانِهِ غَلَبَةً لَغْوٌ، وَإِنِ ابْتَلَعَهُ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى إِخْرَاجِ ذَلِكَ أَفْطَرَ، وَقِيلَ: لَا يُفْطِرُ.
(قُلْتُ) : وَلَفْظُ ابْنِ قَدَّاحٍ: مَنْ وَجَدَ فِي فَمِهِ دَمًا وَهُوَ صَائِمٌ فَمَجَّهُ حَتَّى ابْيَضَّ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَيُسْتَحَبُّ لَهُ غَسْلُهُ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ أَوْ إِلَى الْأَكْلِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَمَنْ كَثُرَ عَلَيْهِ الدَّمُ إِذَا كَانَ مِنْ عِلَّةٍ دَائِمَةٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، ابْتَلَعَ مِنْهُ شَيْئًا، أَوْ لَمْ يَبْتَلِعْ، انْتَهَى.
ص: (وَقَضَى فِي الْفَرْضِ مُطْلَقًا) ش: أَحْكَامُ الْإِفْطَارِ عَلَى الْإِجْمَالِ سَبْعَةٌ:
الْإِمْسَاكُ، وَالْقَضَاءُ، وَالْإِطْعَامُ، وَالْكَفَّارَةُ، وَالتَّأْدِيبُ، وَقَطْعُ التَّتَابُعِ، وَقَطْعُ النِّيَّةِ الْحُكْمِيَّةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الْجُزُولِيُّ: مُفْسِدَاتُ الصَّوْمِ عِشْرُونَ، عَشَرَةٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا، عَشَرَةٌ مُخْتَلَفٌ فِيهَا:
فَالْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا:
تَعَرِّي الصَّوْمُ مِنَ النِّيَّةِ، وَالْأَكْلُ، وَالشُّرْبُ، وَالْجِمَاعُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إِنْزَالٌ، وَالْإِنْزَالُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جِمَاعٌ، وَالْمَذْيُ مَعَ تَقَدُّمِ سَبَبِهِ وَمُدَاوَمَتِهِ، وَالْحَيْضُ، وَالنِّفَاسُ، وَخُرُوجُ الْوَلَدِ، وَالِاسْتِقَاءُ إِذَا رَجَعَ مِنَ الْقَيْءِ شَيْءٌ.
وَالْمُخْتَلَفُ فِيهَا:
الْفِلْقَةُ مِنَ الطَّعَامِ، وَغُبَارُ الدَّقِيقِ، وَغُبَارُ الطَّرِيقِ، وَمَا وَصَلَ مِنْ غَيْرِ مَدْخَلِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ بَلْ مِنْ أَنْفٍ وَأُذُنٍ أَوْ عَيْنٍ، وَمَا يَتَحَدَّرُ مِنَ الرَّأْسِ، وَابْتِلَاعُ مَا لَا يَتَحَلَّلُ مِثْلُ الْحَصَاةِ، وَالْمَذْيُ إِذَا لَمْ يُتَعَمَّدْ سَبَبُهُ، وَالِاسْتِقَاءُ إِذَا لَمْ يَرْجِعْ مِنَ الْقَيْءِ شَيْءٌ، وَالْقَيْءُ غَلَبَةً إِذَا رَجَعَ مِنْهُ شَيْءٌ بِالرِّدَّةِ، وَرَفْضُ النِّيَّةِ.
ص: (وَإِنْ بِصَبٍّ فِي حَلْقِهِ نَائِمًا، كَمُجَامَعَةِ نَائِمَةٍ) ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ أُكْرِهَ، أَوْ كَانَ نَائِمًا فَصُبَّ فِي حَلْقِهِ مَاءٌ فِي رَمَضَانَ، أَوْ فِي نَذْرٍ، أَوْ ظِهَارٍ، أَوْ صِيَامِ كَفَّارَةِ الْقَتْلِ، أَوْ فِي صِيَامٍ مُتَتَابِعٍ، أَوْ جُومِعَتِ امْرَأَةٌ نَائِمَةٌ فِي رَمَضَانَ، فَالْقَضَاءُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ يَجْزِي بِلَا كَفَّارَةٍ، وَتَصِلُ الْقَضَاءَ فِي ذَلِكَ بِمَا كَانَ مِنَ الصَّوْمِ مُتَتَابِعًا، وَإِنْ كَانَ فِي صَوْمِ تَطَوُّعٍ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ، وَلَفْظُهُ: وَفِيهَا لَا كَفَّارَةَ عَلَى مَنْ جُومِعَتْ نَائِمَةً، أَوْ صُبَّ فِي حَلْقِهِ مَاءٌ كَذَلِكَ، وَلَا عَلَى فَاعِلِهِ.
سَحْنُونٌ: هَذِهِ خَيْرٌ مِنْ قَوْلِهِ: الْإِكْرَاهُ بِالْوَطْءِ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي مَسْأَلَةِ مَنْ أَكْرَهَ زَوْجَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ عَلَى الْوَطْءِ، لِمَا ذُكِرَ أَنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْهُمَا مَا نَصُّهُ: عُرِضَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بِمَنْ أَكْرَهَ شَخْصًا وَصَبَّ فِي حَلْقِهِ مَاءً، فَإِنَّهُ نَصٌّ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَلَى أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، نَعَمْ أَوْجَبَهَا ابْنُ حَبِيبٍ. وَقَدْ يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْمُكْرِهَ لِزَوْجَتِهِ وَأَمَتِهِ حَصَلَتْ لَهُ لَذَّةٌ، فَنَاسَبَ أَنْ تَجِبَ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ عَنْهَا. وَأَمَّا مَنْ صَبَّ فِي حَلْقِ إِنْسَانٍ فَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ شَيْءٌ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ لَوْ أَكْرَهَ غَيْرَهُ عَلَى أَنْ يُجَامِعَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ عِنْدَ الْأَكْثَرِ، انْتَهَى.
وَنَقَلَ قَبْلَهُ عَنِ التَّنْبِيهَاتِ أَنَّهُ قَالَ: أَكْثَرُ أَقْوَالِ أَصْحَابِنَا: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَعَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ: أَنَّ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) : قَالَ فِي الطِّرَازِ فِي آخِرِ بَابِ الْإِفْطَارِ بِالْإِكْرَاهِ: وَيَجْرِي التَّفْرِيعُ فِي الْأَكْلِ كَرْهًا عَلَى حُكْمِ الْأَكْلِ سَهْوًا، فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ فِي الْوَاجِبِ، وَسُقُوطِهِ فِي التَّطَوُّعِ، وَفِي الْكَفِّ مَعَهُ، وَعَدَمِ قَطْعِ التَّتَابُعِ. وَكُلُّ ذَلِكَ مَذْكُورٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ مُوَضَّحًا، انْتَهَى. وَنَقَلَ ابْنُ يُونُسَ أَيْضًا: أَنَّهُ يَجِبُ الْكَفُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ص: (وَكَأَكْلِهِ شَاكًّا فِي الْفَجْرِ) ش: أَيْ وَاسْتَمَرَّ عَلَى شَكِّهِ، وَأَمَّا
إِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ قَبْلَ الْفَجْرِ أَوْ بَعْدَهُ فَيَعْمَلُ عَلَى مَا تَبَيَّنَ، وَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ اتِّفَاقًا.
وَإِنْ شَكَّ فِي الْغُرُوبِ حُرِّمَ الْأَكْلُ اتِّفَاقًا، وَوَجَبَ الْقَضَاءُ.
الْبُرْزُلِيُّ: وَهَذَا مَا دَامَ عَلَى شَكِّهِ أَوْ تَبَيَّنَ الْخَطَأَ، أَمَّا إِذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ صَوَابٌ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ عَلَى شَكٍّ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ سَلَّمَ مِنْ أَرْبَعٍ، انْتَهَى.
وَقَالَ الْجُزُولِيُّ فِيمَنْ أَكَلَ شَاكًّا فِي الْغُرُوبِ: وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ أَكَلَ بَعْدَ الْغُرُوبِ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ غُرُوبٌ سَلِمَ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ أَكَلَ قَبْلَ الْغُرُوبِ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ بِلَا خِلَافٍ، وَفِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ خِلَافٌ. وَإِنْ بَقِيَ عَلَى شَكِّهِ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَهَلْ يَجِبُ الْقَضَاءُ أَوْ لَا؟ وَلَا كَفَّارَةَ. وَقَالَ فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ: إِذَا شَكَّ فِي الْغُرُوبِ لَا يَجُوزُ لَهُ الْأَكْلُ بِاتِّفَاقٍ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: وَالْمَشْهُورُ التَّحْرِيمُ، انْتَهَى. يَعْنِي فِي مَسْأَلَةِ مَنْ شَكَّ فِي الْفَجْرِ.
وَمَفْهُومُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ: أَنَّهُ لَوْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ أَكَلَ بَعْدَ الْغُرُوبِ لَا قَضَاءَ.
(مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ أَكَلَ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ مُتَعَمِّدًا ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ يَوْمُ الْفِطْرِ، فَقِيلَ: عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، وَقِيلَ: لَا. ذَكَرَ هَذَا ابْنُ الْقَصَّارِ.
ص: (إِلَّا الْمُعَيَّنَ لِمَرَضٍ، أَوْ حَيْضٍ، أَوْ نِسْيَانٍ) ش: تَبِعَ رحمه الله ابْنَ الْحَاجِبِ فِي تَشْهِيرِ الْقَوْلِ بَعْدَ النِّسْيَانِ مِنْ مُسْقِطَاتِ الْقَضَاءِ فِي النَّذْرِ الْمُعَيَّنِ، وَقَبِلَهُ فِي التَّوْضِيحِ أَيْضًا، وَهُوَ خِلَافُ مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ، قَالَ فِيهَا: وَمَنْ تَسَحَّرَ بَعْدَ الْفَجْرِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِطُلُوعِهِ، أَوْ أَكَلَ نَاسِيًا لِصَوْمِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي تَطَوُّعٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَا يُفْطِرُ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ فَإِنْ فَعَلَ قَضَاهُ، ثُمَّ ذَكَرَ حُكْمَ النَّذْرِ الْمُطْلَقِ، ثُمَّ قَالَ: وَإِنْ كَانَتْ أَيَّامًا بِعَيْنِهَا، أَوْ كَانَ فِي رَمَضَانَ، فَلْيَتَمَادَ عَلَى صَوْمِهِ، وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ، انْتَهَى.
وَقَدْ وَهَّمَ ابْنُ عَرَفَةَ ابْنَ الْحَاجِبِ فِي تَشْهِيرِ الْقَوْلِ بَعْدَ النِّسْيَانِ مِنْ مُسْقِطَاتِ الْقَضَاءِ فِي النَّذْرِ الْمُعَيَّنِ، فَقَالَ بَعْدَ أَنْ حَكَى فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ بِالْفِطْرِ فِيهِ نِسْيَانًا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ:
الْأَوَّلُ: وُجُوبُ الْقَضَاءِ.
وَالثَّانِي: عَدَمُهُ.
وَالثَّالِثُ: التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ يَخْتَصَّ بِفَضْلٍ فَلَا يَجِبُ الْقَضَاءُ، أَوْ لَا يَخْتَصُّ فَيَجِبُ.
وَجَعَلَ ابْنُ الْحَاجِبِ الثَّانِيَ الْمَشْهُورَ وَهْمٌ.
وَنَصَّ كَلَامَ ابْنِ عَرَفَةَ بِرُمَّتِهِ: وَيَجِبُ قَضَاءُ رَمَضَانَ، وَوَاجِبُهُ - أَيْ وَاجِبُ الصَّوْمِ - الْمَضْمُونِ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ وَلَوْ مُكْرَهًا، وَالْمُعَيَّنُ بِهِ - أَيْ بِفِطْرِهِ عَمْدًا - اخْتِيَارًا. وَفِي وُجُوبِ قَضَائِهِ بِفِطْرِ مَرَضٍ فِي الْحَضَرِ.
ثَالِثُهَا: إِنْ لَمْ يَخْتَصَّ بِفَضْلٍ.
اللَّخْمِيُّ، عَنْ رِوَايَةِ الْمَبْسُوطِ، مَعَ عِيَاضٍ عَنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِهَا، وَالْمَشْهُورُ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ الشَّيْخُ عَنِ الْمُغِيرَةِ: مَنْ صَامَ أَوَّلَ شَهْرٍ نَذَرَهُ مُعَيَّنًا فَمَرِضَ بَاقِيَهُ أَوْ وَسَطَهُ وَصَامَ بَاقِيَهُ، فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ. وَلَوْ أَفْطَرَ أَوَّلَهُ اخْتِيَارًا فَمَرِضَ بَاقِيَهُ، قَضَى جَمِيعَهُ. وَلَوْ نَذَرَ إِثْرَ فِطْرِهِ فَصَامَ يَوْمًا فَمَرِضَ بَاقِيَهُ، فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ. وَفِيهِ: بِنِسْيَانِ الثَّلَاثَةِ لِلْمَشْهُورِ، وَالشَّيْخِ عَنْ سَحْنُونٍ مَعَ ابْنِ مُحْرِزٍ، عَنْهُ مَعَ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَنَقَلَ الشَّيْخُ قَوْلَ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي فِطْرِهِ
بِمُطْلَقِ غَلَبَةٍ، وَجَعْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ الثَّانِيَ الْمَشْهُورَ وَهْمٌ، انْتَهَى.
وَجَعْلُ صَاحِبِ الطِّرَازِ قَوْلَ الْمُغِيرَةِ خِلَافَ الرَّاجِحِ، فَانْظُرْهُ. وَاقْتَصَرَ صَاحِبُ التَّلْقِينِ عَلَى الْقَوْلِ بِسُقُوطِ الْقَضَاءِ.
وَأَمَّا الْمَرَضُ فَالْمَشْهُورُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَرَضِ وَالنِّسْيَانِ: أَنَّ الْمَرَضَ لَا صُنْعَ لَهُ فِيهِ فَهُوَ مَعْذُورٌ، وَالنَّاسِي مَعَهُ ضَرْبٌ مِنَ التَّفْرِيطِ.
وَالْحَيْضُ مِثْلُ الْمَرَضِ.
وَحُكْمُ النِّفَاسِ حُكْمُ الْحَيْضِ.
(فَرْعٌ) : وَأَمَّا السَّفَرُ، فَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ، أَمَّا لَوْ أَفْطَرَ فِيهِ لِسَفَرٍ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ اتِّفَاقًا. نَقَلَهُ ابْنُ هَارُونَ، انْتَهَى.
(قُلْتُ) : وَقَدْ حَكَى ابْنُ عَرَفَةَ الْوُجُوبَ وَالِاسْتِحْبَابَ، وَنَصُّهُ: وَفِيهِ لِسَفَرٍ سَمَاعُ الْقَرِينَيْنِ: وُجُوبُ الْقَضَاءِ، وَفِيهَا: لَا أَدْرِي، ابْنُ الْقَاسِمِ وَكَأَنَّهُ أَحَبَّ قَضَاءَهُ، انْتَهَى.
وَصَرَّحَ الْمُصَنِّفُ فِي آخِرِ الْبَابِ بِأَنَّهُ يَجِبُ الْقَضَاءُ، فَقَالَ: وَلَا يَلْزَمُ الْقَضَاءُ، بِخِلَافِ فِطْرِهِ لِسَفَرٍ. وَلَوْ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ لَكَانَ حَصْرُهُ سُقُوطَ الْقَضَاءِ فِيمَا ذَكَرَ يُؤْخَذُ مِنْهُ تَشْهِيرُ سَمَاعِ الْقَرِينَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) : فَإِنْ أَفْطَرَ فِي الْمُعَيَّنِ مُتَعَمِّدًا، فَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ: وَمَنْ نَذَرَ صَوْمَ كُلِّ خَمِيسٍ يَأْتِي لَزِمَهُ، فَإِنْ أَفْطَرَ خَمِيسًا مُتَعَمِّدًا قَضَاهُ، انْتَهَى.
فَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى الْإِفْطَارِ فَقَالَ فِي التَّلْقِينِ: وَأَمَّا الْمُتَعَيَّنُ سِوَى رَمَضَانَ فَيَلْزَمُ قَضَاؤُهُ مَعَ الْعُذْرِ فِي فِطْرِهِ، وَلَا يَلْزَمُ مَعَ الْعُذْرِ الْقَاطِعِ كَالْمَرَضِ وَالْإِكْرَاهِ وَالْإِغْمَاءِ وَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَخَطَأِ الْوَقْتِ وَالسَّهْوِ، إِلَّا أَنَّ فِي هَذَيْنِ يَجِبُ الْإِمْسَاكُ فِي بَقِيَّتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ لَزِمَهُ قَضَاؤُهُ، وَلَيْسَ مِنْهُ السَّفَرُ، انْتَهَى.
وَمَا ذَكَرَهُ مُوَافِقٌ لِلْمَشْهُورِ إِلَّا فِي السَّهْوِ وَخَطَأِ الْوَقْتِ، فَإِنَّ الْمَشْهُورَ فِيهِمَا وُجُوبُ الْقَضَاءِ، وَكَذَلِكَ الْإِكْرَاهُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الطِّرَازِ، فَإِنَّهُ جَعَلَهُ كَالْفِطْرِ نَاسِيًا.
(فَرْعٌ) : تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ إِذَا أَفْطَرَ فِي النَّذْرِ الْمُعَيَّنِ نَاسِيًا فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُمْسِكَ فِي بَقِيَّةِ يَوْمِهِ وَيَقْضِيَهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ الْخَمِيسِ فَأَصْبَحَ مُفْطِرًا يَظُنُّهُ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُمْسِكَ فِي بَقِيَّةِ يَوْمِهِ وَيَقْضِيَهُ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفُّ فِي بَقِيَّةِ الْيَوْمِ وَلَوْ أَكَلَ وَشَرِبَ. قَالَهُ فِي رَسْمِ سَلَفٍ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: هَذِهِ مَسْأَلَةٌ صَحِيحَةٌ بَيِّنَةٌ عَلَى أُصُولِهِمْ فِي حُكْمِ النَّذْرِ الْمُعَيَّنِ فِي الْوُجُوبِ كَحُكْمِ رَمَضَانَ، إِلَّا فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْعَامِدِ، انْتَهَى.
(فَرْعٌ) : فَلَوْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ الْخَمِيسِ فَأَصْبَحَ يَوْمَ الْخَمِيسِ مُفْطِرًا وَهُوَ غَيْرُ ذَاكِرٍ لَهُ، ثُمَّ أَصْبَحَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ صَائِمًا يَظُنُّهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ، فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ مِنْ قَضَاءِ صَوْمِ يَوْمِ الْخَمِيسِ. قَالَهُ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: قَوْلُهُ: إِنَّهُ يُجْزِئُهُ مِنْ قَضَائِهِ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَاجِبٌ عَلَيْهِ كَوُجُوبِ قَضَائِهِ، فَنَابَ فِي النِّيَّةِ فَرْضٌ عَنْ فَرْضٍ، فَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِمْ فِي الْأَسِيرِ يُخْطِئُ فِي الشُّهُورِ فَيَصُومُ شَوَّالًا وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ رَمَضَانَ، فَلَا اخْتِلَافَ أَنَّهُ يَجْزِيهِ، انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) : هُنَا لُغْزٌ، وَهُوَ أَنَّهُ قَدْ يَجِبُ عَلَى الْحَائِضِ وَالْمَرِيضِ قَضَاءُ الصَّوْمِ الْمُعَيَّنِ.
وَالْجَوَابُ: أَنَّ ذَلِكَ فِيمَا إِذَا نَذَرَ أَحَدُهُمَا أَنْ يَعْتَكِفَ أَيَّامًا بِعَيْنِهَا ثُمَّ جَاءَهُ الْعُذْرُ فَإِنَّهُ يَقْضِي ذَلِكَ، وَفِي رَسْمِ جَاعَ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى، قَالَ مَالِكٌ: مَنْ جَعَلَ عَلَيْهِ صِيَامَ يَوْمِ الْخَمِيسِ وَالْاثْنَيْنِ، فَأَصْبَحَ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَهُوَ يَظُنُّهُ الْأَرْبِعَاءَ فَلَمْ يَأْكُلْ حَتَّى عَلِمَ، قَالَ مَالِكٌ: يَصُومُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَيَكْفِيهِ إِيجَابُهُ عَلَى نَفْسِهِ أَوَّلًا فِي نِيَّةٍ. قَالَ: وَلَوْ أَصْبَحَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ صَائِمًا وَهُوَ يَرَاهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ، ثُمَّ عَلِمَ ذَلِكَ فَإِنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُتِمَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَيَصُومَ يَوْمَ الْخَمِيسِ. قِيلَ لِمَالِكٍ: وَلَوْ جَازَ يَوْمَ الْخَمِيسِ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ أَصْبَحَ صَائِمًا وَهُوَ يَرَاهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ؟ قَالَ: يُجْزِيهِ عَنْ يَوْمِ الْخَمِيسِ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: هَذِهِ ثَلَاثَةُ مَسَائِلَ:
قَدْ مَضَى الْقَوْلُ عَلَى الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى مِنْهَا فِي رَسْمِ سَلَفٍ قَبْلَ هَذَا.
وَعَلَى الْمَسْأَلَةِ الثَّالِثَةِ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَإِيجَابِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَلَيْهِ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ أَنْ يُتِمَّ الْيَوْمَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إِنْ أَفْطَرَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ، خِلَافَ قَوْلِ أَشْهَبَ فِي الْمُدَوَّنَةِ، انْتَهَى.
وَالَّذِي قَدَّمَهُ فِي رَسْمِ سَلَفٍ أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ لَا يُجْزِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ التَّحْدِيدِ، وَهُوَ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الْمُؤَلِّفُ فِي قَوْلِهِ: لَا مَسْرُودٍ وَيَوْمٍ مُعَيَّنٍ.
(مَسْأَلَةٌ) : قَالَ فِي رَسْمِ سَلَفٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الصِّيَامِ: وَهِيَ مُكَرَّرَةٌ فِي هَذَا الرَّسْمِ مِنَ الْإِيمَانِ بِالطَّلَاقِ، وَمَا فِي سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ مِنْهُ، قَالَ فِي الَّذِي يَحْلِفُ بِاللَّهِ
أَوْ بِالطَّلَاقِ أَوْ غَيْرِهِ، أَنْ يَصُومَ غَدًا فَيُصْبِحُ صَائِمًا، ثُمَّ يَأْكُلُ نَاسِيًا: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إِنَّمَا قَالَ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ نَاسِيًا، أَيْ لَا حِنْثَ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا نَاسِيًا لِيَمِينِهِ، مُرَاعَاةً لِلْخِلَافِ - أَيْ فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَى مَنْ أَفْطَرَ فِي التَّطَوُّعِ عَامِدًا أَوْ فِي رَمَضَانَ سَاهِيًا لِمَا جَازَ فِي ذَلِكَ - كَذَا فِي الْبَيَانِ، انْتَهَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ص: (وَفِي النَّفْلِ بِالْعَمْدِ الْحَرَامِ) ش: يَعْنِي أَنَّهُ يَجِبُ الْقَضَاءُ فِي صَوْمِ النَّفْلِ بِالْفِطْرِ إِذَا كَانَ عَمْدًا حَرَامًا، كَمَنَ شَرَعَ فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ ثُمَّ أَفْطَرَ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَلَا عُذْرَ، فَإِنَّ إِتْمَامَ صَوْمِ النَّفْلِ وَاجِبٌ، وَلَا يَجُوزُ قَطْعُهُ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ.
وَمَذْهَبُ الْمُخَالِفِ عِنْدِي أَظْهَرُ؛ لِلْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ، انْتَهَى.
وَاحْتَرِزْ بِقَوْلِهِ: (الْعَمْدِ) مِنَ النِّسْيَانِ وَالْإِكْرَاهِ، (وَبِالْحَرَامِ) مَنْ أَفْطَرَهُ لِشِدَّةِ الْجُوعِ، وَالْعَطَشِ، وَالْحَرِّ الَّذِي يُخَافُ مِنْهُ تَجَدُّدُ مَرَضٍ أَوْ زِيَادَتُهُ، وَفِطْرُهُ لِأَمْرِ وَالِدَيْهِ وَشَيْخِهِ.
قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ، فِي قَوْلِهِ: وَمَنْ أَفْطَرَ فِي تَطَوُّعِهِ عَامِدًا: قَالَ التَّادَلِيُّ: حَقُّهُ أَنْ يَقُولَ بَعْدَ قَوْلِهِ: (عَامِدًا) : حَرَامًا.
كَمَا زَادَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي قَوْلِهِ: وَيَجِبُ فِي النَّفْلِ بِالْعَمْدِ الْحَرَامِ: خَاصَّةً، وَأَرَادَ بِذَلِكَ إِخْرَاجَ مَا كَانَ عَمْدًا لِلسَّبَبِ، كَجَبْرِ الْوَالِدِ وَلَدَهُ، وَالسَّيِّدِ عَبْدَهُ إِذَا تَطَوَّعَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، انْتَهَى.
وَفِي السَّفَرِ رِوَايَتَانِ:
مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ: أَنَّهُ لَيْسَ بِعُذْرٍ.
وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ: أَنَّهُ عُذْرٌ يُسْقِطُ الْقَضَاءَ.
وَكَذَلِكَ أَوْجَبَ فِي الْمُدَوَّنَةِ الْقَضَاءَ عَلَى مَنْ تَطَوَّعَ بِالصَّوْمِ فِي السَّفَرِ ثُمَّ أَفْطَرَ.
وَفِي الْجَلَّابِ رِوَايَةٌ أُخْرَى بِسُقُوطِهِ، انْتَهَى جَمِيعُهُ مِنَ التَّوْضِيحِ.
وَنَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ يَتَسَحَّرْ بَعْدَ الْفَجْرِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ، أَوْ أَكَلَ نَاسِيًا لِصَوْمِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي تَطَوُّعٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَا يُفْطِرُ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ فَإِنْ فَعَلَ قَضَاهُ، انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ نَاجِي: ظَاهِرُ الْكِتَابِ قَوْلُهُ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ نُفِيَ الْوُجُوبُ، وَهَلْ قَضَاؤُهُ مُسْتَحَبٌّ أَمْ لَا؟ سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ اسْتِحْبَابَ قَضَائِهِ، وَلَمْ يَحْكِ ابْنُ رُشْدٍ غَيْرَهُ. وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: فِي اسْتِحْبَابِهِ قَوْلَانِ، وَمَفْهُومُهُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ أَكَلَ عَامِدًا أَنَّهُ يَقْضِي، وَهُوَ كَذَلِكَ.
وَقَعَ لِلْقَاضِي عِيسَى بْنِ مِسْكِينٍ الْأَفْرِيقِيِّ السَّاحِلِيِّ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَقْضِي فِي قَوْلِهِ لِصَدِيقِهِ لَمَّا أَمَرَهُ بِالْأَكْلِ مَعَهُ وَقَالَ: إِنِّي صَائِمٌ: ثَوَابُكَ فِي سُرُورِ أَخِيكَ الْمُسْلِمِ بِفِطْرِكَ عِنْدَهُ أَفْضَلُ مِنْ صَوْمِكَ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِقَضَاءٍ. فَظَاهِرُهُ نَفْيُهُ، كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ. وَإِلَيْهِ كَانَ شَيْخُنَا - حَفِظَهُ اللَّهُ يَذْهَبُ، وَلَمْ يَرْتَضِ قَوْلَ عِيَاضٍ فِي مَدَارِكِهِ: قَضَاؤُهُ وَاجِبٌ، وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْهُ لِوُضُوحِهِ، انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: مَفْهُومُهُ، بَلْ صَرِيحُهُ؛ فَإِنَّهُ قَالَ: إِذَا أَكَلَ نَاسِيًا لَا يُفْطِرُ، فَإِنْ فَعَلَ قَضَى، وَهَذَا صَرِيحٌ. وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: لَوْ أَكَلَ نَاسِيًا حُرِّمَ عَلَيْهِ الْأَكْلُ ثَانِيًا، انْتَهَى.
وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ هُوَ فِي رَسْمِ اغْتَسَلَ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الصِّيَامِ، وَعُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ: الْعَمْدُ الْحَرَامُ، وَأَنَّهُ لَوْ أَفْطَرَ مُتَأَوِّلًا لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ ابْنُ نَاجِي: ظَاهِرُ كَلَامِ الْبَاجِيِّ يَقْتَضِي أَنَّ مَنْ أَفْطَرَ فِي تَطَوُّعِهِ مُتَأَوِّلًا أَنَّهُ لَا يَقْضِي لِقَوْلِهِ: كُلُّ مَا يُسْقِطُ الْكَفَّارَةَ فِي رَمَضَانَ يَسْقِطُ الْقَضَاءَ فِي التَّطَوُّعِ، انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) : وَحَيْثُ يُفْطِرُ فِي تَطَوُّعِهِ عَامِدًا، فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفُّ؟ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: قَوْلَانِ. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الشَّيْخُ: رَوَى ابْنُ نَافِعٍ لَا وَجْهَ لِكَفِّ مُفْطِرِهِ عَمْدًا إِلَّا لِعُذْرٍ. وَنَقَلَ ابْنُ الْحَاجِبِ وُجُوبَ الْكَفِّ لَا أَعْرِفُهُ، انْتَهَى.
(فَرْعٌ) : قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَيُكْرَهُ أَنْ يُعْمَلَ فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ مَا يُكْرَهُ أَنْ يُعْمَلَ فِي صَوْمِ الْفَرِيضَةِ. أَبُو الْحَسَنِ: مِثْلُ الْحُقْنَةِ وَالسَّعُوطِ وَذَوْقِ الْمِلْحِ وَالطَّعَامِ وَمَضْغِ الْعِلْكِ وَسَائِرِ مَا تَقَدَّمَ مِمَّا يُكْرَهُ فِي الْفَرْضِ، انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) : هُنَا لُغْزٌ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ لَنَا: صَائِمٌ مُتَطَوِّعٌ، أَفْطَرَ نَاسِيًا وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ؟ وَالْجَوَابُ: أَنَّهُ مَنِ اعْتَكَفَ أَيَّامًا مُتَطَوِّعًا بِهَا فِي غَيْرِ رَمَضَانَ، فَإِنَّهُ إِذَا أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْهَا نَاسِيًا فَإِنَّهُ يَقْضِيهِ وَيَصِلُهُ بِأَيَّامِ اعْتِكَافِهِ. وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ.
ص: (وَلَوْ بِطَلَاقٍ بَتَّ، كَوَالِدٍ وَشَيْخٍ، وَإِنْ لَمْ يَحْلِفَا) ش: الْخِلَافُ الْمُشَارُ إِلَيْهِ بِلَوْ هُوَ مَا قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ: قَالَ بَعْضُهُمْ: الْوَجْهُ الْمُشَارُ إِلَيْهِ فِي
الرِّوَايَةِ أَنْ تَكُونَ الطَّلْقَةُ الَّتِي حَلَفَ بِهَا هِيَ الثَّالِثَةُ. وَالْأَقْرَبُ فِي قَوْلِهِ: إِلَّا لِوَجْهِ رُجُوعِهِ إِلَى طَلَاقِ الْبَتِّ، وَيَكُونُ الْوَجْهُ مَا قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ، وَنَصَّهُ الشَّيْخُ، انْظُرْ قَوْلَهُ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ لِذَلِكَ وَجْهٌ، وَلَعَلَّ الْوَجْهَ مِثْلُ أَنْ تَكُونَ الْأَمَةُ الَّتِي حُلِفَ بِعِتْقِهَا، وَالْمَرْأَةُ الَّتِي حُلِفَ بِطَلَاقِهَا، عُلِّقَ بِهَا الْحَالِفُ، وَيُخْشَى أَنْ لَا يَتْرُكَهَا إِنْ حَنِثَ، فَالْوَجْهُ حِينَئِذٍ الْفِطْرُ، أَوْ غَيْرُ هَذَا مِمَّا يُعْرَفُ عِنْدَ النُّزُولِ، انْتَهَى.
وَيَكُونُ قَوْلُهُ: كَوَالِدٍ وَشَيْخٍ- تَشْبِيهًا لِإِفَادَةِ الْحُكْمِ، وَهُوَ الَّذِي يَظْهَرُ مِنَ الرِّوَايَةِ وَسِيَاقِهَا.
وَاعْلَمْ أَنَّ فِطْرَهُ لِلْوَالِدَيْنِ مُقَيَّدٌ بِأَنْ يَكُونَ رِقُّهُ عِلَّةً لِإِدَامَةِ صَوْمِهِ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّيْخِ: الشَّيْخُ الَّذِي أَخَذَ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ لَا يُخَالِفَهُ، كَذَا قَيَّدَهُ فِي التَّوْضِيحِ.
وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ بَعْدَ مَسْأَلَةِ الْوَالِدِ: (قُلْتُ) : ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّ شَيْخَهُ الَّذِي يَتَعَلَّمُ عَلَيْهِ الْعِلْمَ لَا يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْأَبِ، وَكَانَ بَعْضُ مَنْ لَقِيتُهُ يُفْتِي بِأَنَّهُ كَهُوَ، انْتَهَى.
وَإِذَا أَفْطَرَ لِطَاعَةِ وَالِدَيْهِ أَوْ شَيْخِهِ، فَالظَّاهِرُ أَنْ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْنُ غَازِيٍّ: بَلْ لَا بُدَّ مِنَ الْقَضَاءِ، كَمَا يَأْتِي فِي كَلَامِ عِيَاضٍ، انْتَهَى.
وَكَلَامُ عِيَاضٍ الْمُشَارُ إِلَيْهِ هُوَ مَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ جَاءَ عَنْ عِيسَى بْنِ مِسْكِينٍ أَحَدِ فُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ قَالَ لِصَاحِبٍ لَهُ فِي صَوْمِ تَطَوُّعٍ أَمَرَهُ بِفِطْرِهِ: ثَوَابُكَ فِي سُرُورِ أَخِيكَ الْمُسْلِمِ بِفِطْرِكَ عِنْدَهُ أَفْضَلُ مِنْ صَوْمِكَ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِقَضَاءٍ. فَقَالَ عِيَاضٌ: قَضَاؤُهُ وَاجِبٌ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ - يَعْنِي ابْنَ مِسْكِينٍ - لِوُضُوحِهِ، انْتَهَى.
وَفِي أَخْذِ وُجُوبِ الْقَضَاءِ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ بُعْدٌ؛ لِأَنَّ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: هَذَا خِلَافُ ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَأَمَّا فِي مَسْأَلَتِنَا فَالْفِطْرُ مُبَاحٌ، فَلَا يَجِبُ الْقَضَاءُ، وَلَا يُعْلَمُ شَيْءٌ يُبَاحُ لِأَجْلِهِ الْفِطْرُ فِي التَّطَوُّعِ، وَيَلْزَمُ الْقَضَاءُ.
وَالْمَسْأَلَةُ نَقَلَهَا ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ، وَتَقَدَّمَ فِي الْقَوْلَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ مَا نَقَلَهُ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ عَنِ التَّادَلِيِّ أَنَّهُ لَا يَقْضِي، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) : لَوْ حَلَفَ هَذَا الصَّائِمُ لَيُفْطِرَنَّ كَفَّرَ عَنْ يَمِينِهِ، نَقَلَهُ فِي النَّوَادِرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَائِدَةٌ) : رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ نَزَلَ عَلَى قَوْمٍ فَلَا يَصُومَنَّ تَطَوُّعًا إِلَّا بِإِذْنِهِمْ» قَالَ فِي الْعَارِضَةِ: حَدِيثٌ مُنْكَرُ السَّنَدِ صَحِيحُ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّهُمْ يَتَكَلَّفُونَ لَهُ فَيَفْسُدَ عَلَيْهِمْ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْلِمَهُمْ حَتَّى لَا يَخْسَرُوا، انْتَهَى.
ص: (وَكَفَّرَ إِنْ تَعَمَّدَ) ش: ابْنُ عَرَفَةَ: وَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ فِي إِفْسَادِ صَوْمِ رَمَضَانَ انْتِهَاكًا بِمُوجِبِ الْغُسْلِ: وَطْئًا، وَإِنْزَالًا. وَالْإِفْطَارَ بِمَا يَصِلُ إِلَى الْجَوْفِ أَوِ الْمَعِدَةِ مِنَ الْفَمِ، وَأَكْلَ النَّاسِي، وَمُخْطِئَ الْفَجْرَ، وَظَانَّ الْغُرُوبِ لَا يُوجِبُهَا. وَفِي جِمَاعِ النَّاسِي ثَالِثُهَا يَتَقَرَّبُ بِمَا اسْتَطَاعَ مِنَ الْخَيْرِ لَهَا. وَلِابْنِ الْمَاجِشُونِ فِي الْمَبْسُوطِ، انْتَهَى.
(مَسْأَلَةٌ) : مَنْ تَعَمَّدَ الْفِطْرَ فِي يَوْمِ ثَلَاثِينَ، ثُمَّ جَاءَ الثَّبْتُ أَنَّهُ يَوْمُ الْعِيدِ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَلَا قَضَاءَ، وَكَذَلِكَ الْحَائِضُ تُفْطِرُ مُتَعَمِّدَةً ثُمَّ تَعْلَمُ أَنَّهَا حَاضَتْ قَبْلَ فِطْرِهَا. وَعَنِ ابْنِ حَمْدِيسَ وَجَمَاعَةٍ مِنَ الطَّلَبَةِ: عَلَيْهَا الْكَفَّارَةُ، نَقَلَهُ الْبُرْزُلِيُّ. وَنَقَلَ أَبُو الْحَسَنِ فِي الْكَبِيرِ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ.
قَالَ الْبُرْزُلِيُّ إِثْرَ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ: وَمِثْلُهَا مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مُعْتَقِدًا أَنَّهَا فِي الْعِدَّةِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهَا خَرَجَتْ مِنْهَا غَرَّ وَسَلَّمَ، قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ.
وَمَنْ سَلَّمَ مُعْتَقِدًا عَدَمَ إِتْمَامِ صِلَاتِهِ ثُمَّ تَبَيَّنَ تَمَامَهَا كَذَلِكَ. وَإِنْ كَانَ التُّونِسِيُّ اخْتَارَ إِبْطَالَهَا لِأَنَّهُ قَاصِدٌ لِإِبْطَالِهَا بِسَلَامِهِ.
وَكَذَا إِنْ حَلَفَ فِي مَسَائِلِ الْغَمُوسِ مُعْتَقِدًا لِلْكَذِبِ، أَوْ حَلَفَ عَلَى الظَّنِّ أَوِ الْوَهْمَ أَوِ الشَّكِّ لِلْقَطْعِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ مُوَافَقَةِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ يَقِينًا. انْظُرْ بَقِيَّةَ كَلَامِهِ فِي الصَّائِمِ، وَانْظُرْ الْمُقَدِّمَاتِ فِي فَصْلِ السَّهْوِ.
ص: (وَجَهْلٍ) ش: أَيْ بِلَا جَهْلٍ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَى الْجَاهِلِ. قَالَ اللَّخْمِيُّ: اخْتُلِفَ فِي الْجَاهِلِ.
فَجَعَلَهُ ابْنُ حَبِيبٍ كَالْعَامِدِ، فَقَالَ فِي الَّذِي يَتَنَاوَلُ فَلْقَ حَبَّةٍ: إِنْ كَانَ سَاهِيًا فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا أَوْ عَامِدًا كَانَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ. وَالْمَعْرُوفُ مِنَ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْجَاهِلَ فِي حُكْمِ الْمُتَأَوَّلِ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدِ انْتِهَاكَ صَوْمِهِ، وَلَوْ كَانَ رَجُلٌ حَدِيثُ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ، يَظُنُّ أَنَّ الصِّيَامَ الْإِمْسَاكَ عَنِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ دُونَ الْجِمَاعِ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ إِنْ جَامَعَ، انْتَهَى.
ثُمَّ اسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ مَالِكٍ فِيمَنْ سَافَرَ دُونَ
الْقَصْرِ، أَوْ قَدِمَ لَيْلًا فَأَصْبَحَ مُفْطِرًا، وَفِي الْمَرْأَةِ تَطْهُرُ لَيْلًا فَلَمْ تَغْتَسِلْ إِلَّا بَعْدَ الْفَجْرِ فَتُفْطِرُ- قَالَ: فَكُلُّ هَؤُلَاءِ أَفْطَرُوا عَلَى الْجَهْلِ بِمُوجِبِ الْحُكْمِ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالْجَهْلِ مَا لَمْ يَتَأَوَّلْ شَيْئًا لَا تَأْوِيلًا قَرِيبًا وَلَا بَعِيدًا.
وَقَالَ الْجُزُولِيُّ فِي الْكَبِيرِ: وَاخْتُلِفَ فِي الْجَاهِلِ. فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَلَا يُعْذَرُ بِالْجَهْلِ، وَإِنَّمَا يُتَصَوَّرُ هَذَا فِيمَنْ كَانَ قَرِيبَ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ، أَسْلَمَ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَلَمْ يَعْلَمْ صَوْمَ رَمَضَانَ هَلْ هُوَ فَرْضٌ أَمْ لَا؟ انْتَهَى.
وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْجَهْلِ بِوُجُودِ رَمَضَانَ، فَإِنَّ ذَلِكَ وَاضِحٌ، وَلَمْ أَرَ أَحَدًا ذَكَرَ فِيهِ خِلَافًا. بَلِ الْمَذْهَبُ أَنَّ مَنْ أَكَلَ فِي يَوْمِ الشَّكِّ قَبْلَ أَنْ يَثْبُتَ الْهِلَالُ، ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ الْأَسِيرُ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ بِرَمَضَانَ لَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ قَوْلًا بِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْجَاهِلِ وَالْمُتَأَوِّلِ - فَإِنَّهُ جَاهِلٌ أَيْضًا بِالْحُكْمِ - فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا؟ ثُمَّ إِنَّهُمْ فَرَّقُوا فِي الْمُتَأَوِّلِ بَيْنَ التَّأْوِيلِ وَالْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ- فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا إِلَّا إِذَا حَمَلَ الْجَاهِلُ عَلَى مَنْ كَانَ حَدِيثَ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ، فَجَهِلَ وُجُوبَ رَمَضَانَ، أَوْ بَعْضَ مَا يَمْنَعُهُ رَمَضَانُ مِنْ أَحْكَامِهِ الْمُشْتَهِرَةِ. وَالْمُتَأَوِّلُ مَنْ أَفْطَرَ لِوَجْهٍ يُخْفِي حُكْمَهُ. بَلْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِجَوَازِ الْإِفْطَارِ بِهِ.
وَحَاصِلُ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ: أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُتَأَوِّلِ وَالْجَاهِلِ، وَأَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِمَا بِوَجْهٍ؛ وَلِأَنَّ الْكَفَّارَةَ إِنَّمَا هِيَ عَلَى الْمُنْتَهِكِ، فَمَنْ لَمْ يَنْتَهِكْ وَادَّعَى وَجْهًا يُعْذَرْ بِهِ وَجَاءَ مُسْتَفْتِيًا- قُبِلَ مِنْهُ، وَمَنْ ظَهَرَ عَلَيْهِ نَظَرٌ فِيمَا يَدَّعِيهِ، فَإِنْ كَانَ قَرِيبًا مِمَّا يَرَى أَنَّ مِثْلَهُ يَجْهَلُ ذَلِكَ صُدِّقَ، وَأَمَّا إِنْ كَانَ بَعِيدًا لَمْ يُصَدَّقْ. قَالَ اللَّخْمِيُّ إِثْرَ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ وَذِكْرِهِ التَّأْوِيلَ الْبَعِيدَ مَا نَصَّهُ الشَّيْخُ: أَصْلُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْكَفَّارَةَ إِنَّمَا تَجِبُ عَلَى مَنْ قَصَدَ الْفِطْرَ جُرْأَةً وَانْتِهَاكًا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ نُظِرَ إِنَّ مَنْ أَفْطَرَ بِتَأْوِيلٍ، فَإِنْ جَاءَ مُسْتَفْتِيًا وَلَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ صُدِّقَ فِيمَا يَدَّعِيهِ وَأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ جُرْأَةً، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ. وَإِنْ ظَهَرَ عَلَيْهِ نُظِرَ فِيمَا يَدَّعِيهِ، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَرَى أَنَّ مِثْلَهُ يَجْهَلُ ذَلِكَ صُدِّقَ، وَإِنْ أَتَى بِمَا لَا يُشْبِهُ لَمْ يُصَدَّقْ وَأُلْزِمَ الْكَفَّارَةَ وَهَذِهِ فَائِدَةُ قَوْلِهِمْ: إِنَّ هَذَا يَنْوِي، وَلَا يَنْوِي الْآخَرُ، وَيُجْبَرُ عَلَى الْكَفَّارَةِ، وَلَوْ كَانَ إِخْرَاجُ الْكَفَّارَةِ إِلَيْهِ إِذَا ادَّعَى مَا لَا يُشْبِهُ، لَمْ يَكُنْ لِلتَّفْرِقَةِ وَجْهٌ. وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ فِي الْحُقُوقِ الَّتِي لِلَّهِ سُبْحَانَهُ فِي الْأَمْوَالِ، فَمَنْ كَانَ لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهَا، أَوْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ، أَوْ عِتْقٌ عَنْ ظِهَارٍ، أَوْ قَتْلٌ، أَوْ هَدْيٌ، فَامْتَنَعَ مِنْ أَدَاءِ ذَلِكَ: أَنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى إِنْفَاذِهِ. وَقَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَوَّازِ فِيمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ كَفَارَّةٌ، فَمَاتَ قَبْلَ إِخْرَاجِ ذَلِكَ أَنَّهَا تُؤْخَذُ مِنَ التَّرِكَةِ إِذَا لَمْ يُفَرِّطْ.
فَإِنْ قِيلَ: الْكَفَّارَةُ مُخْتَلَفٌ فِيهَا هَلْ هِيَ عَلَى الْفَوْرِ أَوْ عَلَى التَّرَاخِي فَكَيْفَ يُجْبَرُ عَلَى إِخْرَاجِهَا مَعَ الْقَوْلِ أَنَّهَا عَلَى التَّرَاخِي؟ قِيلَ: إِنَّمَا يَصِحُّ أَنْ يُؤْخَذَ بِهَا مَنْ كَانَ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ يُخْرِجُهَا، وَأَمَّا مَنْ عُلِمَ مِنْهُ جُحُودُهَا، وَأَنَّهُ يَقُولُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، فَلَا يُؤْخَذُ بِهَا. وَهَذَا فِي الْحُقُوقِ الَّتِي تَجِبُ لِلَّهِ تَعَالَى، وَلَمْ يُوجِبْهَا عَلَى نَفْسِهِ.
وَاخْتُلِفَ فِيمَا تَطَوَّعَ بِإِيجَابِهِ عَلَى نَفْسِهِ فَقَالَ: مَالِي صَدَقَةٌ لِلْمَسَاكِينِ فِي غَيْرِ يَمِينٍ. فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يُجْبَرُ عَلَى إِنْفَاذِ ذَلِكَ. وَقَالَ فِي كِتَابِ الصَّدَقَاتِ مِنْ كِتَابِ مُحَمَّدٍ: يُجْبَرُ. وَبَقِيَّةُ مَا تَعَلَّقُ بِذَلِكَ مَذْكُورٌ فِي كِتَابِ الْهِبَاتِ، انْتَهَى بِلَفْظِهِ.
وَنَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ، وَصَاحِبُ التَّوْضِيحِ فِي كَلَامِهِ عَلَى الْكَفَّارَةِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ أَيْضًا، وَلَمْ يَتَعَقَّبُوهُ بِرَدٍّ وَلَا غَيْرِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهَاتٌ) :
الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى الْكَفَّارَةِ، وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: قَالَ اللَّخْمِيُّ: مُقْتَضَى الْمَذْهَبِ الْإِجْبَارُ عَلَى الْكَفَّارَةِ، وَلَا يُوكَلُ إِلَى الْأَمَانَةِ. فَمَنِ ادَّعَى سُقُوطَهَا بِجَهْلٍ أَوْ تَأْوِيلٍ لَمْ يُصَدَّقْ، إِلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِمَا يُشْبِهُ. وَقَالَ صَاحِبُ الْقَبَسِ: هِيَ مَوْكُولَةٌ إِلَى الْأَمَانَةِ، انْتَهَى.
الثَّانِي: قَالَ الْقَرَافِيُّ: وَتَسْتَقِرُّ الْكَفَّارَةُ فِي الذِّمَّةِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهَا، انْتَهَى.
الثَّالِثُ: قَالَ الْجُزُولِيُّ: لَا يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُفْطِرَ بِالتَّأْوِيلِ، دُونَ أَنْ يَسْمَعَ فِيهِ شَيْئًا. انْتَهَى، وَهَذَا مَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا دُونَ أَنْ يَعْلَمَ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ص: (فِي رَمَضَانَ فَقَطْ) ش: قَالَ فِي الشَّامِلِ: وَلَا يُكَفِّرُ فِي دَهْرٍ مَنْذُورٍ صَوْمُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْبَيَانِ فِي سَمَاعِ سَحْنُونٍ: وَسُئِلَ سَحْنُونٌ عَمَّنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ الدَّهْرَ كُلِّهِ فَأَفْطَرَ يَوْمًا، قَالَ سَحْنُونٌ: إِنْ أَفْطَرَ نَاسِيًا أَوْ مِنْ عُذْرٍ فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَإِنْ أَفْطَرَهُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، قِيلَ: وَمَا الْكَفَّارَةُ؟ قَالَ: إِطْعَامُ مِدٍّ. أَخْبَرَ بِهِ أَبُو زَيْدٍ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: سَحْنُونٌ فِي كِتَابِ ابْنِهِ: أَنَّ عَلَيْهِ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا. وَوَجْهُ هَذَا: أَنَّهُ لَمَّا أَفْطَرَ مُتَعَمِّدًا مَا لَا يَجِدُ لَهُ قَضَاءً أَشْبَهَ الْفِطْرَ فِي رَمَضَانَ مُتَعَمِّدًا، فَإِنَّهُ لَا يَجِدُ لَهُ قَضَاءً، إِذْ قَدْ جَاءَ أَنَّهُ لَا يَقْضِيهِ بِصِيَامِ الدَّهْرِ وَإِنْ صَامَهُ. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ: الْقِيَاسُ عَلَى كَفَّارَةِ التَّفْرِيطِ؛ لِأَنَّهَا كَفَّارَةٌ وَجَبَتْ لِلْفِطْرِ مُتَعَمَّدًا فِي مَوْضِعٍ لَا يَجُوزُ الْفِطْرُ فِيهِ، وَهَذَا أَفْطَرَ مُتَعَمِّدًا فِي مَوْضِعٍ لَا يَجُوزُ فِيهِ الْفِطْرُ.
وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ نَذَرَ صِيَامَ الدَّهْرِ فَلَزِمَهُ صِيَامُ ظِهَارٍ أَوْ كَفَّارَةُ يَمِينٍ. فَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يَصُومُ ذَلِكَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَقَالَ سَحْنُونٌ: يَصُومُ وَيُطْعِمُ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مُدًّا، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ وَمِنَ الْوَاضِحَةِ: قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: وَمَنْ نَذَرَ صِيَامَ الدَّهْرِ فَأَفْطَرَ يَوْمًا نَاسِيًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ فَعَلَ عَامِدًا فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ؛ إِذْ لَا يَجِدُ لَهُ قَضَاءً. وَقَالَ سَحْنُونٌ فِي كِتَابِ ابْنِهِ: كَفَّارَةُ إِطْعَامِ مَسَاكِينَ، قَالَ سَحْنُونٌ: وَإِنْ لَزِمَتْهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ بِالصَّوْمِ، فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لِيَمِينِهِ، وَيُطْعِمْ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مُدًّا.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَمَنْ نَذَرَ صِيَامَ الدَّهْرِ، أَوْ نَذَرَ صِيَامَ الْاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ، ثُمَّ لَزِمَهُ صَوْمُ شَهْرَيْنِ لِظِهَارٍ فَلْيَصُمْهَا لِظِهَارِهِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِمَا نَذَرَ مِنْ صِيَامِ الدَّهْرِ مِنَ الْأَيَّامِ الْمُسَمَّاةِ، قَالَهُ مَالِكٌ. وَعَلَى قَوْلِ سَحْنُونٍ: يُطْعِمُ لِعِدَّةِ مَا صَامَ لِكُلِّ يَوْمٍ مُدًّا، وَهَذَا أَدْنَى الْكَفَّارَةِ فِي الصَّوْمِ، انْتَهَى.
وَمِثْلُ صِيَامِ الْكَفَّارَةِ: صِيَامُ الْهَدْيِ، وَالْفِدْيَةِ، وَغَيْرِهِ مِمَّا يُشْبِهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَانْظُرْ كَلَامَ التَّوْضِيحِ فِي قَوْلِهِ: وَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ.
وَنَقَلَ فِي التَّوْضِيحِ عَنِ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْمَقْدِسِيِّ الْمَالِكِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِيمَنْ نَذَرَ صِيَامَ الدَّهْرِ ثُمَّ أَفْطَرَ يَوْمًا مُتَعَمِّدًا: قَالَ كَافَّةُ النَّاسِ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ، وَانْظُرْ بَقِيَّتَهُ.
ص: (جِمَاعًا) ش: قَالَ سَنَدٌ: وَكَذَلِكَ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ لَوْ وَطِىءَ امْرَأَتَهُ فِي دُبُرِهَا، أَوْ فَرْجَ مَيْتَةٍ، أَوْ بَهِيمَةٍ، انْتَهَى مِنَ الذَّخِيرَةِ.
(فَرْعٌ) : قَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ: وَمَنِ احْتَلَمَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهُ، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ؛ لِمَا رُوِيَ «: ثَلَاثَةٌ لَا يُفْطِرْنَ الصَّائِمَ»
…
فَذَكَرَ الِاحْتِلَامَ مِنْ ذَلِكَ. نَقَلَهُ الشَّيْخُ بَهْرَامُ فِي الْكَبِيرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ص: (أَوْ رَفْعُ نِيَّةٍ نَهَارًا) ش: يَعْنِي بَعْدَ أَنْ أُصْبِحَ صَائِمًا، فَأَحْرَى إِذَا أَصْبَحَ نَاوِيًا لِلْفِطْرِ وَسَوَاءٌ اسْتَمَرَّ
بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى نِيَّةِ الْفِطْرِ، أَوْ نَوَى الصَّوْمَ نَهَارًا قَبْلَ أَنْ يَأْكُلَ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ جَمِيعِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَيُؤْخَذُ حُكْمُهُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِي إِصْبَاحِهِ يَنْوِي الْفِطْرَ، قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ مَعَ مَالِكٍ، وَأَشْهَبَ مَعَ رِوَايَتِيْ أَبِي الْفَرَجِ، وَفِيهَا: لَوْ أَصْبَحَ يَنْوِي الْفِطْرَ، ثُمَّ نَوَى الصَّوْمَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ كَفَّرَ. أَشْهَبُ: لَا كَفَّارَةَ. الصَّقَلِّيُّ: لَعَلَّهُ فِيمَنْ صَامَ بَعْضَهُ؛ إِذْ لَا تَرْتَفِعُ نِيَّتُهُ إِلَّا بِفِعْلٍ.
وَلَوْ كَانَ أَوَّلَ صَوْمِهِ كَفَّرَ اتِّفَاقًا. وَفِيهَا الشَّكُّ فِي قَوْلِ مَالِكٍ: بِكَفَّارَةِ مَنْ نَوَى الْفِطْرَ بَعْدَ الصُّبْحِ. ابْنُ الْقَاسِمِ: أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يُكَفَّرَ. سَحْنُونُ: لَا كَفَّارَةَ، وَقَضَاؤُهُ مُسْتَحَبٌّ. فَخَرَّجَهُمَا عِيَاضٌ عَلَى صِحَّةِ رَفْضِهِ وَامْتِنَاعِهِ. الشَّيْخُ عَنِ ابْنِ حَبِيبٍ: مَنْ نَوَى الْفِطْرَ بَعْدَ الْفَجْرِ نَهَارَهُ لَمْ يُفْطِرْ بِالنِّيَّةِ، انْتَهَى.
(فَرْعٌ) : لَا كَفَّارَةَ عَلَى مَنِ ارْتَدَّ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ. ذَكَرَهُ فِي الْمَعُونَةِ. وَفِي الْعُمْدَةِ مُخْتَصَرَةِ الْمَعُونَةِ: وَالرِّدَّةُ مُبْطِلَةٌ، وَلَا يُلْزَمُ قَضَاءَ مَا أَفْطَرَهُ فِيهَا إِذَا أَسْلَمَ كَالْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ، انْتَهَى.
ص: (أَوْ أَكْلًا أَوْ شُرْبًا) ش: انْظُرْ مَا مُرَادُهُ بِالْأَكْلِ: هَلْ هُوَ الْأَكْلُ الْمُعْتَادُ؟ فَلَا تَلْزَمُ الْكَفَّارَةُ بِالْحَصَا وَالتُّرَابِ وَنَحْوِهِ. أَوْ مُرَادُهُ مَا قَدَّمَ أَنَّهُ يَقَعُ بِهِ الْإِفْطَارُ فَيَعُمُّ ذَلِكَ الْجَمِيعَ؟
قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي كَلَامِهِ عَلَى الْكَفَّارَةِ: وَفِي نَحْوِ التُّرَابِ وَفِلْقَةِ الطَّعَامِ عَلَى تَفْرِيعِ الْإِفْطَارِ قَوْلَانِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: الْأَقْرَبُ سُقُوطُ الْكَفَّارَةِ، انْتَهَى.
وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وُقُوعُ الْفِطْرِ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مَشَى عَلَى مَا اخْتَارَهُ اللَّخْمِيُّ. وَالَّذِي اخْتَارَهُ هُوَ قَوْلُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْمَاجِشُونِ، وَهُوَ يَرَى الْكَفَّارَةَ فِي ذَلِكَ فِي الْعَمْدِ.
وَنَصَّ اللَّخْمِيُّ فِي بَابِ مَا يَقَعُ بِهِ الْفِطْرُ: وَاخْتُلِفَ فِي الْحَصَى وَالدِّرْهَمِ. فَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي الْمَبْسُوطِ: لَهُ حُكْمُ الطَّعَامِ فَعَلَيْهِ فِي السَّهْوِ الْقَضَاءُ، وَفِي الْعَمْدِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ: لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُتَعَمِّدًا، فَيَقْضِي لِتَهَاوُنِهِ. وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ؛ لِأَنَّ الْحَصَى يَشْغَلُ الْمَعِدَةَ إِشْغَالًا وَيُنْقِصُ مِنْ كَلَبِ الْجُوعِ، انْتَهَى.
ص: (بِإِطْعَامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا) ش: وَلَوْ أَطْعَمَ مِسْكِينًا وَاحِدًا سِتِّينَ يَوْمًا لَمْ يُجْزِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: الْمَقْصُودُ سَدُّ سِتِّينَ خَلَّةً، وَهُوَ حَاصِلٌ، فَلِمَ لَا يُجْزِئُ؟ قِيلَ: الْمَقْصُودُ سَدُّ خُلَّةِ سِتِّينَ؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْأَجْرِ، وَلِتَوَقُّعِ أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ وَلِيٌّ مَقْبُولُ الدُّعَاءِ. نَقَلَهُ الْقَرَافِيُّ.
(فَائِدَةٌ) : وَقَعَ فِي الْمُوَطَّأِ فِي حَدِيثِ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ فِي حَدِيثِ الْمُجَامِعِ فِي رَمَضَانَ
بَعْدَ ذِكْرِ الرَّقَبَةِ: «هَلْ تَسْتَطِيعُ بَدَنَةً؟ قَالَ: لَا» . قَالَ فِي التَّمْهِيدِ: وَهَذَا غَيْرُ مَحْفُوظٍ فِي الْأَحَادِيثِ الْمُسْنَدَةِ الصِّحَاحِ، وَلَا مَدْخَلَ لِلْبَدَنَةِ فِي كَفَّارَةِ الْوَطْءِ فِي رَمَضَانَ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ. وَذِكْرُ الْبَدَنَةِ هُوَ الَّذِي أُنْكِرَ عَلَى عَطَاءٍ، ثُمَّ قَالَ: وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا كَانَ يُفْتِي بِهِ إِلَّا الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ، فَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمَجَامِعُ فِي رَمَضَانَ عَامِدًا رَقَبَةً، أَهْدَى بَدَنَةً إِلَى مَكَّةَ، انْتَهَى مُخْتَصَرًا.
ص: (لِكُلِّ مُدٍّ) ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ أَشْهَبُ: الْمُدُّ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنِ الْغَذَاءِ وَالْعَشَاءِ. وَنَقَلَهُ فِي الشَّامِلِ بِلَفْظِ: إِنْ شَاءَ.
(تَنْبِيهَاتٌ) :
الْأَوَّلُ: فَلَوْ أَطْعَمَ ثَلَاثِينَ: مُدَّيْنِ مُدَّيْنِ فِي يَوْمٍ أَوْ أَكْثَرَ لَمْ يُجْزِهِ حَتَّى يُطْعِمَ ثَلَاثِينَ آخَرِينَ، انْتَهَى مِنَ الذَّخِيرَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ.
أَبُو الْحَسَنِ: وَلَهُ أَنْ يَسْتَرْجِعَ ثَلَاثِينَ مُدًّا مِنَ الْمَسَاكِينِ، وَيُعْطِيَهَا غَيْرَهُمْ، فَإِنْ فَوَّتُوهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِمْ رُجُوعٌ، كَمَنْ عَوَّضَ مِنْ صَدَقَةٍ ظَانًّا لُزُومَهَا، انْتَهَى.
الثَّانِي: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: اللَّخْمِيُّ صَنَّفَهَا كَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ. قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِي كَوْنِ إِطْعَامِ الْكَفَّارَةِ لِأَيَّامٍ مِنْ رَمَضَانَ وَاحِدٍ كَيَمِينٍ وَاحِدَةٍ، لَا يَأْخُذُ مِنْهَا الْمِسْكِينُ الْوَاحِدُ إِلَّا لِيَوْمٍ وَاحِدٍ. أَوْ أَيَّامَهُ كَأَيْمَانٍ يُجْزِيهِ أَخْذُهُ لِلْيَوْمَيْنِ نَظَرٌ، وَهَذَا أَبْيَنُ. وَقَوْلُ الْجَلَّابِ: لَوْ أَطْعَمَ سِتِّينَ لِإِحْدَى كَفَارَتَيْهِ، ثُمَّ أَطْعَمَهُمْ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي لِلْأُخْرَى أَجْزَأَهُ؛ مَفْهُومُهُ لَوْ أَطْعَمَهُمْ عَنْهَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ لَمْ يُجْزِهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، انْتَهَى.
الثَّالِثُ: قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ: وَتَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الْأَيَّامِ، وَلَا تَتَعَدَّدُ فِي الْيَوْمِ الْوَاحِدِ قَبْلَ التَّكْفِيرِ اتِّفَاقًا، وَلَا بَعْدَهُ عَلَى الْأَصَحِّ الْمَعْرُوفِ مِنَ الْمَذْهَبِ. وَقَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَتَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ أَيَّامِ مُوجِبِهَا وَلَوْ قَبْلَ إِخْرَاجِهَا، لَا بِتَعَدُّدِ مُوجِبِهَا قَبْلَهُ اتِّفَاقًا، وَبُعْدَهُ نَقَلًا. ابْنُ بَشِيرٍ عَنِ الْمُتَأَخِّرِينَ، انْتَهَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ص: (وَهُوَ الْأَفْضَلُ) ش: قَالَ ابْنُ يُونُسَ: وَإِنْ كَانَ حُرًّا مَالِكَ التَّصَرُّفِ، وَيُكَفِّرُ الْعَبْدُ وَالْأُمَّةُ بِالصِّيَامِ إِلَّا أَنْ يَضُرَّ ذَلِكَ بِالسَّيِّدِ، فَيَبْقَى دَيْنًا عَلَيْهِمَا إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ السَّيِّدُ فِي الْإِطْعَامِ. وَنَقَلَهُ الْمُصَنَّفُ فِي التَّوْضِيحِ.
وَإِذَا فَعَلَ السَّفِيهُ مُوجَبَ الْكَفَّارَةِ، وَقُلْنَا: إِنَّهَا عَلَى التَّخْيِيرِ، كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ، أَمَرَهُ وَلَيُّهُ بِالصِّيَامِ لِحِفْظِ مَالِهِ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ وَأَبَى، كَفَّرَ عَنْهُ وَلِيُّهُ بِالْأَقَلِّ مِنِ الْعِتْقِ وَالطَّعَامِ. عَبْدُ الْحَقِّ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَبْقَى فِي ذِمَّتِهِ إِذَا أَبَى مِنَ الصَّوْمِ. قَالَ: وَهُوَ الْأَبْيَنُ، انْتَهَى مِنَ التَّوْضِيحِ.
(تَنْبِيهٌ) : قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الْبَاجِيُّ: أَفْتَى مُتَأَخِّرُو أَصْحَابِنَا بِالْإِطْعَامِ فِي الشِّدَّةِ، وَالْعِتْقِ فِي الرَّخَاءِ. وَأَبُو إِبْرَاهِيمَ: بِصَوْمِ ذِي سَعَةٍ.
وَبَادَرَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى الْأَمِيرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ حِينَ سَأَلَ الْفُقَهَاءَ عَنْ وَطْءِ جَارِيَةٍ لَهُ فِي رَمَضَانَ بِكَفَّارَتِهِ بِصَوْمِهِ، فَسَكَتَ حَاضَرُوهُ. ثُمَّ سَأَلُوهُ: لِمَ لَمْ تُخَيِّرْهُ فِي أَحَدِ الثَّلَاثَةِ؟ فَقَالَ: لَوْ خَيَّرْتُهُ وَطِىءَ كُلَّ يَوْمٍ وَأَعْتَقَ. فَلَمْ يُنْكِرُوهُ.
عِيَاضٌ: وَحَكَاهُ فَخْرُ الدِّينِ عَنْ بَعْضِهِمْ. وَتَعَقَّبَهُ بِأَنَّهُ مِمَّا ظَهَرَ مِنَ الشَّرْعِ إِلْغَاؤُهُ وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى إِبْطَالِهِ.
(قُلْتُ) : وَتَأَوَّلَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْمُفْتِيَ بِذَلِكَ رَأَى الْأَمِيرَ فَقِيرًا، مَا بِيَدِهِ إِنَّمَا هُوَ لِلْمُسْلِمِينَ.
(قُلْتُ) : وَلَا يَرِدُ هَذَا بِتَعْلِيلِ الْمُفْتِي بِذَلِكَ بِمَا ذَكَرَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنَافِيهِ، وَالتَّصْرِيحُ بِهِ مُوحِشٌ، انْتَهَى.
وَقَالَ الْقَرَافِيُّ فِي شَرْحِ الْمَحْصُولِ لِلْفَخْرِ: هَذَا الْمِثَالُ قَدْ يُتَحَيَّلُ فِيهِ أَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا أَبْطَلَهُ الشَّرْعُ؛ لِأَجْلِ قِيَامِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُلُوكِ وَغَيْرِهِمْ، وَأَنَّ الشَّرْعَ إِنَّمَا شَرَعَ الْكَفَّارَةَ زَجْرًا، وَالْمُلُوكُ لَا تَنْزَجِرُ بِالْإِعْتَاقِ، فَتَعَيَّنَ مَا هُوَ زَجْرٌ فِي حَقِّهِمْ، فَهَذَا نَوْعٌ مِنَ النَّظَرِ
الْمَصْلَحِيِّ الَّذِي لَا تَأْبَاهُ الْقَوَاعِدُ، انْتَهَى.
ص: (وَعَنْ أَمَةٍ وَطِئَهَا، أَوْ زَوْجَةٍ أَكْرَهَهَا) ش: إِنَّمَا قَالَ فِي الْأَمَةِ وَطِئَهَا، وَالزَّوْجَةِ أَكْرَهَهَا؛ لِيُنَبَّهَ عَلَى أَنَّ طَوْعَ الْأُمَّةِ كَالْإِكْرَاهِ، فَإِذَا وَطِئَهَا وَجَبَّتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، سَوَاءٌ كَانَتْ طَائِعَةً أَوْ مُكْرَهَةً، بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ فَإِنَّمَا يُكَفِّرُ عَنْهَا إِذَا كَانَتْ مُكْرَهَةً.
وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْأَمَةِ هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي النَّوَادِرِ. قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إِنْ وَطِىءَ أَمَةً كَفَّرَ عَنْهَا، وَإِنْ طَاوَعَتْهُ؛ لِأَنَّ طَوْعَهَا كَالْإِكْرَاهِ لِلرِّقِّ، وَلِذَلِكَ لَا تُحَدُّ الْمُسْتَحَقَّةُ، وَإِنْ كَانَتْ تَعْلَمُ أَنْ وَاطِئَهَا غَيْرُ مَالِكٍ. قَالَ ابْنُ يُونُسَ: إِلَّا أَنْ تَطْلُبَهُ هِيَ بِذَلِكَ وَتَسْأَلَهُ فِيهِ، فَيَلْزَمُ الْأَمَةَ الْكَفَّارَةُ، وَتُحَدُّ الْمُسْتَحَقَّةُ، إِنْ لَمْ تُعْذَرْ بِجَهْلٍ، انْتَهَى.
وَيَنْبَغِي أَنْ يُلْحَقَ بِالسُّؤَالِ مَا إِذَا تَزَيَّنَتْ، وَلَمْ أَرَ فِي كِتَابِ الْأَصْحَابِ خِلَافَ مَا نَقَلَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ، انْتَهَى كَلَامُ التَّوْضِيحِ.
(فَرْعٌ) : فَإِنْ أَعْتَقَهَا قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْهَا، فَالْإِطْعَامُ عَنْهَا لَازِمٌ لَهُ، انْتَهَى مِنْ أَبِي الْحَسَنِ الْكَبِيرِ عَنِ ابْنِ يُونُسَ، وَانْظُرْ تَخْصِيصَهُ التَّكْفِيرَ عَنْهَا حِينَئِذٍ بِالْإِطْعَامِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا مَفْهُومَ لَهُ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ لِأَنَّهُ الْأَخَفُّ غَالِبًا، وَإِلَّا فَحِينَ صَارَتْ حُرَّةً فَيَصِحُّ التَّكْفِيرُ عَنْهَا بِالْعِتْقِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) : قَالَ فِي النَّوَادِرِ: وَإِنْ فَعَلَ الْعَبْدُ ذَلِكَ بِمَنْ يَلْزَمُهُ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْهُ فَهِيَ جِنَايَةٌ، إِمَّا أَنْ يُسْلِمَهُ السَّيِّدُ فِيهَا، أَوْ يَفْدِيَهُ بِالْأَقَلِّ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ مِنْ قِيمَتِهِ. وَلَوْ طَلَبَتِ الْمَفْعُولُ بِهَا أَخْذَ ذَلِكَ وَتَصُومُ عَنْ نَفْسِهَا لَمْ يُجْزِهَا وَإِنْ رَضِيَ السَّيِّدُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِبْ لَهَا، فَيَصِيرُ ثَمَنُهَا لِلصِّيَامِ، وَالصِّيَامُ لَا ثَمَنَ لَهُ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَإِنْ أَكْرَهَ الْعَبْدُ زَوْجَتَهُ، فَقَالَ ابْنُ شَعْبَانَ: هُوَ جِنَايَةٌ إِنْ شَاءَ السَّيِّدُ أَسْلَمَهُ، أَوِ افْتَكَّهُ بِأَقَلِّ الْقِيمَتَيْنِ مِنَ الرَّقَبَةِ أَوِ الطَّعَامِ. وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَأْخُذَ ذَلِكَ وَتُكَفِّرَ بِالصِّيَامِ؛ إِذْ لَا ثَمَنَ لَهُ.
ابْنُ مُحْرِزٍ: وَمَعْنَى قَوْلِ ابْنِ شَعْبَانَ: الرَّقَبَةُ الَّتِي يُكَفَّرُ بِهَا لَا رَقَبَةُ الْعَبْدِ الْجَانِي، وَهُوَ خِلَافُ مَا حَكَاهُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي نَوَادِرِهِ. وَهُوَ أَشْبَهُ بِالْأُصُولِ مِمَّا حَكَاهُ أَبُو مُحَمَّدٍ. وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي أَنْ يَفْتَدِيَهُ السَّيِّدُ بِالْأَكْثَرِ مِنَ الْأَمْرَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ مُخَيَّرَةٌ فِيمَا تُكَفِّرُ بِهِ، وَهَذَا الْوَجْهُ أَقْوَى عِنْدِي مِنَ الْأَوَّلِ، إِلَّا أَنَّهُ لَاحَظَ فِي الْأَوَّلِ كَوْنَ الْمُكَفِّرِ إِنَّمَا يُكَفِّرُ بِأَخَفِّ الْكَفَّارَاتِ لَا بِأَثْقَلِهَا، انْتَهَى بِمَعْنَاهُ.
خَلِيلٌ: وَقَوْلُهُ: خِلَافُ مَا حَكَاهُ أَبُو مُحَمَّدٍ إِلَخْ، يُرِيدُ لِأَنَّ عِبَارَةَ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ: يَفْدِيهِ بِالْأَقَلِّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ مِنْ قِيمَتِهِ، فَهَذَا يَقْتَضِي قِيمَةَ الْعَبْدِ وَلَيْسَ حُكْمَ الْجِنَايَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ كَهَذَا، بَلْ يَفْتَكُّهُ بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ، أَوْ يُسْلِمُهُ. وَعَلَى هَذَا فَفِي نَقْلِ أَبِي مُحَمَّدٍ نَظَرٌ. فَاعْلَمْهُ، انْتَهَى كَلَامُ التَّوْضِيحِ.
(قُلْتُ) : وَلَيْسَ مَا قَالَاهُ مُتَعَيِّنًا فِي كَلَامِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ، بَلْ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى خِلَافِ مَا قَالَا، بِأَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: مِنْ ذَلِكَ- رَاجِعًا إِلَى مَا يُكَفِّرُ بِهِ وَهُوَ الرَّقَبَةُ وَالطَّعَامُ، وَيَكُونُ الضَّمِيرُ فِي رَقَبَتِهِ رَاجِعًا إِلَى ذَلِكَ. وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يُسْلِمَهُ أَوْ يَفْتَكَّهُ بِالْأَقَلِّ مِنَ الرَّقَبَةِ وَالطَّعَامِ أَوْ قِيمَةِ الرَّقَبَةِ وَالطَّعَامِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ: الْمَرْأَةُ مُخَيَّرَةٌ- يَعْنِي: فِيمَا إِذَا كَانَتْ تُكَفِّرُ عَنْ نَفْسِهَا، وَأَمَّا إِذَا كَفَّرَ الزَّوْجُ فَالْخِيَارُ لَهُ، وَلِهَذَا إِنَّمَا يَرْجِعُ بِالْأَقَلِّ. وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُلَاحِظَ أَكْثَرَ الْقِيمَتَيْنِ لِكَوْنِ الْمَرْأَةِ لَوْ كَفَّرَتْ عَنْ نَفْسِهَا كَانَتْ مُخَيَّرَةً. فَتَأَمَّلْهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ النَّوَادِرِ: أَنَّهُ لَوْ أَكْرَهَ أَمَةً فَالْحُكْمُ كَالزَّوْجَةِ، بَلْ صَرِيحُهُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) : قَالَ أَبُو الْحَسَنِ فِي الْكَبِيرِ: قَالَ ابْنُ مُحْرِزٍ: وَإِذَا أَكْرَهَ الْمَرْأَةَ عَلَى الْوَطْءِ رَجُلَانِ، فَالْكَفَّارَةُ عَلَى الْأَوَّلِ مِنْهُمَا دُونَ الثَّانِي؛ وَذَلِكَ أَنَّ الثَّانِي لَمْ يُفْسِدْ صَوْمَهَا، وَلَا أَوْجَبَ عَلَيْهَا بِوَطْئِهِ مَا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا،
انْتَهَى.
ص: (وَفِي تَكْفِيرِهِ عَنْهَا إِنْ أَكْرَهَهَا عَلَى الْقُبْلَةِ حَتَّى أَنْزَلَا تَأْوِيلَانِ) ش: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: اخْتُلِفَ فِي الَّذِي يُقَبِّلُ امْرَأَتَهُ مُكْرَهَةً حَتَّى يَنْزِلَا. فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُكَفِّرُ عَنْ نَفْسِهِ فَقَطْ، وَعَلَيْهَا الْقَضَاءُ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَحَمْدِيسٌ: وَيُكَفِّرُ عَنْهَا، وَكُلُّ أَوَّلِ الْمُدَوَّنَةِ: عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ، وَرَجَّحَ مَذْهَبَ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ؛ لِأَنَّ الِانْتِهَاكَ مِنَ الرِّجَالِ خَاصَّةً، انْتَهَى.
ص: (وَفِي تَكْفِيرِ مُكْرِهِ رَجُلٍ لِيُجَامِعَ قَوْلَانِ) ش: ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: الْأَقْرَبُ السُّقُوطُ؛ لِأَنَّهُ مُتَسَبِّبٌ، وَالْمُكْرَهُ مُبَاشِرٌ.
وَيَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِ فِي التَّوْضِيحِ: أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَى الْمُكْرِهِ - بِكَسْرِ الرَّاءِ - عِنْدَ الْأَكْثَرِ. وَلَكِنَّ أَوَّلَ كَلَامِهِ يَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ الْمُكْرَهِ - بِفَتْحِ الرَّاءِ -.
(تَنْبِيهٌ) : وَهَذَا الْخِلَافُ إِنَّمَا يَتَفَرَّعُ عَلَى الْقَوْلِ بِسُقُوطِهَا عَنِ الْمُكْرَهِ - بِفَتْحِ الرَّاءِ - وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: الْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ.
قَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ: وَاخْتُلِفَ فِي الرَّجُلِ الْمُكْرَهِ عَلَى الْوَطْءِ. فَقِيلَ: عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَأَكْثَرُ أَقْوَالِ أَصْحَابِنَا: إِنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ، وَالْخِلَافُ فِي حَدِّهِ، وَالْأَكْثَرُ عَلَى إِيجَابِ الْحَدِّ، انْتَهَى مِنْ شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: فَلَا كَفَّارَةَ فِي الْإِكْرَاهِ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِي الرَّجُلِ الْمُكْرَهِ عَلَى الْوَطْءِ قَوْلَانِ لَهَا، وَلِابْنِ الْمَاجِشُونِ.
عِيَاضٌ: وَرَوَاهُ ابْنُ نَافِعٍ: وَتَبِعَ الْمُصَنِّفَ رحمه الله فِي نَقْلِ الْقَوْلَيْنِ فِي الْمُكْرَهِ ابْنُ الْحَاجِبِ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَنَقْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ وُجُوبَهَا عَلَى مَكْرِهِ رَجُلٍ عَلَى وَطْءٍ، لَا أَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ فِي النَّائِمِ، وَقَوْلِ اللَّخْمِيِّ انْتِهَاكُ صَوْمِ غَيْرِهِ كَنَفْسِهِ، انْتَهَى.
فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمُكْرِهُ - بِكَسْرِ الرَّاءِ - لَا خِلَافَ فِي سُقُوطِ الْكَفَّارَةِ عَنْهُ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْمُكْرَهِ، فَعَلَيْهِ يَنْبَغِي أَنْ يَقْرَأَ مُكْرِهٌ فِي قَوْلِ الْمُصَنَّفِ: وَفِي تَكْفِيرِ مُكْرَهِ رَجُلٍ - بِفَتْحِ الرَّاءِ يَعْنِي الَّذِي أَكْرَهَهُ رَجُلٌ - عَلَى الْوَطْءِ. وَفِيهِ تَكَلُّفٌ جَدًّا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) : قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَلَا تَجِبِ الْكَفَّارَةُ عَلَى مَكْرَهٍ عَلَى أَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ أَوِ امْرَأَةٍ عَلَى وَطْءٍ، انْتَهَى.
(مَسْأَلَةٌ) : قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ، فِيمَنْ غَرَّرَ رَجُلًا وَقَالَ لَهُ: لَمْ يَطَّلِعِ الْفَجْرُ وَجَعَلَ يَأْكُلُ: إِنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَى الْغَارِّ؛ لِأَنَّهُ غُرُورٌ بِالْقَوْلِ، قَالَ: وَلَوْ أَطْعَمَهُ بِيَدِهِ لُقْمَّةً وَجَعَلَ الطَّعَامَ فِي فِيهِ فَهَاهُنَا يُكَفِّرُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ غُرُورٌ بِالْفِعْلِ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَى الْآكِلِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُنْتَهِكٍ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ كَذَبَ وَغَرَّهُ، انْتَهَى مِنَ الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ. قَالَ: نَقَلَهُ مِنْ خَطِّ الْقَاضِي جَمَالِ الدِّينِ الْأَقْفَهْسِيِّ.
ص: (لَا إِنْ أَفْطَرَ نَاسِيًا) ش: هَذَا هُوَ الْإِفْطَارُ بِالتَّأْوِيلِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ عَلَى قِسْمَيْنِ: قَرِيبٍ وَبَعِيدٍ.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ تَبَعًا لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ: الْقَرِيبُ مَا كَانَ مُسْتَنِدَ السَّبَبِ إِلَى أَمْرٍ مَوْجُودٍ، وَالْبَعِيدُ مَا اسْتَنَدَ إِلَى سَبَبٍ غَيْرِ مَوْجُودٍ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الْقَرِيبُ الْمُسْتَنِدُ لِحَادِثٍ، وَقَوْلُهُ: أَفْطَرَ نَاسِيًا، يَعْنِي: أَنَّ مَنْ أَفْطَرَ نَاسِيًا فَظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ مُبِيحٌ لَهُ الْإِفْطَارَ بَعْدَ ذَلِكَ، لِكَوْنِ صَوْمِهِ قَدْ بَطَلَ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ فَأَفْطَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مُتَعَمَّدًا مُعْتَقِدًا أَنَّ التَّمَادِي لَا يَجِبُ عَلَيْهِ، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ. وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ.
وَقِيلَ: تَجِبُ الْكَفَّارَةُ. وَثَالِثُهَا: إِنْ أَفْطَرَ بِجِمَاعٍ كَفَّرَ، وَبِغَيْرِهِ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ.
ص: (أَوْ لَمْ يَغْتَسِلْ إِلَّا بَعْدَ الْفَجْرِ) ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ مِنْ حَائِضٍ أَوْ نُفَسَاءَ أَوْ جُنُبٍ فَلَمْ يَغْتَسِلْ إِلَّا بَعْدَ الْفَجْرِ فَظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ يُفْسِدُ صَوْمَهُ وَيُبِيحُ لَهُ الْإِفْطَارَ فَأَفْطَرَ مُتَعَمَّدًا، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ.
وَلَمْ يَحْكِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَلَا الْمُصَنَّفُ فِي التَّوْضِيحِ وَلَا ابْنُ عَرَفَةَ فِي هَذِهِ خِلَافًا، لَكِنْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: الْعُذْرُ فِي هَذِهِ أَضْعَفُ مِنَ الَّتِي قَبْلَهَا، وَلِهَذَا يُمْكِنُ إِجْرَاءُ الْخِلَافِ فِيهَا.
ص: (أَوْ تَسَحَّرَ قُرْبَهُ) ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ تَسَحَّرَ قُرْبَ الْفَجْرِ فَظَنَّ أَنَّ صَوْمَهُ بَطَلَ وَأَنَّ ذَلِكَ يُبِيحُ لَهُ الْإِفْطَارَ فَأَفْطَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مُتَعَمَّدًا، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَلَا كَفَّارَةَ. وَالْعُذْرُ فِي هَذَا أَضْعَفُ مِنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ قَبْلَهُ إِنْ لَمْ يُقِلْ أَحَدٌ
إِنَّ مَنْ تَسَحَّرَ قُرْبَ الْفَجْرِ يَبْطُلُ صَوْمُهُ. قَالَ الشَّارِحُ فِي الْكَبِيرِ: وَلَا يَبْعُدُ إِجْرَاءُ الْخِلَافِ فِيهَا.
ص: (أَوْ قَدِمَ لَيْلًا) ش: يَعْنِي أَنَّ الْمُسَافِرَ إِذَا قَدِمَ لَيْلًا فَظَنَّ أَنَّ الصَّوْمَ إِنَّمَا يَلْزَمُ مِنْ قَدِمَ نَهَارًا فَأَصْبَحَ مُفْطِرًا، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ. وَعُذْرُهُ فِي هَذِهِ أَضْعَفُ مِنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: إِذْ لَمْ يَذْهَبْ أَحَدٌ إِلَى مَا تَوَهَّمَهُ، انْتَهَى.
وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ الثَّلَاثَةِ، وَلَمْ أَرَ فِيهِ خِلَافًا، لَكِنْ يَبْعُدُ إِجْرَاءُ الْخِلَافِ فِيهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ص: (أَوْ سَافَرَ دُونَ الْقَصْرِ) ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ سَافَرَ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ فَظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ يُبِيحُ لَهُ الْإِفْطَارَ فَنَوَى الْإِفْطَارَ وَأَصْبَحَ مُفْطِرًا، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ. وَعُذْرَهُ هُنَا أَقْوَى مِنَ الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ الَّتِي قَبِلَهُ؛ إِذْ قَدْ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ يُبِيحُ الْإِفْطَارَ، وَأَمَّا مَنْ أَصْبَحَ فِي الْحَضَرِ صَائِمًا فَسَافِرَ دُونَ الْقَصْرِ فَأَفْطَرَ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَجْرِي فِيهَا الْخِلَافُ فِيمَنْ سَافَرَ سَفَرًا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ فَأَفْطَرَ لِذَلِكَ. وَسَيَأْتِي الْخِلَافُ فِيهِ، بَلْ هُوَ أَحْرَى فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ.
ص: (أَوْ رَأَى شَوَّالًا نَهَارًا) ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ رَأَى شَوَّالًا نَهَارًا ثَلَاثِينَ فِي رَمَضَانَ، فَظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ يُبِيحُ لَهُ الْإِفْطَارَ فَأَفْطَرَ، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَتْ رُؤْيَتُهُ قَبْلَ الزَّوَالِ أَوْ بَعْدَهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ. فَقَدْ حَكَاهَا فِي التَّوْضِيحِ فِيمَنْ رَأَى هِلَالَ شَوَّالٍ نِصْفَ النَّهَارِ، وَكَذَلِكَ ابْنُ عَرَفَةَ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ رَآهُ قَبْلَ الزَّوَالِ أُعْذِرَ، وَلِوُجُودِ الْخِلَافِ فِي إِبَاحَةِ الْإِفْطَارِ.
ص: (فَظَنُّوا الْإِبَاحَةَ) ش: رَاجِعٌ إِلَى الْمَسَائِلِ السِّتِّ، وَاحْتَرَزَ بِهِ مِمَّنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْإِفْطَارُ بِذَلِكَ فَأَفْطَرَ مُتَعَمَّدًا، فَلَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهِ.
(تَنْبِيهَاتٌ) :
الْأَوَّلُ: تَقَدَّمَ مِنَ التَّأْوِيلِ الْقَرِيبِ مَسْأَلَةٌ، وَهِيَ مَا إِذَا ثَبَتَ هِلَالُ رَمَضَانَ نَهَارًا، فَظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُوجِبُ الْإِمْسَاكَ لِعَدَمِ التَّثَبُّتِ، فَأَفْطَرَ بَعْدَ ثُبُوتِ الْهِلَالِ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ.
وَيَأْتِي مِنْهُ مَسْأَلَتَانِ:
الْأُولَى: مَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا ثُمَّ سَافَرَ فَأَفْطَرَ لِغَيْرِ عُذْرٍ مُتَأَوِّلًا أَنَّ السَّفَرَ يُبِيحُ لَهُ الْإِفْطَارَ.
وَالثَّانِيَةُ: إِذَا أَصْبَحَ صَائِمًا ثُمَّ عَزَمَ عَلَى السَّفَرِ فَأَفْطَرَ قَبْلَ خُرُوجِهِ ظَانًّا أَنَّ عَزْمَهُ عَلَى السَّفَرِ يُبِيحُ لَهُ الْإِفْطَارَ. بَلْ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَلَوْ أَفْطَرَ مُتَعَمَّدًا، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ.
وَلَمْ يَذْكُرِ الْمُصَنِّفُ هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ هُنَا؛ لِمَا سَيَذْكُرُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّانِي: يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: فَظَنُّوا الْإِبَاحَةَ- أَنَّهُمْ لَوْ شَكُّوا فِي الْإِبَاحَةِ لَزِمَتْهُمُ الْكَفَّارَةُ، وَأَحْرَى إِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ إِلَّا تَوَهُّمُ الْإِبَاحَةِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ لِأَنَّهُمْ مَعَ ظَنِّ الْإِبَاحَةِ يَسْقُطُ عَنْهُمُ الْإِثْمُ، كَمَا سَيَأْتِي مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ.
وَأَمَّا مَعَ عَدَمِ ظَنِّ الْإِبَاحَةِ فَلَا يَجُوزُ لَهُمُ الْإِقْدَامُ عَلَى الْفِطْرِ. وَهُمْ آثِمُونَ فِي إِقْدَامِهِمْ عَلَى الْإِفْطَارِ مَعَ الشَّكِّ أَوْ مَعَ التَّوَهُّمِ، فَإِنْ أَفْطَرُوا فَعَلَيْهِمُ الْكَفَّارَةُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّالِثُ: كُلُّ مِنْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ لِظَنِّهِ الْإِبَاحَةَ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا إِثْمَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدِ ارْتِكَابَ مُحَرَّمٍ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي آخِرِ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الصَّوْمِ، فِي مَسْأَلَةِ مَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا ثُمَّ عَزَمَ عَلَى السَّفَرِ فَأَفْطَرَ قَبْلَ خُرُوجِهِ وَمَسْأَلَةِ مَنْ أَفْطَرَ بَعْدَ خُرُوجِهِ مُتَأَوِّلًا: أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ أَنْ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ إِنَّمَا هِيَ تَكْفِيرٌ لِلذَّنْبِ، وَمَنْ تَأَوَّلَ فَهِمَ بِذَنَبٍ وَإِنَّمَا أَخْطَأَ، وَاللَّهُ تَعَالَى قَدْ تَجَاوَزَ لِأَمَةِ نَبِيهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ. وَوَجْهُ قَوْلِ مَنْ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ: هُوَ أَنَّهُ لَمْ يَعْذُرْهُ بِالْجَهْلِ إِذَا كَانَ ذَلِكَ عِنْدَهُ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي لَا يَسَعُ جَهْلُهَا، فَإِذَا لَمْ يَعْلَمْ فَكَأَنَّهُ يُلْزِمُهُ أَنْ يَتَوَقَّفَ حَتَّى يَسْأَلَ، فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ فَإِقْدَامُهُ قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَ يُوجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43] ، انْتَهَى.
ص: (بِخِلَافٍ بَعِيدِ التَّأْوِيلِ) ش: أَيْ فَإِنَّ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنَّفِ: أَنَّ التَّأْوِيلَ الْبَعِيدَ هُوَ مَا اسْتَنَدَ إِلَى سَبَبٍ غَيْرِ مَوْجُودٍ، لَكِنَّهُ لَا يَطَّرِدُ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنَّفُ.
ص: (كَرَاءٍ وَلَمْ يُقْبِلْ) ش: قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ:
تَأْوِيلُهُ أَقْرَبُ مِنْ تَأْوِيلِ الْمُسَافِرِ يُقْدِمُ لَيْلًا، (قُلْتُ) : وَأَقْرَبُ مِنْ تَأْوِيلِ مَنْ تَسَحَّرَ قُرْبَ الْفَجْرِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهِ تَأْوِيلَيْنِ: وَهُمَا قَوْلَانِ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ:
فَابْنُ الْقَاسِمِ يَقُولُ بِالْوُجُوبِ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ.
وَأَشْهَبُ يَقُولُ بِالسُّقُوطِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَالْمَشْهُورُ وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ. وَقَالَ أَشْهَبُ: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَهُمَا خِلَافٌ فِي حَالِ هَلْ هُوَ تَأْوِيلٌ قَرِيبٌ أَوْ بَعِيدٌ، وَجَعَلَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ قَوْلَ أَشْهَبَ خِلَافًا، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ يُونُسَ، وَنَقَلَ أَبُو الْحَسَنِ عَنِ الشُّيُوخِ: أَنَّهُمْ جَعَلُوهُ تَقْيِيدًا، انْتَهَى.
وَذِكْرَ الْمُصَنِّفُ فِيمَا تَقَدَّمَ التَّأْوِيلَيْنِ، وَجَزَمَ هُنَا بِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ، وَأَنَّهُ مِنَ التَّأْوِيلِ الْبَعِيدِ، فَكَأَنَّهُ تَرَجَّحَ عِنْدَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ص: (أَوْ لِحُمَّى ثُمَّ حُمَّ، أَوْ لِحَيْضٍ ثُمَّ حَصَلَ) ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ كَانَتْ عَادَتُهُ أَنْ تَأْتِيَهُ الْحُمَّى فِي يَوْمٍ بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ بَعْدَ يَوْمَيْنِ، فَأَصْبَحَ فِي يَوْمِ الْحُمَّى مُفْطِرًا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَهُ الْحُمَّى - يُرِيدُ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الصَّوْمِ إِذَا لَمْ تَأْتِهِ الْحُمَّى - ثُمَّ جَاءَتْهُ الْحُمَّى فِي بَقِيَّةِ يَوْمِهِ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ عَلَى الْمَشْهُورِ؛ لِأَنَّهُ تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَنِدٌ لِسَبَبٍ لَمْ يُوجَدْ بَعْدُ.
وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ، إِذَا كَانَتْ مُعْتَادَةً أَنْ يَأْتِيَهَا الْحَيْضُ فِي يَوْمٍ مِنَ الشَّهْرِ، فَأَصْبَحَتْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مُفْطِرَةً قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهَا الْحَيْضُ، ثُمَّ جَاءَهَا الْحَيْضُ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ، فَعَلَيْهَا الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ؛ لِأَنَّهُ تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ كَالْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبِلَهَا.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لَا كَفَّارَةَ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ، وَرَآهُ مِنَ التَّأْوِيلِ الْقَرِيبِ.
ص: (أَوْ حِجَامَةٍ) ش: حَمَلَهُ الشَّارِحُ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ مَنْ احْتَجَمَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، فَظَنَّ أَنَّ صَوْمَهُ قَدْ بَطَلَ فَأَفْطَرَ، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ مَعَ الْكَفَّارَةِ.
ثُمَّ اعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ ذَلِكَ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ، وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ.
زَادَ فِي الْكَبِيرِ: فَذَكَرَ عَنِ النَّوَادِرِ مَا نَصُّهُ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: كُلُّ مُتَأَوِّلٍ فِي الْفِطْرِ فَلَا يُكَفِّرُ إِلَّا فِي التَّأْوِيلِ الْبَعِيدِ، مِثْلُ أَنْ يَغْتَابَ أَوْ يَحْتَجَمَ، فَتَأَوَّلَ أَنَّهُ أَفْطَرَ لِذَلِكَ.
ثُمَّ قَالَ: وَمِنَ الْعَتَبِيَّةِ: قَالَ عِيسَى عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنِ احْتَجَمَ فِي رَمَضَانَ فَتَأَوَّلَ: إِنْ لَهُ الْفِطْرَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا الْقَضَاءُ، وَقَالَ أَصْبُغُ: هَذَا تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ، انْتَهَى كَلَامُ النَّوَادِرِ.
ثُمَّ قَالَ الشَّارِحُ: فَانْظُرْ كَيْفَ جَعَلَ مَسْأَلَةَ الْحِجَامَةِ مِنَ التَّأْوِيلِ الْبَعِيدِ، وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ تُحْمَلَ مَسْأَلَةُ ابْنِ حَبِيبٍ عَلَى فَاعِلِ الْحِجَامَةِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ لَفْظِهِ، وَمَسْأَلَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَلَى الْمُحْتَجِمِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ، إِنْ ظَهَرَ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ، انْتَهَى.
(قُلْتُ) : مَا ذَكَرَهُ عَنِ النَّوَادِرِ هُوَ كَذَلِكَ، وَالِاحْتِمَالُ الَّذِي أَرَادَ الْجَمْعَ بِهِ بَعِيدٌ.
أَمَّا أَوَّلًا فَلَا يَظْهَرُ أَنَّ بَيْنَ تَأْوِيلِ الْحَاجِمِ وَالْمُحْتَجِمِ الْإِفْطَارَ فَرْقًا؛ لِأَنَّ مُسْتَنَدَ كُلٍّ مِنْهُمَا فِي تَأْوِيلِ الْإِفْطَارِ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمُحْتَجِمُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مُعَلَّقًا عَنِ الْحَسَنِ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مَرْفُوعًا، وَرَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ.
وَأَمَا ثَانِيًا: فَقَدْ نَقَلَ ابْنُ يُونُسَ وَاللَّخْمِيُّ وَأَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ كَلَامَ ابْنِ حَبِيبٍ بِلَفْظِ: يَحْتَجِمُ- وَجَعَلُوهُ خِلَافَ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ. وَكَذَلِكَ الْمُصَنَّفُ فِي التَّوْضِيحِ، وَابْنُ عَرَفَةَ، وَغَيْرُهمَا مِنَ الشُّيُوخِ فَرَضُوا الْمَسْأَلَةَ فِيمَنِ احْتَجَمَ، وَجَعَلُوا قَوْلَ ابْنِ حَبِيبٍ خِلَافَ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَلَمَّا ذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ سَلَفٍ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى كَلَامَ ابْنِ الْقَاسِمِ الْمُتَقَدِّمَ، قَالَ فِي شَرْحِهِ: وَأَوْجَبَ عَلَيْهِ ابْنُ حَبِيبٍ فِي الْوَاضِحَةِ الْكَفَّارَةَ، وَرَآهُ مِنَ التَّأْوِيلِ الْبَعِيدِ، انْتَهَى.
وَإِذَا كَانَ ابْنُ حَبِيبٍ يَقُولُ بِالْكَفَّارَةِ فِي الْمُحْتَجِمِ إِذَا تَأَوَّلَ، فَالْحَاجِمُ مَثَّلُهُ، أَوْ أَحْرَى بِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ.
وَلَفْظُ ابْنِ حَبِيبٍ فِي مُخْتَصَرِ
الْوَاضِحَةِ لِفَضْلِ بْنِ مَسْلَمَةَ - صَالِحٌ لِأَنَّ يُحْمَلَ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا أَوْ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا؛ فَإِنَّهُ قَالَ: وَكَذَلِكَ الَّذِي يَتَأَوَّلُ الْإِفْطَارَ مَعَ الْحِجَامَةِ فَيُفْطِرُ، فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، انْتَهَى.
فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا: أَنَّ مَسْأَلَةَ الْمُحْتَجِمِ فِيهَا قَوْلَانِ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ حَبِيبٍ، كَمَا حَكَاهُ أَهْلُ الْمَذْهَبِ.
وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْحَاجِمِ فَلَيْسَ فِيهَا إِلَّا مَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ النَّوَادِرِ الَّذِي نَقَلَهُ عَنِ ابْنِ حَبِيبٍ، وَكَوْنُهَا مُسَاوِيَةً لِمَسْأَلَةِ الْمُحْتَجِمِ أَوْ أَحْرَى بِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ، وَأَمَّا مَا نَقَلُوهُ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، فَلَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِنَفْيِ الْكَفَّارَةِ فِيهَا، إِلَّا أَنَّ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَأَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ يَقُولُ بِسُقُوطِ الْكَفَّارَةِ فِيهَا أَيْضًا لِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَأَنَّ قَوْلَهُ أَظْهَرُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ؛ لِأَنَّهُ تَقَدَّمَ أَنَّ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنَّفَ فِي التَّوْضِيحِ قَالَا: إِنَّ التَّأْوِيلَ الْقَرِيبَ هُوَ مَا كَانَ مُسْتَنِدًا لِسَبَبٍ مَوْجُودٍ، وَالتَّأْوِيلَ الْبَعِيدَ مَا كَانَ مُسْتَنِدًا لِسَبَبٍ غَيْرِ مَوْجُودٍ، كَمَسْأَلَتِيِ الْحُمَّى وَالْحَيْضِ، وَمَثَلُهُ أَيْضًا يُقَالُ فِي مَسْأَلَةِ الْغِيبَةِ - أَعْنِي مَنِ اغْتَابَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ فَظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ يُبْطِلُ صَوْمَهُ فَأَفْطَرَ لِذَلِكَ - وَلَكِنِّي لَمْ أَرَ فِيهَا إِلَّا قَوْلَ ابْنِ حَبِيبٍ بِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ.
(تَنْبِيهَاتٌ) :
الْأَوَّلُ: جَزَمَ الْبِسَاطِيُّ بِحَمْلِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى الِاحْتِمَالِ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّارِحُ، فَقَالَ: قَوْلُهُ: (أَوْ حِجَامَةٍ) يَعْنِي: مَنْ حَجَّمَ غَيْرَهُ، وَأَمَّا مَنِ احْتَجَمَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ فَقَطْ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ.
قَالَ: فَإِنْ قُلْتَ: مَا الْمُوجِبُ لِهَذَا الْمُحْتَمَلِ- قُلْتُ: إِذَا اطَّلَعْتَ عَلَى الرِّوَايَاتِ عَلِمْتَ وَجْهَ ذَلِكَ، ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ النَّوَادِرِ، ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا يُوجِبُ الْحَمْلَ عَلَى مَا حُمِلَ.
ثُمَّ قَالَ فَإِنْ قُلْتَ: لَعَلَّ الْمَشْهُورَ مَا قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَأَنَّ كَلَامَهُ عَامٌّ فِيمَنْ حَجَّمَ أَوِ احْتَجَمَ، أَوْ خَاصٌّ بِمَنِ احْتَجَمَ وَتَأَوَّلَ كَلَامَهُ- قُلْتُ: هُوَ مُحْتَمَلٌ عَلَى الْمَعْنَى الثَّانِي، لَكِنْ فِي تَأْوِيلِ حَجَمَ بِاحْتَجَمَ بُعْدٌ، انْتَهَى.
(قُلْتُ) : وَقَدْ تَقَدَّمَتْ نُصُوصُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، وَأَنَّ الَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ كَلَامَ ابْنِ حَبِيبٍ وَكَلَامَ الْمُصَنِّفِ عَامٌّ فِيمَنْ حَجَّمَ غَيْرَهُ أَوِ احْتَجَمَ، وَأَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ يُخَالِفُ فِي الْوَجْهَيْنِ، وَأَنَّ قَوْلَهُ الرَّاجِحُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّانِي: تَقَدَّمَ أَنَّ إِفْسَادَ الصَّوْمِ بِالْغِيبَةِ حُكِيَ عَنْ سُفْيَانَ وَعَنْ مُجَاهِدٍ، وَأَمَّا الْحِجَامَةُ فَحَكَى صَاحِبُ الطِّرَازِ عَنِ ابْنِ حَنْبَلٍ وَابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّهُمَا قَالَا: يُفْطِرُ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ، وَقَالَ: وَعَنِ ابْنِ حَنْبَلٍ رِوَايَةٌ أَنَّ فِيهِ الْكَفَّارَةَ، قَالَ: وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، وَاحْتَجُّوا بِالْحَدِيثِ السَّابِقِ. وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ.
الثَّالِثُ: أَجَابَ الْعُلَمَاءُ عَنِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ بِوُجُوهٍ: إِمَّا أَنَّهُ مَنْسُوخٌ كَمَا جَزَمَ بِهِ الشَّافِعِيُّ. أَوْ بِأَنَّ مَعْنَاهُ تَعَرَّضَ لِلْإِفْطَارِ، أَمَّا الْمَحْجُومُ فَلِلضَّعْفِ، وَأَمَّا الْحَاجِمُ فَلِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ مِنْ أَنْ يَصِلَ إِلَى جَوْفِهِ شَيْءٌ بِالْمَصِّ. أَوْ بِأَنَّ مَعْنَاهُ نُقْصَانُ الْأَجْرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الرَّابِعُ: مِنَ التَّأْوِيلِ الْبَعِيدِ مَسْأَلَةُ الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ مَنْ بَيَّتَ الصِّيَامَ ثُمَّ أَفْطَرَ مُتَأَوِّلًا، فَإِنَّ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ، وَسَوَاءٌ أَفَطَرَ فِي السَّفَرِ أَوْ بَعْدَ دُخُولِهِ إِلَى الْحَضَرِ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ.
ص: (وَلَزِمَ مَعَهَا الْقَضَاءُ إِنْ كَانَتْ لَهُ) ش: يَعْنِي أَنَّ كُلَّ مَنْ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ يَلْزَمُهُ مَعَهَا الْقَضَاءُ، إِذَا كَانَتِ الْكَفَّارَةُ لَهُ - أَيْ لِلْمُكَفِّرِ - وَاحْتَرَزَ بِذَلِكَ مِمَّا إِذَا لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ عَنْ غَيْرِهِ، فَإِنَّ الْقَضَاءَ عَنِ الْغَيْرِ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ لَا يَقْبَلُ النِّيَابَةَ. وَعَلَى هَذَا حَمَلَ الشَّارِحُ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ فِي الصَّغِيرِ، وَهُوَ الصَّوَابُ، وَجَعَلَ فِي الْكَبِيرِ وَالْوَسَطِ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ: لَهُ عَائِدًا عَلَى رَمَضَانَ، وَلَا وَجْهَ لَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ص: (وَالْقَضَاءُ فِي التَّطَوُّعِ بِمُوجِبِهَا) ش: فَلَا يَفْسُدُ مَعَ الْجَهْلِ وَالنِّسْيَانِ وَالْإِكْرَاهِ إِلَّا الْفَرْضُ، وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوقٌ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ، انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) : قَالَ الشَّارِحُ فِي الْكَبِيرِ: وَفِيمَا قَالَهُ الْمُصَنَّفُ نَظَرٌ. فَإِنْ أَفْطَرَ فِي تَطَوُّعِهِ نَاسِيًا فَظَنَّ أَنَّ صَوْمَهُ قَدْ فَسَدَ فَأَفْطَرَ ثَانِيًا، فَإِنَّهُ يَقْضِيهِ، هَكَذَا قَالُوا، انْتَهَى.
وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ؛ فَإِنَّهُمْ إِنَّمَا ذَكَرُوا الْقَضَاءَ فِيمَا إِذَا أَفْطَرَ ثَانِيًا مُتَعَمَّدًا، وَأَمَّا الْمُتَأَوِّلُ فَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ نَاجِي الْمُتَقَدِّمِ: أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ. نَعَمْ يُرَدُّ عَلَى الْمُصَنَّفِ مَسْأَلَةٌ، وَهِيَ مَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا فِي الْحَضَرِ ثُمَّ سَافَرَ فَأَفْطَرَ لِسَفَرِهِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، فَإِنَّهُ سَيَأْتِي أَنْ لَا كَفَّارَةَ
عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ إِذَا فَعَلَهُ فِي رَمَضَانَ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَأَنَّ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ فِي التَّطَوُّعِ عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِيمَا سَيَأْتِي.
ص: (وَلَا قَضَاءَ فِي غَالِبِ قَيْءٍ، وَذُبَابٍ، وَغُبَارِ طَرِيقٍ، أَوْ دَقِيقٍ، أَوْ كَيْلٍ، أَوْ جِبْسٍ لِصَانِعِهِ) ش: قَوْلُهُ: وَذُبَابٍ- قَالَ فِي الْجَلَّابِ: أَوْ بَعُوضٍ. قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوقٌ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ: وَيُغْتَفَرُ غُبَارُ الطَّرِيقِ، وَكَيْلُ الْقَمْحِ وَالدَّقِيقِ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ عَبْدُ الْحَقِّ عَنِ السُّلَيْمَانِيَّةِ: إِنْ وَجَدَ طَعْمَ دُهْنِ رَأْسِهِ قَضَى وَقَالَ التُّونُسِيُّ: وَفِي لَغْوِ غُبَارِ الدَّقِيقِ وَالْجِبْسِ وَالدِّبَاغِ لِصَانِعِهِ نَظَرٌ لِضَرُورَةِ الصَّنْعَةِ وَإِمْكَانِ غَيْرِهَا ابْنُ شَاسٍ. اُخْتُلِفَ فِي غُبَارِ الْجَبَّاسِينَ وَرَوَى ابْنُ مُحْرِزٍ لَا يُفْطِرُ مَنْ عَطِشَ فِي رَمَضَانَ مِنْ عِلَاجِ صَنْعَتِهِ وَالتَّشْدِيدُ فِي مَنْعِ مَا يَمْنَعُهُ فَرْضًا وَالْوَقْفُ عَنْ الْكَفَّارَةِ بِهِ ابْنُ مُحْرِزٍ وَالْقِيَاسُ جَوَازُهُ لِسَفَرِ التَّجْرِ ثُمَّ خَرَّجَهُ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْقَدْحِ الْمُجَوِّزِ لِلْجُلُوسِ فِي الصَّلَاةِ وَابْتِلَاعِ حَبَّةٍ بَيْنَ أَسْنَانِهِ إنْ غَلَبَتْهُ لَغْوٌ، انْتَهَى. الْمَشَذَّالِيُّ فِي قَوْلِهِ وَابْتَلَعَ فِلْقَةً اخْتَلَفَ الْمَذْهَبُ فِي الْقَضَاءِ فِي ذَا الْبَابِ وَأَجْرَى عَلَيْهِ الشُّيُوخُ لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذَا الطَّعَامِ بَعْدَ أَنْ أَكَلَ مِنْهُ وَتَبَقَّى مِنْهُ بَقِيَّةُ فِلْقَةٍ فَابْتَلَعَهَا فَقَالُوا اللَّازِمُ عَلَى الْقَضَاءِ الْحِنْثُ وَعَلَى الْعَدَمِ الْعَدَمُ ((قُلْتُ)) وَخَرَّجَ ابْنُ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ مَنْ نَسِيَ حَصَاةً فِي يَدِهِ مِنْ الْمَسْجِدِ أَوْ فِي نَعْلِهِ أَنَّهُ إنْ رَدَّهَا فَحَسَنٌ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَى مَنْ ابْتَلَعَ فِلْقَةً؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ غَالِبٌ فَكَمَا أَنَّهُ لَا قَضَاءَ فَكَذَلِكَ لَا رَدَّ، انْتَهَى. وَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ: مَسْأَلَةُ الْحُكْمِ فِي غُبَارِ الْكَتَّانِ وَغُبَارِ الْفَحْمِ وَغُبَارِ خَزْنِ الشَّعِيرِ وَالْقَمْحِ كَالْحُكْمِ فِي غُبَارِ الْجَبَّاسِينَ قَالَ: وَعَلَى هَذَا يَقَعُ السُّؤَالُ فِي زَمَانِنَا إذَا وَقَعَ الصِّيَامُ فِي زَمَانِ الصَّيْفِ فَهَلْ يَجُوزُ لِلْأَجِيرِ الْخُرُوجُ لِلْحَصَادِ مَعَ الضَّرُورَةِ لِلْفِطْرِ أَمْ لَا؟ كَانَتْ الْفُتْيَا عِنْدَنَا إنْ كَانَ مُحْتَاجًا لِصَنْعَتِهِ لِمَعَاشِهِ مَا لَهُ مِنْهَا بُدٌّ فَلَهُ ذَلِكَ وَإِلَّا كُرِهَ وَأَمَّا مَالِكُ الزَّرْعِ فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ جَمْعِهِ زَرْعَهُ وَإِنْ أَدَّى إلَى فِطْرِهِ وَإِلَّا وَقَعَ فِي النَّهْيِ عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ وَكَذَا غَزْلُ النِّسَاءِ الْكَتَّانَ وَتَرْقِيقُ الْخَيْطِ بِأَفْوَاهِهِنَّ فَإِنْ كَانَ الْكَتَّانُ مِصْرِيًّا فَجَائِزٌ مُطْلَقًا وَإِنْ كَانَ دَمَنِيًّا لَهُ طَعْمٌ يَتَحَلَّلُ فَهِيَ كَذَوِي الصِّنَاعَاتِ إنْ كَانَتْ ضَعِيفَةً سَاغَ لَهَا ذَلِكَ وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُحْتَاجَةٍ كُرِهَ لَهَا ذَلِكَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ وَأَفْتَى ابْنُ قَدَّاحٍ إذَا غَزَلَتْ الْكَتَّانَ الْمَعْرُوفَ فَوَجَدَتْ طَعْمَ مُلُوحَتِهِ فِي حَلْقِهَا بَطَلَ صَوْمُهَا وَهُوَ نَحْوُ مَا قَدَّمْنَاهُ وَمَنْ ابْتَلَعَ خَيْطًا مِنْ غَزْلٍ أَوْ حَرِيرٍ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ إنْ لَمْ تَكُنْ صَنْعَتَهُ فَهِيَ كَابْتِلَاعِ النَّوَاةِ وَإِنْ كَانَتْ صَنْعَتَهُ فَفِيهَا نَظَرٌ كَغُبَارِ الدَّقِيقِ لِذِي الصَّنْعَةِ
ص (وَحُقْنَةٍ فِي إحْلِيلٍ)
ش: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ عِيَاضٌ: الْإِحْلِيلُ
بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ ثَقْبُ الذَّكَرِ مِنْ حَيْثُ يَخْرُجُ الْبَوْلُ، انْتَهَى. وَنَحْوُهُ فِي الصِّحَاحِ وَالْقَامُوسِ وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ: وَالْإِحْلِيلُ يَقَعُ عَلَى ذَكَرِ الرَّجُلِ وَفَرْجِ الْمَرْأَةِ.
ص (وَجَازَ سِوَاكٌ كُلَّ النَّهَارِ)
ش: ابْنُ عَرَفَةَ وَالسِّوَاكُ بِالْيَابِسِ كُلَّ النَّهَارِ وَفِيهَا وَلَوْ بُلَّ وَيُكْرَهُ بِالرَّطْبِ خَوْفَ تَحَلُّلِهِ ابْنُ حَبِيبٍ إلَّا لِعَالِمٍ ثُمَّ قَالَ الْبَاجِيُّ فِي قَوْلِهِ إنْ جَهِلَ مَجَّ مَا اجْتَمَعَ مِنْ سِوَاكِ الرَّطْبِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ يُغَيِّرُ رِيقَهُ فَفِي عَمْدِهِ الْكَفَّارَةُ وَفِي نِسْيَانِهِ وَتَأْوِيلِهِ الْقَضَاءُ، انْتَهَى.
(فَائِدَةٌ) قَالَ عليه السلام: «لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ» . الْخُلُوفُ بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَاللَّامِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَفَاءٍ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بِفَتْحِ الْخَاءِ فَقِيلَ: خَطَأٌ، وَقِيلَ: لُغَةٌ قَلِيلَةٌ وَهُوَ تَغْيِيرُ رَائِحَةِ الْفَمِ وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ اسْتِطَابَةِ الرَّوَائِحِ الطَّيِّبَةِ فَقَالَ الْمَازِرِيُّ: مَجَازٌ؛ لِأَنَّهُ جَرَتْ الْعَادَةُ بِتَقْرِيبِ الرَّوَائِحِ الطَّيِّبَةِ هُنَا فَاسْتُعِيرَ ذَلِكَ لِتَقْرِيبِ الصَّوْمِ مِنْ اللَّهِ فَالْمَعْنَى أَنَّهُ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ الْمِسْكِ عِنْدَكُمْ أَيْ يُقَرَّبُ إلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ تَقْرِيبِ الْمِسْكِ إلَيْكُمْ وَقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْمَلَائِكَةِ وَإِنَّهُمْ يَسْتَطِيبُونَ رِيحَ الْخُلُوفِ أَكْثَرَ مِمَّا يَسْتَطِيبُونَ رِيحَ الْمِسْكِ
وَقِيلَ: الْمَعْنَى أَنَّ الْخُلُوفَ أَكْثَرُ ثَوَابًا مِنْ الْمِسْكِ الْمَنْدُوبِ إلَيْهِ فِي الْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ وَنَقَلَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ أَنَّ لِلطَّاعَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رِيحًا فَرَائِحَةُ الصِّيَامِ بَيْنَ الْعِبَادَاتِ كَالْمِسْكِ (فَرْعٌ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: وَقَعَ نِزَاعٌ بَيْنَ ابْنِ الصَّلَاحِ وَالشَّيْخِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي أَنَّ هَذَا الطِّيبَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ أَمْ فِي الْآخِرَةِ خَاصَّةً؟ فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: فِي الْآخِرَةِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: هُوَ عَامٌّ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاسْتَدَلَّ بِأَشْيَاءَ مِنْهَا مَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ حِينَ يَخْلُفُ إلَخْ وَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ سِنِينَ فِي مُسْنَدِهِ «أُعْطِيت أُمَّتِي فِي شَهْرِ رَمَضَانَ خَمْسًا قَالَ: وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَإِنَّهُمْ يُمْسُونَ وَخُلُوفُ أَفْوَاهِهِمْ أَطْيَبُ إلَخْ» حَسَّنَهُ السَّمْعَانِيُّ فِي أَمَالِيهِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْحَدِيثَيْنِ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ وَقْتَ وُجُودِ الْخُلُوفُ فِي الدُّنْيَا يَتَحَقَّقُ وَصْفُهُ بِكَوْنِهِ أَطْيَبَ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ قَالَ: وَقَدْ قَالَ الْعُلَمَاءُ شَرْقًا وَغَرْبًا مَعْنَى مَا ذَكَرَهُ فِي تَفْسِيرِ الْخَطَّابِيِّ طِيبُهُ عِنْدَ اللَّهِ رِضَاهُ بِهِ وَثَنَاؤُهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مَعْنَاهُ أَزْكَى عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْرَبُ إلَيْهِ وَأَرْفَعُ عِنْدَهُ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ الْبَغَوِيّ مَعْنَاهُ الثَّنَاءُ عَلَى الصَّائِمِ وَالرِّضَا بِفِعْلِهِ الْقُدُورِيُّ الْحَنَفِيُّ مَعْنَاهُ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ الرَّائِحَةِ الطَّيِّبَةِ وَمِثْلُهُ لِلْبَوْنِيِّ مِنْ قُدَمَاءِ الْمَالِكِيَّةِ وَكَذَا قَالَ الصَّابُونِيُّ وَالسَّمْعَانِيُّ وَابْنُ الصَّفَّارِ الشَّافِعِيُّونَ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ الْمَالِكِيُّ فَهَؤُلَاءِ أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَذْكُرُوا سِوَى مَا ذَكَرْتُهُ وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ وَجْهًا فِي تَخْصِيصِهِ بِالْآخِرَةِ مَعَ أَنَّ كُتُبَهُمْ جَامِعَةٌ لِلْمَشْهُورِ وَالْغَرِيبِ وَمَعَ أَنَّ رِوَايَةَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ فِي الصَّحِيحِ بَلْ جَزَمُوا بِأَنَّهُ بِمَعْنَى الرِّضَا وَالْقَبُولِ لِمَا هُوَ ثَابِتٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَمَّا ذِكْرُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ فِي تِلْكَ الرِّوَايَةِ فَلِأَنَّهُ يَوْمُ الْجَزَاءِ وَفِيهِ يَظْهَرُ رُجْحَانُ الْخُلُوفِ عَلَى الْمِسْكِ، انْتَهَى. مِنْ حَاشِيَةِ الْمُوَطَّإِ لِلشَّيْخِ جَلَالِ الدِّينِ السُّيُوطِيّ وَانْظُرْ الْعَارِضَةَ
ص (وَمَضْمَضَةٌ لِعَطَشٍ)
ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَبَلْعُ رِيقِهِ الْبَاجِيُّ يُرِيدُ بَعْدَ زَوَالِ طَعْمِ الْمَاءِ مِنْهُ وَفِي مَجِّهَا أَكْرَهُ غَسْلَ الصَّائِمِ رَأْسَهُ فِي الْمَاءِ، انْتَهَى. الْمَشَذَّالِيُّ وَسُئِلَ عِزُّ الدِّينِ عَمَّنْ دَمِيَ فَمُهُ فَمَجَّ الدَّمَ وَلَمْ يَغْسِلْ فَهَلْ يَبْطُلُ صَوْمُهُ بِابْتِلَاعِهِ الرِّيقَ النَّجِسَ فَأَجَابَ بِأَنَّ الصَّائِمَ لَا يَحِلُّ لَهُ ابْتِلَاعُ الرِّيقِ النَّجِسِ وَيَبْطُلُ صَوْمُهُ إنْ فَعَلَ؛ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ إنَّمَا وَقَعَتْ فِي رِيقٍ يَجُوزُ ابْتِلَاعُهُ لِمَا فِي طَرْحِهِ مِنْ الْحَرَجِ وَإِذَا كَانَ ابْتِلَاعُهُ مُحَرَّمًا فِي الصَّوْمِ وَغَيْرِهِ بَطَلَ صَوْمُهُ بِابْتِلَاعِهِ لِانْتِفَاءِ سَبَبِ التَّرْخِيصِ فِي ابْتِلَاعِهِ الْمَشَذَّالِيُّ قَالَ الْبُرْزُلِيُّ: هَذَا بَيِّنٌ إنْ لَمْ يَنْقَطِعْ أَثَرُ الدَّمِ وَأَمَّا إنْ انْقَطَعَ فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ إلَّا أَثَرُ النَّجَاسَةِ الْحُكْمِيَّةِ لَا عَيْنُهَا قَالَ: وَيَلْزَمُ عَلَى مَا حَكَى عَبْدُ الْحَقِّ فِي مَسْأَلَةِ الدَّلْوِ الَّذِي دُهِنَ بِزَيْتٍ فَاسْتُنْجِيَ بِهِ أَنَّ الْمَاءَ كُلَّهُ
نَجِسٌ أَنْ يَقُولَ هَذَا كُلُّهُ نَجِسٌ وَلَوْ انْقَطَعَ أَثَرُ الدَّمِ حَتَّى يَغْسِلَهُ بِالْمَاءِ كَمَا قَالَ هَذَا الشَّيْخُ، انْتَهَى. وَاَلَّذِي تَقَدَّمَ قَبْلَهُ فِي الصِّيَامِ عَنْ ابْنِ قَدَّاحٍ مَا نَصُّهُ وَيَقْضِي إنْ جَاوَزَ حَلْقَهُ الدَّمُ وَإِنْ بَسَقَهُ حَتَّى ابْيَضَّ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَيُسْتَحَبُّ غَسْلُهُ لِلصَّلَاةِ وَالْأَكْلِ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ قَالَهُ ابْنُ قَدَّاحٍ وَهُوَ يُجْزِئُ عَلَى التَّطْهِيرِ بِالْمَائِعِ غَيْرِ الْمَاءِ وَالْمَشْهُورُ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ بِهِ فِي الصَّلَاةِ وَلَا يَضُرُّ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَكْلِ؛ لِأَنَّ عَيْنَ النَّجَاسَةِ زَالَتْ إلَّا أَنْ يَتَكَرَّرَ ذَلِكَ فَيَسْقُطُ الْقَضَاءُ حِينَئِذٍ كَالْمُتَكَرِّرِ غَلَبَةً كَالذُّبَابِ وَاسْتَحَبَّ أَشْهَبُ فِيهِ الْقَضَاءَ، انْتَهَى. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَصَوْمُ دَهْرٍ)
ش: يَعْنِي أَنَّهُ جَائِزٌ وَهَلْ هُوَ الْأَفْضَلُ أَوْ الْأَفْضَلُ خِلَافُهُ قَالَ مَالِكٌ سَرْدُ الصَّوْمِ أَفْضَلُ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْجَامِعِ فِي شَرْحِ مَسْأَلَةٍ مِنْهُ مَعْنَى كَلَامِ مَالِكٍ أَنَّ سَرْدَ الصَّوْمِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ إذَا لَمْ يَضْعُفْ بِسَبَبِهِ عَنْ شَيْءٍ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ وَإِنْ ضَعُفَ فَالصَّوْمُ أَوْ الْفِطْرُ، انْتَهَى. وَذَكَرَ الْبُرْزُلِيُّ عَنْ عِزِّ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ صَوْمَ الدَّهْرِ أَفْضَلُ لِمَنْ قَوِيَ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [الأنعام: 160] . وَقَوْلِهِ {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} [الزلزلة: 7] . «وَقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ لَا أَفْضَلَ لَكَ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ قَالَ لَهُ: إذَا فَعَلْت ذَلِكَ نَقِيَتْ نَفْسُك وَغَارَتْ عَيْنُك» وَلِأَنَّ أَكْثَرَ الصَّحَابَةِ مَا كَانُوا يُسْأَلُونَ عَنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ إلَّا لِيَخْتَارُوهُ وَكَذَا قَوْلُهُ: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ صِيَامُ أَخِي دَاوُد.» وَمَحْمُولٌ عَلَى مَنْ سَأَلَ: أَيُّ غَبِّ الصَّوْمِ وَتَفْرِيقِهِ أَفْضَلُ؟ وَيَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا ذَكَرْت تَوْفِيقًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ الْبُرْزُلِيُّ هَذَا الَّذِي قَالَهُ الشَّيْخُ هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي النَّوَادِرِ وَحَمَلَ مَا وَرَدَ مِنْ النَّهْيِ عَلَى مَنْ يَشُقُّ عَلَيْهِ أَوْ عَمَّمَ صَوْمَهُ حَتَّى صَامَ مَا يَحْرُمُ صَوْمُهُ، انْتَهَى. وَقَدْ وَرَدَ حَدِيثٌ أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ فِيمَا أَظُنُّ بِفَضْلِ صَوْمِ الدَّهْرِ
ص (وَفِطْرٌ بِسَفَرِ قَصْرٍ)
ش: أَيْ وَجَازَ فِطْرٌ بِسَفَرِ قَصْرٍ أَيْ فِي السَّفَرِ الَّذِي تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ وَهُوَ مَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي فَصْلِ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ سُنَّ لِمُسَافِرٍ غَيْرِ عَاصٍ بِهِ وَلَاهٍ أَرْبَعَةُ بُرُدٍ فَإِنْ قِيلَ: جَعَلَ هُنَا الْفِطْرَ فِي السَّفَرِ جَائِزًا وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا قَدَّمَهُ أَوَّلًا مِنْ أَنَّ الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ مُسْتَحَبٌّ وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ الشَّرِيكَيْنِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ بِأَنَّ الْفِطْرَ فِي السَّفَرِ مَكْرُوهٌ فَالْجَوَابُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ مُرَادَهُ هُنَا بِالْجَائِزِ مَا يُقَابِلُ الْمَمْنُوعَ فَيَشْمَلُ الْمَكْرُوهَ وَالْمُبَاحَ وَنَصُّ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ إثْرَ قَوْلِ الْعُتْبِيَّةِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُسَافِرِ يُقِيمُ فِي الْمَنْزِلِ يَوْمًا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ مَا كَانَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقْصُرَ وَهَذَا كَمَا قَالَ: وَهُوَ مِمَّا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ لِقَوْلِ اللَّهِ عز وجل {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184] إلَّا أَنَّ مَالِكًا اسْتَحَبَّ لَهُ الصِّيَامَ وَيُكْرَهُ لَهُ الْفِطْرُ لِقَوْلِ اللَّهِ عز وجل {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة: 184]، انْتَهَى. وَفُهِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يَجُوزُ الْفِطْرُ لِلْمُسَافِرِ فِي الْبَحْرِ إذَا كَانَ سَفَرًا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ؛ لِأَنَّهُ سَفَرُ قَصْرٍ وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي رَسْمٍ بَاعَ غُلَامًا مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الصِّيَامِ وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَغَيْرُهُ وَنَصُّ السَّمَاعِ: وَسُئِلَ عَنْ الْمُسَافِرِ فِي الْبَحْرِ يُرِيدُ أَنْ يُفْطِرَ فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ الْمُسَافِرَ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ سَوَاءٌ فِي جَوَازِ الْفِطْرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} [يونس: 22] .
وَوُجُوبُ الْقَصْرِ وَهَذَا مِمَّا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ احْفَظْهُ، انْتَهَى. وَنَصَّ ابْنُ عَرَفَةَ: وَسَفَرُ الْقَصْرِ يُبِيحُ فِطْرَهُ وَسَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ الْبَحْرُ كَالْبَرِّ. الشَّيْخُ وَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ لَوْ أَقَامَ بِبَلَدٍ مَا لَا يُوجِبُ إتْمَامَهُ، انْتَهَى. وَانْظُرْ التَّلْقِينَ وَالْمَعُونَةَ وَفُهِمَ أَيْضًا مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يُفْطِرُ وَلَوْ أَقَامَ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً مَا لَمْ يَنْوِ إقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ؛ لِأَنَّهُ سَفَرُ قَصْرٍ وَصَرَّحَ بِهِ فِي النَّوَادِرِ وَتَقَدَّمَ نَقْلُهُ عَنْهُ فِي كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ الْمُتَقَدِّمِ (فَرْعٌ) قَالَ الْجُزُولِيُّ: وَيُفْطِرُ فِي السَّفَرِ الْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ وَاخْتُلِفَ فِي الْمُبَاحِ وَالْمَكْرُوهِ وَالْمَحْظُورِ. وَالْمَشْهُورُ يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ فِي الْمُبَاحِ وَلَا يَجُوزُ فِي الْمَكْرُوهِ وَلَا الْمَحْظُورِ، انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) رَأَيْت بِخَطِّ بَعْضِ
طَلَبَةِ الْعِلْمِ عَنْ شَارِحِ الرِّسَالَةِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ مَنْ تَعَمَّدَ السَّفَرَ فِي رَمَضَانَ لِأَجْلِ الْفِطْرِ أَنَّهُ لَا يُفْطِرُ وَيُعَامَلُ بِنَقِيضِ مَقْصُودِهِ وَهَذَا ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ سَفَرَهُ حِينَئِذٍ لَا يَكُونُ مُبَاحًا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ غَرَضٌ إلَّا الْإِفْطَارُ قَالَ: وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ لَهُ مَالٌ يُبَلِّغُهُ الْحَجَّ فَتَصَدَّقَ بِجُلِّهِ لِيَسْقُطَ عَنْهُ الْحَجُّ ذَكَرَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِ الرِّسَالَةِ وَإِنْ حَاضَتْ لِأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ مِنْ النَّهَارِ وَأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ تَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ يَوْمَ حَيْضَتِهَا وَأَخَّرَتْ الصَّلَاةَ إلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ عَمْدًا فَإِنَّهُ يَلْزَمُهَا الْقَضَاءُ، انْتَهَى.
وَذَكَرَ الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ هَذِهِ الْمَسَائِلَ الثَّلَاثَ إلَّا أَنَّهُ قَالَ: إنَّ الْحَائِضَ لَا يَلْزَمُهَا قَضَاءٌ وَهِيَ عَاصِيَةٌ وَالْمُتَصَدِّقُ يَسْقُطُ عَنْهُ الْحَجُّ وَالْمُسَافِرُ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا الْقَضَاءُ وَزَادَ الْمُقِيمُ يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ فَيُسَافِرُ وَيُصَلِّيهَا صَلَاةَ قَصْرٍ لَهُ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الْجُزُولِيُّ ذَكَرَ هَذِهِ الْمَسَائِلَ كَمَا ذَكَرَ الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا مُؤَثَّمٌ فِي هَذَا كُلِّهِ وَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ وَالْجُزُولِيُّ فِي الْمَسَائِلِ الْمَذْكُورَةِ ذَكَرَهُ اللَّخْمِيُّ فِي زَكَاةِ الْخُلَطَاءِ مِنْ تَبْصِرَتِهِ إلَّا أَنَّهُ قَالَهُ وَجَمِيعُ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ وَنَصُّهُ: وَمِنْ الْبُخَارِيِّ قَالَ أَنَسٌ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ» . ثُمَّ قَالَ: اُخْتُلِفَ فِي الْحَدِيثِ هَلْ مَحْمَلُهُ عَلَى الْوُجُوبِ أَوْ النَّدْبِ وَالْمَعْرُوفُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَنَّ الْمَعْرُوفَ مَحْمَلُ الْحَدِيثِ عَلَى الْوُجُوبِ وَرُوِيَ عَنْهُ فِي مُخْتَصَرِ مَا لَيْسَ فِي الْمُخْتَصَرِ فِيمَنْ بَاعَ إبِلًا بَعْدَ الْحَوْلِ بِذَهَبٍ فِرَارًا أَنَّهُ يُزَكِّي زَكَاةَ الذَّهَبِ فَعَلَى هَذَا مَحْمَلُ الْحَدِيثِ عِنْدَهُ عَلَى النَّدْبِ؛ لِأَنَّهُ فَرَّ قَبْلَ الْوُجُوبِ وَلَوْ تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ مَالِهِ بِقَدْرِ مَا يُسْقِطُ عَنْهُ الْحَجَّ وَعَلِمَ ذَلِكَ أَوْ سَافَرَ فِي رَمَضَانَ إرَادَةً لِسُقُوطِ الصَّوْمِ عَنْهُ الْآنَ أَوْ أَخَّرَ صَلَاةَ الْحَضَرِ عَنْ وَقْتِهَا لِيُصَلِّيَهَا فِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ أَوْ أَخَّرَتْ امْرَأَةٌ صَلَاةً بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِهَا رَجَاءَ أَنْ تَحِيضَ فَحَاضَتْ قَبْلَ خُرُوجِ وَقْتِهَا فَجَمِيعُ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ وَلَا يَجِبُ عَلَى هَذَا فِي السَّفَرِ صِيَامٌ وَلَا أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعًا وَلَا عَلَى الْحَائِضِ قَضَاءٌ، انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ فِي الْخَلْطَةِ وَقَبِلَهُ إلَّا أَنَّهُ نَاقَشَهُ فِي احْتِجَاجِهِ عَلَى حَمْلِ الْحَدِيثِ عَلَى النَّدْبِ بِالْمَسَائِلِ الْمَذْكُورَةِ وَنَصَّهُ اللَّخْمِيُّ: مَحْمَلُ الْحَدِيثِ عَلَى الْوُجُوبِ وَرِوَايَةُ ابْنِ شَعْبَانَ مَنْ بَاعَ إبِلًا بَعْدَ الْحَوْلِ بِذَهَبٍ فِرَارًا زَكَّى زَكَاةَ الْعَيْنِ عَلَى النَّدْبِ ثُمَّ قَالَ: وَاحْتِجَاجُ اللَّخْمِيُّ عَلَى حَمْلِهِ عَلَى النَّدْبِ بِأَنَّ مَنْ قَصَدَ سُقُوطَ الْحَجِّ عَنْهُ بِصَدَقَتِهِ مَا يَنْفِي اسْتِطَاعَتَهُ أَوْ سَافَرَ فِي رَمَضَانَ لِسُقُوطِ صَوْمِهِ أَوْ أَخَّرَ صَلَاةً لِيُصَلِّيَهَا فِي سَفَرِهِ قَصْرًا أَوْ امْرَأَةٌ لِتَحِيضَ فَتُسْقِطُ لَمْ يُعَامَلُوا بِنَقِيضِ مَقْصُودِهِمْ يُرَدُّ بِأَنَّهُ فِي الْحَجِّ لِتَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ وَبِأَنَّ السَّفَرَ وَالتَّأْخِيرَ غَيْرُ مَنْهِيٍّ عَنْهُمَا وَالتَّفْرِيقُ وَالِاجْتِمَاعُ مَنْهِيٌّ عَنْهُمَا وَتَعْبِيرُهُ بِالنَّدْبِ دُونَ الْكَرَاهَةِ مُتَعَقَّبٌ، انْتَهَى. قَوْلُهُ وَتَعْبِيرُهُ بِالنَّدْبِ دُونَ الْكَرَاهَةِ مُتَعَقَّبٌ يَعْنِي بِهِ أَنَّهُ كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ هَلْ مَحْمَلُهُ عَلَى الْوُجُوبِ أَوْ الْكَرَاهَةِ بَدَلَ قَوْلِهِ أَوْ عَلَى النَّدْبِ قَالَ الْوَنْشَرِيسِيُّ فِي قَوَاعِدِهِ مِنْ الْأُصُولِ الْمُعَامَلَةُ بِنَقِيضِ الْمَقْصُودِ الْفَاسِدِ وَخَالَفُوا هَذَا الْأَصْلَ فِي الْمُتَصَدِّقِ بِكُلِّ الْمَالِ لِإِسْقَاطِ فَرْضِ الْحَجِّ وَمُنْشِئِ السَّفَرِ فِي رَمَضَانَ لِلْإِفْطَارِ وَمُؤَخِّرِ الصَّلَاةِ إلَى السَّفَرِ لِلتَّقْصِيرِ أَوْ إلَى الْحَيْضِ لِلسُّقُوطِ، انْتَهَى. فَمَا قَالَهُ الزُّهْرِيُّ مِنْ أَنَّهُ لَا يُفْطِرُ وَيُعَامَلُ بِنَقِيضِ مَقْصُودِهِ مُخَالِفٌ لِمَا قَالَهُ اللَّخْمِيُّ وَغَيْرُهُ إلَّا أَنَّ مَا قَالَهُ ظَاهِرٌ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ غَرَضٌ مِنْ السَّفَرِ إلَّا الْإِفْطَارُ فِي رَمَضَانَ؛ لِأَنَّ سَفَرَهُ حِينَئِذٍ لَا يَكُونُ مُبَاحًا وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الْجُزُولِيِّ أَنَّهُ مَأْثُومٌ فِي هَذَا كُلِّهِ وَهَذَا يَقْتَضِي عَدَمَ الْجَوَازِ وَصَرَّحَ فِي الْمَدْخَلِ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّصَدُّقُ بِمَالِهِ وَتَقَدَّمَ كَلَامُ الشَّيْخِ يُوسُفَ بْنِ عُمَرَ فِي الْحَائِضِ أَنَّهَا عَاصِيَةٌ وَصَرَّحَ اللَّخْمِيُّ بِأَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ فَالْفِطْرُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يَتَأَتَّى عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ فِي السَّفَرِ الْمَكْرُوهِ أَوْ الْحَرَامِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الْجُزُولِيِّ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (شَرَعَ فِيهِ قَبْلَ الْفَجْرِ وَلَمْ يَنْوِهِ فِيهِ) ش ذَكَرَ لِجَوَازِ الْفِطْرِ فِي السَّفَرِ ثَلَاثَةَ شُرُوطٍ، الْأَوَّلُ: أَنْ يَشْرَعَ فِيهِ
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ شُرُوعُهُ قَبْلَ الْفَجْرِ وَإِلَيْهِمَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ شَرَعَ فِيهِ قَبْلَ الْفَجْرِ الثَّالِثُ: أَنْ لَا يَكُونَ نَوَى الصِّيَامَ فِيهِ أَيْ فِي السَّفَرِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ وَلَا أَنْ يُبَيِّتَهُ قَالَ اللَّخْمِيُّ: لَمْ يَخْتَلِفْ الْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ قَبْلَ أَنْ يَتَلَبَّسَ بِالسَّفَرِ، انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَمُبِيحُ تَبْيِيتِ الْفِطْرِ الِاتِّصَافُ بِهِ لَا يُبَيِّتُ أَبُو عُمَرَ اتِّفَاقًا انْتَهَى وَفِي النَّوَادِرِ وَمَنْ يُرِيدُ السَّفَرَ فِي صِيَامِ يَوْمٍ فَوَاجِبٌ عَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّتَ الصِّيَامَ انْتَهَى وَيَأْتِي فِي كَلَامِ أَبِي الْحَسَنِ الْحُكْمُ فِيمَا إذَا لَمْ يُبَيِّتْ وَإِنْ شَرَعَ فِي السَّفَرِ بَعْدَ الْفَجْرِ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْبَيَاتُ وَيَأْتِي حُكْمُهُ إنْ لَمْ يُبَيِّتْ فَإِذَا بَيَّتَهُ ثُمَّ سَافَرَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ أَوْ لَا؟ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: الْأَصَحُّ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَدَمُ الْجَوَازِ وَقِيلَ: يَجُوزُ قَالَ اللَّخْمِيُّ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَسَيَأْتِي لَفْظُهَا وَإِنْ شَرَعَ فِي السَّفَرِ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ تَبْيِيتُ الْفِطْرِ وَالصَّوْمُ أَفْضَلُ فَإِنْ بَيَّتَ الصَّوْمَ فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ الْفِطْرُ؟ قَوْلَانِ الْمَشْهُورُ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَإِلَّا قَضَى)
ش: أَيْ وَإِنْ لَمْ يَشْرَعْ فِي السَّفَرِ قَبْلَ الْفَجْرِ بَلْ عَزَمَ عَلَيْهِ فَيَلْزَمُهُ أَنْ يُبَيِّتَ الصَّوْمَ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ فِي الْكَبِيرِ: وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ إنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصَّوْمَ وَأَصْبَحَ مُفْطِرًا أَنَّ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ وَالْكَفَّارَةَ سَوَاءٌ سَافَرَ أَمْ لَا، انْتَهَى.
وَإِنْ بَيَّتَ الصَّوْمَ ثُمَّ أَفْطَرَ قَبْلَ شُرُوعِهِ فِي السَّفَرِ أَوْ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي السَّفَرِ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَكَذَلِكَ إذَا نَوَى الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ ثُمَّ أَفْطَرَ فَيَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ وَلَا إشْكَالَ فِي ذَلِكَ وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ لِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ وَلَوْ تَطَوُّعًا وَالْمَعْنَى أَنَّ مَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا تَطَوُّعًا فِي الْحَضَرِ ثُمَّ سَافَرَ فَأَفْطَرَ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ أَوْ نَوَى الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ تَطَوُّعًا ثُمَّ أَفْطَرَ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ فِي الصُّورَتَيْنِ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَقَوْلُهُ وَلَا كَفَّارَةَ إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ بِسَفَرٍ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى الصُّوَرِ كُلِّهَا الْمَفْهُومَةِ مِنْ الشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَإِذَا بَيَّتَ الصَّوْمَ وَأَصْبَحَ صَائِمًا وَعَزَمَ عَلَى السَّفَرِ فَأَفْطَرَ قَبْلَ خُرُوجِهِ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ لَوْ أَفْطَرَ بَعْدَ خُرُوجِهِ وَكَذَا لَوْ بَيَّتَ الْفِطْرَ قَبْلَ خُرُوجِهِ وَأَنَّهُ إنَّمَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ فِي الصُّورَةِ الرَّابِعَةِ وَهِيَ مَا إذَا نَوَى الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ ثُمَّ أَفْطَرَ فَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الرَّابِعَةِ مِنْ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ وَمَا فُهِمَ مِنْ كَلَامِهِ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ سُقُوطِ الْكَفَّارَةِ أَعْنِي فِيمَا إذَا بَيَّتَ الصِّيَامَ وَسَافَرَ بَعْدَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَفْطَرَ بَعْدَ سَفَرِهِ فَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَأَمَّا الْأُولَى وَهِيَ مَا إذَا بَيَّتَ الصَّوْمَ وَهُوَ يُرِيدُ السَّفَرَ ثُمَّ أَفْطَرَ قَبْلَ خُرُوجِهِ فَلَمْ يُصَرِّحْ فِي الْمُدَوَّنَةِ بِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فِيهَا وَلَا بِسُقُوطِهَا وَأَمَّا الثَّالِثَةُ وَهُوَ مَا إذَا بَيَّتَ الْفِطْرَ فِي الْحَضَرِ قَبْلَ خُرُوجِهِ فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ أَنَّ الْكَفَّارَةَ وَاجِبَةٌ بِلَا خِلَافٍ فَيَتَعَيَّنُ إخْرَاجُهَا مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: فَإِنْ أَصْبَحَ فِي السَّفَرِ صَائِمًا فِي رَمَضَانَ ثُمَّ أَفْطَرَ لِعُذْرٍ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ فَقَطْ وَإِنْ تَعَمَّدَ الْفِطْرَ لِغَيْرِ عُذْرٍ فَلْيُكَفِّرْ مَعَ الْقَضَاءِ قَالَ الْمَخْزُومِيُّ وَابْنُ كِنَانَةَ: لَا يُكَفِّرُ وَقَالَ أَشْهَبُ: إنْ تَأَوَّلَ مَالِكٌ وَأَشْهَبُ
وَإِنْ أَفْطَرَ بَعْدَ دُخُولِهِ إلَى أَهْلِهِ نَهَارًا فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ مَالِكٌ كَانَ فِطْرُهُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ أَوْ آخِرِهِ أَشْهَبُ وَلَا يُعْذَرُ أَحَدٌ فِي مِثْلِ هَذَا انْتَهَى وَإِلَى قَوْلِ مَالِكٍ وَأَشْهَبَ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ
ص (كَفِطْرِهِ بَعْدَ دُخُولِهِ)
ش: يَعْنِي أَنَّهُ إذَا بَيَّتَ الصِّيَامَ فِي السَّفَرِ ثُمَّ دَخَلَ الْقَرْيَةَ فَأَفْطَرَ فَيَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ بِلَا خِلَافٍ ثُمَّ قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ أَصْبَحَ فِي الْحَضَرِ صَائِمًا فِي رَمَضَانَ وَهُوَ يُرِيدُ سَفَرًا فَلَا يُفْطِرُ ذَلِكَ الْيَوْمَ قَبْلَ خُرُوجِهِ وَلَا أُحِبُّ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ بَعْدَ خُرُوجِهِ فَإِنْ أَفْطَرَ بَعْدَ أَنْ سَافَرَ لَزِمَهُ الْقَضَاءُ فَقَطْ وَقَالَ الْمَخْزُومِيُّ وَابْنُ كِنَانَةَ: يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ انْتَهَى. وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَابْنُ بَشِيرٍ وَاللَّخْمِيُّ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فِيمَا إذَا بَيَّتَ الصِّيَامَ ثُمَّ أَفْطَرَ قَبْلَ سَفَرِهِ أَرْبَعَةَ أَقْوَالٍ وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ وَعَدَمُ وُجُوبِهَا وَثَالِثُهَا تَجِبُ إنْ لَمْ يَأْخُذْ فِي أُهْبَةِ السَّفَرِ وَرَابِعُهَا تَجِبُ إنْ لَمْ يُتِمَّ سَفَرَهُ وَلَمْ يُرَجِّحُوا قَوْلًا مِنْهَا إلَّا أَنَّهُ عَزَى
الْأَوَّلَ فِي التَّوْضِيحِ لِمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَسَحْنُونٍ وَالثَّانِيَ لِأَشْهَبَ وَالثَّالِثَ لِابْنِ حَبِيبٍ وَالرَّابِعَ لِسَحْنُونٍ أَيْضًا وَأَشْهَبَ وَقَالَ فِي الْبَيَانِ فِي سَمَاعِ عِيسَى بَعْدَ حِكَايَتِهِ الْأَقْوَالَ الْأَرْبَعَةَ: وَأَظْهَرُ الْأَقْوَالِ أَنْ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ بِحَالٍ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ إنَّمَا هِيَ تَكْفِيرٌ لِلذَّنْبِ وَمَنْ تَأَوَّلَ لَمْ يُذْنِبْ وَاَللَّهُ تَعَالَى مُجَاوِزٌ عَنْ الْأُمَّةِ الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ، انْتَهَى.
وَنَصُّ كَلَامِهِ بِرُمَّتِهِ فِي رَسْمٍ سَلَفَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَصْبَحَ فِي الْحَضْرَةِ صَائِمًا فِي رَمَضَانَ ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يُسَافِرَ فَتَأَوَّلَ أَنَّ لَهُ الْفِطْرَ فَأَكَلَ قَبْلَ الْخُرُوجِ فَخَرَجَ فَسَافَرَ لَمْ أَرَ عَلَيْهِ إلَّا قَضَاءَ يَوْمٍ؛ لِأَنَّهُ مُتَأَوِّلٌ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: هَذِهِ مَسْأَلَةٌ قَدْ اُخْتُلِفَ فِيهَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ، أَحَدُهَا: أَنَّ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ وَالْكَفَّارَةَ سَافَرَ أَوْ لَمْ يُسَافِرْ وَالثَّانِي: أَنَّ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ سَافَرَ أَوْ لَمْ يُسَافِرْ وَالثَّالِثُ: الْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يُسَافِرَ أَوْ لَا يُسَافِرُ وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ إنْ أَكَلَ قَبْلَ الْأَخْذِ فِي أُهْبَةِ السَّفَرِ كَفَّرَ سَافَرَ أَمْ لَمْ يُسَافِرْ وَإِنْ أَكَلَ بَعْدَ الْأَخْذِ فِي أُهْبَةِ السَّفَرِ كَفَّرَ إنْ لَمْ يَخْرُجْ، وَأَظْهَرُ الْأَقْوَالِ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ بِحَالٍ إلَى آخِرِ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ بِرُمَّتِهِ ثُمَّ قَالَ: وَلِابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ أَنَّ مَنْ أَرَادَ سَفَرًا فَحَبَسَهُ مَطَرٌ فَأَفْطَرَ فَإِنَّهُ يُكَفِّرُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ التَّأْوِيلِ الْبَعِيدِ، انْتَهَى. وَتَقَدَّمَ بَعْضُ كَلَامِهِ هَذَا عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فَظَنُّوا الْإِبَاحَةَ وَأَمَّا إذَا بَيَّتَ الصِّيَامَ فِي السَّفَرِ ثُمَّ أَفْطَرَ فَقَدْ تَقَدَّمَ التَّصْرِيحُ فِي كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ بِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ وَظَاهِرُهَا سَوَاءٌ كَانَ مُتَعَمِّدًا أَوْ مُتَأَوِّلًا وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي الْعُتْبِيَّةِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَعِنْدِي أَنَّ ظَاهِرَ الْمُدَوَّنَةِ كَمَا فِي الْعُتْبِيَّةِ وَاعْتَمَدَهُ فِي الشَّامِلِ فَقَالَ: وَحُرِّمَ فِطْرُهُ إنْ خَرَجَ نَهَارًا أَوْ نَوَاهُ بِسَفَرٍ عَلَى الْأَصَحِّ وَلَا كَفَّارَةَ فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي إنْ تَأَوَّلَ وَإِلَّا فَمَشْهُورُهَا يُكَفِّرُ فِي الثَّانِي فَقَطْ وَرَابِعُهَا عَكْسُهُ، انْتَهَى.
وَصَرَّحَ ابْنُ الْحَاجِبِ بِأَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَى الْمُتَأَوِّلِ فَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: هَذَا مُخَالِفٌ لِنَصِّ الْعُتْبِيَّةِ ثُمَّ ذَكَرَهُ ثُمَّ قَالَ: لَكِنْ اعْتَرَضَهُ التُّونُسِيُّ يَعْنِي نَصَّ الْعُتْبِيَّةِ وَقَالَ: فِيهِ نَظَرٌ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ كَمَا قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ عِنْدِي كَمَا فِي الْعُتْبِيَّةِ وَذَكَرَ لَفْظَهَا الْمُتَقَدِّمَ وَأَمَّا إذَا بَيَّتَ الصِّيَامَ فِي الْحَضَرِ وَسَافَرَ ثُمَّ أَفْطَرَ بَعْدَ سَفَرِهِ فَقَدْ صَرَّحَ فِي الْمُدَوَّنَةِ بِعَدَمِ الْكَفَّارَةِ وَظَاهِرُهُ مُتَعَمِّدًا أَوْ مُتَأَوِّلًا وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّامِلِ وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ: وَإِنْ أَفْطَرَ بَعْدَ سَفَرِهِ فَإِنْ تَأَوَّلَ فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَتَأَوَّلْ فَقَوْلَانِ وَصَرَّحَ ابْنُ الْحَاجِبِ بِأَنَّهُ إنْ تَأَوَّلَ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَحْكِ فِيهِ خِلَافًا وَإِنْ لَمْ يَتَأَوَّلْ فَحَكَى فِيهِ الْخِلَافَ قَالَ: وَالْمَشْهُورُ عَدَمُ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فَإِنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ جَمِيعًا أَعْنِي مَسْأَلَةَ مَا إذَا نَوَى فِي السَّفَرِ ثُمَّ أَفْطَرَ وَمَسْأَلَةَ مَا إذَا سَافَرَ بَعْدَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَفْطَرَ فَقَالَ فِيهِمَا فَإِنْ أَفْطَرَ مُتَأَوِّلًا فَلَا كَفَّارَةَ وَإِنْ لَمْ يَتَأَوَّلْ فَثَالِثُهَا الْمَشْهُورُ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي وَرَابِعُهَا الْعَكْسُ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: فَظَاهِرُهَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ لِالْتِزَامِهِ الصَّوْمَ وَفِطْرِهِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَقِيلَ: لَا فِيهِمَا مُرَاعَاةً لِلْخِلَافِ وَالْمَشْهُورُ تَجِبُ فِيمَا إذَا نَوَى فِي السَّفَرِ دُونَ مَا إذَا صَامَ فِي الْحَضَرِ ثُمَّ سَافَرَ؛ لِأَنَّ طُرُوُّ السَّفَرِ مُبِيحٌ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ بِخِلَافِ مَنْ أَنْشَأَ الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ فَإِنَّهُ لَمْ يَطْرَأْ عَلَيْهِ مُبِيحٌ وَعَكْسُ الْمَشْهُورِ لِلْمَخْزُومِيِّ وَابْنِ كِنَانَةَ وَوَجْهُهُ أَنَّ حُرْمَةَ الصَّوْمِ فِي حَقِّ مَنْ أَنْشَأَ الصَّوْمَ فِي الْحَضَرِ أَقْوَى؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ حِينَ الْإِنْشَاءِ إلَّا الصَّوْمُ بِخِلَافِ مَنْ أَصْبَحَ فِي السَّفَرِ صَائِمًا فَإِنَّهُ كَانَ مُخَيَّرًا فِي الْفِطْرِ ابْتِدَاءً، انْتَهَى.
وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ إنَّمَا تَكَلَّمَ عَلَى مَسْأَلَتَيْ الْمُدَوَّنَةِ؛ لِأَنَّ مُرَادَهُ بَيَانُ حُكْمِ مَنْ أَفْطَرَ فِي السَّفَرِ وَأَمَّا مَنْ أَفْطَرَ فِي الْحَضَرِ فَسَكَتَ عَنْهُ اعْتِمَادًا عَلَى هَذَا الظَّاهِرِ مِنْ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ هُوَ الْأَقْوَى؛ لِأَنَّهُ نَسَبَهُ لِمَالِكٍ (تَنْبِيهٌ) قَوْلُ الْمُصَنِّفِ كَفِطْرِهِ بَعْدَ دُخُولِهِ وَلَوْ تَرَكَهُ لَمْ يُحْتَجْ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَفْهُومٌ بِالْأَحْرَوِيَّةِ مِنْ قَوْلِهِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ بِسَفَرٍ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مَنْ نَوَى الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ ثُمَّ أَفْطَرَ فِي السَّفَرِ تَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ فَأَحْرَى إذَا أَفْطَرَ بَعْدَ وُصُولِهِ إلَى أَهْلِهِ قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ: وَكَأَنَّهُ شَبَّهَ الْأَضْعَفَ الَّذِي يُخَالِفُ فِيهِ أَشْهَبُ
بِالْأَقْوَى الَّذِي يُوَافِقُ عَلَيْهِ وَاسْتَوَى مَعَ ذَلِكَ ذِكْرُ الْفَرْعَيْنِ الْمَنْصُوصَيْنِ فَلِهَذَا لَمْ يَسْتَغْنِ عَنْ ذِكْرِ الْأَحْرَوِيِّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّ مَسَائِلَ الْفِطْرِ لِلْمُسَافِرِ خَمْسُ مَسَائِلَ، الْأُولَى: إذَا عَزَمَ عَلَى السَّفَرِ بَعْدَ الْفَجْرِ وَلَمْ يُسَافِرْ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّتَ الصِّيَامَ فَإِذَا بَيَّتَ الْإِفْطَارَ فَصَرَّحَ أَبُو الْحَسَنِ بِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ وَالْكَفَّارَةَ وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ عَامِدًا أَوْ مُتَأَوِّلًا وَهُوَ ظَاهِرٌ.
الثَّانِيَةُ: إذَا بَيَّتَ الصِّيَامَ فِي الْحَضَرِ ثُمَّ عَزَمَ عَلَى السَّفَرِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْإِفْطَارُ قَبْلَ خُرُوجِهِ وَلَمْ أَرَ فِي ذَلِكَ خِلَافًا وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ اللَّخْمِيُّ: لَا يُفْطِرُ قَبْلَ تَلَبُّسِهِ بِهِ اتِّفَاقًا فَإِنْ أَفْطَرَ قَبْلَ خُرُوجِهِ فَفِي ذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ حَكَاهَا ابْنُ الْحَاجِبِ كَمَا تَقَدَّمَ وَلَمْ يُبَيِّنْ هَلْ ذَلِكَ فِي الْعَامِدِ أَوْ الْمُتَأَوِّلِ وَحَكَى فِي الْبَيَانِ فِي آخِرِ سَمَاعِ عِيسَى الْأَرْبَعَةَ الْأَقْوَالَ الَّتِي حَكَاهَا ابْنُ الْحَاجِبِ فِي الْمُتَأَوِّلِ كَمَا تَقَدَّمَ وَحَكَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ سُقُوطَ الْكَفَّارَةِ وَاسْتَظْهَرَهُ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ الْعَامِدَ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَعَزَا ابْنُ عَرَفَةَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ لِطَرِيقِ اللَّخْمِيِّ ثُمَّ ذَكَرَ طَرِيقَ ابْنِ رُشْدٍ.
الثَّالِثَةُ: إذَا أَصْبَحَ صَائِمًا ثُمَّ سَافَرَ فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ الْإِفْطَارُ أَمْ لَا؟ فَالْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْإِفْطَارُ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْقَصَّارِ: يُكْرَهُ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ حَكَاهَا الْبَاجِيُّ وَنَقَلَهَا فِي التَّوْضِيحِ وَابْنُ عَرَفَةَ وَعَلَى الْمَشْهُورِ فَإِنْ أَفْطَرَ مُتَأَوِّلًا فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الْحَاجِبِ وَلَمْ يَحْكُوا فِيهِ خِلَافًا وَإِنْ أَفْطَرَ عَامِدًا فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الْحَاجِبِ وَقَبِلَهُ فِي التَّوْضِيحِ. الرَّابِعَةُ: إذَا بَيَّتَ الصِّيَامَ فِي السَّفَرِ هَلْ يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ أَمْ لَا؟ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ نَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَعَلَى الْمَشْهُورِ فَإِنْ أَفْطَرَ مُتَأَوِّلًا فَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي سَمَاعِ مُوسَى مِنْ الْعُتْبِيَّةِ وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إنَّهُ مُبَيِّنٌ لِمَذْهَبِ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَإِنْ تَأَوَّلَ وَقَالَ أَشْهَبُ فِي الْمُدَوَّنَةِ: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَهُوَ الْأَظْهَرُ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ عِنْدِي مِثْلُ مَا فِي الْعُتْبِيَّةِ وَإِنْ أَفْطَرَ مُتَعَمِّدًا فَالْمَشْهُورُ أَنَّ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ وَلِمَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ حَكَاهُ فِي الْبَيَانِ وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْفَرْقَ عَلَى الْمَشْهُورِ بَيْنَ مَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا ثُمَّ سَافَرَ فَأَفْطَرَ وَبَيْنَ مَنْ بَيَّتَ الصِّيَامَ فِي السَّفَرِ ثُمَّ أَفْطَرَ أَنَّ طُرُوُّ السَّفَرِ عُذْرٌ مُبِيحٌ طَرَأَ لَمْ يَكُنْ بِخِلَافِ الَّذِي بَيَّتَ الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ فَإِنَّهُ لَمْ يَطْرَأْ عَلَيْهِ مُبِيحٌ وَأَنَّ الْمَخْزُومِيَّ عَكَسَ ذَلِكَ فَقَالَ بِالْكَفَّارَةِ مَعَ الْعَمْدِ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّالِثَةِ دُونَ الرَّابِعَةِ؛ لِأَنَّهُ رَأَى أَنَّ حُرْمَةَ الصَّوْمِ فِي حَقِّ مَنْ أَنْشَأَهُ فِي الْحَضَرِ أَقْوَى؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ حِينَ الْإِنْشَاءِ إلَّا الصَّوْمُ بِخِلَافِ مَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا فِي السَّفَرِ فَإِنَّهُ كَانَ مُخَيَّرًا فِي الْفِطْرِ حِينَ أَنْشَأَ الصَّوْمَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الْخَامِسَةُ: مَنْ بَيَّتَ الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ ثُمَّ دَخَلَ الْحَضَرَ فَأَفْطَرَ بَعْدَ دُخُولِهِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ بِلَا خِلَافٍ وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (أَوْ بِمَرَضٍ خَافَ زِيَادَتَهُ)
ش: قَالَ الْبُرْزُلِيُّ عَنْ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ: إذَا كَانَ الصَّوْمُ يَضُرُّ بِهِ وَيَزِيدُهُ ضَعْفًا أَفْطَرَ وَيُقْبَلُ
قَوْلُ الطَّبِيبِ الْمَأْمُونِ أَنَّهُ يَضُرُّ بِهِ وَيُفْطِرُ الزَّمِنُ إذَا أَضَرَّ بِهِ الصَّوْمُ وَكَذَا كُلُّ صَوْمٍ مُضِرٍّ يُبِيحُ الْفِطْرَ الْبُرْزُلِيُّ هِيَ تَتَخَرَّجُ عَلَى مَسْأَلَةِ التَّيَمُّمِ وَالصَّلَاةِ فَلَا خِلَافَ إذَا خَافَ الْمَوْتَ وَاخْتُلِفَ إذَا خَافَ مَا دُونَهُ عَلَى قَوْلَيْنِ وَالْمَشْهُورُ الْإِبَاحَةُ وَذَهَبَ بَعْضُ السَّلَفِ إلَى أَنَّ مُطْلَقَ الْمَرَضِ وَلَوْ قَلَّ يُبِيحُ الْفِطْرَ اُنْظُرْهُ فِي الْمُقَدِّمَاتِ، انْتَهَى. قَالَ ابْنُ يُونُسَ قَالَ فِي الْمَجْمُوعَةِ عَنْ أَشْهَبَ فِي مَرِيضٍ لَوْ تَكَلَّفَ الصَّوْمَ لَقَدَرَ عَلَيْهِ أَوْ الصَّلَاةَ قَائِمًا لَقَدَرَ إلَّا أَنَّهُ بِمَشَقَّةٍ وَتَعَبٍ فَلْيُفْطِرْ وَيُصَلِّي جَالِسًا وَدِينُ اللَّهِ يُسْرٌ قَالَ مَالِكٌ: رَأَيْت رَبِيعَةَ أَفْطَرَ فِي مَرَضٍ لَوْ كَانَ غَيْرُهُ لَقُلْت يَقْوَى عَلَى الصَّوْمِ إنَّمَا ذَلِكَ بِقَدْرِ طَاقَةِ النَّاسِ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ مِنْ قَوْلِ أَصْحَابِنَا: إنَّ الْمَرِيضَ إذَا خَافَ إنْ صَامَ يَوْمًا أَحْدَثَ عَلَيْهِ زِيَادَةً فِي عِلَّتِهِ أَوْ ضَرَرًا فِي بَصَرِهِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ أَعْضَائِهِ فَلَهُ أَنْ يُفْطِرَ
ص (وَالْقَضَاءُ بِالْعَدَدِ)
ش: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى فَاعِلِ وَجَبَ فِي قَوْلِهِ وَوَجَبَ إنْ خَافَ هَلَاكًا وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَجِبُ قَضَاءُ رَمَضَانَ إذَا أَفْطَرَ فِيهِ وَسَوَاءٌ كَانَ الْفِطْرُ لِعُذْرٍ أَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ وَلَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ قَضَائِهِ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يَجِبُ قَضَاؤُهُ إذَا أَفْطَرَهُ كُلَّهُ بِالْعَدَدِ أَيْ يَحْسُبُ عَدَدَ شَهْرِ رَمَضَانَ الَّذِي أَفْطَرَهُ سَوَاءٌ ابْتَدَأَ فِي الْقَضَاءِ بِالْهِلَالِ أَوْ بِغَيْرِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184] . وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ أَنَّهُ إنْ صَامَ بِالْهِلَالِ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ الشَّهْرَ سَوَاءٌ وَافَقَتْ أَيَّامُهُ عَدَدَ رَمَضَانَ الَّذِي أَفْطَرَهُ أَوْ كَانَ عَدَدُ الْقَضَاءِ أَنْقَصَ وَيَجِبُ تَكْمِيلُهُ إنْ كَانَتْ أَيَّامُ شَهْرِ الْقَضَاءِ أَكْثَرَ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: هَكَذَا نَقَلَ صَاحِبُ النَّوَادِرِ وَغَيْرُهُ وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا كَانَ رَمَضَانُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ وَصَامَ شَهْرًا فَكَانَ ثَلَاثِينَ وَجَبَ عَلَيْهِ إتْمَامُهُ وَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى الْعَكْسِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُقَالَ: إذَا كَانَ رَمَضَانُ ثَلَاثِينَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْقَضَاءُ كَذَلِكَ وَيُفَرَّقُ بِالِاحْتِيَاطِ وَالنَّقْلِ كَمَا تَقَدَّمَ، انْتَهَى.
((قُلْتُ)) الَّذِي ذَكَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ أَوَّلًا لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ يَجِبُ إكْمَالُ الشَّهْرِ ثَلَاثِينَ إذَا كَانَ رَمَضَانُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ وَكَلَامُ ابْنِ عَرَفَةَ يَقْتَضِي وُجُوبَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ قَالَ: وَالْوَاجِبُ عَدَدُ الْأَوَّلِ وَلَوْ قَضَى شَهْرًا لِلْهِلَالِ عَنْ آخَرَ فَفِي كَوْنِ الْمُعْتَبَرِ عَدَدَ الْأَوَّلِ أَوْ كُلَّ الثَّانِي يُجْزِئُ وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ فَيُكَمِّلُ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ قَوْلَانِ لِنَقْلِ اللَّخْمِيِّ عَنْ الْمَذْهَبِ مَعَ الشَّيْخِ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَالشَّيْخِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ مَعَ نَقْلِ اللَّخْمِيِّ قَائِلًا هَذَا وَهْمٌ وَنَقَلَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ بِقَيْدِ إكْمَالِهِ إنْ كَانَ أَكْثَرَ دُونَ إجْزَائِهِ إنْ كَانَ أَقَلَّ لَا أَعْرِفُهُ (تَنْبِيهٌ) وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ قَضَاءُ رَمَضَانَ عَلَى الْفَوْرِ قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ إلَى شَعْبَانَ وَيَحْرُمُ بَعْدَهُ وَقِيلَ: يَجِبُ الْقَضَاءُ عَلَى الْفَوْرِ.
نَقَلَ الْقَوْلَيْنِ الرَّجْرَاجِيُّ وَغَيْرُهُ وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: لَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْفَوْرِ وَتَبِعَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ عَلَى حِكَايَةِ الِاتِّفَاقِ وَكَذَلِكَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ وَحَصَّلَ ابْنُ عَرَفَةَ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ، الْأَوَّلُ: أَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ، الثَّانِي: أَنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي لِبَقَاءِ قَدْرِهِ قَبْلَ تَالِيهِ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ فَإِنْ صَحَّ بَعْدَ رَمَضَانَ قَدْرَ زَمَانِ الْقَضَاءِ وَلَمْ يَقْضِ فِيهِ ثُمَّ أَصَابَهُ مَرَضٌ أَوْ سَفَرٌ وَاتَّصَلَ ذَلِكَ إلَى رَمَضَانَ الثَّانِي فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ، الثَّالِثُ: أَنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي حَتَّى يَبْقَى قَدْرُ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْأَيَّامِ مِنْ شَعْبَانَ مُطْلَقًا وَاعْتُرِضَ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ فِي حِكَايَتِهِ الِاتِّفَاقَ وَقَالَ فِي الْإِكْمَالِ فِي شَرْحِ قَوْلِ عَائِشَةَ: رضي الله عنها يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ فَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَهُ إلَّا فِي شَعْبَانَ لِلشُّغْلِ بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. فِيهِ حُجَّةٌ عَلَى أَنَّ قَضَاءَ رَمَضَانَ لَيْسَ وَاجِبًا عَلَى الْفَوْرِ خِلَافًا لِلدَّاوُدِيِّ فِي إيجَابِهِ مِنْ ثَانِي شَوَّالٍ وَأَنَّهُ آثِمٌ مَتَى لَمْ يُتِمَّهُ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى الْفَوْرِ فَوَقْتُهُ مُوَسَّعٌ مُقَيَّدٌ بِبَقِيَّةِ السَّنَةِ مَا لَمْ يَدْخُلْ رَمَضَانُ آخَرُ لَكِنَّ الِاسْتِحْبَابَ الْمُبَادَرَةُ، انْتَهَى.
ص (بِزَمَنٍ أُبِيحَ صَوْمُهُ
غَيْرِ رَمَضَانَ) ش يَعْنِي أَنَّ الزَّمَنَ الَّذِي يُبَاحُ فِيهِ قَضَاءُ رَمَضَانَ هُوَ كُلُّ زَمَانٍ أُبِيحَ صَوْمُهُ غَيْرِ رَمَضَانَ فَخَرَجَ بِقَوْلِهِ أُبِيحَ صَوْمُهُ مَا حَرُمَ صَوْمُهُ كَيَوْمِ الْفِطْرِ وَالنَّحْرِ وَالْيَوْمَانِ بَعْدَهُ وَمَا كُرِهَ صَوْمُهُ كَالْيَوْمِ الرَّابِعِ قَالَ فِي الشَّامِلِ: فَإِنْ وَقَعَ فِي يَوْمِ عِيدٍ لَمْ يُجْزِئْ كَالْأَيَّامِ الْمَعْدُودَاتِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَثَالِثُهَا يُجْزِئُ الثَّالِثُ، انْتَهَى.
وَنَقَلَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ الْخِلَافَ فِي الْأَيَّامِ الْمَعْدُودَاتِ وَصَرَّحَ فِي التَّوْضِيحِ بِتَشْهِيرِ مَا شَهَّرَهُ فِي الشَّامِلِ وَصَرَّحَ ابْنُ بَشِيرٍ بِتَصْحِيحِهِ وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ أُبِيحَ صَوْمُهُ أَيْضًا مَا وَجَبَ صَوْمُهُ كَرَمَضَانَ لِلْحَاضِرِ فَإِنَّ صَوْمَهُ لَيْسَ بِمُبَاحٍ بَلْ وَاجِبٌ فَلَوْ صَامَهُ قَضَاءً عَنْ رَمَضَانَ الْمَاضِي لَمْ يُجْزِ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ ابْنُ الْجَلَّابِ: إنَّهُ الصَّحِيحُ مِنْ الْأَقْوَالِ وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: هُوَ الصَّوَابُ عِنْدَ أَهْلِ النَّظَرِ كُلِّهِمْ وَوَجْهُهُ أَنَّ رَمَضَانَ لَا يُقْبَلُ غَيْرُهُ فَلَا يُجْزِي عَنْ الْقَضَاءِ وَأَمَّا عَدَمُ إجْزَائِهِ عَنْ الْأَدَاءِ فَلِأَنَّهُ لَمْ يُجْزِهِ وَقِيلَ: يُجْزِي عَنْ الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّاتِ وَقِيلَ: يُجْزِي عَنْ الْأَدَاءِ؛ لِأَنَّ رَمَضَانَ لَا يُقْبَلُ غَيْرُهُ وَالْقَوْلَانِ لِمَالِكٍ وَلَفْظُ الْمُدَوَّنَةِ مُحْتَمِلٌ لَهُمَا؛ لِأَنَّ فِيهَا وَعَلَيْهِ قَضَاءُ الْآخَرِ وَقَوْلُهُ غَيْرُ رَمَضَانَ خَرَجَ بِهِ رَمَضَانُ فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ فَلَا يُجْزِئُ فِيهِ قَضَاءُ رَمَضَانَ (تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) إذَا قُلْنَا لَا يُجْزِئُ رَمَضَانُ فِي الْحَضَرِ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: يُكَفِّرُ عَنْ الْأَوَّلِ مِنْ الْكُلِّ يَوْمًا وَيُكَفِّرُ عَنْ الثَّانِي كَفَّارَةَ الْعَمْدِ فِي كُلِّ يَوْمٍ أَبُو مُحَمَّدٍ يُرِيدُ إلَّا أَنْ يُعْذَرَ بِجَهْلٍ أَوْ تَأْوِيلٍ وَقَالَ أَشْهَبُ: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَامَهُ وَلَمْ يُفْطِرْهُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَهُوَ الصَّوَابُ، انْتَهَى.
مِنْ التَّوْضِيحِ وَاقْتَصَرَ ابْنُ عَرَفَةَ عَلَى كَلَامِ ابْنِ الْمَوَّازِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِذَلِكَ فِي الشَّامِلِ (الثَّانِي) خَرَجَ بِقَوْلِهِ أُبِيحَ صَوْمُهُ أَيْضًا مَا لَوْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ بِعَيْنِهِ فَلَا يَقْضِي فِيهِ رَمَضَانَ فَإِنْ قَضَى فَحُكْمُهُ حُكْمُ رَمَضَانَ قَالَهُ اللَّخْمِيُّ (الثَّالِثُ) قَوْلُهُ أُبِيحَ صَوْمُهُ فِيهِ إشْكَالٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَرَادَ بِهِ الْمُبَاحَ الشَّرْعِيَّ الْمُسْتَوِيَ الطَّرَفَيْنِ فَلَيْسَ فِي السَّنَةِ يَوْمٌ أُبِيحَ صَوْمُهُ بِهَذَا الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ التَّطَوُّعَ بِالصَّوْمِ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ وَإِنْ أَرَادَ بِالْمُبَاحِ الْجَائِزَ الشَّامِلَ لِلْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ وَالْمَكْرُوهِ وَالْمُبَاحِ دَخَلَ فِيهِ رَابِعُ النَّحْرِ؛ لِأَنَّ صَوْمَهُ تَطَوُّعًا مَكْرُوهٌ عَلَى الْمَشْهُورِ فَتَأَمَّلْهُ فَإِنْ قِيلَ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ أُبِيحَ صَوْمُهُ أَنَّ الزَّمَانَ مَنْ يُبَاحُ فِيهِ الصَّوْمُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ مُبَاحٌ بِالنَّظَرِ إلَى الْمُكَلَّفِ قُلْنَا فِي هَذَا الْفَرْقِ نَظَرٌ وَلَوْ سَلَّمْنَا ذَلِكَ فَيَخْرُجُ مِنْ كَلَامِهِ الْأَيَّامُ وَالشُّهُورُ الَّتِي نَدَبَ الشَّرْعُ إلَى صِيَامِهَا فَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ بِزَمَنٍ لَمْ يُمْنَعْ فِيهِ مِنْ التَّطَوُّعِ لَصَحَّ كَلَامُهُ وَاسْتَغْنَى عَنْ قَوْلِهِ غَيْرُ رَمَضَانَ وَالْمَنْعُ يَشْمَلُ الْمُحَرَّمَ وَالْمَكْرُوهَ (الرَّابِعُ) مَنْ نَذَرَ صَوْمَ الْأَبَدِ ثُمَّ لَزِمَهُ قَضَاءُ رَمَضَانَ أَوْ صَوْمُ ظِهَارٍ أَوْ كَفَّارَةُ يَمِينٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يَصُومَ مَا لَزِمَهُ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَقَالَ سَحْنُونٌ عَلَيْهِ أَنْ يُطْعِمَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا نَقَلَهُ فِي سَمَاعِ سَحْنُونٍ مِنْ كِتَابِ الصِّيَامِ وَتَقَدَّمَ كَلَامُهُ بِرُمَّتِهِ مَعَ كَلَامِ النَّوَادِرِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ رَمَضَانُ فَقَطْ (الْخَامِسُ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ عَبْدُوسٍ عَنْ أَشْهَبَ مَنْ دَامَ مَرَضُهُ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى انْقَضَى آخَرُ بَدَأَ بِالْأَوَّلِ وَيُجْزِئُ الْعَكْسُ، انْتَهَى.
(السَّادِسُ) أَيَّامُ رَمَضَانَ هَلْ يَجِبُ قَضَاؤُهَا عَلَى التَّرْتِيبِ فَيَنْوِي الْيَوْمَ الْأَوَّلَ مِنْ أَيَّامِ الْقَضَاءِ لِلْيَوْمِ الْأَوَّلِ مِنْ الْأَيَّامِ الْفَائِتَةِ لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا صَرِيحًا الْآنَ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ وَقَالَ سَنَدٌ فِي فَصْلِ السَّهْوِ فِي شَرْحِ مَسْأَلَةِ مَنْ سَهَا عَنْ سَجْدَةٍ ثُمَّ قَامَ إلَى الثَّانِيَةِ فِي أَثْنَاءِ كَلَامِهِ: وَأَمَّا أَيَّامُ رَمَضَانَ فَلَيْسَ التَّرْتِيبُ فِيهَا بِمَقْصُودٍ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ ضَرُورَةِ التَّعْيِينِ، انْتَهَى.
ص (وَتَمَامُهُ إنْ ذَكَرَ قَضَاءَهُ)
ش: تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ وَيَقْرُبُ مِنْهُ مَا قَالَ ابْنُ قَدَّاحٍ مَسْأَلَةَ
مَنْ تَلَبَّسَ بِصَلَاةِ الظُّهْرِ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ صَلَّاهَا فَهَلْ يَقْطَعُ أَمْ لَا الظَّاهِرُ أَنَّهُ يَتَمَادَى عَلَى نَافِلَتِهِ وَمَنْ تَلَبَّسَ بِصَلَاةِ الْعَصْرِ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ صَلَّاهَا فَإِنْ كَانَ عَقَدَ رَكْعَةً أَضَافَ إلَيْهَا أُخْرَى وَسَلَّمَ بِنِيَّةِ النَّافِلَةِ وَإِنْ لَمْ يَعْقِدْ رَكْعَةً قَطَعَ، انْتَهَى. وَمِنْهُ أَيْضًا مَا قَالَهُ سَنَدٌ فِي شَرْحِ الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةَ عَشَرَ مِنْ بَابِ الْهَدْيِ مِنْ الْحَجِّ الثَّانِي أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ بِحَجٍّ عَمَّا عَلَيْهِ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ قَدْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ قَبْلَ عَامِهِ فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ مَا أَحْرَمَ بِهِ إلَّا أَنَّ الْوَاجِبَ الْأَوَّلُ، انْتَهَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَفِي وُجُوبِ قَضَاءِ الْقَضَاءِ خِلَافٌ)
ش: شَهَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ الْقَوْلَ بِعَدَمِ وُجُوبِ قَضَاءِ الْقَضَاءِ وَذَكَرَ الشَّارِحُ فِي الصَّغِيرِ عَنْ وَجِيزِ ابْنِ غَلَّابٍ أَنَّ الْمَشْهُورَ وُجُوبُ قَضَاءِ الْقَضَاءِ
ص (وَإِطْعَامُ مُدِّهِ عليه الصلاة والسلام لِمُفَرِّطٍ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ لِمِثْلِهِ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ لِمِسْكِينٍ)
ش: قَالَ فِي الشَّامِلِ: فَلَوْ فَرَّطَ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ لِمِثْلِهِ أَوْ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ ثَالِثٌ أَوْ أَكْثَرُ أَطْعَمَ مُدًّا مَعَ الْقَضَاءِ أَوْ بَعْدَهُ، انْتَهَى. فَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ لِمِثْلِهِ أَوْ أَكْثَرَ لَدَخَلَ هَذَا الْفَرْعُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَنَقَلَهُ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ (تَنْبِيهٌ) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ: سُئِلَ السُّيُورِيُّ عَمَّنْ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ قَبْلَ قَضَاءِ رَمَضَانَ قَبْلَهُ نِسْيَانًا هَلْ يُعْطِي كَفَّارَةَ التَّفْرِيطِ؟ فَأَجَابَ النَّاسِي لَا إطْعَامَ عَلَيْهِ الْبُرْزُلِيّ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وُجُوبُ الْإِطْعَامِ وَلَا يُعْذَرُ إلَّا بِمَا لَا يَقْدِرُ عَلَى الصَّوْمِ مِنْ زَمَنِ تَعْيِينٍ إلَى دُخُولِ رَمَضَانَ الثَّانِي، انْتَهَى. وَقَوْلُهُ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ لِمِسْكِينٍ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَمَصْرِفُهَا مِسْكِينٌ وَاحِدٌ وَفِيهَا لَا يُجْزِئُهُ أَمْدَادٌ لِمِسْكِينٍ وَاحِدٍ ((قُلْتُ)) يُرِيدُ مِنْ رَمَضَانَ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ فِدْيَةَ أَيَّامِ رَمَضَانَ الْوَاحِدِ كَأَمْدَادِ الْيَمِينِ الْوَاحِدَةِ وَالرَّمَضَانَانِ كَالْيَمِينَيْنِ، انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَالظَّاهِرُ عَلَى مَذْهَبِنَا جَوَازُ إعْطَاءِ الْمِسْكَيْنِ مُدَّيْنِ مِنْ عَامَيْنِ أَوْ مُدَّيْنِ مُتَغَايِرَيْ النِّسْبَةِ وَإِنْ كَانَ سَبَبُهُمَا يَوْمًا وَاحِدًا كَالْحَامِلِ مَثَلًا إذَا أَفْطَرَتْ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ وَلَمْ
تَقْضِهِ حَتَّى دَخَلَ رَمَضَانُ آخَرُ وَكَالْمُفْطِرِ مُتَعَمِّدًا أَوْ تَرَكَ قَضَاءَهُ إلَى أَنْ دَخَلَ رَمَضَانُ ثَانٍ آخَرُ قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَقَدْ يُقَالُ بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ عَلَى مَا قَالَ مَالِكٌ.
ص (وَمَنْذُورُهُ)
ش: تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ قَالَ الْمَشَذَّالِيُّ مَسْأَلَتَيْنِ مَنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمٌ وَلَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: يَلْزَمُهُ يَوْمٌ وَيُسْتَحَبُّ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَوْ قَالَ: الصِّيَامُ يَلْزَمُنِي وَلَا نِيَّةَ لَهُ يَلْزَمُهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ؛ لِأَنَّهَا أَقَلُّ الْوَاجِبِ مِنْ الصِّيَامِ ((قُلْتُ)) أَمَّا جَوَابُهُ فِي الْأُولَى فَوَاضِحٌ وَنَحْوُهُ لِابْنِ سَهْلٍ وَنَوَازِلِ سَحْنُونٍ مِنْ النُّذُورِ وَأَمَّا جَوَابُهُ فِي الثَّانِيَةِ فَإِنَّمَا يَتِمُّ لَوْ قَالَ النَّاذِرُ: الصِّيَامُ اللَّازِمُ وَالصَّوَابُ عِنْدِي فِي الصِّيَامِ يَلْزَمُنِي يَوْمٌ وَاحِدٌ قِيَاسًا عَلَى قَوْلِهِمْ الطَّلَاقُ يَلْزَمُهُ وَلَا نِيَّةَ فَإِنَّمَا تَلْزَمُهُ وَاحِدَةٌ، انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِطْرُ نَاذِرِ الدَّهْرِ نِسْيَانًا أَوْ لِعُذْرٍ لَغْوٌ وَعَمْدًا فِي كَوْنِهِ كَذَلِكَ وَلُزُومُ كَفَّارَةِ التَّفْرِيطِ وَالِانْتِهَاكِ قَوْلَا سَحْنُونٍ وَابْنِ حَبِيبٍ مَعَ رِوَايَتِهِ فِيهِ وَفِي صَوْمِ مَنْ نَذْرِ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسَ أَبَدًا لِظِهَارِهِ، انْتَهَى. وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ التَّوْضِيحِ نَحْوُهُ.
ص (كَشَهْرٍ فَثَلَاثِينَ)
ش: هَذَا مِثَالٌ لِمَا يَحْتَمِلُ اللَّفْظُ فِيهِ الْأَكْثَرَ وَالْأَقَلَّ وَيَلْزَمُ الْأَكْثَرُ وَدَخَلَ تَحْتَهُ مَا إذَا نَذَرَ نِصْفَ شَهْرٍ أَوْ ثُلُثَ شَهْرٍ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ فَيَلْزَمُهُ فِي النِّصْفِ خَمْسَةَ عَشَرَ وَفِي الثُّلُثِ عَشَرَةُ أَيَّامٍ وَلَوْ نَذَرَ نِصْفَ شَهْرٍ فَابْتَدَأَ فِيهِ بَعْدَ مُضِيِّ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَكَانَ الشَّهْرُ نَاقِصًا فَإِنَّهُ يُكْمِلُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا عَلَى الْمَشْهُورِ وَحَكَى ابْنُ الْمَاجِشُونِ أَنَّ الْأَرْبَعَ عَشَرَ الَّتِي صَامَهَا نِصْفُ شَهْرٍ وَوَجْهُ الْمَشْهُورِ أَنَّ نِصْفَ الشَّهْرِ إمَّا خَمْسَةَ عَشَرَ أَوْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ وَنِصْفٌ وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ نِصْفُ يَوْمٍ وَجَبَ عَلَيْهِ تَكْمِيلُهُ وَوَجْهُ مَا حَكَاهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ أَنَّ النَّاذِرَ لَمَّا نَذَرَ نِصْفَ يَوْمٍ وَلَيْسَ هُوَ طَاعَةٌ لَمْ يَجِبْ الْوَفَاءُ بِهِ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ: وَانْظُرْ هَلْ يَتَخَرَّجُ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إذَا نَذَرَ نِصْفَ عِبَادَةٍ كَمَا لَوْ نَذَرَ نِصْفَ رَكْعَةٍ أَوْ نِصْفَ حَجٍّ وَذَكَرَ اللَّخْمِيُّ فِي هَذَا الْأَصْلِ خِلَافًا فَأَخْرَجَهُ مِنْ مَسْأَلَةِ مَا إذَا نَذَرَ اعْتِكَافَ لَيْلَةٍ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَلْزَمُهُ يَوْمُهَا وَقِيلَ:
لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، انْتَهَى.
ص (وَابْتَدَأَ سَنَةً)
ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ نَذْرِ صَوْمَ سَنَةٍ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَبْتَدِئَ صَوْمَ سَنَةٍ كَامِلَةٍ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَبْدَأَ صَوْمَ السَّنَةِ عِنْدَ حِنْثِهِ وَسَيَأْتِي أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ التَّتَابُعُ فِيهَا عَلَى الْمَشْهُورِ وَمَا صَامَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ بِالْأَهِلَّةِ اُحْتُسِبَ بِهِ وَمَا أَفْطَرَ فِيهِ مِنْ الشُّهُورِ فَإِنَّهُ يُكَمِّلُهُ ثَلَاثِينَ نَقَلَهُ الشَّارِحُ فِي الْكَبِيرِ
ص (وَقَضَى مَا لَا يَصِحُّ صَوْمُهُ فِي سَنَةٍ)
ش: أَيْ مَا لَا يَصِحُّ فِيهِ صَوْمُ النَّذْرِ إمَّا لِكَوْنِهِ يَجِبُ فِيهِ الْفِطْرُ كَيَوْمِ الْفِطْرِ وَالنَّحْرِ وَالْيَوْمَيْنِ اللَّذَيْنِ بَعْدَهُ أَوْ يُكْرَهُ كَالْيَوْمِ الرَّابِعِ أَوْ كَوْنِهِ لَا يَصِحُّ أَنْ يُصَامَ
ص (وَلَا يَلْزَمُ الْقَضَاءُ)
ش: أَيْ قَضَاءُ مَا تَقَدَّمَ وَهُوَ رَمَضَانُ وَيَوْمُ الْفِطْرِ وَالنَّحْرِ وَالْيَوْمَانِ اللَّذَانِ بَعْدَهُ وَأَمَّا الْيَوْمُ الرَّابِعُ فَإِنَّهُ يَصُومُهُ مَنْ نَذَرَ صَوْمَهُ سَنَةً بِعَيْنِهَا وَقَالَ فِي آخِرِ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الصِّيَامِ مَسْأَلَةٌ وَسُئِلَ عَنْ امْرَأَةٍ جَعَلَتْ عَلَى نَفْسِهَا يَوْمًا سَمَّتْهُ مِنْ الْجُمُعَةِ مَا عَاشَتْ ثُمَّ نَذَرَتْ بَعْدَ ذَلِكَ صِيَامَ سَنَةٍ لِأَمْرٍ شَكَّتْ فِيهِ أَتَرَى عَلَيْهَا قَضَاءَ ذَلِكَ الْيَوْمِ الَّذِي كَانَتْ نَذَرَتْهُ قَبْلَ نَذْرِ السَّنَةِ إذَا هِيَ قَضَتْ السَّنَةَ قَالَ: لَا أَرَى عَلَيْهَا قَضَاءَ ذَلِكَ الْيَوْمِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ مَعْنَاهُ أَنَّ السَّنَةَ الَّتِي نَذَرَتْ بِعَيْنِهَا فَلَا تَقْضِي الْيَوْمَ الَّذِي صَامَتْهُ بِالنَّذْرِ الْوَاجِبِ عَلَيْهَا وَلِأَنَّ رَمَضَانَ الَّتِي صَامَتْهُ لِفَرْضِهَا وَمِثْلُ هَذَا فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهَا لَا تَقْضِي رَمَضَانَ وَلَا يَوْمَ الْفِطْرِ وَلَا أَيَّامَ الذَّبْحِ وَقَالَ فِيهَا: إنَّ مَنْ نَذَرَ صِيَامَ ذِي الْحِجَّةِ أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَ أَيَّامَ الذَّبْحِ فَحَكَى عَبْدُ الْحَقِّ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ أَنَّ هَذَا الْخِلَافَ لَا يَدْخُلُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَامَهُ وَحَكَى عَنْ غَيْرِهِ أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ وَأَنَّ ذَلِكَ مَوْجُودٌ لِمَالِكٍ فِي كِتَابِ الْأَبْهَرِيِّ فَعَلَى هَذَا يَدْخُلُ الْخِلَافُ أَيْضًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَيَكُونُ عَلَيْهَا قَضَاءُ الْيَوْمِ الَّذِي صَامَتْهُ لِنَذْرِهَا إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَا صَامَتْهُ لِنَذْرِهَا أَوْ لِفَرْضِهَا وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ السَّنَةُ الَّتِي نَذَرَتْ لِأَمْرٍ شَكَّتْ فِيهِ بِغَيْرِ عَيْنِهَا لَكَانَ عَلَيْهَا أَنْ تَصُومَ سَنَةً كَامِلَةً سِوَى أَيَّامِ نَذْرِهَا وَأَيَّامِ صَوْمِهَا لِفَرْضِهَا قَوْلًا وَاحِدًا، انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَصَبِيحَةُ الْقُدُومِ فِي يَوْمِ قُدُومِهِ إنْ قَدِمَ لَيْلَةَ غَيْرِ عِيدٍ)
ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ قُدُومِ فُلَانٍ فَقَدِمَ لَيْلًا صَامَ صَبِيحَةَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ وَإِنْ قَدِمَ نَهَارًا وَبَيَّتَ النَّاذِرُ الْفِطْرَ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَإِنْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ قُدُومِهِ أَبَدًا فَقَدِمَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ صَامَ كُلَّ اثْنَيْنِ فِيمَا يُسْتَقْبَلُ وَمَنْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ
غَدٍ فَإِذَا هُوَ يَوْمُ الْفِطْرِ أَوْ يَوْمُ الْأَضْحَى وَقَدْ عَلِمَ بِهِ أَمْ لَا فَلَا يَصُومُهُ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ فِيهِ. أَبُو الْحَسَنِ.
هَذَا عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْ مَالِكٍ فِيمَنْ نَذَرَ صَوْمَ ذِي الْحِجَّةِ وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ عَلَيْهِ وَهَذَا إذَا عَلِمَ أَنَّهُ يَوْمَ الْفِطْرِ أَوْ يَوْمَ الْأَضْحَى أَمَّا إنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ. الشَّيْخُ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ فِيمَنْ حَلَفَ لَيَصُومَنَّ غَدًا فَإِذَا هُوَ يَوْمُ الْفِطْرِ أَوْ يَوْمُ الْأَضْحَى لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ صِيَامًا يُثَابُ عَلَيْهِ، انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَسَمِعَ سَحْنُونٌ ابْنَ الْقَاسِمِ إنْ نَسِيَ نَاذِرٌ صَوْمَ يَوْمِ قُدُومِ فُلَانٍ يَوْمَ قُدُومِهِ صَامَ آخِرَ أَيَّامِ الْجُمُعَةِ يَعْنِي ابْنَ رُشْدٍ يُرِيدُ وَنَذَرَهُ أَبَدًا وَلِذَا قَالَ: يَصُومُ آخِرَ أَيَّامِ الْجُمُعَةِ يُرِيدُ أَبَدًا وَلَوْ نَذَرَهُ لَا أَبَدًا قَضَاهُ عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ مُطْلَقًا وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ إنْ قَدِمَ لَيْلًا أَيْ يَوْمَ شَاءَ اتِّفَاقًا.
((قُلْتُ)) يَنْقُضُ الِاتِّفَاقَ قَوْلُ سَحْنُونٍ فِي الَّتِي قَبْلَهَا وَفِي النَّوَادِرِ مَا نَصُّهُ: وَمِنْ الْعُتْبِيَّةِ قَالَ سَحْنُونٌ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَمَنْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ قُدُومِ فُلَانٍ فَنَسِيَ يَوْمَ قُدُومِهِ صَامَ آخِرَ يَوْمٍ مِنْ الْجُمُعَةِ، انْتَهَى. وَاَلَّتِي قَبْلَهَا هِيَ قَوْلُهُ وَإِنْ نَسِيَ يَوْمًا مُعَيَّنًا فَقَالَ الشَّيْخُ عَنْ سَحْنُونٍ: يَصُومُ أَيَّ يَوْمٍ شَاءَ وَقَالَ أَيْضًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ قَالَ: الْجُمُعَةَ كُلَّهَا قَالَ: وَلَوْ نَذَرَ أَبَدًا صَامَ الْأَبَدَ، انْتَهَى. وَالْمَشْهُورُ صَوْمُ الْجُمُعَةِ كُلِّهَا كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمُؤَلِّفُ
ص (وَصِيَامُ الْجُمُعَةِ إنْ نَسِيَ الْيَوْمَ عَلَى الْمُخْتَارِ)
ش: وَالْمُرَادُ الْجُمُعَةُ كُلُّهَا كَمَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ عَلَى الْمُخْتَارِ (فَرْعٌ) فَإِنْ صَامَ الْيَوْمَ الْمُعَيَّنَ الَّذِي نَذَرَهُ ثُمَّ أَفْطَرَ فِيهِ نَاسِيًا ثُمَّ نَسِيَ أَيَّ يَوْمٍ كَانَ مِنْ الْجُمُعَةِ قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ فِي قَضَاءِ الصَّلَوَاتِ الْفَوَائِتِ: يُجْزِئُهُ يَوْمٌ وَاحِدٌ يَنْوِي بِهِ ذَلِكَ الْيَوْمَ فَلَوْ ظَنَّ أَنَّهُ يَوْمٌ بِعَيْنِهِ فَنَوَاهُ لِقَضَائِهِ ثُمَّ انْكَشَفَ لَهُ أَنَّهُ غَيْرُ ذَلِكَ الْيَوْمِ قَالَ: الظَّاهِرُ عِنْدِي أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَرَابِعُ النَّحْرِ لِنَاذِرٍ وَإِنْ تَعْيِينًا لَا سَابِقَيْهِ إلَّا لِمُتَمَتِّعٍ)
ش: قَالَ الشَّبِيبِيُّ: وَاخْتُلِفَ فِي الْيَوْمَيْنِ اللَّذَيْنِ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ لِغَيْرِ الْمُتَمَتِّعِ الَّذِي لَا يَجِدُ هَدْيًا أَوْ مَنْ كَانَ فِي مَعْنَاهُ فَيُمْنَعُ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَأَمَّا الْيَوْمُ الرَّابِعُ فَيُكْرَهُ صَوْمُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ إلَّا لِمَنْ كَانَ فِي صِيَامٍ مُتَتَابِعٍ أَوْ نَذَرَهُ، انْتَهَى. ثُمَّ قَالَ: وَفِي صِيَامِ الْيَوْمَيْنِ اللَّذَيْنِ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ لِغَيْرِ الْمُتَمَتِّعِ وَشَبَهِهِ قَوْلَانِ بِالتَّحْرِيمِ وَالْكَرَاهَةِ وَفِي صِيَامِ الْيَوْمِ الرَّابِعِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ الْكَرَاهَةُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ إلَّا لِمَنْ نَذَرَهُ أَوْ كَانَ فِي صِيَامٍ مُتَتَابِعٍ قَبْلَ ذَلِكَ وَقِيلَ بِإِبَاحَتِهِ وَقِيلَ بِتَحْرِيمِهِ، انْتَهَى.
ص (وَلَيْسَ لِامْرَأَةٍ يَحْتَاجُ لَهَا زَوْجٌ تَطَوُّعٌ بِلَا إذْنٍ)
ش: ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ غَيْرَ التَّطَوُّعِ لَا تَحْتَاجُ فِيهِ إلَى اسْتِئْذَانِهِ وَلَيْسَ