الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِجُلُوسٍ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] انْتَهَى.
ص (وَرَفْعُ صَوْتِهِ)
ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ إسْرَارُهَا كَعَدَمِهَا وَقَوْلُ ابْنِ هَارُونَ: فَلَوْ أَسَرَّ حَتَّى لَمْ يَسْمَعْهُ أَحَدٌ أَجْزَأَتْ وَأَنْصَتَ لَهَا لَا أَعْرِفُهُ انْتَهَى.
وَالظَّاهِرُ مَا قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ
ص (وَاسْتِخْلَافُهُ لِعُذْرٍ حَاضِرَهَا)
ش: يُشِيرُ إلَى قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ أَحْدَثَ الْإِمَامُ فِي الْخُطْبَةِ فَلَا يُتِمَّهَا وَلَكِنْ يَسْتَخْلِفُ مَنْ شَهِدَهَا فَيُتِمَّ بِهِمْ وَكَذَلِكَ لَوْ أَحْدَثَ بَعْدَ الْخُطْبَةِ أَوْ بَعْدَ مَا أَحْرَمَ وَإِنْ اسْتَخْلَفَ مَنْ لَمْ يَشْهَدْهَا فَصَلَّى بِهِمْ أَجْزَأَتْهُمْ وَإِنْ مَضَى الْإِمَامُ وَلَمْ يَسْتَخْلِفْ لَمْ يُصَلُّوا أَفْذَاذًا وَيَسْتَخْلِفُونَ مَنْ يُتِمُّ بِهِمْ وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُقَدِّمُوا مَنْ شَهِدَ الْخُطْبَةَ فَإِنْ لَمْ يَشْهَدْهَا أَجْزَأَتْهُمْ وَإِنْ صَلَّوْا الْجُمُعَةَ وَإِنْ تَقَدَّمَ بِهِمْ رَجُلٌ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ وَلَمْ يُقَدِّمُوهُ وَلَا إمَامُهُمْ أَجْزَأَتْهُمْ، وَالْجُمُعَةُ وَغَيْرُهَا فِي هَذَا سَوَاءٌ انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا يَجُوزُ اسْتِخْلَافُ الْمُسَافِرِ وَالْعَبْدِ فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ خِلَافًا لِأَشْهَبَ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ.
ص (وَخَتْمُ الثَّانِيَةِ بِيَغْفِرُ اللَّهُ لَنَا وَلَكُمْ وَأَجْزَأَ اُذْكُرُوا اللَّهَ يَذْكُرْكُمْ)
ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَيُسْتَحَبُّ بَدْؤُهَا بِالْحَمْدِ وَخَتْمُهَا بِأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ انْتَهَى.
ص (وَتَوَكُّؤٌ عَلَى كَقَوْسٍ)
ش: ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي اسْتِحْبَابِ تَوَكُّئِهِ عَلَى عَصًا بِيَمِينِهِ خَوْفَ الْعَبَثِ مَشْهُورُ رِوَايَتَيْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَشَاذَّتُهُمَا.
وَفِي إغْنَاءِ الْقَوْسِ عَنْهَا مُطْلَقًا أَوْ بِالسَّيْفِ فَقَطْ رِوَايَتَا ابْنِ وَهْبٍ وَابْنِ زِيَادٍ.
وَيُسْتَحَبُّ كَوْنُهُ عَلَى مِنْبَرٍ قُرْبَ الْمِحْرَابِ وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ تَخْيِيرَ مَنْ لَا يَرْقَاهُ فِي قِيَامِهِ بِيَمِينِهِ أَوْ شِمَالِهِ وَرَجَّحَ ابْنُ رُشْدٍ يَمِينَهُ لِمَنْ مَسَكَ عَصًا بِقُرْبِ الْمِحْرَابِ وَيَسَارَهُ لِتَارِكِهَا لِيَضَعَ يَمِينَهُ عَلَى عُودِ الْمِنْبَرِ انْتَهَى.
[فَرْعٌ الْأَذَانُ بَيْنَ يَدِي الْإِمَامِ فِي الْجُمُعَةِ]
(فَرْعٌ) قَالَ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ الْأَذَانُ بَيْنَ يَدَيْ الْإِمَامِ فِي الْجُمُعَةِ مَكْرُوهٌ نَهَى عَنْهُ مَالِكٌ؛ لِأَنَّهُ بِدْعَةٌ، أَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَهُ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ.
ص (وَأَخَّرَ الظُّهْرَ رَاجٍ زَوَالَ عُذْرِهِ)
ش: لَوْ قَالَ: وَتَأْخِيرُ رَاجٍ زَوَالَ عُذْرِهِ الظُّهْرَ لَكَانَ أَبَيْنَ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ كَمَا هُوَ الْمَنْصُوصُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَغَيْرِهِ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ وَاسْتُؤْذِنَ
إمَامٌ لَوْ قَالَ وَاسْتِئْذَانُ إمَامٍ لَكَانَ أَحْسَنَ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ.
ص (وَلَا يَجْمَعُ الظُّهْرَ إلَّا لِعُذْرٍ)
ش: قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ بَاعَ شَاةً مِنْ سَمَاعِ عِيسَى أَنَّ الْمُصَلِّينَ الْجُمُعَةَ ظُهْرًا حَيْثُ تَجِبُ الْجُمُعَةُ أَرْبَعُ طَوَائِفَ: طَائِفَةٌ لَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ الْجُمُعَةُ وَهُمْ الْمَرْضَى وَالْمُسَافِرُونَ وَأَهْلُ السُّجُونِ فَهَؤُلَاءِ يَجْمَعُونَ إلَّا عَلَى رِوَايَةٍ شَاذَّةٍ جَاءَتْ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُمْ لَا يَجْمَعُونَ لِعُذْرٍ فَإِنْ جَمَعُوا عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ لَمْ يُعِيدُوا.
وَطَائِفَةٌ تَخَلَّفَتْ عَنْ الْجُمُعَةِ لِعُذْرٍ فَاخْتُلِفَ هَلْ يَجْمَعُونَ أَمْ لَا عَلَى مَا جَاءَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مَعَ الْخِلَافِ بَيْنَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ وَهْبٍ فَإِنْ جَمَعُوا عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ وَهْبٍ لَمْ يُعِيدُوا.
وَطَائِفَةٌ فَاتَتْهُمْ الْجُمُعَةُ فَهَؤُلَاءِ الْمَشْهُورُ أَنَّهُمْ لَا يَجْمَعُونَ وَقَدْ قِيلَ يَجْمَعُونَ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ وَبَعْضِ أَصْحَابِهِ فَإِنْ جَمَعُوا لَمْ يُعِيدُوا.
وَطَائِفَةٌ تَخَلَّفَتْ عَنْ الْجُمُعَةِ بِغَيْرِ عُذْرٍ فَهَؤُلَاءِ لَا يَجْمَعُونَ.
وَاخْتُلِفَ إنْ جَمَعُوا فَقِيلَ يُعِيدُونَ وَقِيلَ لَا يُعِيدُونَ انْتَهَى.
وَقَالَ قَبْلَهُ فِي رَسْمٍ نَقَدَهَا مِنْ سَمَاعِ عِيسَى أَيْضًا فِي قَرْيَةٍ تُقَامُ فِيهَا الْجُمُعَةُ وَحَوْلَهَا مَنَازِلُ عَلَى مِيلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ تَفُوتُهُمْ الْجُمُعَةُ إنَّهُمْ يُصَلُّونَ أَفْذَاذًا قَالَ فَإِنْ صَلَّوْا ظُهْرًا جَمَاعَةً فَبِئْسَ مَا صَنَعُوا وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِمْ قَالَ وَمِثْلُهُ مَنْ كَانَ فِي الْمِصْرِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ قَوْلُهُ فِي الَّذِي تَجِبُ عَلَيْهِمْ الْجُمُعَةُ: إنَّهُمْ لَا يَجْمَعُونَ إذَا فَاتَتْهُمْ هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ، وَقَوْلُهُ: لَا إعَادَةَ عَلَيْهِمْ إنْ جَمَعُوا صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا مُنِعُوا مِنْ الْجَمْعِ لِلْمُحَافَظَةِ عَلَى الْجُمُعَةِ أَوْ لِئَلَّا يَكُونَ ذَرِيعَةً لِأَهْلِ الْبِدَعِ فَإِذَا جَمَعُوا وَجَبَ أَنْ لَا يُعِيدُوا عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْعِلَّتَيْنِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُمْ يَجْمَعُونَ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ نَافِعٍ وَأَشْهَبَ وَكَذَلِكَ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْ الْجُمُعَةِ لِغَيْرِ عُذْرٍ غَالِبٍ الْمَشْهُورُ أَنَّهُمْ لَا يَجْمَعُونَ إلَّا أَنَّهُمْ إنْ جَمَعُوا فَاخْتُلِفَ فِيهِ فَرَوَى يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ أَنَّهُمْ يُعِيدُونَ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ أَنَّهُمْ لَا يُعِيدُونَ وَقَالَهُ أَصْبَغُ فِي الْمُتَخَلِّفِينَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَهُوَ الْأَظْهَرُ إذَا قِيلَ إنَّهُمْ يَجْمَعُونَ وَإِنْ كَانُوا تَعَذَّرُوا فِي تَرْكِ الْجُمُعَةِ فَلَا يُحْرَمُوا فَضْلَ الْجَمَاعَةِ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِهِ الصَّغِيرِ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ عِنْدَ قَوْلِهَا: وَإِذَا فَاتَتْ الْجُمُعَةُ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِمْ فَلَا يَجْمَعُوا قُوَّةُ لَفْظِهَا تَقْتَضِي أَنَّ الْجَمَاعَةَ إذَا تَخَلَّفَتْ عَنْ الْجُمُعَةِ لِأَجْلِ بَيْعَةِ الْأَمِيرِ الظَّالِمِ فَإِنَّهُمْ لَا يَجْمَعُونَ وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَخَالَفَهُ ابْنُ وَهْبٍ لَمَّا وَقَعَتْ بِهِمْ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فَجَمَعَ ابْنُ وَهْبٍ بِمَنْ حَضَرَ وَرَأَى أَنَّهُمْ كَالْمُسَافِرِينَ وَلَمْ يَجْمَعْ ابْنُ الْقَاسِمِ مَعَهُمْ وَرَأَى أَنَّ ذَلِكَ لِمَنْ فَاتَتْهُ الْجُمُعَةُ لِقُدْرَتِهِمْ عَلَى شُهُودِهَا فَقَدِمُوا عَلَى مَالِكٍ فَسَأَلُوهُ فَقَالَ لَا يَجْمَعُوا وَقَالَ: لَا يَجْمَعُ إلَّا أَهْلُ السِّجْنِ وَالْمَرْضَى وَالْمُسَافِرُونَ وَلَمَّا بَانَ كُفْرُ عُبَيْدِ اللَّهِ الشَّعْبِيِّ فِي الْجَامِعِ عَلَى الْمِنْبَرِ وَأَوَّلُ خُطْبَةٍ خَطَبَهَا بِالْقَيْرَوَانِ تَرَكَ جَبَلُ بْنُ حَمُّودٍ الصَّلَاةَ فِي الْجَامِعِ فَكَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ بِإِمَامٍ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ وَكَانَ مِنْ رِجَالِ سَحْنُونٍ صَحِبَهُ عِشْرِينَ سَنَةً؛ فَقَالَ لَهُ: نَحْنُ أَقَمْنَا أَنْفُسَنَا مَقَامَ الْمَسْجُونِينَ وَوَقَعَتْ مَسْأَلَةٌ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى بِقُرْطُبَةَ وَذَلِكَ أَنَّهُ غَابَ الْأَمِيرُ وَكَانَ مُحْتَجِبًا لَا تُسْتَطَاعُ رُؤْيَتُهُ فَأَفْتَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى أَنْ يَجْمَعَ النَّاسُ ظُهْرًا وَأَفْتَى ابْنُ حَبِيبٍ أَنْ يُصَلُّوا
أَفْذَاذًا فَنَفَذَ رَأْيُ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى فَخَرَجَ ابْنُ حَبِيبٍ مِنْ الْمَسْجِدِ وَصَلَّى وَحْدَهُ فَاسْتَحْسَنَهُ ابْنُ زَرْبٍ وَقَالَ إنَّهُ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ (قُلْت) وَمَحْمَلُ الْمَسْأَلَةِ عَلَى أَنَّهُمْ خَافُوا أَنْ يُقِيمُوا الْجُمُعَةَ مَعَ غِيبَتِهِ وَهُوَ بَيِّنٌ وَاضِحٌ انْتَهَى.
ص (وَإِلَّا لَمْ تُجْزِ)
ش: كَذَا فِي غَالِبِ النُّسَخِ لَمْ تُجْزِ مِنْ الْإِجْزَاءِ.
وَهَكَذَا نَقَلَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ الْمَجْمُوعَةِ وَقَالَ: يُرِيدُ لِأَنَّ مُخَالَفَةَ الْإِمَامِ لَا تَحِلُّ وَمَا لَا يَحِلُّ فِعْلُهُ لَا يُجْزِئُ عَنْ الْوَاجِبِ انْتَهَى.
(قُلْت) وَنَحْوُهُ فِي الطِّرَازِ وَفَرَّعَهُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ إذْنَ الْإِمَامِ لَيْسَ بِشَرْطٍ وَأَنَّهُمْ إذَا مَنَعَهُمْ وَأَمِنُوا أَقَامُوهَا وَوَجَّهَهُ بِأَنَّهُ مَحَلُّ اجْتِهَادٍ فَإِذَا نَهَجَ السُّلْطَانُ فِيهَا مَنْهَجًا فَلَا يُخَالَفُ وَيَجِبُ اتِّبَاعُهُ كَالْحَاكِمِ إذَا حَكَمَ بِقَضِيَّةٍ فِيهَا اخْتِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فَإِنَّ حُكْمَهُ مَاضٍ غَيْرُ مَرْدُودٍ؛ وَلِأَنَّ الْخُرُوجَ عَنْ حُكْمِ السُّلْطَانِ سَبَبُ الْفِتْنَةِ وَالْهَرَجِ وَذَلِكَ لَا يَحِلُّ وَمَا لَا يَحِلُّ فِعْلُهُ لَا يُجْزِئُ عَنْ الْوَاجِبِ انْتَهَى، وَهَذَا التَّوْجِيهُ الَّذِي ذَكَرَهُ جَازَ فِيمَا إذَا أَمِنُوا فَتَأَمَّلْهُ.
ص (وَسُنَّ غُسْلٌ مُتَّصِلٌ بِالرَّوَاحِ)
ش: تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ وَصِفَتُهُ كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ قَالَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ «مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ» قَالَ الْبَاجِيُّ قَوْلُهُ: غَسْلَ الْجَنَابَةِ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ غُسْلًا عَلَى صِفَةِ غُسْلِ الْجَنَابَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ الْجُنُبَ الْمُغْتَسِلَ لِجَنَابَتِهِ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ الشَّيْخِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ أَنَّ مَعْنَى مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ مَنْ اغْتَسَلَ أَوْ غَسَّلَ أَوْجَبَ الْغُسْلَ عَلَى غَيْرِهِ بِالْجِمَاعِ وَاغْتَسَلَ هُوَ مِنْهُ انْتَهَى.
وَالْحَدِيثُ الْمُشَارُ إلَيْهِ هُوَ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحَيْهِمَا وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ الثَّقَفِيِّ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ «مَنْ غَسَّلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاغْتَسَلَ وَبَكَّرَ وَابْتَكَرَ وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ وَدَنَا مِنْ الْإِمَامِ يَسْمَعُ وَلَمْ يَلْغُ كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ عَمَلُ سَنَةٍ أَجْرُ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا» انْتَهَى.
مِنْ التَّرْغِيبِ وَقَالَ إثْرَهُ: قَالَ الْخَطَّابِيُّ قَوْلُهُ عليه السلام غَسَّلَ وَاغْتَسَلَ وَبَكَّرَ وَابْتَكَرَ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي مَعْنَاهُ فَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ مِنْ الْكَلَامِ الْمُتَظَافِرِ الَّذِي يُرَادُ بِهِ التَّوْكِيدُ؛ أَلَا تَرَاهُ يَقُولُ وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَحْمَدُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ مَعْنَى غَسَّلَ غَسَلَ رَأْسَهُ خَاصَّةً وَاغْتَسَلَ غَسَلَ سَائِرَ الْجَسَدِ.
وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ قَوْلَهُ غَسَّلَ أَنَّ مَعْنَاهُ أَصَابَ أَهْلَهُ قَبْلَ
خُرُوجِهِ إلَى الْجُمُعَةِ لِيَكُونَ أَمْلَكَ لِنَفْسِهِ وَقَوْلُهُ بَكَّرَ وَابْتَكَرَ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ مَعْنَى بَكَّرَ أَدْرَكَ بَاكُورَةَ الْخُطْبَةِ وَهِيَ أَوَّلُهَا وَمَعْنَى ابْتَكَرَ قَدِمَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ مَعْنَى بَكَّرَ تَصَدَّقَ قَبْلَ خُرُوجِهِ وَتَأَوَّلَ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِ عليه السلام «بَاكِرُوا بِالصَّدَقَةِ فَإِنَّ الْبَلَاءَ لَا يَتَخَطَّاهَا» وَقَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: مَنْ قَالَ غَسَّلَ بِالتَّشْدِيدِ مَعْنَاهُ جَامَعَ وَمَنْ قَالَ غَسَلَ بِالتَّخْفِيفِ أَرَادَ غَسَلَ رَأْسَهُ انْتَهَى.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: فَإِنْ اغْتَسَلَ وَرَاحَ ثُمَّ أَحْدَثَ أَوْ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ إلَى مَوْضِعٍ قَرِيبٍ لَمْ يَنْتَقِضْ غُسْلُهُ وَإِنْ تَبَاعَدَ أَوْ سَعَى فِي بَعْضِ حَوَائِجِهِ أَوْ تَغَدَّى أَوْ نَامَ انْتَقَضَ غُسْلُهُ وَأَعَادَ.
قَالَ ابْنُ نَاجِي: قَالَ أَبُو عِمْرَانَ قَوْلُهُ ثُمَّ أَحْدَثَ أَيْ مَغْلُوبًا عَلَيْهِ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ ذَلِكَ سَوَاءٌ.
وَقَالَ ابْنُ مُزَيْنٍ أَمَّا الْمُتَعَمِّدُ فَيُعِيدُ الْغُسْلَ وَهُوَ أَشَدُّ مِنْ النَّوْمِ وَالْغِذَاءِ انْتَهَى.
وَلَوْ أَجْنَبَ بَعْدَ غُسْلِهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ غُسْلَهُ يَنْتَقِضُ؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا إذَا كَانَ جُنُبًا وَنَوَى غُسْلَ الْجُمُعَةِ نَاسِيًا لِلْجَنَابَةِ أَوْ أَنَّهُ يَنُوبُ عَنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ لَا يُجْزِيهِ ذَلِكَ لَا عَنْ الْجَنَابَةِ وَلَا عَنْ الْجُمُعَةِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ لِأَنَّ شَرْطَ غُسْلِ الْجُمُعَةِ حُصُولُ غُسْلِ الْجَنَابَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ وَحُكِيَ فِي تَعَالِيقِ أَبِي عِمْرَانَ فِي الْإِنْسَانِ يَذْكُرُ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَنَّهُ لَمْ يَغْتَسِلْ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ فَيَغْتَسِلَ وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ الْإِمَامَ إلَّا بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الْخُطْبَةِ وَإِنْ كَانَ لَا يُدْرِكُ حَتَّى تَفُوتَهُ بَعْضُ الصَّلَاةِ فَلَا يَخْرُجُ وَيُصَلِّيهَا بِغَيْرِ غُسْلٍ؛ لِأَنَّهُ سُنَّةٌ وَفِي الْإِكْمَالِ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ لِلْغُسْلِ لِظَاهِرِ إنْكَارِ عُمَرَ عَلَى عُثْمَانَ؛ وَلِأَنَّ سَمَاعَ الْخُطْبَةِ وَاجِبٌ فَلَا يُتْرَكُ لِسُنَّةٍ انْتَهَى.
وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ وَمَا فِي التَّعَالِيقِ جَارٍ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ سَمَاعَ الْخَطِيبِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) قَالَ اللَّخْمِيُّ الْغُسْلُ لِمَنْ لَا رَائِحَةَ لَهُ حَسَنٌ وَلِمَنْ لَهُ رَائِحَةٌ وَاجِبٌ كَالْحَوَّاتِ وَالْقَصَّابِ وَعَلَى كُلِّ مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا أَوْ كُرَّاثًا نِيًّا أَنْ يَسْتَعْمِلَ مَا يُزِيلُ ذَلِكَ عَنْهُ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا» فَأَسْقَطَ حَقَّهُ مِنْ الْمَسْجِدِ وَإِذَا كَانَ مِنْ حَقِّ الْمُصَلِّينَ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْمَسْجِدِ أَنْ يَخْرُجَ عَنْهُمْ وَكَانَ حُضُورُ الْجُمُعَةِ وَاجِبًا وَجَبَ أَنْ يُزِيلَ مَا عَلَيْهِ مِنْ تِلْكَ الرَّوَائِحِ انْتَهَى مِنْ بَابِ الْغُسْلِ لِلْجُمُعَةِ مِنْ التَّبْصِرَةِ.
(الرَّابِعُ) قَالَ الْمَازِرِيُّ فِي أَوَائِلِ شَرْحِ التَّلْقِينِ وَأَمَّا غُسْلُ الْجُمُعَةِ فَهَلْ يَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ أَمْ لَا يَتَخَرَّجُ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ؛ لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ حُكْمِيَّةٌ لَيْسَ الْمَطْلُوبُ بِهَا فِي حَقِّ كُلِّ مُكَلَّفٍ إزَالَةَ عَيْنٍ؛ لِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَ سَبَبُ الْخِطَابِ بِهَا النَّظَافَةَ وَإِزَالَةَ الرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ فَقَدْ يُخَاطَبُ بِهَا مَنْ لَا رَائِحَةَ عِنْدَهُ يُزِيلُهَا فَأُلْحِقَتْ بِحُكْمِ طَهَارَةِ الْحَدَثِ الَّتِي لَا تُزَالُ بِهَا عَيْنٌ وَلِهَذَا مُنِعَ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ مِنْ أَنْ يَغْتَسِلَ لَهَا بِمَاءِ الْوَرْدِ وَالْمَاءِ الْمُضَافِ الَّذِي لَا تُجْزِئُ الطَّهَارَةُ بِهِ وَالثَّانِي أَنَّهُ لَا يَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ؛ لِأَنَّ سَبَبَهَا فِي أَصْلِ الشَّرْعِ إزَالَةُ الرَّوَائِحِ الْكَرِيهَةِ فَأُلْحِقَتْ بِطَهَارَةِ النَّجَاسَةِ الَّتِي الْغَرَضُ بِهَا إزَالَةُ الْعَيْنِ فَلَمْ يَفْتَقِرْ إلَى نِيَّةٍ.
وَقَالَ الشَّبِيبِيُّ قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَالتَّقْرِيبِ الصَّحِيحُ افْتِقَارُهُ إلَى النِّيَّةِ
ص (وَجَازَ تَخَطٍّ قَبْلَ جُلُوسِ الْخَطِيبِ)
ش: نَحْوُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَزَادَ إذَا رَأَى بَيْنَ يَدَيْهِ فُرْجَةً وَلْيَرْفُقْ فِي ذَلِكَ.
وَمَفْهُومُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ التَّخَطِّيَ بَعْدَ جُلُوسِهِ لَا يَجُوزُ وَاَلَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ إنَّمَا يُكْرَهُ التَّخَطِّي يَوْمَ الْجُمُعَةِ إذَا قَعَدَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ فَظَاهِرُهَا الْكَرَاهَةُ لَكِنْ قَالَ ابْنُ نَاجِي كَانَ شَيْخُنَا يَعْنِي الْبُرْزُلِيَّ يَحْمِلُ الْكَرَاهَةَ عَلَى التَّحْرِيمِ مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم لِلَّذِي تَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ آذَيْت وَفُهِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ بِنَفْسِ جُلُوسِ الْإِمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ يَمْتَنِعُ التَّخَطِّي وَإِنْ لَمْ يُشْرَعْ فِي الْخُطْبَةِ قَالَ ابْنُ نَاجِي وَهُوَ كَذَلِكَ (قُلْت) فِي نَقْلِهِ عَنْ الْبُرْزُلِيِّ قُصُورٌ فَقَدْ صَرَّحَ بِمَنْعِهِ ابْنُ عَرَفَةَ وَبِمَنْعِ جُلُوسِهِ التَّخَطِّي لِفُرْجَةٍ انْتَهَى.
ثُمَّ قَالَ ابْنُ نَاجِي وَيَجُوزُ بَعْدَ خُرُوجِهِ وَقَبْلَ جُلُوسِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ.
وَاخْتُلِفَ فِيمَا
بَيْنَ نُزُولِهِ مِنْ الْمِنْبَرِ وَالصَّلَاةِ عَلَى قَوْلَيْنِ لِلرَّمَّاحِ وَأَبِي الْحَسَنِ الْعَبْدَلِيِّ (قُلْت) وَخَرَّجَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَلَى جَوَازِ الْكَلَامِ حِينَئِذٍ وَحَكَى فِيهِ رِوَايَتَيْنِ وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ الْجَوَازُ وَعَلَيْهِ مَشَى الْمُصَنِّفُ ثُمَّ قَالَ وَأَمَّا الْمَشْيُ بَيْنَ الصُّفُوفِ فَيَجُوزُ وَلَوْ كَانَ الْإِمَامُ يَخْطُبُ.
ص (وَاحْتِبَاءٌ فِيهَا)
ش: يَعْنِي أَنَّهُ يَجُوزُ الِاحْتِبَاءُ وَالْإِمَامُ فِي الْخُطْبَةِ وَيُشِيرُ بِهِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - إلَى قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا بَأْسَ بِاحْتِبَاءٍ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ وَأَمَّا احْتِبَاءُ الْإِمَامِ إذَا جَلَسَ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ فَهُوَ وَإِنْ كَانَ جَائِزًا فَلَا يُقَالُ فِيهِ احْتِبَاءٌ فِيهَا.
وَقَالَ الْبَاجِيُّ فِي الْمُنْتَقَى رَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ لَا بَأْسَ أَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ وَلَهُ أَنْ يَمُدَّ رِجْلَيْهِ وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ وَلَهُ أَنْ يَحْتَبِيَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَيَلْتَفِتَ يَمِينًا وَشِمَالًا وَيَمُدَّ رِجْلَيْهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَعُونَةٌ لَهُ عَلَى مَا يُرِيدُهُ فَلْيَفْعَلْ مِنْ ذَلِكَ مَا هُوَ أَرْفَقُ لَهُ انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) رَوَى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ وَابْنُ مَاجَهْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «نَهَى عَنْ الْحَبْوَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ» قَالَ أَبُو دَاوُد وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَحْتَبِي وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ وَكَانَ أَنَسٌ وَجُلُّ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ قَالُوا: لَا بَأْسَ بِهَا وَلَمْ يَبْلُغْنِي أَنَّ أَحَدًا كَرِهَهُ إلَّا عُبَادَةُ بْنُ نُسَيٍّ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَكَرِهَ قَوْمٌ الْحَبْوَةَ وَقْتَ الْخُطْبَةِ وَرَخَّصَ فِيهَا آخَرُونَ؛ قَالَ النَّوَوِيُّ وَلَا يُكْرَهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ وَغَيْرِهِمْ وَكَرِهَهَا بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ.
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهَا تَجْلِبُ النَّوْمَ فَتُعَرِّضُ طَهَارَتَهُ لِلنَّقْضِ وَتَمْنَعُ مِنْ اسْتِمَاعِ الْخُطْبَةِ.
(فَائِدَةٌ) الِاحْتِبَاءُ هُوَ أَنْ يَضُمَّ الْإِنْسَانُ رِجْلَيْهِ إلَى بَطْنِهِ بِثَوْبٍ يَجْمَعُهُمَا بِهِ مَعَ ظَهْرِهِ وَيَشُدَّ عَلَيْهِمَا وَقَدْ يَكُونُ الِاحْتِبَاءُ بِالْيَدَيْنِ عِوَضَ الثَّوْبِ قَالَ فِي النِّهَايَةِ يُقَالُ احْتَبَى يَحْتَبِي احْتِبَاءً وَالِاسْمُ الْحَبْوَةُ بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ وَالْجَمْعُ حِبًا وَحِبَاءٌ، قَالَ: وَفِي الْحَدِيثِ «الِاحْتِبَاءُ حِيطَانُ الْعَرَبِ» يَعْنَى لَيْسَ فِي الْبَرَارِي حِيطَانٌ فَإِذَا أَرَادُوا الِاسْتِنَادَ احْتَبَوْا؛ لِأَنَّ الِاحْتِبَاءَ يَمْنَعُهُمْ مِنْ السُّقُوطِ وَيَصِيرُ لَهُمْ كَالْجِدَارِ انْتَهَى.
ص (كَتَأْمِينٍ وَتَعَوُّذٍ عِنْدَ السَّبَبِ)
ش: لَيْسَ هَذَا مِثَالًا لِلذِّكْرِ الْقَلِيلِ؛ لِأَنَّ هَذَا جَائِزٌ بِلَا خِلَافٍ وَالذِّكْرُ الْخَفِيفُ فِيهِ قَوْلَانِ وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ الْجَوَازُ وَلَكِنَّ تَرْكَهُ أَحْسَنُ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَمَنْ أَقْبَلَ عَلَى الذِّكْرِ شَيْئًا يَسِيرًا فِي نَفْسِهِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَلَا بَأْسَ وَتَرْكُ ذَلِكَ أَحْسَنُ وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُنْصِتَ وَيَسْتَمِعَ قَالَ ابْنُ نَاجِي مَا ذَكَرَهُ هُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ.
وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَالتَّعَوُّذِ مِنْ النَّارِ وَالتَّأْمِينِ عِنْدَ ذِكْرِ الْإِمَامِ أَسْبَابَ ذَلِكَ وَإِنَّمَا اُخْتُلِفَ هَلْ يَجْهَرُ أَوْ يُسِرُّ عَلَى قَوْلَيْنِ انْتَهَى.
وَمِثْلُهُ فِي الطِّرَازِ غَيْرَ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ الْقِسْمَ الْأَوَّلَ يُسْتَحَبُّ تَرْكُهُ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَذَكَرَ فِي التَّوْضِيحِ الِاتِّفَاقَ عَلَى إجَازَةِ الثَّانِي وَأَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِي صِفَةِ النُّطْقِ بِهِ قَالَ وَالْقَوْلُ بِإِسْرَارِ ذَلِكَ لِمَالِكٍ وَصَحَّحَهُ بَعْضُهُمْ وَالْقَوْلُ بِالْجَهْرِ لِابْنِ حَبِيبٍ وَذَكَرَ الْقَوْلَيْنِ فِي الطِّرَازِ وَنَصُّ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ عَلَى مَا نُقِلَ فِي الطِّرَازِ: لَا بَأْسَ أَنْ يَدْعُوَ الْإِمَامُ فِي الْخُطْبَةِ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ وَيُؤَمِّنَ النَّاسُ وَيَجْهَرُوا بِذَلِكَ جَهْرًا لَيْسَ بِالْعَالِي وَلَا يُكْثِرُوا مِنْهُ انْتَهَى.
(قُلْت) فَعُلِمَ أَنَّ الْجَهْرَ الْعَالِيَ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْمَدْخَلِ بِأَنَّهُ بِدْعَةٌ.
(تَنْبِيهٌ) عُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْجَوَازَ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ لَيْسَ هُوَ بِمَعْنَى اسْتِوَاءِ الطَّرَفَيْنِ؛ لِأَنَّ التَّرْكَ مُسْتَحَبٌّ فَلَا
يَنْبَغِي تَشْبِيهُ الثَّانِي بِهِ
ص (وَنَهْيُ خَطِيبٍ وَأَمْرُهُ وَإِجَابَتُهُ)
ش: قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْعِلْمِ مِنْ فَتْحِ الْبَارِي فِي حَدِيثِ الَّذِي سَأَلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَتَحَدَّثُ فَمَضَى فِي حَدِيثِهِ مَا نَصُّهُ: أَخَذَ بِظَاهِرِ هَذِهِ الْقِصَّةِ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمَا فِي الْخُطْبَةِ فَقَالَ: لَا يَقْطَعُ الْخُطْبَةَ لِسُؤَالِ سَائِلٍ بَلْ إذَا فَرَغَ يُجِيبُهُ وَفَصَلَ الْجُمْهُورُ بَيْنَ أَنْ يَقَعَ ذَلِكَ فِي أَثْنَاءِ وَاجِبَاتِهَا فَيُؤَخِّرُ الْجَوَابَ أَوْ فِي غَيْرِ الْوَاجِبَاتِ فَيُجِيبُ ثُمَّ قَالَ وَالْأَوْلَى حِينَئِذٍ التَّفْصِيلُ فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُهْتَمُّ بِهِ فِي أَمْرِ الدِّينِ وَلَا سِيَّمَا إنْ اخْتَصَّ بِالسَّائِلِ فَيُسْتَحَبُّ إجَابَتُهُ ثُمَّ يُتِمُّ الْخُطْبَةَ وَكَذَا بَيْنَ الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ وَإِنْ كَانَ بِخِلَافِ ذَلِكَ فَيُؤَخِّرُهَا وَكَذَا يَقَعُ فِي أَثْنَاءِ الْوَاجِبِ مَا يَقْتَضِي تَقْدِيمَ الْجَوَابِ لَكِنْ إذَا أَجَابَ اسْتَأْنَفَ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَيُؤْخَذُ ذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ اخْتِلَافِ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ السُّؤَالُ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي لَيْسَتْ مَعْرِفَتُهَا عَلَى الْفَوْرِ بِمُهْتَمٍّ بِهِ فَيُؤَخَّرُ كَمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَلَا سِيَّمَا إنْ كَانَ تَرْكُ السُّؤَالِ عَنْ ذَلِكَ أَوْلَى وَقَدْ وَقَعَ نَظِيرُهُ فِي الَّذِي سَأَلَ عَنْ السَّاعَةِ وَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الصَّلَاةِ قَالَ أَيْنَ السَّائِلُ؟ فَأَجَابَهُ آخَرُ وَإِنْ كَانَ السَّائِلُ بِهِ ضَرُورَةً نَاجِزَةً فَيُقَدِّمُ إجَابَتَهُ كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي رِفَاعَةَ عَنْ مُسْلِمٍ أَنَّهُ «قَالَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَخْطُبُ رَجُلٌ غَرِيبٌ لَا يَدْرِي دِينَهُ جَاءَ يَسْأَلُ عَنْ دِينِهِ فَتَرَكَ خُطْبَتَهُ وَأَتَى بِكُرْسِيٍّ فَقَعَدَ عَلَيْهِ فَجَعَلَ يُعَلِّمُهُ ثُمَّ أَتَى خُطْبَتَهُ فَأَتَمَّ آخِرَهَا» وَكَمَا فِي حَدِيثِ سَمُرَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ أَتَى أَعْرَابِيٌّ يَسْأَلُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَنْ الضَّبِّ وَكَذَا فِي الصَّحِيحَيْنِ فِي قَضِيَّةِ «سُلَيْكٍ لَمَّا دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ فَقَالَ لَهُ أَصَلَّيْت رَكْعَتَيْنِ» . الْحَدِيثُ.
وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ «كَانَتْ الصَّلَاةُ تُقَامُ فَيَعْرِضُ الرَّجُلُ فَيُحَدِّثُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم حَتَّى رُبَّمَا نَعَسَ بَعْضُ الْقَوْمِ ثُمَّ يَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ» وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ وُقُوعُ ذَلِكَ بَيْنَ الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ انْتَهَى.
وَانْظُرْ كَلَامَ ابْنِ بَطَّالٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ
ص (وَالْعَمَلُ يَوْمَهَا)
ش: أَيْ يُكْرَهُ تَرْكُ الْعَمَلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يُرِيدُ إذَا تَرَكَهُ تَعْظِيمًا لِلْيَوْمِ كَمَا يَفْعَلُ أَهْلُ الْكِتَابِ وَأَمَّا تَرْكُ الْعَمَلِ لِلِاسْتِرَاحَةِ فَمُبَاحٌ قَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ وَتَرْكُهُ لِلِاشْتِغَالِ بِأَمْرِ الْجُمُعَةِ مِنْ دُخُولِ حَمَّامٍ وَتَنْظِيفِ ثِيَابٍ وَسَعْيٍ إلَى مَسْجِدٍ مِنْ بُعْدِ مَنْزِلٍ فَحَسَنٌ يُثَابُ عَلَيْهِ انْتَهَى.
ص (أَوْ جَالِسٍ عِنْدَ الْأَذَانِ)
ش: قَالَ الشَّارِحُ فِي الْكَبِيرِ هُوَ مَجْرُورٌ عَطْفًا عَلَى إمَامٍ أَيْ وَكُرِهَ تَنَفُّلُ جَالِسٍ عِنْدَ الْأَذَانِ انْتَهَى.
وَيُرِيدُ الْمُؤَلِّفُ بِالْأَذَانِ الْأَذَانَ الْأَوَّلَ كَمَا قَالَهُ الشَّارِحُ فِي الصَّغِيرِ وَقَالَهُ الْبِسَاطِيُّ وَالْأَقْفَهْسِيُّ وَنَقَلَهُ عَنْ مُخْتَصَرِ الْوَقَارِ وَنَصُّ كَلَامِ الشَّارِحِ: يُكْرَهُ أَيْضًا لِمَنْ كَانَ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ حِينَ يَسْمَعُ الْأَذَانَ الْأَوَّلَ أَنْ يَقُومَ يَتَنَفَّلُ حِينَئِذٍ وَأَخْرَجَ بِهِ الدَّاخِلَ حِينَئِذٍ وَمَنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ مُتَنَفِّلًا وَطَرَأَ عَلَيْهِ الْأَذَانُ فَإِنَّ هَذَا لَا يُكْرَهُ انْتَهَى.
وَنَصُّ كَلَامِ الْبِسَاطِيِّ بَعْدَ أَنْ جَمَعَ الْمَكْرُوهَاتِ فِي قَوْلَةٍ وَاحِدَةٍ وَمِنْهَا تَنَفُّلُ الْجَالِسِ فِي الْمَسْجِدِ حِينَ يَفْرُغُ مِنْ الْأَذَانِ الْأَوَّلِ وَنَصُّ كَلَامِ الْأَقْفَهْسِيِّ: يَعْنِي أَنَّ مَنْ كَانَ جَالِسًا لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ فِي الْمَسْجِدِ فَلَا يَتَنَفَّلُ بَعْدَ الْأَذَانِ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ فِي مُخْتَصَرِ الْوَقَارِ وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: جَالِسًا مِمَّا لَوْ كَانَ قَائِمًا يَتَنَفَّلُ فَإِنَّهُ يَسْتَمِرُّ قَائِمًا يَتَنَفَّلُ انْتَهَى.
وَنَصُّ مَا فِي مُخْتَصَرِ الْوَقَارِ فِي بَابِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَيُكْرَهُ قِيَامُ النَّاسِ لِلرُّكُوعِ بَعْدَ فَرَاغِ الْمُؤَذِّنِينَ مِنْ الْأَذَانِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ غَازِيٍّ: مَحْمُولٌ عَلَى أَذَانِ غَيْرِ الْجُمُعَةِ وَإِلَّا نَاقَضَ مَا يَأْتِي مِنْ تَحْرِيمِ ابْتِدَاءِ صَلَاةٍ بِخُرُوجِ الْإِمَامِ انْتَهَى.
وَإِذَا عُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَذَانِ الْأَذَانُ الْأَوَّلُ فَلَا خُصُوصِيَّةَ لِلْجُمُعَةِ بَلْ يُكْرَهُ التَّنَفُّلُ عِنْدَ الْأَذَانِ لِغَيْرِهَا أَيْضًا كَمَا قَالَهُ فِي مُخْتَصَرِ الْوَقَارِ فِي كَلَامِهِ
الْمُتَقَدِّمُ غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ مَنْعَ التَّنَفُّلِ بِخُرُوجِ الْإِمَامِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ كَلَامُ الْمُصَنِّفَ بِمَا نَقَلَهُ الشَّارِحُ فِي الْكَبِيرِ وَنَصُّهُ: قَالَ الْأَصْحَابُ وَإِنَّمَا يُكْرَهُ خَشْيَةَ اعْتِقَادِ فَرْضِيَّتِهِ فَلَوْ فَعَلَهُ إنْسَانٌ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ إذَا لَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ اسْتِنَانًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ فِي الْمَدْخَلِ وَيَنْهَى الْإِمَامُ النَّاسَ عَمَّا أَحْدَثُوهُ مِنْ الرُّكُوعِ بَعْدَ الْأَذَانِ الْأَوَّلِ لِلْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ ثُمَّ قَالَ وَلَا يُمْنَعُ الرُّكُوعُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لِمَنْ أَرَادَهُ وَإِنَّمَا الْمَنْعُ عَنْ اتِّخَاذِ ذَلِكَ عَادَةً بَعْدَ الْأَذَانِ وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَسَفَرٌ بَعْدَ الْفَجْرِ وَجَازَ قَبْلَهُ وَحَرُمَ بِالزَّوَالِ)
ش: وَكَذَلِكَ فِي الْعِيدِ يُكْرَهْ السَّفَرُ بَعْدَ الْفَجْرِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَيَحْرُمُ بَعْدَ طُلُوعِهَا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ الْمُحَرَّمِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ وَفِيهِ نَظَرٌ وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي بَابِ الْعِيدِ.
ص (كَكَلَامٍ فِي خُطْبَتِهِ)
ش: اعْلَمْ أَنَّ الْإِنْصَاتَ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ وَأَمَّا الْعِيدُ وَالِاسْتِسْقَاءُ فَقَالَ مَالِكٌ فِي رَسْمِ تَأْخِيرِ صَلَاةِ الْعِشَاءَيْنِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يُنْصِتُ لَهُمَا كَمَا يُنْصِتُ لِلْجُمُعَةِ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَهَذَا وَاضِحٌ كَمَا قَالَ؛ لِأَنَّهَا خُطْبَةٌ مَشْرُوعَةٌ لِلصَّلَاةِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهَا حُكْمَ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ فِي الْإِنْصَاتِ وَذَهَبَ الطَّحَاوِيُّ فِي خُطْبَةِ الْعِيدَيْنِ إلَى أَنَّهَا لِلتَّعْلِيمِ لَا لِلصَّلَاةِ كَخُطَبِ الْحَجِّ فَلَا يَجِبُ الْإِنْصَاتُ لَهَا وَالِاسْتِمَاعُ إلَيْهَا انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ أَيْضًا فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ فِي الصَّلَاةِ الْخُطَبُ ثَلَاثٌ: خُطْبَةٌ يَجِبُ الْإِنْصَاتُ إلَيْهَا وَالِاسْتِمَاعُ إلَيْهَا بِاتِّفَاقٍ وَهِيَ خُطْبَةُ الْجُمُعَةِ؛ إذْ لَا خِلَافَ أَنَّهَا لِلصَّلَاةِ، وَخُطْبَةٌ لَا يَجِبُ الْإِنْصَاتُ لَهَا وَلَا الِاسْتِمَاعُ لَهَا بِاتِّفَاقٍ وَهِيَ خُطَبُ الْحَجِّ وَهُنَّ ثَلَاثٌ: أَوَّلُهَا قَبْلَ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ بِيَوْمِ بِمَكَّةَ بَعْدَ الظُّهْرِ وَالثَّانِيَةُ: خُطْبَةُ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ الظُّهْرِ وَالثَّالِثَةُ: ثَانِي يَوْمِ النَّحْرِ بِمِنًى بَعْدَ الظُّهْرِ؛ إذْ لَا اخْتِلَافَ أَنَّهَا لِلتَّعْلِيمِ لَا لِلصَّلَاةِ، وَخُطْبَةٌ يُخْتَلَفُ فِي وُجُوبِ الْإِنْصَاتِ لَهَا وَالِاسْتِمَاعِ إلَيْهَا وَهِيَ خُطْبَةُ الْعِيدَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ انْتَهَى.
وَهَذَا الْكَلَامُ شَرْحُ قَوْلِهِ وَسُئِلَ عَنْ الْإِمَامِ يَخْطُبُ مِنْ أَمْرِ كِتَابٍ يَقْرَؤُهُ وَلَيْسَ مِنْ أَمْرِ الْجُمُعَةِ وَلَا الصَّلَاةِ أَنْ يُنْصِتَ مَنْ سَمِعَهُ قَالَ لَيْسَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ قَالَ الْقَاضِي هَذَا كَمَا قَالَ؛ لِأَنَّ الْإِنْصَاتَ إنَّمَا يَجِبُ فِي الْخُطْبَةِ بِالصَّلَاةِ لِاتِّصَالِهَا بِهَا وَكَوْنِهَا بِمَعْنَاهَا فِي تَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِيهَا انْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ الْبَلَنْسِيُّ الْخُطَبُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ يُنْصَتُ فِيهِ وَهِيَ خُطْبَةُ الْجُمُعَةِ وَقِسْمٌ لَا يُنْصِتُ فِيهِ وَهُوَ خُطَبُ الْحَجِّ كُلُّهَا وَقِسْمٌ اُخْتُلِفَ فِيهِ وَهُوَ خُطَبُ الْعِيدَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ الْإِنْصَاتَ فِيهِمَا انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَالْكَلَامُ عِنْدَنَا مُحَرَّمٌ بِكَلَامِ الْإِمَامِ لَا قَبْلَ ذَلِكَ كَمَا فِي الْمُوَطَّإِ: خُرُوجُ الْإِمَامِ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ وَكَلَامُهُ يَقْطَعُ الْكَلَامَ انْتَهَى.
وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْكَلَامَ يَحْرُمُ بِأَوَّلِ كَلِمَةٍ يَقُولُهَا الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ حَتَّى لَوْ كَانَ الْإِمَامُ شَافِعِيًّا يُسَلِّمُ بَعْدَ رُقِيِّهِ عَلَى الْمِنْبَرِ حَرُمَ الْكَلَامُ حِينَئِذٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِقَوْلِهَا وَإِذَا قَامَ الْإِمَامُ يَخْطُبُ فَحِينَئِذٍ يَجِبُ قَطْعُ الْكَلَامِ وَاسْتِقْبَالُهُ وَالْإِنْصَاتُ إلَيْهِ لَا قَبْلَ ذَلِكَ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَيَمْنَعُ جُلُوسَهُ لَهَا التَّخَطِّي لِفُرْجَةٍ وَالتَّنَفُّلُ وَلَوْ تَحِيَّةً ابْنُ بَشِيرٍ اتِّفَاقًا انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ الْمَازِرِيُّ وَمِمَّا يَحِلُّ مَحَلَّ الْكَلَامِ تَحْرِيكُ مَا لَهُ صَوْتٌ كَالْحَدِيدِ أَوْ الثَّوْبِ الْجَدِيد وَقَدْ خَرَّجَ مُسْلِمٌ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم «مَنْ حَرَّكَ الْحَصْبَاءَ فَقَدْ لَغَا» انْتَهَى.
ص (بِقِيَامِهِ)
ش: الظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ بِخُطْبَتِهِ يُغْنِي عَنْ قَوْلِهِ بِقِيَامِهِ بَلْ رُبَّمَا أَوْهَمَ أَنَّ الْإِنْصَاتَ إنَّمَا يَجِبُ إذَا خَطَبَ قَائِمًا
ص (وَلَوْ لِغَيْرِ سَامِعٍ)
ش: ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ بِالْمَسْجِدِ
أَوْ خَارِجِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى مَا رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ وَقَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ لَا يَجِبُ الْإِنْصَاتُ حَتَّى يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ وَقِيلَ: يَجِبُ إذَا دَخَلَ رِحَابَ الْمَسْجِدِ الَّتِي تُصَلَّى فِيهَا الْجُمُعَةُ هَكَذَا نَقَلَ الثَّلَاثَةَ الْأَقْوَالِ فِي التَّوْضِيحِ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَيَجِبُ اسْتِمَاعُهَا وَالصَّمْتُ لَهَا وَبَيْنَهُمَا وَفِي غَيْرِ سَامِعِهِمَا وَلَوْ بِخَارِجِ الْمَسْجِدِ طُرُقٌ الْأَكْثَرُ كَذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ حَارِثٍ اتِّفَاقًا وَقَالَ فِي الشَّامِلِ: يَجِبُ الْإِنْصَاتُ لَهَا عِنْدَ كَلَامِ الْإِمَامِ لَا قَبْلَهُ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ، وَبَيْنَ خُطْبَتَيْهِ وَإِنْ كَانَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ وَقِيلَ لَا فَعُلِمَ مِنْ هَذَا رُجْحَانُ الْقَوْلِ بِوُجُوبِ الْإِنْصَاتِ خَارِجَ الْمَسْجِدِ فَيُحْمَلُ إطْلَاقُ الْمُصَنِّفِ عَلَيْهِ وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي أَثْنَاءِ شَرْحِ مَسْأَلَةٍ فِي رَسْمِ شَكَّ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَتَى الْجُمُعَةَ أَنْ يَتْرُكَ الْكَلَامَ فِي طَرِيقِهِ إذَا عَلِمَ أَنَّ الْإِمَامَ فِي الْخُطْبَةِ وَكَانَ بِمَوْضِعٍ يُمْكِنُ أَنْ يَسْمَعَ مِنْهُ كَلَامَ الْإِمَامِ وَقَدْ قِيلَ: إنَّ الْإِنْصَاتَ لَا يَجِبُ حَتَّى يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَمُطَرِّفٍ وَقِيلَ: يَجِبُ مُنْذُ يَدْخُلُ رِحَابَ الْمَسْجِدِ الَّتِي تُصَلَّى فِيهَا الْجُمُعَةُ مِنْ ضِيقِ الْمَسْجِدِ انْتَهَى
ص (أَوْ إشَارَةٌ لَهُ)
ش: هَكَذَا قَالَ الْبَاجِيُّ أَنَّهُ مُقْتَضَى الْمَذْهَبِ وَاَلَّذِي صَدَرَ بِهِ فِي الطِّرَازِ عَنْ الْمَبْسُوطِ جَوَازُهَا ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ الْبَاجِيِّ ثُمَّ قَالَ وَمَا فِي الْمَبْسُوطِ أَبْيَنُ فَإِنَّ الْخُطْبَةَ غَايَتُهَا أَنْ يَكُونَ لَهَا حُرْمَةُ الصَّلَاةِ.
ص (وَابْتِدَاءُ صَلَاةٍ بِخُرُوجِهِ وَإِنْ لِدَاخِلٍ)
ش: يَعْنِي أَنَّ الْخَطِيبَ إذَا خَرَجَ عَلَى النَّاسِ مِنْ دَارِ الْخَطَابَةِ أَوْ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ ابْتِدَاءُ الصَّلَاةِ حِينَئِذٍ وَلَوْ لِمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ حِينَئِذٍ وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: ابْتِدَاءُ مِمَّنْ خَرَجَ عَلَيْهِ الْخَطِيبُ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يُتِمَّهَا وَقَالَ عَبْدُ الْحَقِّ فِي تَهْذِيبِهِ وَقَالَ أَشْهَبُ: مَعْنَى خُرُوجِ الْإِمَامِ دُخُولُهُ الْمَسْجِدَ انْتَهَى.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) لَوْ أَتَى الْمُؤَلِّفُ بِلَوْ لَكَانَ أُجْرِيَ عَلَى اصْطِلَاحِهِ فَإِنَّ السُّيُورِيَّ يُجَوِّزُ التَّحِيَّةَ لِلدَّاخِلِ وَلَوْ كَانَ الْإِمَامُ فِي الْخُطْبَةِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَقَوْلُ ابْنِ شَاسٍ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ عَنْ مَالِكٍ لَا أَعْرِفُهُ هَذَا إذَا جَلَسَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ فَإِنَّ النَّفَلَ حِينَئِذٍ يَحْرُمُ عَلَى الْجَالِسِ اتِّفَاقًا وَأَمَّا فِيمَا بَيْنَ جُلُوسِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ وَخُرُوجِهِ عَلَى النَّاسِ فَفِيهِ قَوْلَانِ: مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ الْمَنْعُ وَرِوَايَةُ الْمُخْتَصَرِ: الْجَوَازُ قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ (الثَّانِي) قَالَ فِي رَسْمٍ سَلَفَ فِي الْمَتَاعِ وَالْحَيَوَانِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الرَّجُلِ يَقْعُدُ لِلتَّشَهُّدِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي نَافِلَةٍ فَيَخْرُجُ الْإِمَامُ فَأَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ وَلَا يُسْمَعَ مَا دَامَ الْمُؤَذِّنُونَ يُؤَذِّنُونَ قَالَ بَلْ يُسَلِّمُ إلَى أَنْ يَقُومَ الْإِمَامُ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ وَلَا يَدْعُو ابْنُ رُشْدٍ وَقَدْ اسْتَحَبَّ مَالِكٌ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْهُ إذَا لَمْ يَبْقَ مِنْ صَلَاتِهِ إلَّا السَّلَامُ أَنْ يَدْعُوَ وَلَا يُسَلِّمَ مَا دَامَ الْمُؤَذِّنُونَ يُؤَذِّنُونَ وَالْإِمَامُ جَالِسٌ.
وَالْقِيَاسُ مَا فِي الْكِتَابِ لِمَا جَاءَ مِنْ أَنَّ خُرُوجَ الْإِمَامِ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ وَكَلَامَهُ يَقْطَعُ الْكَلَامَ انْتَهَى.
(الثَّالِثُ) هَذَا حُكْمُ النَّقْلِ وَأَمَّا إذَا ذَكَرَ الْمُسْتَمِعُ لِلْخُطْبَةِ مَنْسِيَّةً فَقَالَ ابْنُ نَاجِي قَالَ عَبْدُ الْحَمِيدِ فِي اسْتِلْحَاقِهِ قَالَ أَصْحَابُنَا يَقُومُ فَيُصَلِّي وَهُوَ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ الَّتِي ذَكَرَهَا فَرْضٌ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُصَلِّيهَا بِالْمَسْجِدِ وَلَا يَخْرُجُ وَهُوَ أَخَفُّ مِنْ خُرُوجِهِ فِي بَعْضِ الْحَالَاتِ انْتَهَى.
وَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي أَوَّلِ مَسْأَلَةٍ مِنْ مَسَائِلِ الصَّلَاةِ إذَا ذَكَرَ صَلَاةَ الصُّبْحِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَلْيُصَلِّهَا بِمَوْضِعِهِ وَيَقُولُ لِمَنْ يَلِيهِ أُصَلِّي الصُّبْحَ إنْ كَانَ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ وَإِلَّا فَلَيْسَ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الْبِسَاطِيُّ فِي الْمُغْنِي عَنْ النَّوَادِرِ وَإِنْ ذَكَرَ الْخَطِيبُ صَلَاةً صَلَّاهَا وَبَنَى عَلَى خُطْبَتِهِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ الثَّانِي وَمَنْ نَسِيَ صَلَاةً صَلَّاهَا مَتَى مَا ذَكَرَهَا لَا يُبَالِي أَيَّ وَقْتٍ كَانَ وَإِنْ بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ أَوْ كَانَ عِنْدَ غُرُوبِهَا انْتَهَى.
وَقَالَ الْمَشَذَّالِيُّ قَوْلُهُ: أَيَّ وَقْتٍ كَانَ ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ وَفِيهَا لِبَعْضِهِمْ نَظَرٌ (قُلْت) فِي نَوَازِلِ ابْنِ الْحَاجِّ إذَا ذَكَرَ الصُّبْحَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَلْيَقُمْ وَلْيُصَلِّهَا بِمَوْضِعِهِ وَيَقُولُ لِمَنْ يَلِيهِ: أَنَا أُصَلِّي الصُّبْحَ إنْ كَانَ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ وَإِلَّا فَلَيْسَ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَلَوْ
ذَكَرَهَا فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ تَمَادَى وَصَلَّى مَا نَسِيَ وَفِي إعَادَةِ الْجُمُعَةِ ظُهْرًا اخْتِلَافٌ انْتَهَى.
فَجَوَابُهُ مُوَافِقٌ لِظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ انْتَهَى.
(الرَّابِعُ) قَالَ فِي رَسْمِ الْقِطْعَانِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ مَسْأَلَةٌ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيمَنْ نَسِيَ صَلَاةَ الصُّبْحِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَلَمْ يَذْكُرْ حَتَّى صَلَّى الْجُمُعَةَ قَالَ يُصَلِّي الصُّبْحَ ثُمَّ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ أَرْبَعًا قَالَ الْقَاضِي وَالْوَقْتُ فِي ذَلِكَ النَّهَارُ كُلُّهُ قَالَ ذَلِكَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَقَالَ أَشْهَبُ وَسَحْنُونٌ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُهُمْ: إنَّ السَّلَامَ مِنْ الْجُمُعَةِ خُرُوجُ وَقْتِهَا وَلَوْ ذَكَرَ صَلَاةَ الصُّبْحِ وَهُوَ فِي الْجُمُعَةِ مَعَ الْإِمَامِ يَخْرُجُ إنْ أَيْقَنَ أَنَّهُ يُدْرِكُ مِنْ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَإِنْ لَمْ يُوقِنْ بِذَلِكَ تَمَادَى مَعَ الْإِمَامِ وَأَعَادَ ظُهْرًا أَرْبَعًا عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ خِلَافًا لِأَشْهَبَ وَمَنْ قَالَ بِمِثْلِ قَوْلِهِ: إنَّ السَّلَامَ مِنْ الْجُمُعَةِ خُرُوجُ وَقْتِهَا، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْجُمُعَةَ لَمَّا كَانَتْ بَدَلًا مِنْ الظُّهْرِ وَوَقْتُ الظُّهْرِ قَائِمٌ وَجَبَ أَنْ يَعُدَّ الْجُمُعَةَ ظُهْرًا أَرْبَعًا لِتَعَذُّرِ إقَامَتِهَا جُمُعَةً وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ وَمَنْ قَالَ بِمِثْلِ قَوْلِهِ أَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ إقَامَتُهَا جُمُعَةً كَمَا كَانَ صَلَّاهَا سَقَطَتْ عَنْهُ الْإِعَادَةُ؛ إذْ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَا تَجِبُ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ وَسَتَأْتِي الْمَسْأَلَةُ مُتَكَرِّرَةً فِي سَمَاعِ سَحْنُونٍ انْتَهَى.
(الْخَامِسُ) وُجُوبُ السَّعْيِ لِلْجُمُعَةِ يَمْنَعُ مِنْ فِعْلِ الظُّهْرِ فَلَوْ بَقِيَ لِفِعْلِ الْجُمُعَةِ مَا لَوْ سَارَ إلَى الْجُمُعَةِ مَا أَدْرَكَهَا سَقَطَ عَنْهُ وُجُوبُ السَّعْيِ وَصَحَّ مِنْهُ فِعْلُ الظُّهْرِ قَالَهُ سَنَدٌ فِي كِتَابِ الْمُخْتَصَرِ
ص (وَلَا يَقْطَعُ إنْ دَخَلَ)
ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ بَعْدَ خُرُوجِ الْإِمَامِ جَاهِلًا أَوْ غَافِلًا فَلَا يَقْطَعُهَا إنْ كَانَ دَخَلَ الْمَسْجِدَ حِينَئِذٍ وَسَوَاءٌ كَانَ دُخُولُهُ قَبْلَ قِيَامِ الْإِمَامِ إلَى الْخُطْبَةِ أَوْ فِي حَالِ الْخُطْبَةِ وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ حِينَئِذٍ وَإِنَّمَا كَانَ جَالِسًا فِيهِ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ وَهُوَ كَذَلِكَ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ إذَا ثَبَتَ أَنَّ الدَّاخِلَ وَالْإِمَامُ جَالِسٌ لَا يَرْكَعُ فَأَحْرَمَ جَاهِلًا أَوْ غَافِلًا فَإِنَّهُ يَتَمَادَى وَلَا يَقْطَعُ عَلَى قَوْلِ سَحْنُونٍ وَرِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ.
وَإِنْ لَمْ يَفْرُغْ حَتَّى قَامَ الْإِمَامُ لِلْخُطْبَةِ؛ فَقَالَ ابْنُ شَعْبَانَ يَقْطَعُ وَكَذَا لَوْ دَخَلَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ وَأَحْرَمَ لَتَمَادَى عَلَى الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي.
قَالَ فِي الْبَيَانِ: وَهَذَا فِي حَقِّ الدَّاخِلِ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ فَيُحْرِمَ وَأَمَّا لَوْ أَحْرَمَ تِلْكَ السَّاعَةَ مَنْ كَانَ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ قَوْلًا وَاحِدًا إذَا لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِجَوَازِ النَّفْلِ لَهُ بِخِلَافِ الدَّاخِلِ فَإِنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ أَجَازَ لَهُ التَّنَفُّلَ انْتَهَى.
(قُلْت) وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ عَلَى أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ قَبْلَ دُخُولِ الْإِمَامِ ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ الْإِمَامُ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ لَا يَقْطَعُ؛ لِأَنَّ هَذَا يُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِهِ أَوَّلًا: وَابْتِدَاءُ صَلَاةٍ لِخُرُوجِهِ فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْمُحَرَّمَ إنَّمَا هُوَ ابْتِدَاءُ صَلَاةٍ حِينَئِذٍ لَا إتْمَامُهَا وَهُوَ كَذَلِكَ بِاتِّفَاقٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ سَنَدٌ وَغَيْرُهُ وَسَوَاءٌ عَقَدَ رَكْعَةً أَمْ لَا قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ الْبَاجِيُّ التَّمَادِي مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا هَلْ يُخَفِّفُ صَلَاتَهُ أَمْ لَا فَقَالَ مَالِكٌ فِي رِوَايَةِ ابْنِ شَعْبَانَ: يُتِمُّ قِرَاءَتَهُ بِالْفَاتِحَةِ فَقَطْ وَهُوَ مَعْنَى سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ إنْ كَانَ فِي التَّشَهُّدِ؛ سَلَّمَ وَلَمْ يَدْعُ وَقِيلَ: يَسْتَمِرُّ فِي صَلَاتِهِ وَلَا يُخَفِّفُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ يُطِيلُ فِي دُعَائِهِ مَا أَحَبَّ وَهُوَ مُقْتَضَى رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ يَدْعُو مَا دَامَ الْمُؤَذِّنُونَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَفَسْخُ بَيْعٍ)
ش: ذِكْرُ الْفَسْخِ اسْتِلْزَامُ التَّحْرِيمِ وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا إذَا انْتَقَضَ وُضُوءُهُ حِينَئِذٍ فَيُرَخَّصُ لَهُ فِي شِرَاءِ الْمَاءِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْحَقِّ وَابْنُ يُونُسَ وَنَصُّ كَلَامِ عَبْدِ الْحَقِّ فِي النُّكَتِ: وَإِذَا انْتَقَضَ وُضُوءُ الرَّجُلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَقْتَ النِّدَاءِ عِنْدَ مَنْعِ الْبَيْعِ فَلَمْ يَجِدْ مَا يَتَوَضَّأُ بِهِ إلَّا بِثَمَنٍ فَحَكَى ابْنُ أَبِي زَيْدٍ أَنَّهُ يَجُوزُ شِرَاؤُهُ لِيَتَوَضَّأَ بِهِ وَلَا يَفْسُدُ شِرَاؤُهُ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي قَوْلِ الرِّسَالَةِ: وَيَحْرُمُ حِينَئِذٍ الْبَيْعُ هَذَا مَخْصُوصٌ بِغَيْرِ شِرَاءِ الْمَاءِ لِمَنْ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ وَقْتَ النِّدَاءِ وَلَمْ يَجِدْ الْمَاءَ إلَّا بِالثَّمَنِ نَصَّ عَلَيْهِ أَبُو مُحَمَّدٍ وَنَقَلَهُ عَبْدُ الْحَقِّ فِي النُّكَتِ وَابْنُ يُونُسَ وَلَمْ يُحْفَظْ غَيْرُهُ فِي الْمَذْهَبِ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ صَاحِبَ الْمَاءِ لَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ وَإِنَّمَا الرُّخْصَةُ
فِي ذَلِكَ لِلْمُشْتَرِي الْمَذْكُورِ وَبِهِ أَفْتَى بَعْضُ مَنْ لَقِيتُهُ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ بَعْدَ ذِكْرِهِ كَلَامَ أَبِي مُحَمَّدٍ: اُخْتُلِفَ فِي مَعْنَاهُ فَقَالَ شَيْخُنَا أَبُو مَهْدِيٍّ أَيَّدَهُ اللَّهُ ظَاهِرُ اللَّفْظِ أَنَّ الرُّخْصَةَ فِي ذَلِكَ إنَّمَا هِيَ لِلْمُشْتَرِي وَأَمَّا صَاحِبُ الْمَاءِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ لِضَرُورَةِ الْأَوَّلِ وَعَدَمِ ضَرُورَةِ الثَّانِي كَقَوْلِ أَشْهَبَ فِي شِرَاءِ الزِّبْلِ: وَقَالَ شَيْخُنَا يَعْنِي الْبُرْزُلِيَّ بَلْ يَجُوزُ لِيُعِينَ الْمُشْتَرِيَ عَلَى تَحْصِيلِ الطَّهَارَةِ بِالرُّخْصَةِ لَهُمَا مَعًا وَبِهَذَا أَقُولُ انْتَهَى.
(قُلْت) : وَهَذَا الثَّانِي هُوَ الظَّاهِرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ وَمِمَّا يَنْخَرِطُ فِي سِلْكِ الْبِيَعِ الشُّرْبُ مِنْ السِّقَاءِ بَعْدَ النِّدَاءِ إذَا كَانَ بِثَمَنٍ وَإِنْ لَمْ يَدْفَعْ إلَيْهِ الثَّمَنَ فِي الْحَالِ قَالَ: وَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ ظَاهِرٌ مَا لَمْ تَدْعُ إلَى الشُّرْبِ ضَرُورَةٌ انْتَهَى.
(الثَّانِي) ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ أَنَّ الْبَيْعَ يُفْسَخُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْعَاقِدَانِ مِنْ أَهْلِ الْجُمُعَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَأَمَّا لِمَنْعٍ فَهُمْ مَمْنُوعُونَ مِنْ الْبَيْعِ فِي الْأَسْوَاقِ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي شَرْحِ ثَانِيَةِ رَسْمٍ حَلَفَ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ يُرِيدُ أَنَّ الْأَسْوَاقَ يُمْنَعُ أَنْ يَبِيعَ فِيهَا الْعَبِيدَ وَمَنْ فِي مَعْنَاهُمْ مِمَّنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ الْجُمُعَةُ كَمَا يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ فَإِنْ بَاعَ فِيهَا مَنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ؛ لَمْ يُفْسَخْ بَيْعُهُ وَأَمَّا فِي غَيْرِ الْأَسْوَاقِ فَجَائِزٌ لِلْعَبِيدِ وَالْمُسَافِرِينَ وَالنِّسَاءِ وَأَهْلِ السُّجُونِ وَالْمَرْضَى أَنْ يَتَبَايَعُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ فَإِنْ بَاعَ مِنْهُمْ مَنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ مِمَّنْ تَجِبُ فُسِخَ بَيْعُهُ كَمَا يُفْسَخُ بَيْعُ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ مِمَّنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ
ص (بِأَذَانٍ ثَانٍ)
ش: يُرِيدُ إذَا كَانَ الْأَذَانُ الثَّانِي بَعْدَ جُلُوسِ الْإِمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ وَإِنَّمَا سَكَتَ عَنْهُ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ فِي الْأَذَانِ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ بَعْدَ جُلُوسِ الْإِمَامِ وَهَلْ يَحْرُمُ بِأَوَّلِ الْأَذَانِ أَوْ بِالْفَرَاغِ مِنْهُ قَوْلَانِ نَقَلَهُمَا الْمَشَذَّالِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْمُدَوَّنَةِ.
(قُلْت) وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي فَصْلِ الْجَمَاعَةِ إنَّمَا يَمْتَنِعُ ابْتِدَاءُ الصَّلَاةِ بِالشُّرُوعِ فِي الْإِقَامَةِ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ سَنَدٌ وَلَمْ يَذْكُرْ الثَّانِيَ وَنَصُّهُ وَالْمُعْتَبَرُ مِنْ الْأَذَانِ بِأَوَّلِهِ لَا بِتَمَامِهِ فَإِذَا كَبَّرَ الْمُؤَذِّنُ حَرُمَ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ مُتَعَلِّقٌ بِالنِّدَاءِ انْتَهَى.
(فُرُوعٌ الْأَوَّلُ) مُنْتَهَى الْمَنْعِ بِانْقِضَاءِ الصَّلَاةِ كَمَا سَيَأْتِي فِي كَلَامِ ابْنِ جُزَيٍّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي) إذَا تَعَدَّدَ الْمُؤَذِّنُونَ فِي الْأَذَانِ الثَّانِي فَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ وَأَخَذَ الْمُؤَذِّنُونَ فِي الْأَذَانِ: وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ يَجِبُ السَّعْيُ عِنْدَ سَمَاعِ الْمُؤَذِّنِ الْأَوَّلِ وَاخْتَلَفَ فِيهَا فُقَهَاءُ بِجَايَةَ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ حَسْبَمَا أَخْبَرَنِي بِهِ مَنْ لَقِيتُهُ مِنْ التُّونُسِيِّينَ فَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ بِذَلِكَ، وَقَالَ آخَرُونَ إنَّمَا يَجِبُ السَّعْيُ عِنْدَ سَمَاعِ الثَّالِثِ وَالصَّوَابُ عِنْدِي أَنَّ اخْتِلَافَهُمْ إنَّمَا هُوَ خِلَافٌ فِي حَالٍ فَمَنْ كَانَ مَكَانُهُ بَعِيدًا بِحَيْثُ إنْ لَمْ يَسْعَ عِنْدَ الْمُؤَذِّنِ الْأَوَّلِ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ وَجَبَ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ وَإِنْ كَانَ قَرِيبًا فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ مَكَانُهُ بَعِيدًا جِدًّا فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ بِمِقْدَارِ مَا إذَا وَصَلَ حَانَتْ الصَّلَاةُ إنْ كَانَ ثَمَّ مَنْ يَحْضُرُ الْخُطْبَةَ غَيْرُهُ مِمَّنْ يُكْتَفَى بِهِمْ انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي شَرْحِ هَذَا الْمَحَلِّ مِنْ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ: وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ أَخَّرَ صَلَاةً حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِقْدَارُ وَقْتِهَا الضَّرُورِيُّ إلَّا مَا يُوقِعُهَا فِيهِ فَبَاعَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَقَالَ الْقَاضِي إسْمَاعِيلُ: يُفْسَخُ بَيْعُهُ وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّيْخِ أَبِي عِمْرَانَ لِوُجُودِ الْعِلَّةِ الَّتِي فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ هُنَا وَقَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ لَا يُفْسَخُ قَالَ الْمَازِرِيُّ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ بِعَدَمِ الْفَسْخِ هُنَا بِخِلَافِ الْجُمُعَةِ لِكَوْنِ الْجَمَاعَةِ شَرْطًا فِيهَا فَمِنْ الْمَصْلَحَةِ مَنْعُ مَا أَدَّى إلَى افْتِرَاقِ جَمْعِهِمْ وَالْإِخْلَالِ بِشَرْطٍ لَا تَصِحُّ الْجُمُعَةُ بِهِ بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِنْ الْجَمَاعَاتِ فَإِنَّ الْجَمَاعَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا فِيهَا انْتَهَى.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ فِي تَفْرِقَةِ الْمَازِرِيِّ: نَحْنُ لَمْ نُفْسِدْ بَيْعَهُ لِلْإِخْلَالِ بِالْجَمَاعَةِ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ إنَّمَا أَفْسَدْنَاهُ لِلْإِخْلَالِ بِالْوَقْتِ الْمُؤَدِّي إلَى كَوْنِ الصَّلَاةِ قَضَاءً وَإِلَى تَأْثِيمِ فَاعِلِ ذَلِكَ وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ صَوَّبَ ابْنُ مُحْرِزٍ وَغَيْرُهُ عَدَمَ الْفَسْخِ قَالَ وَفَرَّقُوا بِأَنَّ الْجُمُعَةَ لَا تُقْضَى انْتَهَى.
وَجَزَمَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ بِأَنَّ الْبَيْعَ لَا يُفْسَخُ سَوَاءٌ كَانَتْ السِّلْعَةُ قَائِمَةً أَوْ فَائِتَةً ثُمَّ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَأُلْزِمَ الْقَائِلُ بِالْبُطْلَانِ أَنْ يُبْطِلَ بِيَاعَاتِ الْغُصَّابِ؛ لِأَنَّهَا وَاقِعَةٌ فِي زَمَنٍ كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ فِيهِ التَّشَاغُلُ بِرَدِّ الْغُصُوبَاتِ وَأَلْحَقَ الْغَرْنَاطِيُّ بِالْبَيْعِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ الْبَيْعَ وَقْتَ الْفِتْنَةِ يُرِيدُ: فِي حَقِّ مَنْ طُلِبَ مِنْهُ الْخُرُوجُ ابْنُ رُشْدٍ: يَحْرُمُ الْبَيْعُ فِي الْمَكَانِ الْمَغْصُوبِ انْتَهَى.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (كَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ) ش قَالَ الْبِسَاطِيُّ فِيهِ تَشْبِيهُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ وَيَصِحُّ بِتَقْدِيرِ: كَغَيْرِهِ مِنْ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ.
ص (لَا نِكَاحٍ وَهِبَةٍ وَصَدَقَةٍ)
ش: نَفَى الْمُصَنِّفُ عَنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْفَسْخَ وَذَلِكَ لَا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الْحُرْمَةِ وَلَا ثُبُوتِهَا وَمُقْتَضَى كَلَامِهِمْ أَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ وَلَكِنْ لَا تُفْسَخُ قَالَ فِي الرِّسَالَةِ: وَيَحْرُمُ حِينَئِذٍ الْبَيْعُ وَكُلُّ مَا يَشْغَلُ عَنْ السَّعْيِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الطِّرَازِ وَلَا خِلَافَ فِي مَنْعِ كُلِّ مَا يَشْغَلُ وَاخْتُلِفَ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ إذَا وَقَعَ وَقَالَ ابْنُ جُزَيٍّ فِي كِتَابِ الْجُمُعَةِ: يَحْرُمُ الْبَيْعُ وَالنِّكَاحُ وَسَائِرُ الْعُقُودِ مِنْ جُلُوسِ الْخَطِيبِ إلَى انْقِضَاءِ الصَّلَاةِ فَإِنْ وَقَعَتْ فَاخْتُلِفَ فِي فَسْخِهَا وَقَالَ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ لَمَّا عَدَّ الْأَنْكِحَةَ الْفَاسِدَةَ: وَأَمَّا يَوْمُ الْجُمُعَةِ فَإِذَا صَعِدَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ حَرُمَ النِّكَاحُ وَالْبَيْعُ وَفِي كَلَامِ صَاحِبِ التَّمْهِيدِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وَسَيَأْتِي وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي أَحْكَامِهِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَدَمَ فَسْخِ النِّكَاحِ وَعَدَمَ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ: وَالصَّحِيحُ فَسْخُ الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ إنَّمَا مُنِعَ مِنْهُ لِلِاشْتِغَالِ بِهِ، فَكُلُّ أَمْرٍ يَشْغَلُ عَنْ الْجُمُعَةِ مِنْ الْعُقُودِ كُلِّهَا فَهُوَ حَرَامٌ شَرْعًا، مَفْسُوخٌ رَدْعًا انْتَهَى.
وَكَلَامُ الْمَوَّاقِ يَقْتَضِي جَوَازَهَا ابْتِدَاءً وَنَصُّهُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَجَائِزٌ أَنْ يَعْقِدَ النِّكَاحَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ وَلَا يَفْسَخُ، دَخَلَ أَوْ لَمْ يَدْخُلْ، وَالْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ جَائِزَةٌ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ قَالَ أَصْبَغُ: لَا يُعْجِبُنِي قَوْلُهُ فِي النِّكَاحِ وَأَرَى أَنْ يُفْسَخَ وَهُوَ عِنْدِي بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ قَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ: يَدْخُلُ هَذَا الْخِلَافُ فِي الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ لِعِلَّةِ التَّشَاغُلِ، وَالصَّوَابُ أَنْ لَا يَدْخُلَهَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ أَصْبَغَ مَنَعَ النِّكَاحَ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ قَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ: وَضَارَعَهُ؛ لِأَنَّ النَّصَّ إنَّمَا وَرَدَ فِي الْبَيْعِ فَمَا ضَارَعَهُ مِثْلُهُ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَقَبِلَهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ جَائِزَةٌ أَنَّهَا مَاضِيَةٌ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي ثَانِيَةِ رَسْمِ الْعَرِيَّةِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى وَيُفْسَخُ عِنْدَ أَصْبَغَ
وَإِنْ فَاتَ بِالدُّخُولِ وَيَكُونُ لَهَا الصَّدَاقُ الْمُسَمَّى. حَكَاهُ ابْنُ مُزَيْنٍ عَنْهُ انْتَهَى.
ص (وَإِشْرَافُ قَرِيبٍ وَنَحْوِهِ)
ش: فَفِي رَسْمٍ حَلَفَ لَيَرْفَعَنَّ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَتَخَلَّفَ عَنْ الْجُمُعَةِ لِيَنْظُرَ فِي أَمْرِ مَيِّتٍ مِنْ إخْوَانِهِ مِمَّا يَكُونُ مِنْ شَأْنِ الْمَيِّتِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ مَعْنَاهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْ يَكْفِيهِ وَخَافَ عَلَيْهِ التَّغْيِيرَ هَكَذَا ذَكَرَهُ فِي الْبَيَانِ بِالْوَاوِ وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِأَوْ وَلَفْظُ ابْنِ رُشْدٍ إنْ خَافَ ضَيَاعَهُ أَوْ تَغْيِيرَهُ ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ لَا لِجِنَازَةِ بَعْضِ أَهْلِهِ سَحْنُونٌ إلَّا أَنْ يَخَافَ تَغَيُّرَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَلِغُسْلِ مَيِّتٍ عِنْدَهُ انْتَهَى.
(قُلْت) مَا ذَكَرَهُ عَنْ ابْنِ نَافِعٍ وَسَحْنُونٍ مُوَافِقٌ لِمَا ذَكَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْبَيَانِ وَأَنَّهُ لَا يَتَخَلَّفُ لِأَجْلِ تَجْهِيزِ الْمَيِّتِ إلَّا أَنْ يَخَافَ ضَيَاعَهُ وَتَغَيُّرَهُ. وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ فَيُحْمَلُ عَلَى مَا إذَا خَافَ عَلَى الْمَيِّتِ التَّغَيُّرَ.
(فَرْعٌ) فَلَوْ بَلَغَهُ وَهُوَ فِي الْجَامِعِ أَنَّ أَبَاهُ أَصَابَهُ وَجَعٌ وَيُخْشَى عَلَيْهِ الْمَوْتُ فَلَهُ أَنْ يَخْرُجَ إلَيْهِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ وَقَدْ اسْتَصْرَخَ ابْنُ عُمَرَ عَلَى سَعِيدِ بْنِ يَزِيدَ بَعْدَ أَنْ تَأَهَّبَ لِلْجُمُعَةِ فَتَرَكَهَا وَخَرَجَ إلَيْهِ لِلْعَقِيقِ قَالَهُ سَنَدٌ وَالْمَازِرِيُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَعُرْيٌ)
ش: قَالَ فِي الْكَبِيرِ يُرِيدُ أَنَّ مِنْ الْأَعْذَارِ الْمُبِيحَةِ لِلتَّخَلُّفِ عَدَمَ وُجْدَانِ مَا يَسْتُرُ بِهِ عَوْرَتَهُ انْتَهَى.
فَحُمِلَ الْعُرْيُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْعُرْيُ مِمَّا يَسْتُرُ الْعَوْرَةَ وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي شَامِلِهِ أَيْضًا وَعَلَى ذَلِكَ حَمَلَهُ الْبِسَاطِيُّ وَزَادَ فَقَالَ وَرُبَّمَا يُقَالُ: إنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْخُرُوجُ.
ص (وَأَكْلُ كَثُومٍ) ش: هَذَا بَعْدَ الْوُقُوعِ وَهَلْ يَجُوزُ لِلشَّخْصِ أَكْلُهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ؟ .
الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْأَبِيِّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ إذَا عُلِمَ أَنَّهَا لَا تَزُولُ مِنْ فِيهِ بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَكْلُهَا وَنَصُّهُ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ. الْحَدِيثُ أَجَازَ الْجُمْهُورُ أَكْلَ هَذِهِ الْخُضَرِ؛ لِأَنَّهُ أَبَاحَهُ لِأَصْحَابِهِ وَعَلَّلَ تَخْصِيصَهُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُنَاجِي مَنْ لَا يُنَاجَى، وَحَرَّمَهُ أَهْلُ الظَّاهِرِ لِمَنْعِهِ حُضُورَ الْجَمَاعَةِ عَلَى أَصْلِهِمْ فِي أَنَّ حُضُورَ الْجَمَاعَةِ فَرْضُ عَيْنٍ.
(قُلْت) وَكَانَ الشَّيْخُ ابْنُ عَرَفَةَ يَقُولُ لَا يَبْعُدُ عِنْدِي كَرَاهَةُ أَكْلِهَا لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم وَلَكِنِّي أَكْرَهُ رِيحَهَا وَحُكِيَ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْمُنْتَصِرِ أَنَّهُ مَا أَدْخَلَ دَارِهِ ثُومًا وَلَا بَصَلًا وَمَا ذَاكَ إلَّا؛ لِأَنَّهُ رَأَى أَنَّ إدْخَالَهَا ذَرِيعَةٌ لِأَكْلِهَا، وَكَذَلِكَ أَكْلُهَا ذَرِيعَةٌ لِعَدَمِ دُخُولِ الْمَسْجِد قَالَ الْمَازِرِيُّ وَأَلْحَقَ أَهْلُ الْمَذْهَبِ بِذَلِكَ أَهْلَ الصَّنَائِعِ الْمُنْتِنَةِ كَالْحَوَّاتِينَ وَالْجَزَّارِينَ.
عِيَاضٌ وَكَذَلِكَ الْفُجْلُ لِمَنْ يَتَجَشَّؤُهُ، وَأَلْحَقَ ابْنُ الْمُرَابِطِ بِذَلِكَ دَاءَ الْبَخَرِ وَالْجُرْحَ الْمُنْتِنَ.
(قُلْت) وَأَلْحَقَ الشَّيْخُ بِذَلِكَ الصُّنَانَ وَالْبَرَصَ الَّذِي يُتَأَذَّى بِرِيحِهِ وَأَفْتَى ابْنُ رُشْدٍ بِمَنْعِ ذِي الْبَرَصِ أَنْ يَبِيعَ مَا عَمِلَ بِيَدِهِ مِمَّنْ يَبِيعُهَا عَلَى أَنَّهُ هُوَ الَّذِي عَمِلَهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْغِشِّ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ انْتَهَى.
وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي التَّمْهِيدِ فَقَالَ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ التَّاسِعِ لِابْنِ شِهَابٍ وَهُوَ قَوْلُهُ
- صلى الله عليه وسلم «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا يُؤْذِينَا بِرِيحِ الثُّومِ» فِيهِ مِنْ الْفِقْهِ أَنَّ حُضُورَ الْجَمَاعَةِ لَيْسَ بِفَرْضٍ وَإِلَّا لَمَا كَانَ يُبَاحُ مَا يَحْبِسُ عَنْ الْفَرْضِ وَقَدْ أَبَاحَتْ السُّنَّةُ لِآكِلِ الثُّومِ التَّخَلُّفَ عَنْ شُهُودِ الْجَمَاعَةِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ أَكْلَهُ مُبَاحٌ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى مَا وَصَفْنَا؛ أَلَا تَرَى أَنَّ الْجُمُعَةَ إذَا نُودِيَ لَهَا حَرُمَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ الْحَضَرِ كُلُّ مَا يَحْبِسُ مِنْ بَيْعٍ وَقُعُودٍ وَرُقَادٍ وَصَلَاةٍ وَكُلُّ مَا يُشْغَلُ بِهِ الْمَرْءُ عَنْهَا وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْمِصْرِ حَاضِرًا لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُدْخِلَ عَلَى نَفْسِهِ مَا يَحْبِسُهُ عَنْهَا.
فَلَوْ كَانَتْ الْجَمَاعَةُ فَرْضًا؛ كَانَ أَكْلُ الثُّومِ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ حَرَامًا وَقَدْ ثَبَتَتْ إبَاحَتُهُ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ حُضُورَ الْجَمَاعَةِ لَيْسَ بِفَرْضٍ، ثُمَّ قَالَ: وَإِذَا كَانَتْ الْعِلَّةُ فِي إخْرَاجِ آكِلِ الثُّومِ مِنْ الْمَسْجِدِ أَنَّهُ يُتَأَذَّى بِهِ فَفِي الْقِيَاسِ أَنَّ كُلَّ مَنْ يَتَأَذَّى بِهِ جِيرَانُهُ فِي الْمَسْجِدِ بِأَنْ يَكُونَ ذَرِبَ اللِّسَانِ سَفِيهًا مُسْتَطِيلًا أَوْ كَانَ ذَا رَائِحَةٍ لَا تُؤْلِمُهُ لِسُوءِ صِنَاعَتِهِ أَوْ عَاهَةٍ مُؤْذِيَةٍ كَالْجُذَامِ وَشِبْهِ أَذًى، وَكُلُّ مَا يَتَأَذَّى بِهِ النَّاسُ إذَا وُجِدَ فِي أَحَدِ جِيرَانِ الْمَسْجِدِ وَأَرَادُوا إخْرَاجَهُ عَنْ الْمَسْجِدِ وَإِبْعَادَهُ عَنْهُمْ كَانَ ذَلِكَ لَهُمْ مَا كَانَتْ الْعِلَّةُ مَوْجُودَةً فِيهِ حَتَّى تَزُولَ فَإِذَا زَالَتْ بِالْعَافِيَةِ أَوْ بِتَوْبَةٍ أَوْ بِأَيِّ وَجْهٍ زَالَتْ كَانَ لَهُ مُرَاجَعَةُ الْمَسْجِدِ وَقَدْ شَاهَدْت شَيْخَنَا أَبَا عُمَرَ أَحْمَدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ هِشَامٍ رحمه الله أَفْتَى فِي رَجُلٍ تَشَكَّاهُ جِيرَانُهُ وَأَثْبَتُوا عَلَيْهِ أَنَّهُ يُؤْذِيهِمْ فِي الْمَسْجِدِ بِلِسَانِهِ وَيَدِهِ فَأَفْتَى بِإِخْرَاجِهِ عَنْ الْمَسْجِدِ وَإِبْعَادِهِ عَنْهُمْ وَأَنْ لَا يَشْهَدَ مَعَهُمْ الصَّلَاةَ انْتَهَى.
وَذَكَرَ أَنَّهُ اسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ الثُّومِ وَقَالَ: إنَّهُ أَشَدُّ مِنْهُ فَلْيُرَاجِعْهُ مَنْ أَرَادَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ) تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَسُنَّ غُسْلٌ مُتَّصِلٌ.
عَنْ اللَّخْمِيِّ أَنَّهُ قَالَ وَعَلَى مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا أَوْ كُرَّاثًا نِيًّا أَنْ يَسْتَعْمِلَ مَا يُزِيلُ ذَلِكَ عَنْهُ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا» فَأَسْقَطَ حَقَّهُ مِنْ الْمَسْجِدِ فَإِذَا كَانَ مِنْ حَقِّ الْمُصَلِّينَ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْمَسْجِدِ أَنْ يَخْرُجَ عَنْهُمْ وَكَانَ حُضُورُ الْجَمَاعَةِ وَاجِبًا وَجَبَ أَنْ يُزِيلَ مَا عَلَيْهِ مِنْ تِلْكَ الرَّوَائِحِ انْتَهَى مِنْ تَبْصِرَتِهِ انْتَهَى.
(الثَّانِي) قَالَ الْمَازِرِيُّ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْخِلَافَ فِي حُضُورِ الْأَجْذَمِ: وَهَذَا عَلَى أَنَّهُمْ لَا يَجِدُونَ مَوْضِعًا يَتَمَيَّزُونَ فِيهِ مِمَّا تُجْزِئُ فِيهِ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ، وَأَمَّا لَوْ وَجَدُوا؛ لَوَجَبَتْ الْجُمُعَةُ عَلَيْهِمْ وَمُنِعَتْ الْمُخَالَطَةُ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُنَا حِينَئِذٍ إقَامَةُ الْحَقَّيْنِ جَمِيعًا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَحَقُّ النَّاسِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْجَامِعَ إذَا ضَاقَ بِأَهْلِهِ وَأَتَوْا الصَّلَاةَ مُتَمَيِّزِينَ عَنْ النَّاسِ فِي الْأَفْنِيَةِ بِمَوْضِعٍ لَا يَلْحَقُ النَّاسَ ضَرَرُهُمْ أَنَّ الْجُمُعَةَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِمْ إذَا صَلَّوْا بِمَكَانٍ لَا يَلْحَقُ ضَرَرُهُمْ النَّاسَ وَكَانَ الْمَكَانُ مِمَّا تُجْزِي فِيهِ الْجُمُعَةُ وَفِي مُخْتَصَرِ ابْنِ شَعْبَانَ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ أَكَلَ ثُومًا لَمْ يَدْخُلْ الْمَسْجِدَ وَلَا رِحَابَهُ يَشْهَدُ الْجُمُعَةُ. فَأَنْتَ تَرَاهُ كَيْفَ أَشَارَ إلَى اجْتِنَابِ الْإِضْرَارِ بِالنَّاسِ خَاصَّةً وَاجْتِنَابِ هَتْكِ حُرْمَةِ الْمَسْجِدِ بِالرَّائِحَةِ الْمُنْتِنَةِ دُونَ أَنْ يُشِيرَ إلَى سُقُوطِ الْجُمُعَةِ وَهَذَا هُوَ الْمَعْنَى الَّذِي قُلْنَاهُ عَلَى أَنَّهُ يَبْقَى النَّظَرُ فِيمَا قَالَهُ فِي أَكْلِ الثُّومِ إذَا مُنِعَ مِنْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ وَرِحَابِهِ هَلْ تَكُونُ صَلَاتُهُ بِالْفِنَاءِ مَعَ اتِّسَاعِ الْجَامِعِ لِدُخُولِهِ مُجْزِئَةً عِنْدَ مَنْ رَأَى أَنَّ الصَّلَاةَ بِالْأَفْنِيَةِ اخْتِيَارًا مَعَ سَعَةِ الْجَامِعِ لَا تُجْزِئُ فِي الْجُمُعَةِ لِكَوْنِ هَذَا مَمْنُوعًا مِنْ الدُّخُولِ إلَى الْجَامِعِ شَرْعًا فَأَشْبَهَ مَنْ صَلَّى بِالْفِنَاءِ وَقَدْ ضَاقَ الْمَسْجِدُ عَنْهُ، أَوْ يَكُونُ عِنْدَ هَؤُلَاءِ فِي صَلَاتِهِ فَسَادٌ لِسَعَةِ الْجَامِعِ إيَّاهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ طَرَدَهُ الشَّرْعُ عَنْهُ وَهَذَا مِمَّا يُنْظَرُ فِيهِ انْتَهَى.
ص (كَرِيحٍ عَاصِفَةٍ بِلَيْلٍ)
ش: قَالَ فِي الطِّرَازِ.
(فَرْعٌ) أَمَّا الْحَرُّ وَالشَّمْسُ فَلَيْسَ بِعُذْرٍ قَاطِعٍ وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُقِيمُهَا فِي حَرِّ أَرْضِ الْحِجَازِ بِأَصْحَابِهِ وَيَقْصِدُونَ فِنَاءَ الْحِيطَانِ يَسْتَظِلُّونَ بِهِ. قَالَ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ «كُنَّا نَجْمَعُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ ثُمَّ نَرْجِعُ نَبْتَغِي الْفَيْءَ، أَوْ قَالَ: الظِّلَّ وَمَا نَجِدُ لِلْحِيطَانِ فَيْئًا نَسْتَظِلُّ بِهِ» خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ؛ وَلِأَنَّ مَشَقَّةَ ذَلِكَ تُحْتَمَلُ وَلَمْ يَزَلْ النَّاسُ يَتَقَلَّبُونَ فِي