الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ مُعَاوِيَةَ عَنْهُ وَكَرِهَهُ سَحْنُونٌ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ مَجِّ الرِّيقِ فِي الْمَسْجِدِ وَمَا يَتَنَاثَرُ مِنْ الْمَاءِ فِي الْمَسْجِدِ مِمَّا يُؤَثِّرُ فِي نَظَافَةِ الْمَسْجِدِ، وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى فِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ مَالِكٍ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَتَمَضْمَضَ فِي الْمَسْجِدِ وَإِنْ غَطَّاهُ بِالْحَصْبَاءِ بِخِلَافِ النُّخَامَةِ؛ لِأَنَّ النُّخَامَةَ لَا يَجِدُ النَّاسُ مِنْهَا بُدًّا وَلَا مَضَرَّةَ عَلَيْهِمْ فِي تَرْكِ الْمَضْمَضَةِ فِي الْمَسْجِدِ يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ النُّخَامَةَ تَكْثُرُ وَتَتَكَرَّرُ فَيَشُقُّ الْخُرُوجُ لَهَا مِنْ الْمَسْجِدِ وَالْمَضْمَضَةُ تَنْدُرُ وَتُقْصَدُ فَلَا مَضَرَّةَ وَلَا مَشَقَّةَ فِي الْخُرُوجِ لَهَا مِنْ الْمَسْجِدِ، وَهَذَا التَّعْلِيلُ يُرْوَى عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ انْتَهَى لَفْظُهُ وَانْظُرْ كَلَامَ أَبِي الْحَسَنِ وَابْنِ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ مُوسَى
(الثَّالِثُ) اُنْظُرْ هَلْ يَجُوزُ التَّمَخُّطُ فِي الْمَسْجِدِ وَدَفْنُهُ قِيَاسًا عَلَى النُّخَامَةِ أَمْ لَا يَجُوزُ؟ لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ مِثْلَ النُّخَامَةِ وَأَنَّهُ مِثْلُ الْمَضْمَضَةِ فَتَأَمَّلْهُ.
(الرَّابِعُ) قَالَ فِي الْعَارِضَةِ: إنْ أَوْقَعْته فِي الْمَسْجِدِ فَقَدْ اقْتَرَفْت سُوءًا وَكَفَّارَتُهُ دَفْنُهُ فِي الْحَصْبَاءِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُسَطَّحًا فَكَفَّارَتُهُ مَسْحُهُ انْتَهَى، وَقَالَ قَبْلَهُ: الْمَسَاجِدُ أَحَبُّ الْبِلَادِ إلَى اللَّهِ، وَقَالَ تَعَالَى {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ} [النور: 36] وَالْإِهَانَةُ ضِدُّ الرَّفْعِ وَالْبُزَاقُ مِنْ الْإِهَانَةِ فَإِنَّهُ طُرِحَ فِيهَا، وَقَدْ طَيَّبَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْمَسْجِدَ مِنْ نُخَامَةٍ كَانَتْ فِي الْقِبْلَةِ بِشَيْءٍ مِنْ خَلُوقٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ طَرْحَهُ لِلْعَبْدِ ضَرُورَةً أَيْ فِي أَيِّ حَالٍ حَتَّى فِي الصَّلَاةِ، وَهُوَ كَلَامٌ؛ لِأَنَّهُ إمَّا بِإِفّ أَوْ تُفْ أَوْ أَغْ أَوْ أَخْ أَوْ أَحْ أَحْ وَسُمِعَ فِيهِ كَذَلِكَ فَإِذَا فَعَلْته فَمِنْ جِهَةِ الْيَمِينِ؛ لِأَنَّهَا مَكْرَمَةٌ إلَّا أَنْ تَكُونَ فِي الْمَسْجِدِ فَاطْرَحْهَا فِي ثَوْبِك انْتَهَى، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُهُ فِي بَابِ السَّهْوِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَائِدَة خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ وَبِيَدِهِ حَصْبَاءُ نَسِيَهَا أَوْ بِنَعْلِهِ]
(فَائِدَةٌ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى حُكْمِ بِنَاءِ مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ وَسَمِعَ الْقَرِينَانِ مَنْ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ وَبِيَدِهِ حَصْبَاءُ نَسِيَهَا أَوْ بِنَعْلِهِ إنْ رَدَّهَا فَحَسَنٌ وَمَا ذَاكَ عَلَيْهِ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ، وَهَذَا كَمَا قَالَ: إنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ غَالِبٌ لَا ضَرَرَ فِيهِ عَلَى الْمَسْجِدِ فَلَمْ يَلْزَمْ رَدُّهُ إلَيْهِ كَمَا أَنَّ مَا يَبْقَى بَيْنَ أَسْنَانِ الصَّائِمِ مِنْ الطَّعَامِ إذَا ابْتَلَعَهُ فِي النَّهَارِ مَعَ رِيقِهِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ غَالِبٌ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: وَإِنْ كَانَ مُتَعَمِّدًا؛ لِأَنَّهُ ابْتَدَأَ أَخْذَهُ مِنْ وَقْتٍ يَجُوزُ لَهُ، وَهُوَ بَعِيدٌ انْتَهَى.
وَفِي كِتَابِ الصَّلَاةِ مِنْ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ فِي تَرْجَمَةِ التَّرْهِيبِ مِنْ الْبُصَاقِ فِي الْمَسْجِدِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ أَبُو بَدْرٍ وَأَرَاهُ رَفَعَهُ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم «إنَّ الْحَصَاةَ تُنَاشِدُ الَّذِي يُخْرِجُهَا مِنْ الْمَسْجِدِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ، وَقَدْ سُئِلَ الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَذَكَرَ أَنَّهُ رُوِيَ مَوْقُوفًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَالَ: رَفْعُهُ وَهْمٌ مِنْ أَبِي بَدْرٍ انْتَهَى. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
ص (ثُمَّ قُدَّامَهُ، ثُمَّ يَمِينَهُ)
ش: عَطْفٌ عَلَى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ أَوْ تَحْتَ حَصِيرِهِ فِي يَسَارِهِ أَيْ فِي جِهَةِ يَسَارِهِ، ثُمَّ قُدَّامَهُ إلَى آخِرِهِ وَكَأَنَّهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - تَرَكَهُ لِكَوْنِهِ أَوَّلَ الْجِهَاتِ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي التَّنْبِيهَاتِ فَلَمَّا ذَكَرَ مَا عَدَاهَا مَعْطُوفًا بِثُمَّ عُلِمَ أَنَّهَا هِيَ الْأَوْلَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَخُرُوجُ مُتَجَالَّةٍ لِعِيدٍ وَاسْتِسْقَاءٍ وَشَابَّةٍ لِمَسْجِدٍ)
ش: فِي الْحَدِيثِ «لَا تَمْنَعُوا إمَاءَ اللَّهِ
مَسَاجِدَ اللَّه» قَالَ الْأَبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: هُوَ إبَاحَةٌ لِخُرُوجِهِنَّ وَحَضٌّ أَنْ لَا يُمْنَعْنَ بِدَلِيلِ أَنْ لَا يَخْرُجْنَ إلَّا بِإِذْنِ الزَّوْجِ، ثُمَّ قَالَ عَنْ الْقَاضِي وَشَرَطَ الْعُلَمَاءُ فِي خُرُوجِهِنَّ أَنْ يَكُونَ بِلَيْلٍ غَيْرَ مُتَزَيِّنَاتٍ وَلَا مُتَطَيِّبَاتٍ وَلَا مُزَاحِمَاتٍ لِلرِّجَالِ وَلَا شَابَّةً مَخْشِيَّةَ الْفِتْنَةِ، وَفِي مَعْنَى الطِّيبِ إظْهَارُ الزِّينَةِ وَحُسْنُ الْحُلِيِّ فَإِنْ كَانَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَجَبَ مَنْعُهُنَّ خَوْفَ الْفِتْنَةِ، وَقَالَ ابْنُ مَسْلَمَةَ تُمْنَعُ الشَّابَّةُ الْجَمِيلَةُ الْمَشْهُورَةُ، قَالَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ وَيُزَادُ لِتِلْكَ الشُّرُوطِ أَنْ لَا يَكُونَ فِي الطَّرِيقِ مَا تَتَّقِي مَفْسَدَتَهُ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَإِذَا مُنِعْنَ مِنْ الْمَسْجِدِ فَمِنْ غَيْرِهِ أَوْلَى انْتَهَى. وَفِي مَنَاسِكَ ابْنِ الْحَاجِّ فِي النَّوْعِ الرَّابِعِ فِيمَا يُوجِبُ الْفِدْيَةَ وَلَا بَأْسَ أَنْ تَطُوفَ الْمَرْأَةُ وَهِيَ لَابِسَةُ الْحُلِيِّ وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم «أَنَّهُ رَأَى امْرَأَةً تَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَعَلَيْهَا مَنَاجِدُ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ لَهَا أَيَسُرُّكِ أَنْ يُحَلِّيَكِ اللَّهُ مَنَاجِدَ مِنْ نَارٍ قَالَتْ: لَا قَالَ: فَأَدِّ زَكَاتَهُ» ، وَالْمَنَاجِدُ الْحُلِيُّ الْمُكَلَّلُ بِالْفُصُوصِ أَلَا تَرَاهُ لَمْ يَنْهَهَا عَنْ لِبَاسِهِ انْتَهَى. وَهَذَا فِيمَا لَيْسَ لَهُ صَوْتٌ وَلَا يَظْهَرُ لِلرِّجَالِ فَإِنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ وَالْمَنَاجِدُ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ كَذَا ذَكَرَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي الْمَسْجِدِ إلَّا الْمُتَجَالَّةَ الَّتِي انْقَطَعَتْ حَاجَةُ الرِّجَالِ مِنْهَا فَلَا بَأْسَ أَنْ تَخْرُجَ.
(قُلْت) فَلَوْ أَنَّ بَعْضَ الشَّوَابِّ أَرَادَتْ الْخُرُوجَ إلَى الْمَسْجِدِ فَمَنَعَهَا زَوْجُهَا فَأَسَاءَتْ عَلَيْهِ قَالَ: يُؤَدِّبُهَا وَيَمْنَعُهَا صَحَّ مِنْ تَفْسِيرِ ابْنِ مُزَيْنٍ، ثُمَّ قَالَ الشَّيْخُ وَاخْتَلَفَ التَّأْوِيلُ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ هَلْ ذَلِكَ خِطَابٌ لِلْأَئِمَّةِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ رُشْدٍ أَوْ خِطَابٌ لِلْأَزْوَاجِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْبَاجِيُّ انْتَهَى
وَانْظُرْ الْمَدْخَلَ فِي فَصْلِ الْإِمَامِ وَنَهْيِهِ النِّسَاءَ عَنْ الْخُرُوجِ لِلْجُمُعَةِ وَانْظُرْ الْقُرْطُبِيَّ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى {يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ} [النور: 36]{رِجَالٌ} [النور: 37] وَانْظُرْ ابْنَ فَرْحُونٍ وَالْجُزُولِيَّ عِنْدَ قَوْلِ الرِّسَالَةِ، وَأَمَّا غَيْرُ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْمَسَاجِدُ، وَانْظُرْ شُرُوحَ الرِّسَالَةِ، وَقَالَ فِي الطِّرَازِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ لَفْظَ الْمُدَوَّنَةِ وَحَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ «لَا تَمْنَعُوا إمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ» مَا نَصُّهُ وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ صَلَاةِ النَّهَارِ وَصَلَاةِ اللَّيْلِ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ عَامٌّ مَعَ أَنَّهُ قَدْ خَرَّجَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ «لَا تَمْنَعُوا النِّسَاءَ مِنْ الْخُرُوجِ إلَى الْمَسَاجِدِ بِاللَّيْلِ» ، وَهَذَا لِأَنَّ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ فِي جَمَاعَةٍ جَاءَ فِيهَا فَضْلٌ كَبِيرٌ، وَكَذَلِكَ الْمَشْيُ إلَى الْمَسَاجِدِ فَبِالنِّسَاءِ أَكْبَرُ حَاجَةٍ إلَى ذَلِكَ كَمَا بِالرِّجَالِ وَيَرْجِعُ الْحَالُ إلَى شَأْنِ الْمَرْأَةِ، فَإِنْ عَرَفَ الرَّجُلُ مِنْهَا الدِّيَانَةَ وَالصِّحَّةَ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْذَنَ لَهَا فِي ذَلِكَ وَإِنْ عَرَفَ مِنْهَا الْمَكْرَ، وَلَمْ يَتَحَقَّقْ لَهُ أَنَّهَا تُرِيدُ الْمَسْجِدَ حَتَّى يَتَحَقَّقَ تَوَجَّهَ الْخِطَابُ إلَيْهِ فَلَهُ فِي ذَلِكَ مَقَالٌ، وَقَدْ «مَنَعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَنْ يُوجَدُ مِنْهَا رِيحُ الْبَخُورِ أَنْ تَخْرُجَ إلَيْهِ بِاللَّيْلِ» ، وَذَكَرَ حَدِيثَ عَائِشَةَ، ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ كَرِهَ مَالِكٌ ذَلِكَ لِلشَّابَّةِ وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الْمَعْهُودُ مِنْ عَمَلِ الصَّحَابَةِ فَلَا يُعْرَفُ أَنَّ أَبْكَارَهُنَّ وَمَنْ ضَاهَاهُنَّ يَخْرُجْنَ إلَى الْمَسْجِدِ، وَلَوْ خَرَجَ جَمِيعُ النِّسَاءِ لَمَلَأْنَ الْمَسْجِدَ وَعَادَلْنَ الرِّجَالَ فِي ذَلِكَ، وَمِثْلُ ذَلِكَ كَانَ يَتَّصِلُ بِهِ الْعَمَلُ فِي الْعَادَةِ وَكَرِهَ فِي رِوَايَةِ أَشْهَبَ تَرْدَادَ الْمُتَجَالَّةِ إلَيْهِ وَرَأَى فِي غَيْرِهَا أَنْ تَخْرُجَ إلَيْهِ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ، ثُمَّ قَالَ وَخَرَّجَ أَبُو دَاوُد عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ «لَا تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمْ الْمَسَاجِدَ وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ» ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ خُرُوجَهُنَّ إلَيْهَا جَائِزٌ وَتَرْكَهُ أَحَبُّ عَلَى مَا قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمُخْتَصَرِ.
ص (وَعُلُوُّ مَأْمُومٍ، وَلَوْ بِسَطْحٍ)
ش: يَعْنِي أَنَّ عُلُوَّ الْمَأْمُومِ عَلَى إمَامِهِ جَائِزٌ، وَلَوْ كَانَ الْمَأْمُومُ فِي سَطْحٍ وَالْإِمَامُ أَسْفَلَ مِنْهُ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ الْأَوَّلُ وَاخْتِيَارُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ جَوَازُ ذَلِكَ فِي السَّفِينَةِ فِي لَفْظِ الْمُدَوَّنَةِ وَرَجَعَ مَالِكٌ إلَى كَرَاهَةِ ذَلِكَ قَالَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ الْأَوَّلِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَجَائِزٌ أَنْ يُصَلِّيَ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ فِي دَاخِلِ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ كَرِهَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَبِأَوَّلِ قَوْلِهِ أَقُولُ انْتَهَى. قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَتَبِعَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ وَابْنُ نَاجِي وَغَيْرُهُمْ إنَّمَا لَمْ
يَكْرَهْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ لِحُصُولِ السَّمَاعِ لِلْمَأْمُومِ هُنَاكَ غَالِبًا وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ خِلَافًا فِي حَالٍ انْتَهَى، وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ اخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الْإِمَامِ يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ وَيُصَلِّي قَوْمٌ فَوْقَ الْمَسْجِدِ بِصَلَاتِهِ فَكَرِهَهُ مَرَّةً وَأَجَازَهُ أُخْرَى وَعُلِّلَتْ الْكَرَاهَةُ بِالْبُعْدِ عَنْ الْإِمَامِ أَوْ تَفْرِقَةِ الصُّفُوفِ وَعَدَمِ التَّحَقُّقِ لِمُشَاهَدَةِ أَفْعَالِ الْإِمَامِ وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْجَوَازُ إذَا قَرُبَ أَعْلَى الْمَسْجِدِ مِنْ أَسْفَلِهِ فَيَكُونُ خِلَافًا فِي حَالٍ انْتَهَى، وَنَقَلَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ فَقَالَ لِبُعْدِهِ عَنْ الْإِمَامِ، وَقِيلَ لِكَوْنِهِ لَا يُشَاهِدُ أَفْعَالَهُ، وَقِيلَ لِتَفْرِيقِ الصُّفُوفِ فَعَلَى الْأَوَّلِ لَوْ كَانَ السَّطْحُ قَرِيبًا لَمْ يُكْرَهْ، وَعَلَى الثَّانِي إنْ شَاهَدَ أَفْعَالَ الْإِمَامِ أَوْ الْمَأْمُومِينَ لَمْ يُكْرَهْ، وَعَلَى الثَّالِثِ يُكْرَهُ مُطْلَقًا انْتَهَى، وَالظَّاهِرُ التَّعْلِيلُ بِالْبُعْدِ فَلَمَّا رَأَى ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ هَذَا الْبُعْدَ يُمْكِنُ مَعَهُ مُرَاعَاةُ أَفْعَالِ الْإِمَامِ بِحُصُولِ السَّمَاعِ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ أَجَازَهُ وَكَرِهَهُ فِي مَسْأَلَةِ أَبِي قُبَيْسٍ الْمُتَقَدِّمَةِ لِكَثْرَةِ الْبُعْدِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِلَوْ لِقَوْلِ مَالِكٍ الَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (لَا عَكْسُهُ)
ش: يَعْنِي، وَأَمَّا عَكْسُ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَهِيَ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ عَلَى مَكَانِ أَعْلَى مِنْ مَكَانِ الْمَأْمُومِ فَلَا يَجُوزُ قَالَهُ الشَّارِحُ وَابْنُ غَازِيٍّ وَغَيْرُهُمَا قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ، وَقَدْ نَهَى صلى الله عليه وسلم أَنْ يُصَلِّيَ الْإِمَامُ عَلَى أَنْشَزَ مِمَّا عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ انْتَهَى، وَمَعْنَى أَنْشَزَ أَرْفَعُ، وَذَكَرَ فِي الطِّرَازِ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي بِالْمَدَائِنِ فَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَتَقَدَّمَ عَمَّارٌ وَقَامَ عَلَى دُكَّانٍ يُصَلِّي وَالنَّاسُ أَسْفَلَ مِنْهُ فَتَقَدَّمَ حُذَيْفَةُ وَأَخَذَ عَلَى يَدَيْهِ فَتَبِعَهُ عَمَّارٌ حِينَ أَنْزَلَهُ حُذَيْفَةُ فَلَمَّا فَرَغَ عَمَّارٌ رضي الله عنه وَرَحِمَهُ مِنْ صَلَاتِهِ قَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ أَلَمْ تَسْمَعْ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ «إذَا أَمَّ الرَّجُلُ الْقَوْمَ فَلَا يَقُمْ فِي مَكَان أَرْفَعَ مِنْ مَقَامِهِمْ» - أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ - فَقَالَ عَمَّارٌ لِذَلِكَ اتَّبَعْتُك حِينَ أَخَذْت عَلَى يَدَيَّ خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُد، وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي الشَّرْحِ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَةَ تَقْتَضِي التَّرَفُّعَ فَإِذَا انْضَافَ إلَى ذَلِكَ عُلُوُّهُ عَلَيْهِمْ فِي الْمَكَانِ دَلَّ عَلَى قَصْدِهِ الْكِبْرَ انْتَهَى.
ص (وَبَطَلَتْ بِقَصْدِ إمَامٍ وَمَأْمُومٍ بِهِ الْكِبْرَ)
ش: اعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ اخْتَلَفَتْ النُّسَخُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فَفِي بَعْضِهَا كَقَصْدِ إمَامٍ بِكَافِ التَّشْبِيهِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ وَبَطَلَتْ مِنْ تَتِمَّةِ قَوْلِهِ " لَا عَكْسُهُ " فَيَقْتَضِي أَنَّ عُلُوَّ الْإِمَامِ عَلَى الْمَأْمُومِ مُبْطِلٌ لِصَلَاتِهِ، وَلَوْ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الْكِبْرَ، ثُمَّ شَبَّهَ بِذَلِكَ فِي الْبُطْلَانِ مَا إذَا قَصَدَ الْإِمَامُ أَوْ الْمَأْمُومُ بِهِ الْكِبْرَ وَعَلَى ذَلِكَ شَرْحُ الشَّارِحِ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ لِقَصْدِ بِاللَّامِ وَفِي بَعْضِهَا بِالْبَاءِ وَعَلَيْهَا تَكَلَّمَ ابْنُ غَازِيٍّ، قَالَ وَذَلِكَ أَمْثَلُ أَيْ وَبَطَلَتْ الصَّلَاةُ بِسَبَبِ قَصْدِ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ بِالْعُلُوِّ الْكِبْرَ كَأَنَّهُ تَكَلَّمَ أَوَّلًا فِيمَا إذَا سَلِمَا مِنْ قَصْدِ الْكِبْرِ فَنَوَّعَهُ إلَى جَائِزٍ وَمَمْنُوعٍ قَائِلًا وَعُلُوُّ مَأْمُومٍ، وَلَوْ بِسَطْحٍ لَا عَكْسُهُ، ثُمَّ تَكَلَّمَ ثَانِيًا فِي قَصْدِ الْكِبْرِ فَقَطَعَ بِالْبُطْلَانِ فِيهِمَا وَذَلِكَ مُسْتَلْزِمٌ لِعَدَمِ جَوَازِهِمَا، وَهَذَا الَّذِي سَلَكَ يُمْكِنُ تَمْشِيَتُهُ مَعَ بَعْضِ النُّقُولِ انْتَهَى. وَالنُّسْخَةُ الَّتِي بِاللَّامِ مُوَافِقَةٌ لِلنُّسْخَةِ الَّتِي اخْتَارَهَا وَالنُّسْخَةُ الَّتِي بِالْكَافِ مُوَافِقَةٌ لِظَاهِرِ مَا فِي التَّهْذِيبِ فَإِنَّهُ قَالَ وَلَا يُصَلِّي الْإِمَامُ عَلَى شَيْءٍ أَرْفَعَ مِمَّا عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ، فَإِنْ فَعَلَ أَعَادُوا أَبَدًا؛ لِأَنَّهُمْ يَعْبَثُونَ إلَّا الِارْتِفَاعَ الْيَسِيرَ مِثْلَ مَا كَانَ بِمِصْرَ فَتَجْزِيهِمْ الصَّلَاةُ انْتَهَى. وَالنُّسْخَتَانِ الْأُخْرَيَانِ مُوَافِقَتَانِ لِظَاهِرِ أَصْلِ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ سَنَدٌ، قَالَ مَالِكٌ رحمه الله فِي إمَامٍ يُصَلِّي بِقَوْمٍ عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ وَالنَّاسُ خَلْفَهُ أَسْفَلُ مِنْ ذَلِكَ قَالَ لَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ قَالَ فِي شَرْحِهَا، وَقَدْ أَسْقَطَ الْبَرَاذِعِيّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي اخْتِصَارِهِ اكْتِفَاءً مِنْهُ بِمَا بَعْدَهَا وَلَيْسَتْ بِمَعْنَاهَا اهـ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَكَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يُصَلِّيَ الْإِمَامُ عَلَى شَيْءٍ هُوَ أَرْفَعُ مِمَّا يُصَلِّي عَلَيْهِ مَنْ خَلْفَهُ مِثْلُ الدُّكَّانِ يَكُونُ فِي الْمِحْرَابِ وَنَحْوِهِ مِنْ الْأَشْيَاءِ قَالَ سَحْنُونٌ قُلْت لَهُ فَإِنْ فَعَلَ قَالَ عَلَيْهِمْ الْإِعَادَةُ وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ يَعْبَثُونَ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى دُكَّانٍ يَسِيرِ الِارْتِفَاعِ مِثْلِ مَا كَانَ عِنْدَنَا بِمِصْرَ فَإِنَّ صَلَاتَهُمْ تَامَّةٌ قَالَ فِي شَرْحِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى.
(فَرْعٌ) ، فَإِنْ تَرَكَ ذَلِكَ فَقَوْلُهُ " لَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ " لَيْسَ فِيهِ مَا يَقْتَضِي نَفْيَ الصِّحَّةِ وَلَا يُشْبِهُ هَذَا
الْفَرْعَ الَّذِي يَأْتِي بَعْدَهُ الَّذِي قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيهِ يَعْبَثُونَ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ فِيهِ، وَمُقْتَضَى كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ صِحَّةُ صَلَاتِهِمْ انْتَهَى. وَاعْلَمْ أَنَّهُ مَعَ قَصْدِ الْكِبْرِ تَبْطُلُ صَلَاتُهُمْ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ بَعْدَ ذِكْرِهِ الْحَدِيثَ الْمُتَقَدِّمَ عَنْهُ وَكَأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم أَشَارَ بِذَلِكَ إلَى مَا أَحْدَثَهُ بَعْدَهُ بَنُو أُمَيَّةَ مِنْ التَّكَبُّرِ عَنْ مُسَاوَاةِ النَّاسِ وَكَانُوا يَتَّخِذُونَ مَوْضِعًا مُرْتَفِعًا عَنْ مَحِلِّ مَنْ يَقْتَدِي بِهِمْ تَكَبُّرًا وَعَبَثًا وَلَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ الْقَصْدَ إلَى ذَلِكَ مُحَرَّمٌ، وَأَنَّهُ مَتَى حَصَلَ بَطَلَتْ الصَّلَاةُ، وَكَذَلِكَ قَالُوا لَوْ صَلَّى الْمُقْتَدُونَ عَلَى مَوْضِعٍ مُرْتَفِعٍ قَصْدًا لِلتَّكَبُّرِ عَنْ الْمُسَاوَاةِ فَإِنَّ صَلَاةَ الْقَاصِدِ إلَى ذَلِكَ بَاطِلَةٌ، وَإِنْ صَلَّى الْإِمَامُ غَيْرَ قَاصِدٍ لِلتَّكَبُّرِ فَإِنْ كَانَ الِارْتِفَاعُ يَسِيرًا صَحَّتْ الصَّلَاةُ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ كَانَ الِارْتِفَاعُ كَثِيرًا فَلِلْمُتَأَخِّرِينَ قَوْلَانِ: صِحَّةُ الصَّلَاةِ وَأُخِذَ مِنْ قَوْلِهِ فِي تَعْلِيلِ الْبُطْلَانِ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ يَعْبَثُونَ، وَقِيلَ بِالْبُطْلَانِ لِعُمُومِ النَّهْيِ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ قَالَ ابْنُ شَاسٍ إنَّ مَنْ صَلَّى عَلَى أَرْفَعَ مِمَّا إمَامُهُ عَلَيْهِ أَوْ أَخْفَضَ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ إلَى التَّكَبُّرِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ إنْ كَانَ الِارْتِفَاعُ يَسِيرًا كَالشِّبْرِ وَعَظْمِ الذِّرَاعِ وَنَحْوِهِ، فَإِنْ كَانَ كَثِيرًا فَلِلْمُتَأَخِّرِينَ فِي بُطْلَانِ صَلَاةِ الْمُرْتَفِعِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: الْبُطْلَانُ وَنَفْيُهُ وَمَأْخَذُهُمَا النَّظَرُ إلَى ظَاهِرِ الْعُمُومِ فِي قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام لَا يُصَلِّي الْإِمَامُ الْحَدِيثُ
ص (أَوْ إلَى فَقْدِ الْعِلَّةِ، وَهُوَ التَّكَبُّرُ) ش وَالتَّفْرِقَةُ فَيُعْتَبَرُ قَصْدُ التَّكَبُّرِ فِي الْمَأْمُومِ وَتَبْطُلُ عَلَى الْإِمَامِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ قَصْدِ التَّكَبُّرِ جَمِيعًا لِلذَّرِيعَةِ، وَلَوْ قَصَدَ الْمُرْتَفِعُ مِنْهُمَا التَّكَبُّرَ لَعَصَى وَبَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَصَلَاةُ مَنْ خَلْفَهُ إنْ كَانَ الْإِمَامُ، انْتَهَى.
وَمَا ذَكَرَهُ هُوَ لَفْظُ الْجَوَاهِرِ إلَّا أَوَّلَ الْكَلَامِ فَبِالْمَعْنَى وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ الْعُمُومَ.
وَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَتَرَكَ مِنْهُ بَعْدَ قَوْلِهِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ قَصْدٍ؛ لِأَنَّ ارْتِفَاعَ الْإِمَامِ فِعْلٌ تَقَدَّمَ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ عَلَى جِهَةِ التَّكَبُّرِ فَمُنِعَ فِي الْقَاصِدِ وَغَيْرِهِ حَسْمًا لِلذَّرِيعَةِ انْتَهَى، فَعُلِمَ مِنْ ذَلِكَ بُطْلَانُ صَلَاةِ مَنْ قَصَدَ الْكِبْرَ إمَامًا كَانَ أَوْ مَأْمُومًا، وَأَنَّهُ إنْ كَانَ إمَامًا بَطَلَتْ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ، وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ بَعْدَ ذِكْرِهِ لَفْظَ التَّهْذِيبِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْإِعَادَةَ عَلَى الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ.
وَكَذَلِكَ نَقَلَ الْمَسْأَلَةَ التُّونُسِيُّ، وَقِيلَ لِأَبِي عِمْرَانَ هَلْ يُعِيدُ الْإِمَامُ فَقَالَ مَا هُوَ بِالْقَوِيِّ، وَقَالَ ابْنُ زَرْبٍ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ هُنَاكَ وَحْدَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إعَادَةٌ انْتَهَى، وَمَا قَالَهُ ابْنُ زَرْبٍ غَيْرُ ظَاهِرٍ؛ لِأَنَّ مَنْ ابْتَدَأَهَا غَيْرَ قَاصِدٍ لِلْكِبْرِ، وَالْكَلَامُ فِيمَنْ قَصَدَ الْكِبْرَ، وَقَالَ ابْنُ غَازِيٍّ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ فِي الْمَأْمُومِ فَقَدْ حَكَى عَبْدُ الْحَقِّ فِي التَّهْذِيبِ أَنَّ بَعْضَ شُيُوخِهِ نَحَا إلَى أَنَّ الْمَأْمُومِينَ لَوْ قَصَدُوا الْكِبْرَ بِفِعْلِهِمْ لَأَعَادُوا لِعَبَثِهِمْ انْتَهَى، وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ بَشِيرٍ وَابْنُ شَاسٍ بِالْبُطْلَانِ.
وَلَمْ يَحْكِيَا فِي ذَلِكَ خِلَافًا كَمَا تَقَدَّمَ إذَا عَلِمْت الْحُكْمَ فِيمَا إذَا قَصَدَا الْكِبْرَ فَإِذَا لَمْ يَقْصِدْ بِالْعُلُوِّ الْكِبْرَ فَالْمَأْمُومُ مُتَّفَقٌ عَلَى عَدَمِ بُطْلَانِ صَلَاتِهِ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ غَازِيٍّ، وَأَمَّا الْإِمَامُ فَفِيهِ الْقَوْلَانِ كَمَا تَقَدَّمَ وَيَحْتَمِلُهُمَا كَلَامُ الْمُصَنِّفِ عَلَى اخْتِلَافِ النُّسَخِ وَالْقَوْلُ بِعَدَمِ الْبُطْلَانِ تَقَدَّمَ عَنْ صَاحِبِ الطِّرَازِ أَنَّهُ الَّذِي يَأْتِي عَلَى أَصْلِ الْمَذْهَبِ، وَنَقَلَهُ فِي الذَّخِيرَةِ عَنْهُ وَلَفْظُهُ وَالْمَذْهَبُ صِحَّةُ الصَّلَاةِ انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ غَازِيٍّ بَعْدَ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ أَعْنِي قَوْلَهُ: وَهَذَا الَّذِي سَلَكَ يُمْكِنُ تَمْشِيَتُهُ عَلَى بَعْضِ النُّقُولِ مَا نَصَّهُ، فَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ فِي، الْإِمَامِ فَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو إِسْحَاقَ فَقَالَ إنَّمَا تَجِبُ الْإِعَادَةُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْكِبْرِ.
وَأَمَّا لَوْ ابْتَدَأَ لِنَفْسِهِ عَلَى دُكَّانٍ فَجَاءَ رَجُلٌ فَصَلَّى أَسْفَلَ مِنْهُ لَجَازَتْ صَلَاتُهُمَا؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ هُنَا لَمْ يَقْصِدْ الْكِبْرَ وَكَذَا إذَا فَعَلُوا ذَلِكَ لِلضِّيقِ انْتَهَى، وَنَحْوُهُ لِلَّخْمِيِّ فِي الَّذِي ابْتَدَأَهَا وَحْدَهُ وَكَذَا حَكَى ابْنُ يُونُسَ فِي الضِّيقِ عَنْ سَحْنُونٍ وَيَحْيَى بْنِ عُمَرَ وَأَخَذَهُ فَضْلٌ مِنْ قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ؛ لِأَنَّهُمْ يَعْبَثُونَ انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ غَازِيٍّ لَكِنْ مَا اُسْتُشْهِدَ بِهِ لَا يَدُلُّ لِمَا قَصَدَهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؛ لِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ عَنْ التُّونُسِيِّ وَاللَّخْمِيِّ وَفَضْلٍ لَيْسَ فِيهِ أَنَّ ذَلِكَ مَمْنُوعًا وَيَصِحُّ فَالْأَوْلَى الِاعْتِمَادُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ
فِي الطِّرَازِ فَإِنَّهُ فَرَّعَهُ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ لَا يُعْجِبُنِي عَلَى الْمَنْعِ وَذَلِكَ بَعْدَ حَمْلِ قَوْلِهِ لَا يُعْجِبُنِي عَلَى الْمَنْعِ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ الْكَرَاهَةَ وَجَزَمَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِهِ بِعَدَمِ الْبُطْلَانِ فِيمَنْ ابْتَدَأَهَا وَحْدَهُ عَلَى مَكَان مُرْتَفِعٍ بَلْ جَعَلَهُ غَيْرَ مَكْرُوهٍ فَقَالَ.
(فَرْعٌ) لَوْ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ عَلَى مَوْضِعٍ عَالٍ مُنْفَرِدًا فَجَاءَ رَجُلٌ فَائْتَمَّ بِهِ لَمْ يُكْرَهْ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ لَمْ يَقْصِدْ إلَى الْعَبَثِ وَالتَّكَبُّرِ انْتَهَى.
وَصَرَّحَ سَنَدٌ أَيْضًا بِأَنَّ ذَلِكَ مَا لَمْ تَدْعُ الضَّرُورَةُ إلَى ذَلِكَ، فَإِنْ دَعَتْ فَلَا بَأْسَ بِهِ قَالَ (فَرْعٌ) وَمَحِلُّ الْكَرَاهَةِ إذَا لَمْ تَدْعُ إلَى ذَلِكَ الضَّرُورَةُ، فَأَمَّا إنْ دَعَتْ فَلَا بَأْسَ بِهِ رَوَى عَلِيٌّ فِي الْمَجْمُوعَةِ عَنْ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْإِمَامِ يُصَلِّي فِي السَّفِينَةِ وَبَعْضُهُمْ فَوْقَهُ وَبَعْضُهُمْ تَحْتَهُ قَالَ: إنْ لَمْ يَجِدُوا بُدًّا فَذَلِكَ جَائِزٌ انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ عَزْمٍ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ.
وَإِنْ ضَاقَ الْمَوْضِعُ وَدَعَتْ الضَّرُورَةُ إلَى صَلَاةِ الْإِمَامِ فِي مُرْتَفِعٍ وَلَا يَسَعُ زِيَادَةً عَلَيْهِ جَازَ انْتَهَى. وَاعْلَمْ أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ وَصَاحِبِ الطِّرَازِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَقْصِدْ الْكِبْرَ فَلَيْسَ فِي ذَلِكَ إلَّا لِكَرَاهَةٍ وَلَا يَأْبَى ذَلِكَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ عَلَى النُّسْخَةِ الَّتِي بِالْبَاءِ وَاَلَّتِي بِاللَّامِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ لَا عَكْسُهُ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ وَذَلِكَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَكْرُوهًا أَوْ مَمْنُوعًا، وَهُوَ الَّذِي يُوَافِقُ قَوْلَهُ أَوَّلًا فِي الْمَكْرُوهَاتِ وَاقْتِدَاءُ مَنْ بِأَسْفَلِ السَّفِينَةِ بِمَنْ بِأَعْلَاهَا كَمَا تَقَدَّمَ وَكَلَامُ ابْنِ نَاجِي الْمَذْكُورُ هُنَاكَ يَدُلُّ عَلَى هَذَا وَكَثِيرًا مَا يَقَعُ ذَلِكَ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عِنْدَ دُخُولِ السُّيُولِ لَهُ فَيُصَلِّي الْإِمَامُ عَلَى سَطْحِهِ.
وَإِذَا حُمِلَ عَلَى الْكَرَاهَةِ صَحَّ تَمْشِيَتُهُ مَعَ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ وَصَاحِبِ الطِّرَازِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) إذَا عُلِمَ ذَلِكَ تَنْتَفِي الْكَرَاهَةُ بِالضَّرُورَةِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ صَاحِبِ الطِّرَازِ وَبِأَنْ يَبْتَدِئَ الْإِمَامُ الصَّلَاةَ وَحْدَهُ كَمَا تَقَدَّمَ أَيْضًا وَبِمَا إذَا قَصَدَ التَّعْلِيمَ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ عِيَاضٌ، وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَابْنُ نَاجِي وَابْنُ غَازِيٍّ عَلَى وَجْهِ التَّقْيِيدِ لِلْمَسْأَلَةِ وَذَلِكَ ظَاهِرٌ.
وَذَكَرَهُ صَاحِبُ الطِّرَازِ، وَقَالَ قَدْ يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ الْعُذْرِ فِي الْأَسْوَاقِ وَنَحْوِهَا.
(الثَّانِي) فِي مَعْنَى قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ: لِأَنَّهُمْ يَعْبَثُونَ قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِهِ الْعَبَثَ: هُوَ مَا يُفْعَلُ لِقَصْدِ الْكِبْرِ فَقَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُمْ يَعْبَثُونَ أَيْ يَقْصِدُونَ الْكِبْرَ وَالْجَبَرُوتَ عَلَى الْمَأْمُومِينَ وَبِهِ فُسِّرَ قَوْله تَعَالَى {أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ - وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ} [الشعراء: 128 - 129] أَيْ تَبْنُونَ بِكُلِّ مَوْضِعٍ مُرْتَفِعٍ آيَةً أَيْ عَلَامَةً تَدُلُّ عَلَى تَكَبُّرِكُمْ تَعْبَثُونَ عَبَثًا مُسْتَغْنِينَ عَنْهُ انْتَهَى، وَقَالَ سَنَدٌ، وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ الْبِنَاءَ الْعَالِيَ عَلَى الْمَوْضِعِ الْمُرْتَفِعِ عَبَثًا فَقَالَ عَلَى لِسَانِ بَعْضِ أَنْبِيَائِهِ {أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ} [الشعراء: 128] وَمَوْضُوعُ الصَّلَاةِ يُنَافِي الْعَبَثَ وَالتَّكَبُّرَ فَإِنَّهَا وُضِعَتْ عَلَى التَّمَكُّنِ انْتَهَى.
(الثَّالِثُ) قَالَ فِي الطِّرَازِ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ لِغَيْرِ عُذْرٍ هَلْ يُسْتَحَبُّ لَهُمْ الْإِعَادَةُ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي السَّفِينَةِ يُصَلِّي أَهْلُهَا بِصَلَاةِ الْإِمَامِ، وَهُوَ فَوْقُ: إنَّ الْأَسْفَلِينَ يُعِيدُونَ فِي الْوَقْتِ وَلَا يُعِيدُ الْإِمَامُ انْتَهَى، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ، وَكَذَلِكَ هُنَا وَانْظُرْ ذَلِكَ مَعَ مَا قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ مَسْأَلَةِ السَّفِينَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَاقْتِدَاءُ مَنْ بِأَسْفَلِ السَّفِينَةِ فَإِنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ السَّفِينَةِ وَغَيْرِهَا وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ أَنَّ فِي غَيْرِهَا لَا يُعِيدُونَ فِي الْوَقْتِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الرَّابِعُ) قَالَ فِي الطِّرَازِ فَلَوْ كَانَ الْإِمَامُ عَلَى شَرَفٍ أَوْ كُدْيَةٍ وَمَنْ خَلْفَهُ تَحْتَهُ فِي وِطَاءٍ وَذَلِكَ قَدْرٌ مُتَقَارِبٌ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ لَا بَأْسَ بِهِ، وَهَذَا يَخْرُجُ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ؛ لِأَنَّ كُلَّ هَذَا يُعَدُّ أَرْضًا وَاحِدَةً وَمَكَانًا وَاحِدًا سِيَّمَا إذَا اتَّصَلَتْ الصُّفُوفُ بِخِلَافِ السَّقْفِ وَالْأَرْضِ فَإِنَّهُمَا مَوْضِعَانِ وَمَكَانَانِ مُخْتَلِفَانِ انْتَهَى.
ص (إلَّا بِكَشِبْرٍ)
ش: يَعْنِي إلَّا أَنْ يَكُونَ الِارْتِفَاعُ بِ كَشِبْرٍ، وَنَحْوُ الشِّبْرِ عَظْمُ الذِّرَاعِ كَمَا تَقَدَّمَ فَإِنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ إذَا لَمْ يُقْصَدْ بِهِ الْكِبْرُ فَهُوَ مُسْتَثْنًى مِنْ قَوْلِهِ لَا عَكْسُهُ لَا كَمَا يَتَبَادَرُ أَنَّهُ مُسْتَثْنًى مِنْ مَسْأَلَةِ قَصْدِ الْكِبْرِ أَوْ مَوْضِعِ قَصْدِهِ الْكِبْرَ لَا تَفْصِيلَ فِي ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ ابْنِ بَشِيرٍ وَابْنِ شَاسٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَهَلْ يَجُوزُ إنْ كَانَ مَعَ الْإِمَامِ طَائِفَةٌ كَغَيْرِهِمْ تَرَدُّدٌ)
ش: يَعْنِي أَنَّ
مَا ذَكَرَهُ أَوَّلًا مِنْ عَدَمِ الْجَوَازِ فِي قَوْلِهِ: لَا عَكْسُهُ سَوَاءٌ حُمِلَ عَلَى الْكَرَاهَةِ أَوْ عَلَى الْمَنْعِ اُخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ ذَلِكَ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ مَعَ الْإِمَامِ طَائِفَةٌ مِنْ الْمَأْمُومِينَ أَوْ كَانَ وَحْدَهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ عِنْدَ صَاحِبِ الطِّرَازِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ إذَا كَانَ وَحْدَهُ، وَأَمَّا إنْ كَانَ مَعَهُ غَيْرُهُ فَلَا كَرَاهَةَ وَيَجُوزُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ الْجَلَّابِ سَاقَهُ عَلَى أَنَّهُ الْمَذْهَبُ وَحَمَلَ بَعْضُهُمْ كَلَامَ مَالِكٍ الْمُتَقَدِّمِ عَلَيْهِ قَالَ فِي الطِّرَازِ بَعْدَ ذِكْرِهِ الْمَسْأَلَةَ الْأُولَى: اُخْتُلِفَ فِي صُورَةِ ذَلِكَ هَلْ صُورَتُهُ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ وَحْدَهُ أَوْ سَوَاءٌ كَانَ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ غَيْرِهِ فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: هَذَا إذَا كَانَ الْإِمَامُ وَحْدَهُ، فَأَمَّا إنْ كَانَ مَعَ الْإِمَامِ طَائِفَةٌ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ الْجَلَّابِ، وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنْ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ انْتَهَى. وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ كَغَيْرِهِمْ إلَى مَا ذَكَرَهُ فِي تَوْضِيحِهِ بَعْدَ ذِكْرِهِ كَلَامَ ابْنِ الْجَلَّابِ وَنَصُّهُ وَقَيَّدَ بِأَنْ تَكُونَ الطَّائِفَةُ مِنْ سَائِرِ النَّاسِ قَالَ الشَّارِحُ احْتِرَازًا مِمَّا إذَا صَلَّى مَعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَزِيدُهُ فَخْرًا وَعَظَمَةً انْتَهَى، فَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمَكْرُوهَاتِ عِوَضَ قَوْلِهِ: وَاقْتِدَاءُ مَنْ بِأَسْفَلِ السَّفِينَةِ إلَى آخِرِهِ وَعُلُوُّ إمَامٍ إلَّا بِ كَشِبْرٍ أَوْ لِضَرُورَةٍ أَوْ تَعْلِيمٍ فَيَجُوزُ كَمَأْمُومٍ، وَلَوْ بِسَطْحٍ وَبَطَلَتْ لِقَصْدِ كِبْرٍ مُطْلَقًا وَهَلْ يَجُوزُ إنْ كَانَ مَعَ الْإِمَامِ إلَى آخِرِهِ لَكَانَ أَشْمَلَ وَلَا يُذْكَرُ هَذَا أَعْنِي قَوْلَهُ وَهَلْ يَجُوزُ إلَى آخِرِهِ اكْتِفَاءً بِمَا قَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ إنَّهُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
ص (وَمُسْمِعٌ وَاقْتِدَاءٌ بِهِ)
ش: قَالَ الْبُرْزُلِيُّ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ أَنَّ مَذْهَبَ الْجُمْهُورِ جَوَازُ صَلَاتِهِ وَالِاقْتِدَاءِ بِهِ، وَأَنَّهُ جَرَى عَلَيْهِ الْعَمَلُ فِي الْأَمْصَارِ وَالْعُلَمَاءُ مُتَوَافِرُونَ إلَى أَنْ قَالُوا وَبِالْجُمْلَةِ فَمَا عَلَيْهِ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ مِنْ جَوَازِ هَذَا الْفِعْلِ حُجَّةٌ بَالِغَةٌ عَلَى مَنْ خَالَفَهُمْ، ثُمَّ قَالَ: وَكَانَ يَتَقَدَّمُ لَنَا هَلْ الْمُسْمِعُ نَائِبٌ وَوَكِيلٌ عَنْ الْإِمَامِ أَوْ هُوَ عِلْمٌ عَلَى صَلَاتِهِ أَوْ أَنَّ الْإِذْنَ لَهُ نِيَابَةٌ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ وَيَنْبَنِي عَلَيْهِ تَسْمِيعُ الصَّبِيِّ وَالْمَرْأَةِ وَمَنْ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ أَوْ يُكَبِّرُ لِلْإِحْرَامِ وَلَا يَنْوِي ذَلِكَ، وَأَنَّ فِي وَجِيزِ ابْنِ غَلَّابٍ عَلَى مَا نَقَلَ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْإِمَامِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّسْمِيعُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ شَرَائِطَ الْإِمَامَةِ، وَعَلَى مَنْ يَقُولُ إنَّهُ عِلْمٌ وَمُخْبِرٌ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ، وَبِالْأَوَّلِ كَانَ يُفْتِي شَيْخُنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الشَّبِيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَلَمْ أَرَهَا مَنْصُوصَةً لِغَيْرِ مَنْ ذُكِرَ انْتَهَى كَلَامُهُ
وَقَالَ أَيْضًا قَبْلَهُ إثْرَ سُؤَالِ التُّونُسِيّ عَمَّنْ تَرَكَ الْوِتْرَ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ وَعَمَّنْ جَهَرَ فِيمَا يُسَرُّ فِيهِ أَوْ الْعَكْسُ، وَقَدْ اخْتَلَفَ فِي صَلَاةِ الْمُسْمِعِ، وَذَكَرَ السِّتَّةَ أَقْوَالٍ الْمَذْكُورَةَ فِي التَّوْضِيحِ وَابْنِ عَرَفَةَ وَغَيْرِهِمَا، ثُمَّ قَالَ وَعَلَى الْقَوْلِ بِصِحَّةِ الصَّلَاةِ هَلْ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ أَهْلًا لِلْإِمَامَةِ فَلَا يَصِحُّ تَسْمِيعُ الْمَرْأَةِ وَلَا الصَّبِيِّ وَلَا مَنْ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ أَوْ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ الْمُؤَذِّنِينَ يُسْمِعُ التَّكْبِيرَ، ثُمَّ يُنْشِئُ إحْرَامًا فَاَلَّذِي أَحْفَظُهُ عَنْ الْوَجِيزِ لِابْنِ مَخْلَدٍ أَنَّهُ اشْتَرَطَ بَعْضَ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ فَأَبْطَلَ الصَّلَاةَ بِمَا يُنَافِي الْإِمَامَةَ وَيَجْرِي عَلَيْهِ بَقِيَّةُ الْمَسَائِلِ وَبِهِ كَانَ يُفْتِي بَعْضُ شُيُوخِنَا وَأَعْرِفُ لِبَعْضِ مُتَأَخِّرِي التُّونُسِيِّينَ فِي الْأَخِيرِ مِنْهُمَا صِحَّةَ الصَّلَاةِ فَتَجْرِي الْبَقِيَّةُ عَلَيْهِ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ عِنْدِي؛ لِأَنَّهُ عِلْمٌ عَلَى مَعْرِفَةِ أَفْعَالِ الْإِمَامِ خَاصَّةً لَا أَنَّهُ نَائِبٌ عَنْهُ وَمَنْ شَرَطَ إذْنَ الْإِمَامِ جَعَلَهُ خَلِيفَةً لَهُ فَيَجْرِي عَلَى حُكْمِ الْإِمَامِ انْتَهَى، وَمَا قَالَهُ: إنَّهُ الظَّاهِرُ عِنْدَهُ يَظْهَرُ أَنَّهُ صَحِيحٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إلَّا فِيمَنْ يُسْمِعُ، وَهُوَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ أَوْ، وَهُوَ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ فَإِنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُ صِحَّةِ صَلَاةِ الْمُقْتَدِي بِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الْمَذْهَبِ قَالُوا: مَرَاتِبُ الِاقْتِدَاءِ أَرْبَعَةٌ
إمَّا رُؤْيَةُ أَفْعَالِ الْإِمَامِ أَوْ أَفْعَالِ الْمَأْمُومِينَ أَوْ سَمَاعُ قَوْلِهِ أَوْ سَمَاعُ قَوْلِهِمْ وَالِاقْتِدَاءُ بِمَنْ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ أَوْ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ خَارِجٌ عَنْ الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْمَدْخَلِ بِبُطْلَانِ الصَّلَاةِ فِي الْأَخِيرَةِ لِمَا ذُكِرَ فَيُحْمَلُ الْآخَرُ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِنْهُ أَيْضًا إذَا قَالَ الْمُسْمِعُ " سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِغَيْرِ تَعْرِيفٍ " صَلَاةُ مَنْ سَمِعَهُ تَامَّةٌ وَفِي صَلَاتِهِ قَوْلَانِ،.
(قُلْت) مَنْ جَعَلَهُ كَالْإِمَامِ فِي أَحْكَامِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَجْرِي ذَلِكَ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَى بِالِارْتِبَاطِ انْتَهَى. وَقَالَ أَيْضًا فِي مَسَائِلِ ابْنِ قَدَّاحٍ لَا يَجُوزُ أَنْ يُسْمِعَ الصَّغِيرُ وَمَنْ اقْتَدَى بِتَسْمِيعِهِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ وَكَذَا لَوْ سَمَّعَ أَحَدٌ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ وَاحْتِيجَ إلَيْهِ.
(قُلْت) فِي كَلَامِهِ هَذَا تَدَافُعٌ فِي مَنْعِهِ تَسْمِيعَ الصَّغِيرِ ابْتِدَاءً وَصِحَّتِهِ إذَا وَقَعَ وَكَذَا قَوْلُهُ فِي الْبَالِغِ إذَا اُحْتِيجَ إلَيْهِ وَالْمَشْهُورُ صِحَّتُهَا مُطْلَقًا انْتَهَى.
(تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ) ذَكَرَ فِي الْمَدْخَلِ فِي فَصْلِ نِيَّةِ الْإِمَامِ وَالْمُؤَذِّنِ أَنَّهُ إذَا بَطَلَتْ صَلَاةُ الْمُسْمِعِ سَرَى الْبُطْلَانُ إلَى صَلَاةِ مَنْ صَلَّى بِتَبْلِيغِهِ فَرَاجِعْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ مَسْأَلَةُ مَنْ سَلَّمَ قَبْلَ الْمُسْمِعِ وَبَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ.
(قُلْت) إنْ سَمِعَ سَلَامَ الْإِمَامِ فَهُوَ الْوَاجِبُ وَمَنْ سَلَّمَ حَدْسًا فَيَتَخَرَّجُ عَلَى مَنْ سَلَّمَ مُعْتَقِدًا عَدَمَ التَّمَامِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ التَّمَامَ انْتَهَى.
ص (وَشَرْطُ الِاقْتِدَاءِ نِيَّتُهُ)
ش: عَدَّهَا هُنَا مِنْ شُرُوطِ الِاقْتِدَاءِ وَفِي فَصْلُ فَرَائِضِ الصَّلَاةِ مِنْ الْفَرَائِضِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تَنْوِيعٌ لِلْعِبَارَةِ، وَأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَصِحُّ بِدُونِهَا سَوَاءٌ جُعِلَتْ فَرْضًا أَوْ شَرْطًا كَمَا صَرَّحَ بِبُطْلَانِهَا صَاحِبُ الْمَدْخَلِ وَابْنُ عَرَفَةَ وَالْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُمْ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ أَنَّ الْمَأْمُومَ إنْ لَمْ يَنْوِ أَنَّهُ مُؤْتَمٌّ وَإِلَّا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ انْتَهَى، وَقَالَهُ فِي الْجَوَاهِرِ وَغَيْرِهَا، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَشَرْطُ صِحَّةِ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ مُطْلَقًا نِيَّةُ اتِّبَاعِهِ إمَامَهُ انْتَهَى.
(قُلْت) اُنْظُرْ قَوْلَهُمْ: إنَّهُ إنْ لَمْ يَنْوِ الْمَأْمُومُ إنَّهُ مُؤْتَمٌّ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ فَإِنَّ مَنْ وَجَدَ إمَامًا يُصَلِّي أَوْ شَخْصًا يُصَلِّي، فَإِنْ نَوَى أَنَّهُ يَقْتَدِي بِهِ فَهُوَ مَأْمُومٌ، وَقَدْ حَصَلَتْ لَهُ نِيَّةُ الِاقْتِدَاءِ، وَإِنْ نَوَى أَنْ يُصَلِّيَ لِنَفْسِهِ، وَلَمْ يَنْوِ أَنَّهُ مُقْتَدٍ بِذَلِكَ الْإِمَامِ فَهُوَ مُنْفَرِدٌ وَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ فَفِي أَيْ صُورَةٍ يُحْكَمُ لَهُ بِأَنَّهُ مَأْمُومٌ، وَلَمْ يَنْوِ الِاقْتِدَاءَ وَيُحْكَمُ بِبُطْلَانِ صَلَاتِهِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُمْ إذَا أَحْرَمَ بِالصَّلَاةِ مُنْفَرِدًا، ثُمَّ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ نَوَى أَنْ يَقْتَدِيَ بِشَخْصٍ آخَرَ فَصَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّهُ نَوَى أَنَّهُ مَأْمُومٌ، وَلَمْ يَنْوِ الِاقْتِدَاءَ مِنْ أَوَّلِ الصَّلَاةِ فَيَرْجِعُ كَلَامُهُمْ إلَى أَنْ يُشْتَرَطَ فِي صِحَّةِ الْمَأْمُومِ أَنْ يَنْوِيَ الِاقْتِدَاءَ بِالْإِمَامِ مِنْ أَوَّلِهَا، فَإِنْ نَوَى الِاقْتِدَاءَ فِي أَثْنَائِهَا بَطَلَتْ وَفِي كَلَامِ الْمَازِرِيِّ فِي شَرْحِ التَّلْقِينِ إشَارَةٌ إلَى ذَلِكَ فَرَاجِعْهُ وَتَأَمَّلْهُ، وَلِذَلِكَ فَرَّعَ ابْنُ الْحَاجِبِ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ قَوْلَهُ: فَلَا يَنْتَقِلُ مُنْفَرِدٌ لِجَمَاعَةٍ وَلَا بِالْعَكْسِ وَأُتِيَ بِالْفَاءِ الدَّالَّةِ عَلَى السَّبَبِيَّةِ فَتَأَمَّلْهُ مُنْصِفًا فَلَمْ أَرَ مَنْ نَبَّهَ عَلَيْهِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ مِنْ كَلَامِهِمْ عِنْدَ التَّأَمُّلِ فَإِنَّ النِّيَّةَ لَا بُدَّ وَأَنْ تَكُونَ مُقَارِنَةً لِأَوَّلِ الْفِعْلِ الَّتِي هِيَ شَرْطٌ فِيهِ أَوْ رُكْنٌ، ثُمَّ رَأَيْت الْقَبَّابَ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ فِي شَرْحِ قَوَاعِدِ الْقَاضِي عِيَاضٍ فَقَالَ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ وَعَلَى الْمَأْمُومِ عَشْرُ وَظَائِفَ أَنْ يَنْوِيَ الِاقْتِدَاءَ بِإِمَامِهِ وَكَوْنُهُ مَأْمُومًا مَا نَصُّهُ تَكَلَّمَ هُنَا عَلَى وُجُوبِ نِيَّةِ الِاقْتِدَاءِ عَلَى الْمَأْمُومِ، وَقَالَهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ وَمَا قَالَهُ تَصْحِيحٌ وَفِيهِ خِلَافٌ وَصُورَةُ الْمَسْأَلَة لَوْ قَصَدَهُ مُصَلٍّ أَنْ يُصَلِّيَ فَذًّا وَأَحْرَمَ وَنِيَّتُهُ ذَلِكَ، ثُمَّ رَأَى إمَامًا بَيْنَ يَدَيْهِ يُصَلِّي بِجَمَاعَةٍ فَهَلْ لَهُ أَنْ يَبْتَدِئَ الِاقْتِدَاءَ بِهِ وَيُتِمَّ خَلْفَهُ مَأْمُومًا أَمْ لَا الْمَشْهُورُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَنْبَغِي وَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ إنْ فَعَلَ، وَقِيلَ تَصِحُّ وَحَكَاهُ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ فِي إمَامٍ كَانَ يُصَلِّي بِقَوْمٍ فِي السَّفَرِ فَرَأَى أَمَامَهُ جَمَاعَةً تُصَلِّي بِإِمَامٍ فَجَهِلَ وَصَلَّى بِصَلَاتِهِمْ أَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَأْمُومًا وَأَعَادَ مَنْ وَرَاءَهُ أَبَدًا؛ لِأَنَّهُمْ لَا إمَامَ لَهُمْ قَالَ، وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ
وَمَنْ لَقِيتُ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَمَا نَقَلَهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَمَنْ لَقِيَهُ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ خِلَافُ مَا قَالَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ، وَمِثْلُهُ فِي سَمَاعِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، ثُمَّ قَالَ: وَإِذَا قُلْنَا بِالْمَشْهُورِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ
الِاقْتِدَاءِ فَقَالَ الْفَقِيهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَنْ شُيُوخِ شُيُوخِهِ: يَكْفِي فِي ذَلِكَ مَا يَدُلُّ الْتِزَامًا، وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ قِيلَ مَا يَنْتَظِرُ بِالتَّكْبِيرِ أَوْ بِالرُّكُوعِ أَوْ الْإِحْرَامِ لَقَالَ أَنْتَظِرُ الْإِمَامَ وَاَلَّذِي قَالَهُ وَاضِحٌ وَكَلَامُ الْمَازِرِيِّ نَصٌّ أَوْ كَالنَّصِّ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: إذَا قَارَنَتْ الْأَفْعَالُ الْأَفْعَالَ بِقَصْدٍ لِذَلِكَ وَتَعَمُّدٍ لَهُ فَهَذَا مَعْنَى النِّيَّةِ، وَلَا بُدَّ مِنْ افْتِتَاحٍ بِهَا لِئَلَّا يَمْضِيَ جُزْءٌ مِنْ الصَّلَاةِ لَمْ يَقْصِدْ فِيهِ الْمُتَابَعَةَ، وَلَقَدْ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ فِي مُعَارَضَةِ ذَلِكَ: إنَّ النِّيَّةَ مِنْ بَابِ الْقَصْدِ وَالْإِرَادَةِ لَا مِنْ بَابِ الشُّعُورِ وَالْإِدْرَاكَاتِ
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ لَا مُعَارَضَةَ فِيهِ بِوَجْهٍ؛ لِأَنَّ مَنْ جَاءَ إلَى الْمَسْجِدِ بِقَصْدِ الصَّلَاةِ وَقَعَدَ فِي الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُ الْإِمَامَ لَا يُقَالُ فِيمَا فَعَلَ يُشْعِرُ بِمَجِيئِهِ إلَى الْمَسْجِدِ، وَلَمْ يَقْصِدْهُ أَوْ شَعَرَ بِانْتِظَارِهِ الْإِمَامَ، وَلَمْ يُرِدْهُ بَلْ قَصَدَ الْمَسْجِدَ لِلِائْتِمَامِ وَانْتَظَرَ الْإِمَامَ بِقَصْدٍ وَقَامَ لِلصَّلَاةِ وَتَهَيَّأَ لِلدُّخُولِ لِلصَّلَاةِ وَبَقِيَ يَنْتَظِرُ الْإِمَامَ، كُلُّ ذَلِكَ بِإِرَادَةٍ وَقَصْدٍ انْتَهَى.
ص (وَلَوْ بِجِنَازَةٍ)
ش: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَزَادَ ابْنُ بَشِيرٍ مَسْأَلَةً أُخْرَى وَهِيَ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ فَأَوْجَبَ فِيهَا عَلَى الْإِمَامِ نِيَّةَ الْإِمَامَةِ بِنَاءً عَلَى اشْتِرَاطِ الْجَمَاعَةِ فِيهَا وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّهُ نَصَّ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ إلَّا نِسَاءٌ صَلَّيْنَ أَفْذَاذًا وَصَرَّحَ فِي الْجَوَاهِرِ بِأَنَّ الْجَمَاعَةَ غَيْرُ مُشْتَرَطَةٍ فِيهَا انْتَهَى، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَإِلْحَاقُ الْجِنَازَةِ بِالْجُمُعَةِ فِي وُجُوبِ الْجَمَاعَةِ يُلْحِقُهَا بِهَا فِي نِيَّةِ الْإِمَامَةِ انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ كَانَ شَيْخُنَا الْقَرَافِيُّ يُضِيفُ إلَى الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ الْجَمْعَ وَالْجِنَازَةَ؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ لَيْلَةَ الْمَطَرِ لَا يَكُونُ إلَّا فِي جَمَاعَةٍ وَهَلْ يُشْتَرَطُ نِيَّةُ الْإِمَامَةِ فِي الْأُولَى أَوْ فِي الثَّانِيَةِ أَوْ فِيهِمَا فِيهِ نَظَرٌ ذَكَرَهُ ابْنُ عَطَاءِ اللَّهِ، وَكَذَلِكَ الْجِنَازَةُ قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ بِنَاءً عَلَى اشْتِرَاطِ الْجَمَاعَةِ فِيهَا فَيُقَالُ يَنْوِي الْإِمَامُ الْإِمَامَةَ فِي ثَلَاثِ جِيمَاتٍ وَخَاءَيْنِ، ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ صَاحِبِ التَّوْضِيحِ أَنَّهُ اعْتَرَضَ عَلَى مَسْأَلَةِ الْجِنَازَةِ بِمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ إلَّا نِسَاءٌ صَلَّيْنَ أَفْذَاذًا قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ، وَهَذَا فَرْضٌ نَادِرٌ وَالْكَلَامُ إنَّمَا هُوَ عَلَى الْغَالِبِ، وَقَوْلُ صَاحِبِ الْجَوَاهِرِ: الْجَمَاعَةُ غَيْرُ مُشْتَرَطَةٍ فِيهَا يُرِيدُ أَنَّهَا تَصِحُّ فُرَادَى، فَإِنْ قَصَدُوا الْجَمْعَ فَلَا بُدَّ لِلْإِمَامِ مِنْ نِيَّةِ الْإِمَامَةِ انْتَهَى، وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ صَاحِبِ الْجَوَاهِرِ نَحْوُهُ لِلَّخْمِيِّ وَصَاحِبِ الْمَعُونَةِ فَإِنَّهُمَا قَالَا الْجَمَاعَةُ فِيهَا سُنَّةٌ وَلَيْسَتْ بِشَرْطٍ وَشَرَطَ صَاحِبُ الْمُقَدِّمَاتِ وَغَيْرُهُ فِيهَا الْجَمَاعَةَ قَالَ فَإِنْ فُعِلَتْ بِغَيْرِ إمَامٍ أُعِيدَتْ انْتَهَى.
ص (إلَّا جُمُعَةً وَجَمْعًا)
ش: يَعْنِي أَنَّ الْإِمَامَ يَلْزَمُهُ أَنْ يَنْوِيَ الْإِمَامَةَ إذَا صَلَّى الْجُمُعَةَ وَإِذَا جَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ، وَهَذَا فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ لَيْلَةَ الْمَطَرِ لَا فِي كُلِّ جَمْعٍ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ أَنَّهُ يَنْوِي الْإِمَامَةَ فِي الْجُمُعَةِ وَالْخَوْفِ وَالِاسْتِخْلَافِ وَتَحْصِيلِ فَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ مَا نَصُّهُ، وَلَمْ أَرَ مَنْ أَضَافَ الْجَمْعَ إلَّا الْمُتَأَخِّرِينَ كَالْمُصَنَّفِ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ وَالْقَرَافِيّ وَلَمَّا ذَكَرَ ابْنُ عَطَاءِ اللَّهِ الثَّلَاثَةَ الْأُوَلَ قَالَ: وَيَظْهَرُ لِي أَنْ يَلْحَقَ بِهَا جَمْعُ الصَّلَاتَيْنِ لَيْلَةَ الْمَطَرِ إذْ لَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا فِي الْجَمَاعَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَنْوِيَ الْإِمَامُ الْإِمَامَةَ فِيهَا كَالْجُمُعَةِ انْتَهَى (قُلْت) : وَكَأَنَّ ابْنَ عَطَاءِ اللَّهِ لَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ لِغَيْرِهِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ عِيَاضٌ فِي قَوَاعِدِهِ فَقَالَ وَعَلَى الْمَأْمُوم عَشْرُ وَظَائِفَ أَنْ يَنْوِيَ الِاقْتِدَاءَ بِإِمَامِهِ وَكَوْنُهُ مَأْمُومًا وَلَا يَلْزَمُ ذَلِكَ الْإِمَامَ إلَّا فِيمَا لَا تَصِحُّ فِيهِ الصَّلَاةُ إلَّا بِالْجَمَاعَةِ كَالْجُمُعَةِ وَصَلَاةِ الْخَوْفِ وَمَا يُقَدَّمُ مِنْ الصَّلَوَاتِ قَبْلَ وَقْتِهَا بِسَبَبِ الْجَمْعِ فَيَلْزَمُهُ نِيَّةُ الْإِمَامَةِ وَالْجَمْعِ، وَكَذَلِكَ الْمُسْتَخْلَفُ انْتَهَى. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقَبَّابُ: قَوْلُهُ وَمَا يُقَدَّمُ مِنْ الصَّلَاةِ قَبْلَ وَقْتِهَا بِسَبَبِ الْجَمْعِ يَعْنِي - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - جَمْعَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ لَيْلَةَ الْمَطَرِ، وَأَمَّا جَمْعُ عَرَفَةَ أَوْ جَمْعُ الْمُسَافِرِ يَجِدُّ بِهِ السَّيْرُ فَيُقَدَّمُ أَوْ جَمْعُ الْمَرِيضِ يَخَافُ أَنْ يُغْلَبَ عَلَى عَقْلِهِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ تَصِحُّ فِيهَا الصَّلَاةُ بِدُونِ جَمَاعَةٍ انْتَهَى، وَهُوَ كَلَامٌ ظَاهِرٌ، وَلَمْ يَحْكِ ابْنُ عَرَفَةَ ذَلِكَ إلَّا فِي جَمْعِ الْمَطَرِ وَبِهِ قَيَّدَ ابْنُ غَازِيٍّ إطْلَاقَ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي التَّوْضِيحِ أَنَّ ابْنَ الْحَاجِبِ ذَكَرَ الْجَمْعَ، وَلَمْ أَقِفْ
عَلَيْهِ فِي كَلَامِهِ وَلَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فَتَأَمَّلْهُ انْتَهَى.
ص (وَخَوْفًا)
ش: يَعْنِي أَنَّ صَلَاةَ الْخَوْفِ إذَا صَلَّيْت بِطَائِفَتَيْنِ فَلَا بُدَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَنْوِيَ الْإِمَامَةَ؛ لِأَنَّ صَلَاتَهَا عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ لَا تَصِحُّ إلَّا فِي جَمَاعَةٍ قَالَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ، وَنَقَلَهُ عَنْهُ فِي التَّوْضِيحِ، ثُمَّ إنَّ الْمُصَنِّفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - اعْتَرَضَ عَلَى مَنْ جَعَلَ ضَابِطَ هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَنْوِيَ الْإِمَامَةَ فَقَالَ: وَلَيْسَ هَذَا بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ مَسْأَلَةَ الِاسْتِخْلَافِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا الْجَمَاعَةُ، وَلَوْ أَتَمُّوا فُرَادَى صَحَّتْ الصَّلَاةُ، وَكَذَلِكَ صَلَاةُ الْخَوْفِ لَوْ صَلَّى كُلٌّ لِنَفْسِهِ صَحَّتْ الصَّلَاةُ انْتَهَى.
(قُلْت) لَا يَصِحُّ الِاعْتِرَاضُ بِصَلَاةِ الْخَوْفِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي صَلَاتِهَا عَلَى الْهَيْئَةِ الْمَذْكُورَةِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْجَمَاعَةَ شَرْطٌ فِي ذَلِكَ فَتَأَمَّلْهُ وَسَيَأْتِي فِي فَصْلِ الِاسْتِخْلَافِ أَنَّ مِنْ شَرْطِ الِاسْتِخْلَافِ الْجَمَاعَةُ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ خَلْفَ الْإِمَامِ إلَّا وَاحِدٌ لَمْ يَصِحَّ لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ.
ص (وَمُسْتَخْلَفًا)
ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ كَانَ يُصَلِّي مَأْمُومًا فَطَرَأَ عَلَى الْإِمَامِ عُذْرٌ فَاسْتَخْلَفَهُ لِيُكْمِلَ الصَّلَاةَ بِالْمَأْمُومِينَ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَنْوِيَ الْإِمَامَةَ لِيُمَيِّزَ نِيَّةَ الْمَأْمُومِيَّةِ وَالْإِمَامِيَّةِ قَالَهُ الْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ، وَنَقَلَهُ عَنْهُ فِي التَّوْضِيحِ وَتَقَدَّمَ نَحْوُهُ فِي قَوَاعِدِ الْقَاضِي عِيَاضٍ لَكِنْ قَالَ الْقَبَّابُ فِي شَرْحِهَا مَا قَالَهُ فِي الِاسْتِخْلَافِ مَعْنَاهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمَأْمُومِينَ أَنْ يُصَلُّوا أَفْذَاذًا، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ فَإِنَّهُ يَقُولُ: إذَا طَرَأَ عَلَى الْإِمَامِ عُذْرٌ وَلَمْ يَسْتَخْلِفْ وَصَلَّى الْقَوْمُ أَفْذَاذًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُمْ، وَأَمَّا عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ الَّذِي يَقُولُ: إنْ صَلَّوْا أَفْذَاذًا صَحَّتْ صَلَاتُهُمْ فَلَيْسَتْ نِيَّةُ الْإِمَامَةِ فِي الِاسْتِخْلَافِ بِلَازِمَةٍ وَيَشْهَدُ لِهَذَا التَّقْيِيدِ الَّذِي قَيَّدْنَاهُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ يَعْنِي الْقَاضِيَ عِيَاضًا وَلَا يَلْزَمُ ذَلِكَ الْإِمَامَ إلَّا فِيمَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ إلَّا بِالْجَمَاعَةِ انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ عَنْ الْمَازِرِيِّ أَنَّهُ يَنْوِي الْإِمَامَةَ فِي الِاسْتِخْلَافِ مَا نَصَّهُ (قُلْت) وَفِي قَوْلِهِ الِاسْتِخْلَافَ مَعَ ابْنِ بَشِيرٍ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ كَمُؤْتَمٍّ بِهِ ابْتِدَاءً لِصِحَّةِ صَلَاتِهِمْ أَفْذَاذًا انْتَهَى.
ص (كَفَضْلِ الْجَمَاعَةِ وَاخْتَارَ فِي الْأَخِيرِ خِلَافَ الْأَكْثَرِ)
ش: لَيْسَ فِي كَلَامِ اللَّخْمِيِّ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ فَضْلُ الْجَمَاعَةِ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ الْإِمَامَةَ وَلَكِنَّ كَلَامَهُ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَالَ إنَّهُ لَا يُعِيدُ فِي جَمَاعَةٍ أُخْرَى وَنَصُّهُ قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ صَلَّى لِنَفْسِهِ، ثُمَّ أَتَى رَجُلٌ فَائْتَمَّ بِهِ أَنَّهَا لَهُ صَلَاةُ جَمَاعَةٍ، الشَّيْخَ يَعْنِي نَفْسَهُ، وَكَذَلِكَ الْإِمَامُ يَصِيرُ لَهُ صَلَاةُ جَمَاعَةٍ وَلَا يُعِيدُ فِي جَمَاعَةٍ أُخْرَى انْتَهَى.
(تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ) أَلْزَمَ ابْنُ عَرَفَةَ عَلَى مَا قَالَهُ الْأَكْثَرُ مِنْ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَنْوِ الْإِمَامَةَ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ فَضْلُ الْجَمَاعَةِ أَنْ يُعِيدَهَا هَذَا الْمُؤْتَمُّ بِهِ الَّذِي لَمْ يَنْوِ الْإِمَامَةَ فِي جَمَاعَةٍ، وَنَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ غَازِيٍّ وَسَلَّمَهُ، وَذَكَرَ أَنَّ لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ نَحْوَهُ وَنَصُّهُ عِنْدَ قَوْلٍ الْمُصَنِّفِ كَفَضْلِ الْجَمَاعَةِ ابْنُ عَرَفَةَ يَلْزَمُ عَلَيْهِ إعَادَةُ مَنْ ائْتَمَّ بِهِ غَيْرُهُ، وَلَمْ يَنْوِ الْإِمَامَةَ فِي جَمَاعَةٍ انْتَهَى، وَنَحْوُهُ لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ غَازِيٍّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي) الظَّاهِرُ عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ نِيَّةُ الْإِمَامَةِ مِنْ أَوَّلِ الصَّلَاةِ فَمَنْ صَلَّى وَحْدَهُ، ثُمَّ دَخَلَ شَخْصٌ خَلْفَهُ فَنَوَى أَنْ يَؤُمَّهُ فِي بَقِيَّةِ صَلَاتِهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ فَضْلُ الْجَمَاعَةِ وَلَا يَدْخُلُ هَذَا فِي قَوْلِهِمْ وَلَا يَنْتَفِلُ مُنْفَرِدٌ لِجَمَاعَةٍ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَنَّ مَنْ صَلَّى فَذًّا فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ خَلْفَ الْإِمَامِ لِفَوَاتِ مَحِلِّ نِيَّةِ الِاقْتِدَاءِ.
(الثَّالِثُ) يُضَافُ لِمَا ذُكِرَ: الْإِمَامُ الرَّاتِبُ إذَا صَلَّى وَحْدَهُ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَحْصُلُ لَهُ فَضِيلَةُ الْجَمَاعَةِ إذَا نَوَى الْإِمَامَةَ.
(الرَّابِعُ) ذُكِرَ فِي سَمَاعِ مُوسَى أَنَّ مَنْ أَمَّ نِسَاءً تَمَّتْ صَلَاتُهُنَّ إنْ نَوَى إمَامَتَهُنَّ فَأَخَذَ ابْنُ زَرْقُونٍ وُجُوبَ نِيَّةِ الْإِمَامَةِ فِي إمَامَةِ النِّسَاءِ وَجَعَلَهُ ابْنُ رُشْدٍ مُقَابِلًا لِمَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ، وَأَنَّهُ يَرَى وُجُوبَ نِيَّةِ الْإِمَامَةِ فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَوَجَّهَ ذَلِكَ بِأَنَّ الْإِمَامَ ضَامِنٌ بِأَنَّهُ تَحَمَّلَ الْقِرَاءَةَ وَلَا ضَمَانَ وَلَا حَمْلَ إلَّا بِنِيَّةٍ انْتَهَى. وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَنَصَّهُ، وَسَمِعَ مُوسَى ابْنَ الْقَاسِمِ مَنْ أَمَّ نِسَاءً تَمَّتْ صَلَاتُهُنَّ إنْ نَوَى إمَامَتَهُنَّ فَأَخَذَ مِنْهُ ابْنُ زَرْقُونٍ وُجُوبَهَا فِي