الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ خَاصًّا بِالْخَلِيفَةِ وَأَنَّ كُلَّ أَمِيرٍ إذَا مَرَّ بِقَرْيَةٍ مِمَّا فِي عَمَلِهِ فَلَهُ أَنْ يُقِيمَ فِيهَا الْجُمُعَةَ وَنَصُّهَا: قَالَ مَالِكٌ فِي الْأَمِيرِ الْمُؤَمَّرِ عَلَى بَلَدٍ مِنْ الْبُلْدَانِ فَيَخْرُجُ فِي عَمَلِهِ مُسَافِرًا: إنَّهُ إنْ مَرَّ بِقَرْيَةٍ مِنْ قُرَاهُ يُجْمَعُ فِي مِثْلِهَا الْجُمُعَةُ جَمَعَ بِهِمْ الْجُمُعَةَ وَكَذَلِكَ إنْ مَرَّ بِمَدِينَةٍ مِنْ الْمَدَائِنِ فِي عَمَلِهِ جَمَعَ بِهِمْ الْجُمُعَةَ فَإِنْ جَمَعَ فِي قَرْيَةٍ لَا يَجْمَعُ فِيهَا أَهْلُهَا لِصِغَرِهَا فَلَا تُجْزِئُهُمْ وَإِنَّمَا كَانَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَجْمَعَ فِي الْقُرَى الَّتِي يُجْمَعُ فِي مِثْلِهَا إذَا كَانَ فِي عَمَلِهِ وَإِنْ كَانَ مُسَافِرًا؛ لِأَنَّهُ إمَامُهُمْ انْتَهَى.
ص (وَوَجَبَ انْتِظَارُهُ لِعُذْرٍ قَرُبَ عَلَى الْأَصَحِّ)
ش: عَزَا هَذَا الْقَوْلَ فِي التَّوْضِيحِ لِابْنِ كِنَانَةَ وَابْنِ أَبِي حَازِمٍ وَاسْتَظْهَرَهُ وَلَهُمَا عَزَاهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَعَزَا الِاسْتِخْلَافَ لِمَالِكٍ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ لَكِنْ ذَكَرَ صَاحِبُ الطِّرَازِ عَنْ ابْنِ الْجَلَّابِ أَنَّهُ يَنْتَظِرُ إنْ كَانَ قَرِيبًا قَالَ وَرَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ وَنَحْوُهُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَقَالَهُ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَلَكِنَّ صَاحِبَ الطِّرَازِ جَعَلَهُ تَفْسِيرًا فَلِذَلِكَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - صَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ الْكَرُوفِ فِي الْوَافِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (مِمَّا تُسَمِّيهِ الْعَرَبُ خُطْبَةً)
ش: جَزَمَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ أَنَّ أَقَلَّهَا حَمْدُ اللَّهِ وَالصَّلَاةُ عَلَى نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم وَتَحْذِيرٌ وَتَبْشِيرٌ وَيَقْرَأُ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ ثُمَّ قَالَ وَيَقْرَأُ فِي خُطْبَتِهِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَلَوْ لَمْ يَقْرَأْ أَعَادَ الْخُطْبَةَ وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ لَأَجْزَأَ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الطِّرَازِ يُسْتَحَبُّ لِلْخَطِيبِ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَأَنْ يَقْرَأَ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ انْتَهَى.
(فَائِدَةٌ) قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ حَكَى الْمُؤَرِّخُونَ عَنْ عُثْمَانَ كِذْبَةً عَظِيمَةً أَنَّهُ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَارْتَجَّ عَلَيْهِ فَقَالَ كَلَامًا مِنْ جُمْلَتِهِ وَأَنْتُمْ أَحْوَجُ إلَى إمَامٍ فَعَّالٍ مِنْكُمْ إلَى إمَامٍ قَوَّالٍ أَقُولُ يَاللَّهُ وَلِلْعُقُولِ، إنْ قُلْنَا الْيَوْمَ لَا يُرْتَجُّ عَلَيْهِ فَكَيْفَ عُثْمَانُ لَا سِيَّمَا وَأَقْوَى أَسْبَابِ الْحَصْرِ فِي الْخُطْبَةِ أَنَّهُ لَا يَدْرِي مَا يُرْضِي السَّامِعِينَ وَيُمِيلُ قُلُوبَهُمْ؛ لِأَنَّهُ يَقْصِدُ الظُّهُورَ عِنْدَهُمْ وَمَنْ كَانَتْ خُطْبَتُهُ لِلَّهِ فَلَيْسَ يُحْصَرُ عَنْ حَمْدٍ وَصَلَاةٍ وَحَضٍّ عَلَى خَيْرٍ وَتَحْذِيرٍ مِنْ شَرِّ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ وَلَا يُحْصَرُ إلَّا مَنْ كَانَ لَهُ غَرَضٌ غَيْرُ الْخَيْرِ انْتَهَى.
[فَرْعٌ ذِكْرِ خَطِيبِ الصَّلَاةِ فِي خُطْبَتِهِ الصَّحَابَةَ وَالسُّلْطَانُ]
(فَرْعٌ) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ سُئِلَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ مَسْأَلَةٍ حَاصِلُهَا مَا حُكْمُ ذِكْرِ خَطِيبِ الصَّلَاةِ فِي خُطْبَتِهِ الصَّحَابَةَ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - وَالسُّلْطَانَ - سَدَّدَهُ اللَّهُ - وَمَا قَوْلُ مَنْ قَالَ: إنَّ ذَلِكَ بِدْعَةٌ وَمَا قَوْلُ مَنْ قَالَ: إنَّ ذَلِكَ شَرْعٌ لَا يُخَالَفُ أَوْ وَاجِبٌ لَا يُتْرَكُ وَجَوَابُهَا أَنَّ نَقُولَ: أَمَّا بِدْعَةُ ذِكْرِ الصَّحَابَةِ فَهَذَا عِنْدِي جَائِزٌ حَسَنٌ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى تَعْظِيمِ مَنْ عُلِمَ تَعْظِيمُهُ مِنْ الشَّرِيعَةِ ضَرُورَةً وَنَظَرًا وَلَا سِيَّمَا إذَا مَزَجَ ذَلِكَ بِمَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ نُصْرَةِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وَبَذْلِ نُفُوسِهِمْ فِي إظْهَارِ الدِّينِ وَأَمَّا بِدْعَةُ ذِكْرِ السَّلَاطِينِ بِالدُّعَاءِ وَالْقَوْلِ السَّالِمِ مِنْ الْكَذِبِ فَأَصْلُ وَضْعِهَا فِي الْخُطْبَةِ مِنْ حَيْثُ ذَاتِهِ مَرْجُوحٌ؛ لِأَنَّهَا مِمَّا لَمْ يَشْهَدْ الشَّرْعُ بِاعْتِبَارِ حُسْنِهَا فِيمَا أَعْلَمُ.
وَأَمَّا بَعْدَ إحْدَاثِهَا وَاسْتِمْرَارِهَا فِي الْخُطَبِ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ وَصَيْرُورَةِ عَدَمِ ذِكْرِهَا مَظِنَّةَ اعْتِقَادِ السَّلَاطِينِ فِي الْخَطِيبِ مَا يُخْشَى غَوَائِلُهُ وَلَا تُؤْمَنُ عَاقِبَتُهُ فَذِكْرُهُمْ فِي الْخُطَبِ رَاجِحٌ أَوْ وَاجِبٌ انْتَهَى.
وَقَالَ سَنَدٌ وَأَمَّا الدُّعَاءُ لِلسَّلَاطِينِ فَلَا يُسْتَحَبُّ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ هُوَ مُحْدَثٌ.
وَقَالَ فِي الرَّوْضِ لِابْنِ الْمُقْرِي مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمُخْتَارُ لَا بَأْسَ بِالدُّعَاءِ لِلسَّلَاطِينِ قَالَ فِي شَرْحِهِ: مَا لَمْ تَكُنْ فِيهِ مُجَاوَزَةٌ فِي وَصْفِهِ؛ إذْ يُسْتَحَبُّ الدُّعَاءُ بِصَلَاحِ السُّلْطَانِ انْتَهَى.
ص (تَحْضُرُهُمَا الْجَمَاعَةُ)
ش: يُرِيدُ وُجُوبًا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ وَالْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ وَاللَّخْمِيُّ لَا نَصَّ وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وُجُوبُهُ وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: فِي وُجُوبِهِ قَوْلَانِ لَهَا وَلِغَيْرِهَا وَقَالَ الْبَاجِيُّ الْوُجُوبُ نَصُّهَا؛ لِأَنَّ فِيهَا لَا يُجْمَعُ إلَّا بِجَمَاعَةٍ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ وَصَوَّبَهُ عِيَاضٌ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ انْتَهَى.
وَكَذَلِكَ قَالَ
صَاحِبُ الطِّرَازِ الَّذِي حَكَاهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ هُوَ مُقْتَضَى الْكِتَابِ ثُمَّ جَعَلَهُ الْمَذْهَبَ فَإِنَّهُ قَالَ فِي تَوْجِيهِهِ: وَوَجْهُ الْمَذْهَبِ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» وَلَمْ يُصَلِّ صلى الله عليه وسلم قَطُّ جُمُعَةً إلَّا بِخُطْبَةٍ فِي جَمَاعَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ؛ وَلِأَنَّ الْغَرَضَ الْمَوْعِظَةُ وَالتَّذْكِيرُ وَذَلِكَ يُنَافِي كَوْنَهُ وَاحِدَةً.
(تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ) الْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي الْجَمَاعَةِ لِلْعَهْدِ فَكَأَنَّهُ يُشِيرُ إلَى الْجَمَاعَةِ الَّذِينَ لَا تُجْزِئُ الْجُمُعَةُ إلَّا بِهِمْ وَهُوَ الِاثْنَا عَشَرَ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ صَاحِبِ الطِّرَازِ فَإِنْ فَرَغَ الْمُؤَذِّنُ وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ نُظِرَ فَإِنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ جَمَاعَةٌ تَنْعَقِدُ بِهِمْ الْجُمُعَةُ خَطَبَ وَإِلَّا انْتَظَرَ الْجَمَاعَةَ.
(الثَّانِي) مِنْ شَرْطِهَا اتِّصَالُهَا بِالصَّلَاةِ وَاسْتِمَاعُهَا.
ص (وَاسْتَقْبَلَهُ غَيْرُ الصَّفِّ الْأَوَّلِ) ش ظَاهِرُ كَلَامِهِ وُجُوبُ اسْتِقْبَالِهِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ لِقَوْلِهِ فِيهَا وَإِذَا قَامَ الْإِمَامُ يَخْطُبُ فَحِينَئِذٍ يَجِبُ قَطْعُ الْكَلَامِ وَاسْتِقْبَالُهُ وَالْإِنْصَاتُ إلَيْهِ فَقَوْلُهُ مَعَ الْإِنْصَاتِ وَهُوَ وَاجِبٌ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ وُجُوبَ اسْتِقْبَالِ الْخَطِيبِ مَنْ بِالْمَسْجِدِ وَخَارِجَهُ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ وَلَمْ يَرَهُ أَحَدٌ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ وَصَرَّحَ ابْنُ حَبِيبٍ بِوُجُوبِ الِاسْتِقْبَالِ عَنْ مَالِكٍ كَالْإِنْصَاتِ كَظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ وَكَذَلِكَ قَالَ اللَّخْمِيِّ وَكَانَ شَيْخُنَا رحمه الله يَعْنِي الْبُرْزُلِيَّ يَحْمِلُ قَوْلَهَا عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَيَقُولُ: إنَّ الْمَذْهَبَ كَذَلِكَ انْتَهَى.
وَقَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ لَا يُحْفَظُ وُجُوبُهُ عَنْ أَحَدٍ، وَصَرَّحَ مَالِكٌ بِأَنَّهُ سُنَّةٌ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْأَدَبِ مَعَ الْإِمَامِ وَتَرْكُهُ لَا يُخِلُّ بِالْمَقْصُودِ وَلَا يُفَوِّتُ وَاجِبًا كَالنَّظَرِ إلَى الْإِمَامِ انْتَهَى.
وَيُشِيرُ بِنَصِّ مَالِكٍ إلَى قَوْلِهِ فِي الْمُوَطَّإِ السُّنَّةُ عِنْدَنَا أَنْ يَسْتَقْبِلَ النَّاسُ الْإِمَامَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إذَا أَرَادَ أَنْ يَخْطُبَ مَنْ كَانَ يَلِي الْقِبْلَةَ وَغَيْرَهَا قَالَ الْبَاجِيُّ عَلَى هَذَا جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَعَمَلُ النَّاسِ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ تَرَكَ اسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ وَاسْتَقْبَلَهُمْ لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي وَعْظِهِمْ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَسْتَقْبِلُوهُ إجَابَةً لَهُ وَطَاعَةً وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَيَلْزَمُ اسْتِقْبَالُ الْإِمَامِ مَنْ لَا يَسْمَعُهُ وَلَا يَرَاهُ مِمَّنْ دَاخِلَ الْمَسْجِدِ وَخَارِجَهُ وَلِلْمُسْتَقْبِلِ أَنْ يَلْتَفِتَ يَمِينًا وَشِمَالًا زَادَ ابْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ وَلَهُ أَنْ يَلْتَفِتَ وَإِنْ حَوَّلَ ظَهْرَهُ إلَى الْقِبْلَةِ انْتَهَى.
(قُلْت) فَكَأَنَّهُ لَمْ يَحْمِلْ قَوْلَ السُّنَّةِ عَلَى ظَاهِرِهِ بَلْ حَمَلَهُ عَلَى مُوَافَقَةِ ابْنِ حَبِيبٍ فَتَحَصَّلَ فِي وُجُوبِ الِاسْتِقْبَالِ طَرِيقَانِ الْأَكْثَرُ عَلَى وُجُوبِهِ وَتَبِعَ الْمُصَنِّفَ فِي اسْتِثْنَاءِ مَنْ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ اللَّخْمِيُّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَجَعَلَهُ بَعْضُ مَنْ لَقِيتُ خِلَافَ الْمَذْهَبِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ نَاجِي قَالَ الْمَغْرِبِيُّ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ السَّطِّيُّ: ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الصَّفَّ الْأَوَّلَ كَغَيْرِهِ فَمَا ذَكَرَهُ خِلَافُهَا انْتَهَى.
(قُلْت) : وَكَلَامُ الْمُوَطَّإِ نَصٌّ أَوْ كَالنَّصِّ فِي خِلَافِ مَا قَالَهُ اللَّخْمِيُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَلَزِمَتْ الْمُكَلَّفَ وَفِي وُجُوبِ قِيَامِهِ لَهُمَا تَرَدُّدٌ)
ش: أَيْ طَرِيقَانِ: الْأَكْثَرُ عَلَى وُجُوبِهِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِي كَوْنِ قِيَامِ الْخَطِيبِ فَرْضًا أَوْ سُنَّةً طَرِيقَانِ: الْأَكْثَرُ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ انْتَهَى.
(قُلْت) وَفِي عَزْوِهِ الطَّرِيقَةَ الثَّانِيَةَ لِابْنِ الْعَرَبِيِّ وَحْدَهُ نَظَرٌ، فَقَدْ وَافَقَهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ عَلَى ذَلِكَ وَتَبِعَ الْقَاضِيَ عَلَى ذَلِكَ الْبَاجِيُّ وَصَاحِبُ الطِّرَازِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَلَزِمَتْ الْمُكَلَّفَ الْحُرَّ الذَّكَرَ بِلَا عُذْرٍ الْمُتَوَطِّنَ وَإِنْ بِقَرْيَةٍ نَائِيَةٍ)
ش: قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِذْكَارِ أَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْأَئِمَّةِ أَنَّ الْجُمُعَةَ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ حُرٍّ بَالِغٍ يُدْرِكُهُ الزَّوَالُ فِي مِصْرٍ مِنْ الْأَمْصَارِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْمِصْرِ غَيْرَ مُسَافِرٍ.
وَأَجْمَعُوا أَنَّ مَنْ تَرَكَهَا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى إتْيَانِهَا مِمَّنْ تَجِبُ عَلَيْهِ أَنَّهُ غَيْرُ كَافِرٍ بِفِعْلِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ جَاحِدًا لَهَا مُسْتَكْبِرًا عَنْهَا وَأَجْمَعُوا أَنَّ مَنْ تَرَكَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَاسِقٌ سَاقِطُ الشَّهَادَةِ وَقِيلَ ذَلِكَ فِيمَنْ تَرَكَهَا مَرَّةً وَاحِدَةً مِنْ
غَيْرِ تَأْوِيلٍ وَلَا عُذْرٍ انْتَهَى.
وَفِي النَّوَادِرِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ شُهُودُ الْجُمُعَةِ فَرِيضَةٌ وَمَنْ تَرَكَهَا مِرَارًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ انْتَهَى.
وَلَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ حَكَى فِي تَرْكِهَا الْقَتْلَ وَسَمِعْت أَنَّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ قَوْلًا ضَعِيفًا فِي قَتْلِهِ وَأَمَّا الْمُعَاقَبَةُ فَمِنْ الْمُقَرَّرِ أَنَّ الْإِمَامَ يُعَزِّرُهُ لِمَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ الشُّرْبِ وَرَأَيْت فِي نَوَازِلِ سَحْنُونٍ مِنْ كِتَابِ الشَّهَادَاتِ مَا نَصُّهُ: قَالَ سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ فِي تَارِكِ الْجُمُعَةِ بِقَرْيَةٍ يُجْمَعُ فِيهَا مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ وَلَا مَرَضٍ قَالَ: لَا أَرَى أَنْ تُقْبَلَ شَهَادَتُهُ قَالَ سَحْنُونٌ إذَا تَرَكَهَا ثَلَاثًا مُتَوَالِيَاتٍ لِلْحَدِيثِ الَّذِي جَاءَ قَالَ أَصْبَغُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الَّذِي يَتْرُك الْجُمُعَةَ نَرَى أَنْ تُرَدَّ شَهَادَتُهُ إلَّا أَنْ يُعْرَفَ أَنَّ لَهُ عُذْرًا وَيُسْأَلُ عَنْ ذَلِكَ وَيُكْشَفُ فَإِنْ عُلِمَ لَهُ عُذْرٌ مِنْ وَجَعٍ أَوْ أَمْرٍ أَوْ اخْتِفَاءٍ مِنْ دَيْنٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَأَرَى أَنْ لَا تُرَدَّ شَهَادَتُهُ وَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ رَأَيْت أَنْ تُرَدَّ شَهَادَتُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ لَا يُتَّهَمُ عَلَى الدِّينِ وَلَا عَلَى الْجُمُعَةِ لِبُرُوزِهِ فِي الصَّلَاحِ وَعِلْمِهِ فَهُوَ أَعْلَمُ بِنَفْسِهِ.
قَالَ أَصْبَغُ وَالْمَرَّةُ الْوَاحِدَةُ إذَا تَرَكَهَا مُتَعَمِّدًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ تَهَاوُنًا بِهَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ وَلَا يُنْظَرُ بِهَا ثَلَاثًا؛ لِأَنَّ تَرْكَ الْفَرِيضَةِ مَرَّةً وَثَلَاثًا وَأَقَلَّ وَأَكْثَرَ سَوَاءٌ هِيَ فَرِيضَةٌ مَفْرُوضَةٌ مُفْتَرَضٌ إتْيَانُهَا كَفَرِيضَةِ الصَّلَاةِ لِوَقْتِهَا فَلَوْ تَرَكَ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا مُتَعَمِّدًا مَرَّةً وَاحِدَةً لَمْ يُنْتَظَرْ بِهِ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا وَكَانَ بِمَنْزِلَةِ التَّارِكِ أَصْلًا لِلْأَبَدِ؛ لِأَنَّهُ عَاصٍ لِلَّهِ فِي قَلِيلِ فِعْلِهِ دُونَ كَثِيرِهِ وَمُتَعَدٍّ لِحُدُودِهِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا} [النساء: 14] وَاَلَّذِي قِيلَ فِيمَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ ثَلَاثًا: طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ إنَّمَا هُوَ فِي الْإِثْمِ وَالنِّفَاقِ وَيُنْتَظَرُ فِي الثَّالِثَةِ التَّوْبَةُ فَإِنْ فَعَلَ وَإِلَّا طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي التَّرْكِ لَهُ عَمَلًا وَلَا فِي إبْطَالِ شَهَادَتِهِ لَا بَلْ تُطْرَحُ شَهَادَتُهُ وَيُوقَفُ وَيُعَاقَبُ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَقَدْ بَلَغَنِي عَنْ بَعْضِ الْأُمَرَاءِ مِمَّنْ مَضَى مِنْ أَئِمَّةِ الدِّينِ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ إذَا فَرَغَ مِنْ الْجُمُعَةِ أَنَّ مَنْ وُجِدَ لَمْ يَشْهَدْ الْجُمُعَةَ رُبِطَ فِي عَمُودٍ وَعُوقِبَ وَأُرَاهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ رُشْدٍ قَوْلُ سَحْنُونٍ: إنَّ شَهَادَةَ التَّارِكِ بِقَرْيَةٍ تُجْمَعُ فِيهَا الْجُمُعَةُ لَا تُرَدُّ إلَّا أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا مُتَوَالِيَاتٍ أَظْهَرُ مِمَّا ذَهَبَ إلَيْهِ أَصْبَغُ مِنْ أَنَّهَا تُرَدُّ بِالْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ وَمَعْنَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ سَحْنُونٌ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُعْلَمُ لَهُ فِي ذَلِكَ عُذْرٌ وَلَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا بِالصَّلَاحِ وَالْفَضْلِ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ؛ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يُعْلَمْ بِالصَّلَاحِ وَالْفَضْلِ إذَا تَرَكَ الْجُمُعَةَ ثَلَاثًا مُتَوَالِيَاتٍ لَا يُصَدَّقُ فِيمَا يَدَّعِيهِ مِنْ الْعُذْرِ بِخِلَافِ مَنْ عُلِمَ بِالصَّلَاحِ وَالْفَضْلِ وَلَيْسَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَسَحْنُون مُخَالِفًا لِقَوْلِ ابْنِ وَهْبٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا: إنَّ قَوْلَ سَحْنُونٍ أَظْهَرُ مِنْ قَوْلِ أَصْبَغَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَسْلَمُ مِنْ مُوَاقَعَةِ الذُّنُوبِ فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا وَجَبَ أَنْ لَا يُجْرَحَ الشَّاهِدُ الْعَدْلُ بِمَا دُونَ الْكَبَائِرِ مِنْ الذُّنُوبِ الَّتِي يُقَالُ فِيهَا صَغَائِرُ بِإِضَافَتِهَا إلَى الْكَبَائِرِ إلَّا أَنْ يُكْثِرَ مِنْهَا فَيُعْلَمُ أَنَّ غَيْرَ الصَّغَائِرِ لَا تُخْرِجُ الْعَدْلَ عَنْ عَدَالَتِهِ غَيْرَ أَنَّهُ مُتَهَاوِنٌ بِهَا وَغَيْرَ مُتَوَقٍّ مِنْهَا؛ لِأَنَّ مَنْ كَانَتْ هَذِهِ صِفَتُهُ فَهُوَ خَارِجٌ عَنْ حَدِّ الْعَدَالَةِ وَلِمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ ثَلَاثًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَلَا عِلَّةٍ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ بِطَابَعِ النِّفَاقِ» دَلَّ عَلَى أَنَّ مَا دُونَ الثَّلَاثِ بِخِلَافِ ذَلِكَ فِي عِظَمِ الْإِثْمِ وَكَثْرَةِ الْوَعِيدِ فَوَجَبَ أَنْ يُلْحَقَ ذَلِكَ بِالصَّغَائِرِ وَلَا تُرَدُّ شَهَادَةُ مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ مَرَّةً وَاحِدَةً اشْتِغَالًا بِمَا سِوَاهَا مِنْ أَمْرِ دُنْيَاهُ حَتَّى يَفْعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا مُتَوَالِيَاتٍ فَيَتَبَيَّنُ بِذَلِكَ أَنَّهُ مُتَهَاوِنٌ بِدِينِهِ غَيْرُ مُتَوَقٍّ فِيهِ وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي تَارِكِ صَلَاةٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا بِغَيْرِ عُذْرٍ فَلَا يَجِبُ أَنْ تُرَدَّ شَهَادَتُهُ حَتَّى يَكْثُرَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ وَاحْتِجَاجُ أَصْبَغَ لِرَدِّ شَهَادَتِهِ بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ عز وجل {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ} [النساء: 14] الْآيَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ فِيمَنْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ بِتَرْكِ الْإِيمَانِ وَتَعَدَّى حُدُودَ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ الْخُلُودَ فِي النَّارِ إنَّمَا هُوَ مِنْ صِفَةِ الْكُفَّارِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ أَصْبَغَ شَبَّهَ تَرْكَ الْجُمُعَةِ بِمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ حَتَّى يَخْرُجَ